كتب اسماعيل الريماوي/لاءات نتنياهو الثلاث…من انهاء وهم التسوية إلى سياسة الاستسلام

المسار :أطلق بنيامين نتنياهو ما يمكن تسميته دستور المرحلة الإسرائيلية المقبلة عبر ثلاث لاءات صريحة لا تحتمل التأويل ولا تترك مجالًا للوهم السياسي، لاءات لا تستهدف غزة وحدها بل فلسطين كلها، وتعيد تعريف الصراع بوصفه صراع وجود وسيطرة لا نزاع حدود أو ترتيبات أمنية مؤقتة .

لا إعادة إعمار في غزة قبل نزع سلاح المقاومة، ولا دور إقليمي مستقل أو مؤثر لقطر وتركيا في أي صيغة تدخل أو إدارة للقطاع، ولا اعتراف أو سماح بقيام دولة فلسطينية بأي شكل من الأشكال، ثلاث لاءات تختصر رؤية إسرائيل لمستقبل ما بعد الحرب، وتكشف أن الحديث عن التهدئة أو إعادة الإعمار أو المسار السياسي ليس سوى مناورات و أدوات ضغط وابتزاز لا أكثر .

توقيت تصريحات نتنياهو لم يكن عابرًا، فقد اختار لحظة استعادة جثة آخر أسير إسرائيلي ليحوّل المشهد من لحظة إنسانية يفترض أن تفتح بابًا للأسئلة حول مصير آلاف الجثامين الفلسطينية تحت الركام وفي مقابر الأرقام، إلى منصة سياسية لفرض الشروط وتهديد غزة باستئناف الحرب، في استثمار فج للدم والرمزية وتكريس لمنطق التفوق الأخلاقي الزائف الذي تتبناه إسرائيل أمام الغرب .

الأخطر في خطاب نتنياهو لم يكن التهديد باستئناف القتال، فذلك بات جزءًا من اللغة اليومية للقيادة الإسرائيلية، بل إعلانه الصريح التوصل إلى تفاهم مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو إعلان يحمل دلالات عميقة تتجاوز الشخصين إلى طبيعة التحالف ذاته، إذ يعكس توافقًا أميركيًا إسرائيليًا على إدارة الصراع بالقوة وفرض الوقائع، لا حله وفق القانون الدولي أو قرارات الشرعية الدولية .

حين يقول نتنياهو إن إسرائيل ستسيطر أمنيًا على كامل المنطقة من نهر الأردن إلى البحر، فهو لا يطرح رؤية أمنية مؤقتة، بل يعيد التأكيد على المشروع الصهيوني بصيغته الأكثر عريًا ووضوحًا، مشروع السيطرة الشاملة ونفي الشعب الفلسطيني سياسيًا وجغرافيًا، وتحويله إلى جماعات سكانية خاضعة لإدارة أمنية بلا حقوق ولا سيادة .

ربط إعادة إعمار غزة بنزع سلاح المقاومة ليس شرطًا تقنيًا ولا مطلبًا أمنيًا، بل عقاب جماعي معلن، ورسالة مفادها أن بقاء الفلسطيني على قيد الحياة مشروط بتخليه عن حقه في الدفاع عن نفسه، وأن الركام والجوع والحصار أدوات تفاوض لا نتائج حرب، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الإنسانية التي يدّعي الغرب حمايتها .

أما رفض أي دور قطري أو تركي، فيكشف خوف إسرائيل من أي حضور سياسي أو إنساني لا يخضع بالكامل لإملاءاتها، ويؤكد سعيها لاحتكار إدارة غزة عبر أدواتها أو عبر أطراف منزوعة الإرادة، بما يضمن تفكيك المجتمع الغزي وإعادة هندسته أمنيًا لا إعادة بنائه إنسانيًا .

اللاء الثالث المتعلق برفض الدولة الفلسطينية ليس جديدًا في المضمون، لكنه جديد في الصراحة والوقاحة السياسية، إذ لم يعد نتنياهو معنيًا بتجميل الموقف أو تغليفه بلغة التسوية، بل أعلن انتهاء مرحلة الأقنعة، وأن حل الدولتين لم يعد حتى مادة للاستهلاك الخطابي، بل فكرة يجب دفنها رسميًا .

هذه اللاءات الثلاث لا تعني فقط انسداد الأفق السياسي، بل تعني أن إسرائيل قررت إدارة الصراع إلى أجل مفتوح، عبر القوة والتجويع والتفكيك، وأن أي حديث عن سلام أو إعمار أو استقرار هو حديث مشروط بالاستسلام الكامل، لا بالشراكة أو العدالة .

في ضوء هذا الخطاب، يصبح السؤال الحقيقي ليس ماذا تريد إسرائيل، فذلك بات واضحًا، بل ماذا سيفعل الفلسطينيون والعرب والعالم أمام مشروع يُعلن نفسه بلا مواربة مشروع سيطرة وإلغاء، مشروع لا يرى في الفلسطيني إنسانًا صاحب حق، بل مشكلة أمنية يجب إخضاعها أو محوها من الوجود .

Share This Article