كتب د. غسان الخطيب : في الأبعاد الإقتصادية للحرب الأمريكية-الإيرانية

المسار: غالباً ما يُقال إن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بمشاركة إسرائيل، تكلف الاقتصاد العالمي ثمناً باهظاً، ما ستشكل ضغطاً دولياً لإنهائها سريعاً. غير أن هذا الاستنتاج، رغم صحته الظاهرية، يبقى تبسيطياً إذا لم يؤخذ في الاعتبار التفاوت الكبير في توزيع هذه الكلفة بين الدول. فالحروب لا تنتج خاسرين فقط؛ بل تعيد أيضاً توزيع المكاسب الاقتصادية في النظام الدولي.
إقليمياً، تبدو دوافع إسرائيل واضحة. فهي ترى في إضعاف إيران خطوة هامة لاستكمال تكريس تفوقها العسكري والسياسي وهيمنتها في الشرق الأوسط. لكن هذه الرغبة الإسرائيلية ما كانت لتتحول إلى حرب واسعة لولا أنها التقت مع مصلحة أمريكية أوسع تتجاوز حدود المنطقة. فالصراع مع إيران لا يمكن فصله عن التنافس الاستراتيجي المتصاعد بين واشنطن والصين على قيادة الاقتصاد العالمي.
في هذا السياق يكتسب النفط أهمية مركزية. فالصين هي المستفيد الأكبر من النفط الإيراني الذي يُصدَّر إليها بكميات كبيرة وبأسعار منخفضة نسبياً نتيجة العقوبات الغربية. كما تعتمد بكين بدرجة كبيرة على النفط القادم من الخليج عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية وتتجه غالبية شحناته إلى الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين والهند. ومن هنا فإن أي اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس أولاً وقبل كل شيء على الاقتصادات الآسيوية الأكثر اعتماداً على نفط المنطقة واكبرها الصين.
ولا يقتصر الأمر على إيران وحدها. فـفنزويلا، كانت قد تعرضت أيضاً لضغوط وعقوبات أمريكية خلال الفترة الاخيرة، تعد بدورها من بين موردي النفط للصين. وعند النظر إلى هذه التطورات مجتمعة، يظهر نمط أوسع يتمثل في الضغط على مصادر الطاقة التي يعتمد عليها الاقتصاد الصيني. ويأتي ذلك بالتوازي مع أدوات اقتصادية أخرى استخدمتها واشنطن مؤخرا لنفس الغاية، مثل فرض القيود الجمركية وتعزيز النزعة الحمائية في التجارة الدولية، إضافة إلى سياسات اقتصادية نقدية اهمها تخفيض سعر الدولار، تسعى إلى تعزيز القدرة التنافسية للصادرات الأمريكية في مواجهة السلع الصينية، الامر الذي بدى وكأنه الهدف المركزي لادارة الرئيس دونالت ترامب منذ توليه الرئاسة.
وفي الوقت نفسه، قد لا تكون الولايات المتحدة من بين المتضررين الرئيسيين من ارتفاع أسعار النفط. فبفضل إحتياطها الكبير من النفط والغاز، يمكن لارتفاع الأسعار أن يعزز تنافسية النفط الصخري الأمريكي مرتفع التكلفة في الأسواق العالمية (قدرت صحيفة الفاينانشل تايمز في افتتاحيتها اليوم 15 اذار ان شركات النفط الأمريكية مُرشحة لجني أرباح طائلة بقيمة 63 مليار دولار من اضطرابات حرب الخليج). هذا علاوة على أن الحروب عادة ما تنشط الصناعات العسكرية الأمريكية، التي تبقى المزود الأكبر للأسلحة المتقدمة في العالم.
لهذا كله، لا يكفي ملاحظة إن الحرب مكلفة للاقتصاد العالمي. السؤال الأهم هو: مكلفة لمن؟ فبينما قد ترى بعض الدول، خصوصاً في آسيا، أن إنهاء الحرب بسرعة ضرورة اقتصادية ملحة، قد تجد دول أخرى، خصوصا الولايات المتحدة، أن استمرارها لا يخلو من مكاسب استراتيجية واقتصادية. وعند هذه النقطة بالذات يصبح فهم البعد الاقتصادي للحرب مفتاحاً لفهم المواقف الدولية منها، ولماذا قد يطالب البعض بوقفها سريعاً، بينما لا يظهر البعض الآخر الاستعجال نفسه.

المصدر: جريدة القدس

Share This Article