تتحدث السبعينية فتحية عوض بثبات لافت وهي تستعيد مشاهد هدم الخيام ومنازل الصفيح مرات متكررة. تقول إنهم في كل مرة كانوا يعيدون نصب الخيام من جديد ويتمسكون بالبقاء، معتبرة أن ما تعيشه الأغوار اليوم هو “وجه آخر للنكبة”.
المسار: في الأغوار الشمالية، حيث تمتد الخيام القليلة المحاصرة بالمستوطنات والبؤر الاستيطانية، لا تبدو معركة الفلسطينيين مجرد صراع على الأرض فحسب، بل معركة يومية على البقاء والوجود وضد التهجير.
هنا، في التجمعات البدوية المهددة بالاقتلاع، تتقدم المرأة الفلسطينية إلى واجهة المشهد بوصفها الحارس الأول للعائلة والذاكرة والمكان، في مواجهة مشروع استيطاني يتوسع بالقوة وتحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي.
تزامنا مع الذكرى الـ78 للنكبة، تكشف الجولة الميدانية التي وثقها “عرب 48” في تجمعات الفارسية نبع غزال والحديدية وغيرها من التجمعات البدوية في الأغوار، حجم التحولات التي فرضها الاستيطان على حياة الفلسطينيين، حيث تضيق الأرض وتتقلص المراعي وتحاصر الخيام باعتداءات المستوطنين وسياسات الاحتلال التي تستهدف تفريغ الأغوار من سكانها الأصلانيين، تمهيدا لإحلال المستوطنين مكانهم، وخصوصا من تيار الصهيونية الدينية الذي يقود اليوم التمدد الاستيطاني الأكثر تطرفا في المنطقة.
ورغم القتل والهدم والملاحقات والاعتقالات، يبرز حضور المرأة الفلسطينية باعتباره عنوانا للصمود والتجذر بالأرض. فهي ليست مجرد شاهدة على المعاناة، بل شريكة يومية في معركة البقاء، تحرس الخيمة، ترعى المواشي، تتمسك بالزرع، وتزرع في أبنائها وأحفادها رواية الأرض ومعنى البقاء.

