المسار : تتصاعد التحذيرات من تداعيات خطيرة تهدد النظام الصحي الفلسطيني، في ظل أزمة مالية خانقة تضرب المستشفيات الأهلية والخاصة، نتيجة استمرار احتجاز الاحتلال الإسرائيلي لعائدات الضرائب الفلسطينية، وتراكم المستحقات المالية غير المسددة على الحكومة التي يديرها رجل الأعمال محمد مصطفى.
وفي بيان رسمي، حذّر اتحاد المستشفيات الأهلية والخاصة من أن الأزمة الحالية لم تعد مجرد ضائقة مؤقتة، بل باتت تهدد استمرارية تقديم الخدمات الطبية، مشيراً إلى أن احتجاز أموال المقاصة، التي تشكل نحو 68% من إيرادات وزارة المالية، أدى إلى شلل مالي انعكس بشكل مباشر على قدرة القطاع الصحي على العمل.
وأكد الاتحاد -في بيان تلقته “قدس برس” اليوم الثلاثاء- أن ما يواجهه مستشفى النجاح الوطني الجامعي من أزمة مالية حادة ليس حالة استثنائية، بل نموذجاً لما تعانيه مختلف المستشفيات، نتيجة تراكم الديون وتأخر سداد المستحقات الحكومية لفترات طويلة.
وأشار اتحاد المستشفيات إلى أن استمرار الأزمة أدى إلى ضغوط غير مسبوقة، تمثلت في صعوبة توفير المستلزمات الطبية وبلوغ سقوف الاقتراض، ما يضع القطاع الصحي بأكمله أمام خطر تقليص الخدمات أو توقفها في بعض المؤسسات.
كما أكد أن بعض المستشفيات بدأت بالفعل بوقف استقبال التحويلات أو تقليص خدماتها، في حين يواجه البعض الآخر خطر التوقف الكامل إذا لم يتم التدخل بشكل عاجل.
ودعا اتحاد المستشفيات الجهات الحكومية إلى التحرك الفوري لوضع حلول عملية تشمل جدولة وتسديد المستحقات المتراكمة، بما يضمن استمرار عمل المستشفيات وحماية حق المواطنين في الرعاية الصحية.
كما حذّر من أن استمرار الأزمة دون تدخل عاجل قد يؤدي إلى تداعيات إنسانية خطيرة، في ظل عدم وجود بدائل قادرة على استيعاب أعداد المرضى، خاصة في التخصصات الدقيقة.
جاء هذا، بعد سويعات من إعلان الرئيس التنفيذي لمستشفى النجاح إياد مقبول، عن توقف المستشفى عن استقبال تحويلات حكومية جديدة، في خطوة تعكس حجم الضائقة المالية غير المسبوقة التي يمر بها.
وأوضح لـ”قدس برس” أن نحو 90% من مرضى المستشفى يعتمدون على التحويلات الحكومية، ما يعني أن القرار يضع آلاف المرضى أمام خطر فقدان العلاج، خاصة في الأقسام الحيوية.
ويقدم المستشفى حالياً خدماته لنحو 1200 مريض سرطان، إضافة إلى 510 مرضى غسيل كلى، وهم من الفئات التي تحتاج إلى رعاية مستمرة لا تحتمل الانقطاع.
ديون متراكمة وأزمة سيولة
وتعود جذور الأزمة إلى تراكم مستحقات مالية على الحكومة الفلسطينية لصالح المستشفى، تجاوزت 734 مليون شيكل (الدولار 3.2 شيكل)، وهو ما وصفه مقبول بـ”الكارثي”، نظراً لانعكاسه المباشر على القدرة التشغيلية، بما يشمل رواتب الطواقم الطبية وتكاليف التشغيل اليومية.
وتفاقمت الأزمة مع رفض البنوك منح قروض جديدة للمستشفيات بعد بلوغها سقوف الاقتراض، ما أغلق أحد أهم المنافذ التي كانت تستخدم لتخفيف الأعباء المالية، ووضع إدارات المستشفيات أمام خيارات صعبة قد تصل إلى تقليص الخدمات أو تعليق بعضها.
وفي تطور مقلق، كشف مقبول عن عجز المستشفى عن توفير الأدوية نتيجة تراكم ديون شركات التوريد التي تجاوزت 100 مليون شيكل، ما دفع بعض الشركات إلى تقليص أو وقف الإمدادات.
ويشكل هذا الواقع تهديداً مباشراً لحياة المرضى، خاصة مرضى السرطان والفشل الكلوي، الذين يعتمدون على بروتوكولات علاجية دقيقة ومنتظمة، لا تحتمل التأجيل أو الانقطاع.
أزمة قديمة
ويعتمد النظام الصحي الفلسطيني بشكل كبير على نظام التحويلات الطبية الحكومية، حيث يتم تحويل المرضى إلى المستشفيات الأهلية والخاصة لتلقي خدمات غير متوفرة في القطاع الحكومي.
إلا أن هذا النظام يعاني منذ سنوات من اختلالات مالية مزمنة، نتيجة العجز في الموازنة العامة وتأخر صرف المستحقات، إلى جانب ارتفاع تكاليف العلاج وتزايد أعداد المرضى، خاصة في الأمراض المزمنة والخطيرة.
ومع تفاقم الأزمة المالية العامة بسبب احتجاز أموال المقاصة، دخل هذا النظام مرحلة حرجة تهدد استمراريته.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تتزايد المخاوف من تحول الأزمة المالية إلى أزمة صحية شاملة، قد تحرم آلاف المرضى من حقهم في العلاج، ما يستدعي تدخلاً سريعاً ومستداماً لتفادي انهيار أحد أهم القطاعات الحيوية في فلسطين.

