المسار :حدّد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أولوياته لسنته الأخيرة في منصبه، محذّرًا من أن العالم يعيش مرحلة غير مسبوقة من الصراعات والانقسامات والإفلات من العقاب، في ظل تراجع التعاون الدولي وتخفيضات واسعة في مساعدات التنمية والإغاثة الإنسانية.
وفي خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة، قال غوتيريش إن العالم بات يعجّ بعدم المساواة وغياب القدرة على التنبؤ، إضافة إلى انقسامات جيوسياسية “مدمّرة للذات”، مؤكدًا أن الوقوف موقف المتفرّج أمام الظلم واللامبالاة لم يعد خيارًا، مضيفًا: “لدينا القدرة على رسم مسار مختلف”.
وحذّر الأمين العام من تراجع التعاون الدولي في وقت تشتدّ فيه الحاجة إليه، مشددًا على أن الأمم المتحدة “لن تستسلم” رغم محاولات “وضع التعاون الدولي في غرفة الإنعاش”. وأشار إلى استمرار التزام المنظمة الدولية بالسعي إلى السلام في مناطق النزاع، بينها غزة وأوكرانيا والسودان، إلى جانب بذل كل الجهود الممكنة لإيصال المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة.
وأوضح غوتيريش أن أولوياته في عامه الأخير تستند إلى ثلاثة مبادئ رئيسية يجب أن تشكّل أساس عمل الأمم المتحدة في هذا العصر. أول هذه المبادئ هو الالتزام التام بميثاق الأمم المتحدة باعتباره حجر الأساس للعلاقات الدولية والسلام والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان، محذرًا من أن تآكل القانون الدولي بات يحدث على مرأى من العالم، من خلال الاستخدام غير المشروع للقوة، واستهداف المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، وانتهاك حقوق الإنسان ونهب الموارد.
أما المبدأ الثاني، فيتمثل في المثابرة على تحقيق سلام قائم على العدل، سواء بين الدول أو مع الطبيعة. وتطرق في هذا السياق إلى الأوضاع في قطاع غزة، مرحّبًا ببدء المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، ومؤكدًا ضرورة التنفيذ الكامل للاتفاق وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتمهيد الطريق لمسار لا رجعة فيه نحو حلّ الدولتين وفق القانون الدولي.
وفيما يتعلق بالسودان، دعا غوتيريش إلى وقف فوري للأعمال العدائية، واستئناف المحادثات للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار وعملية سياسية شاملة بقيادة سودانية، مع التأكيد على حماية المدنيين، مشددًا على أن “إسكات البنادق لا يكفي”، وأن معالجة جذور الصراع شرط أساسي لأي سلام دائم.
كما حذّر من مخاطر تغيّر المناخ، واصفًا إياه بعامل مضاعف للتهديدات، ومؤكدًا أن العدالة المناخية تمثّل استثمارًا في السلام والأمن العالميين.
ويتمثل المبدأ الثالث في بناء الوحدة في عصر الانقسام، حيث نبّه غوتيريش إلى تصاعد العنصرية وكراهية الأجانب والقومية والتعصب الديني، محذرًا من أن هذه الظواهر تهدّد بتفكك المجتمعات وتغذّي الانقسام وانعدام الثقة. ودعا إلى بناء مجتمعات مضيافة قائمة على الاندماج والتعليم والفرص الاقتصادية والحماية الاجتماعية، بدل التحصّن خلف “قلاع مغلقة”.
وفي ختام كلمته، شدّد الأمين العام على أن قوى الانقسام وعدم المساواة قوية، لكن قدرة البشرية على التضامن والعدالة لا تقل قوة، قائلًا: “الأمم المتحدة وعد حيّ بأننا، رغم اختلافاتنا، سنواجه المشكلات معًا… دعونا نحافظ على هذا الوعد، وألا نستسلم أبدًا”.