في الأغوار، تخوض النساء مواجهة مفتوحة بلا سلاح، لكنهن يتسلحن بالعناد والصبر والثوابت، ويرفضن التفريط بما تبقى من أرض ومسكن، حتى وإن تقلصت المساحات وحوصرت الحياة بين خيام الصفيح واعتداءات المستوطنين.
وفي مشهد يتكرر يوميا، تؤدي المرأة دور البيئة الحاضنة للعائلة وركيزة الصمود النفسي والاجتماعي، بينما تتقاسم مع الرجل أعباء المواجهة في ظل واقع قاس فرضته سياسات الاحتلال والمستوطنين.
وفيما يسعى المشروع الاستيطاني إلى كسر إرادة الفلسطينيين ودفعهم نحو الهجرة القسرية، تبدو نساء الأغوار أكثر تمسكا بالمكان، يحولن تفاصيل الحياة اليومية إلى فعل مقاومة وصمود، ويقدمن نموذجا متجددا للثبات في واحدة من أكثر معارك الوجود الفلسطيني قسوة.
فتحية عوض… حارسة البقاء في الأغوار
في خيمة متواضعة تحاصرها البؤر الاستيطانية من جهات عدة، تجلس السبعينية فتحية أحمد عوض على بساط بسيط أمام قطيع الأغنام الذي لم يعد مجرد مصدر رزق لعائلتها، بل عنوانا لمعركة البقاء التي تخوضها منذ عقود في التجمع البدوي الفارسية نبع غزال بالأغوار الشمالية.
تبتسم السيدة السبعينية رغم قسوة الحياة، وكأنها تحاول أن تهزم الخوف والمعاناة بمعنويات لا تنكسر، فيما تراقب أحفادها الذين كبروا على ذات الأرض التي ولدت وترعرعت فوقها قبل عشرات السنين.
منذ طفولتها ارتبطت عوض بالأغوار الشمالية، وعاشت تفاصيل المكان بكل تحولاته. قبل نحو ستة عقود تزوجت من حسين زهدي، واستقرت في الفارسية، وهنا أسست عائلتها، قبل أن تكبر العائلة ويتزوج الأبناء ويأتي الأحفاد الذين باتوا اليوم جزءا من حكاية الصمود ذاتها.
على امتداد هذه السنوات، لم تكن المرأة السبعينية مجرد ربة منزل، بل شريكة كاملة في تثبيت وجود العائلة في الأغوار وتعزيز البقاء رغم كل ما فرضه الاحتلال من تضييقات واستهداف متواصل.
تبدو فتحية عوض ممتلئة بعزيمة لافتة، تتحدث بثقة وتبث التفاؤل في نفوس أبنائها وأحفادها رغم الواقع القاسي. ابتسامتها العريضة لا تفارق وجهها حتى وهي تستعيد سنوات طويلة عاشتها في الخيام ومنازل الصفيح وسط غياب أبسط مقومات الحياة والخدمات الأساسية.
تقول لـ”عرب 48″ إنهم اعتادوا هذه الحياة وتكيفوا معها، ولم تكن قلة الإمكانيات يوما سببا للتفكير بالرحيل، بل تحولت إلى جزء من تفاصيل يومهم العادي.
امرأة من الأغوار في مواجهة الاقتلاع
في الأغوار، كانت الأرض والمواشي مدرسة الحياة بالنسبة لها. غرست في أولادها حب الأرض والتجذر بالمكان، وعلمتهم الزراعة وتربية المواشي، وهي لا تزال حتى اليوم تشرف بنفسها على رعاية مئات رؤوس الأغنام وإنتاج مشتقات الحليب والأجبان.
تبدأ يومها منذ ساعات الفجر الأولى، تتابع إطعام المواشي وسقيها، وتعتبر أن بقاء القطيع هو بقاء للعائلة نفسها، لأن المواشي بالنسبة لسكان الأغوار ليست مجرد مورد اقتصادي، بل رمز للصمود والثبات في الأرض.
وعلى مدار عقود، توارثت العائلة الزراعة وتربية المواشي جيلا بعد جيل، لكن السنوات الأخيرة، وخصوصا منذ الحرب على غزة، حملت واقعا أكثر قسوة. تتحدث عوض عن تصاعد غير مسبوق في هجمات المستوطنين الذين يسعون، بحسب وصفها، إلى تهجير الفلسطينيين قسرا وتفريغ الأغوار من سكانها الأصلانيين.
تقول إن المستوطنين يستهدفون المحاصيل الزراعية وقطعان المواشي ويحاصرون التجمعات البدوية ويمنعون السكان حتى من التنقل بحرية لرعاية أغنامهم أو بيع منتجات الألبان التي تشكل مصدر رزقهم الوحيد.
وترى السبعينية أن المرأة الفلسطينية كانت وما زالت العمود الفقري للصمود في الأغوار. فعلى الرغم من انعدام الخدمات وصعوبة الحياة، حافظت النساء على تماسك العائلات، وربين الأبناء، ورعين المواشي، وتحملن أعباء الحياة القاسية في الخيام.
وتقول إن النساء أدركن منذ سنوات طويلة أن البقاء في الأرض يحتاج إلى صبر وقوة ومعنويات عالية، لذلك واصلن العمل رغم الخطر اليومي المحدق بالتجمعات البدوية.
ما تعيشه الأغوار اليوم هو “وجه آخر للنكبة”
وتصف الواقع الحالي بأنه الأخطر منذ سنوات، فالعائلات تعيش، بحسب تعبيرها، “في خطر داهم” بسبب اعتداءات المستوطنين وملاحقة قوات الاحتلال. ورغم ذلك، تحاول يوميا رفع معنويات أولادها وأحفادها وتشجيعهم على البقاء وعدم مغادرة الأرض.
وتشير إلى أن الأهالي يعيشون حصارا خانقا داخل الخيام، فيما باتت تكلفة توفير الأعلاف والمياه للمواشي باهظة جدا، وسط منع الرعاة من الوصول إلى المراعي أو حتى تسويق منتجاتهم.
وتروي عوض تفاصيل اعتداءات متكررة تعرضت لها العائلات البدوية، من اقتحام الخيام وتخريب الممتلكات وسكب الطحين والزيت والسكر، وصولا إلى تدمير ألواح الطاقة الشمسية وترهيب الأطفال.
وتقول إن كثيرا من العائلات اضطرت إلى الرحيل القسري بعدما فقدت مواشيها ومحاصيلها الزراعية، لتتحول أراضيها لاحقا إلى بؤر رعوية استيطانية تنتشر اليوم بكثافة في الأغوار الشمالية.
ورغم كل ذلك، تتحدث السبعينية بثبات لافت وهي تستعيد مشاهد هدم الخيام ومنازل الصفيح مرات متكررة. تقول إنهم في كل مرة كانوا يعيدون نصب الخيام من جديد ويتمسكون بالبقاء، معتبرة أن ما تعيشه الأغوار اليوم هو “وجه آخر للنكبة”.
وبينما تنظر إلى أحفادها وقطيع الأغنام المحاصر بالخيام والبؤر الاستيطانية، تختم حديثها بإصرار واضح: “مهما اشتدت الهجمات لن نرحل… ما بقي من العمر قد ما مضى، سنبقى هنا”.
علي ولؤي.. أحلام تتحدى الاستيطان
في ساعات الصباح الباكر، يحمل الطفلان علي ولؤي حسين أحمد حقيبتيهما المدرسيتين ويغادران خيمة العائلة في تجمع الفارسية نبع غزال بالأغوار الشمالية، بانتظار الحافلة التي تقلهما إلى مدرسة عين البيضاء.
طريق المدرسة بالنسبة لهما ليس مجرد رحلة يومية عادية، بل مسار محفوف بالخوف والترقب، فكثيرا ما تعترض عصابات المستوطنين حافلة الطلبة وتحاول منعها من الوصول، فيما تتحول بعض الليالي إلى ساعات من الرعب بعد اقتحام المستوطنين محيط الخيام وترهيب العائلات والأطفال.

