كتب إسماعيل أبو هشهش : في الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة … من الإقتلاع والتطهير العرقي ، إلى الإبادة الجماعية

مسؤول دائرة اللاجئين ووكالة الغوث في الجبهة الديمقراطية – إقليم الضفة

لم تكن النكبة مجرد حدث عابر في التاريخ ، أو مجرد ذكرى مؤلمة في الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني ، بل هي جريمة متسلسلة، توالت فصولها حتى وصلت حد الإبادة الجماعية، والتهديد الوجودي للشعب الفلسطيني ، بل أكثر من ذلك ، فقد شكلت نكبة فلسطين مصدرا لتهديد الأمن والاستقرار في المنطقة العربية برمتها، والشرق الأوسط على اتساعه.
كانت الأرض منذ البداية هي محور الصراع ، فقد قام المشروع الصهيوني على ثنائية الاقتلاع والاحلال ، إحلال مجتمع مستجلب على أرض شعب يُهجر قسرا عبر الترويع والمجازر ، تجسيد وتوسيع المشروع الصهيوني مقابل تدمير مشروع الشعب الفلسطيني ،وعلى حساب حقه في تقرير مصيره وبناء كيانه السياسي . وما زالت هذه المعادلة قيد التطبيق ، وفي تسارع ملحوظ في الأعوام الاخيرة ، بدعم غربي وامريكي غير محدود على وجه الخصوص ، وفي ظل حالة من الضعف والتفكك العربي . فما بدأ عام ٤٨ ، يجري استكماله الآن بسياسات تستهدف تفريغ الأرض عبر الابادة الجماعية وارتكاب المجازر والتضييق الأمني، والافقار الجماعي للمجتمع الفلسطيني ، ومن ثم فرض السيطرة عليها ، بالأسرلة والتهويد عبر تشريعات سياسية وقانونية من جانب واحد .
في العرف الشعبي ، خاصة في السنوات الأولى ما بعد النكبة ، فقد كانت النكبة تعني مفهوما فرديا وجماعيا ضيقا ، وهو خسارة الأرض والبيت والممتلكات، وتفكك البيئة الاجتماعية التي كانت تحتضنهم كمجتمع. لكن في المفهوم الأوسع للنكبة ، فهي تدمير للمشروع الحضاري للشعب الفلسطيني في مهده ، سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا. من خلال انتزاع المكان وفرض السيادة عليه ، ونفي حق الفلسطينيين في السيادة ، بل امتد إلى حد التهديد الوجودي ، وهو ما تحاول دولة اسرائيل استكماله في الضفة والقدس والقطاع عبر كل الوسائل ، حتى في الداخل الفلسطيني المحتل عبر القوانين والاجراءات العنصرية ، سيما بعد إقرار قانون يهودية الدولة الذي اعتمد عام ٢٠١٨ . هذا النهج يستهدف بالتفكيك والالغاء السلطةَ الفلسطينية التي أنشأتها اتفاقات ثنائية وفق اتفاق أوسلو كونها اي السلطة الفلسطينية وحسب تعبير قادة سياسيين اسرائيلين تشكل نواة لمشروع وكيانية وطنية للفلسطينيين .
ان الفعل المضاد لفعل النكبة ، هو إنجاز المشروع الوطني الفلسطيني ، بالعودة والتحرر وقيام الدولة الفلسطينية ذات السيادة بعاصمتها القدس .

حق العودة ، هو حق قانوني، فردي وجماعي ، لا يسقط بالتقادم .

سياسة الاقتلاع والتهجير التي انتهجها المشروع الصهيوني في حرب عصاباته على الشعب الفلسطيني في عامي ٤٧ ، ٤٨ من القرن الماضي ، عبر الترويع وارتكاب المجازر ، انتجت ٧٥٠ الف لاجيء فلسطيني ، تبعثروا في اقاليم المنطقة، وفي شتى بقاع الأرض، وقد بلغ عدد المسجلين منهم ومن تكاثر منهم في بيانات الأونروا حوالي ٦ مليون . ومن منطلق اعتراف المجتمع الدولي في حينه بحقهم في العودة إلى ديارهم التي هجروا منها استنادا إلى قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر عام ١٩٤٧ و الذي يحمل رقم ١٨١ والذي ينص على إقامة دولة عربية فلسطينية إلى جانب دولة لليهود ، فقد اصدرت الجمعية العامة القانون رقم ١٩٤ ، في كانون أول( ديسمبر) عام ١٩٤٨ ، والذي يقضي بحق هؤلاء اللاجئين بالعودة والتعويض . هذا الحق هو حق فردي وحق جماعي وفي ظل الحماية القانونية الدولية ، ولا يسقط بالتقادم، حتى لمن حمل جنسية أخرى.
ومن أجل الاستجابة للوضع الإنساني الذي نشأ بفعل حالة اللجوء ، فقد أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون اول ( ديسمبر ) ١٩٤٩ ، وكالة الغوث الدولية لاغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الأونروا) .

دولة اسرائيل تعتبر الأونروا عدوا سياسيا لها ،

الأونروا ليست مجرد هيئة إغاثة انسانية . بل هي تحديد سياسي وتمييز لحالة اللجوء الفلسطينية عن باقي اوضاع اللجوء الاخرى في العالم . وانشاؤها مرتبط قانونا ونصا بحق العودة ، فقد ورد في ديباجة نص التأسيس ، تاكيد على واجب دولة اسرائيل في العمل على تسهيل تنفيذ هذا الحق . لكن دولة اسرائيل في المقابل، تعتبر ان حق العودة نقيض لرواية إنشاء دولة اسرائيل ، وأن ممارسة هذا الحق سوف ينسف فكرة المشروع الصهيوني ، لهذا فهي تسعى لاسقاطه، لكن الدعم الدولي الذي ما زال القرار يتمتع به على مستوى الأمم المتحدة يمنع تحقيق رغبتها ، لهذا فهي تحاول التعرض له من خلال محاولاتها الدؤوبة لتفكيك الأونروا كونها عاجزة حتى الآن عن تفكيك الدعم الدولي لولاية الاونروا الذي يقارب ٨٠% من عضوية الجمعية العامة للأمم المتحدة . وتسعي بكل السبل وبدعم من الولايات المتحدة وعدد من الدول الحليفة إلى اضعاف و تفكيك الأونروا من باب التمويل ، حيث أن تمويل الأونروا طوعي ، وليس عبر موازنة ثابته من الجمعية العامة .
ومن أجل هذه الغاية فقد تصاعدت اجراءات الاستهداف للهيئة الدولية منذ بدء الحرب على قطاع غزة في نهايات عام ٢٠٢٣ ، باستهداف مقراتها ومؤسساتها والعاملين فيها ، وافتعلت اتهامات تنال من حيادية الهيئة في محاولة لشيطنتها بهدف قطع التمويل ، وقد تساوقت بعض الدول مع هذا التوجه ، وأوقفت دعمها المالي ، الأمر الذي تمخض عن ازمة مالية خانقة تعيشها الهيئة الدولية، أدى إلى تخفيض خدماتها، واقتطاع نسبة ٢٠% من رواتب العاملين توازي حجم تخفيض الخدمة .
بالتوازي فقد اقدمت الحكومة الإسرائيلية بإصدار تشريعات تنهي وجود الاونروا في القدس المحتلة وتدمير مقراتها ، وتوقف خدماتها في المدينة المحتلة .
ان ما يحدث في مخيمات شمال الضفة الثلاثة بالهدم والتجريف وتغيير المعالم ، وطرد حوالي ٤٠ الف موطن ، يعيشون حالة اللجوء مرة ثانية ، والذي بدأ بذريعة أمنية إنما يستهدف المخيم ومحو هويته كمحطة انتظار مؤقته إلى حين العودة .
دعم الأونروا وحمايتها هو واجب أخلاقي وقانوني ملقى على عاتق المجتمع الدولي ، وهذا يستوجب تكثيف الجهد السياسي عربيا ودوليا من أجل ضمان التمويل الكافي ، والعمل على إقرار موازنة ثابتة وكافية من الجمعية العامة للأمم المتحدة ، من أجل تحرير الهيئة من الضغوطات السياسية عبر التبرع الطوعي، وحمايتها من الابتزاز .

Share This Article