وأحيانا، لا يتمكن الطفلان من الوصول إلى مقاعد الدراسة، ليس بسبب المرض أو الظروف الجوية، بل بسبب الهجمات التي تستهدف التجمع البدوي وتزرع الخوف في نفوس الأطفال مع ساعات الليل والصباح الأولى. ورغم ذلك، يتمسك الشقيقان بحقهما في التعليم، ويحاولان التمسك بأحلام تبدو أكبر من واقع الخيام والحصار والخوف اليومي.
يحلم علي، كما قال لـ”عرب 48″ وهو لا يزال في المرحلة الابتدائية، بأن يواصل تعليمه حتى الجامعة لدراسة الهندسة. يتحدث بثقة طفل يعرف تماما ما يريده، إذ يتمنى حين يكبر أن يخطط قريته التي ولد فيها، وأن يرسم خرائط لبناء منازل حجرية ثابتة لعائلته وأبناء تجمعه البدوي، حتى يرسخ وجودهم في الأرض ويعزز صمودهم في الفارسية نبع غزال.

أما شقيقه لؤي، فيحمل حلما مختلفا، لكنه لا يقل ارتباطا بواقع الأغوار ومعاناة سكانها. يريد أن يصبح طبيبا ليقدم العلاج والرعاية الصحية لسكان التجمعات البدوية المحرومين من الخدمات الطبية الأساسية. في الأغوار الشمالية لا توجد عيادات قريبة، وأي حالة مرضية أو طارئة تعني رحلة شاقة إلى مدينة طوباس بحثا عن العلاج.
بين حلم علي ببيوت حجرية ثابتة، وحلم لؤي بعيادة توفر الدواء والرعاية، يعيش الطفلان، كغيرهما من أطفال الأغوار، على وقع كوابيس اقتحامات المستوطنين واعتداءاتهم المتكررة.
ورغم الخوف الذي يرافق طفولتهما، إلا أن تلك الهجمات، كما يقولان لـ”عرب 48″ لن تدفعهما إلى الرحيل. يتمسكان بالمكان كما يتمسك به الكبار، ويرددان بإصرار يشبه إصرار جدتهما فتحية: “باقون هنا… ولن نرحل”.
صفاء… صمود تحت حصار المستوطنين
بعيدا عن الشارع الرئيسي في الأغوار الشمالية، وبين مستوطنتي “روعي” و”بكعوت”، ينتصب التجمع البدوي الحديدية كجزيرة صغيرة محاصرة بالخوف والبؤر الاستيطانية.
هنا تعيش عشرات العائلات البدوية تحت ضغط يومي متواصل، بعدما أقيمت بؤرة استيطانية رعوية جديدة على تلة مرتفعة من أراضيهم الخاصة، باتت تشرف مباشرة على خيامهم ومساكن الصفيح المنتشرة في المكان.

في هذا التجمع الصغير، الذي يقطنه 59 فردا غالبيتهم من الأطفال، تعيش الشابة صفاء خليل أحمد بني عودة، البالغة من العمر 25 عاما، داخل خيمة بسيطة تحاصرها مشاهد الخوف واعتداءات المستوطنين.
ورغم تصاعد الهجمات التي بلغت ذروتها خلال شهر رمضان الماضي، تتمسك صفاء بالبقاء في الحديدية، وترفض حتى مجرد التفكير بالرحيل.
تقول الشابة، وهي أم لثلاثة أطفال لـ”عرب 48″ إن الرحيل “ليس واردا بالحسبان”، فهذه الأرض بالنسبة لها ليست مجرد مكان للسكن، بل وطن وحياة ومستقبل.

قبل ثمانية أعوام، غادرت صفاء بلدتها الأصلية طمون بعد زواجها من ابن عمومتها في تجمع الحديدية، واختارت أن تستقر معه في الأغوار، رغم قسوة الحياة وانعدام أبسط الخدمات الأساسية.
هنا بيتي ومستقبل أطفالي
هنا، أسست عائلتها الصغيرة وأنجبت أطفالها الثلاثة، قبل أن تفقد طفلها الأخير قبل ستة أشهر. ورغم الفقد والألم والخوف الذي يحيط بالمكان، ما تزال تصر على البقاء في الحديدية، معتبرة أن مغادرة الأرض تعني خسارة كل شيء.
تقف صفاء قرب خيمتها، تراقب أطفالها وهم يلهون في مساحة ضيقة تحاصرها البؤرة الاستيطانية من الأعلى، وتقول إنهم يفتقدون للأمن والأمان، وإنها تخشى يوميا على أطفالها من اعتداءات المستوطنين، لكن ذلك لا يدفعها للتفكير بالرحيل.
تتساءل بصوت يحمل كثيرا من القلق والإصرار: “إلى أين نرحل؟”، قبل أن تضيف أن عنف المستوطنين سيلاحقهم أينما ذهبوا.
وترى أن الحياة، رغم قسوتها في التجمعات البدوية بالأغوار، لا تشبه أي حياة أخرى، فهنا الأرض والعائلة والذكريات ومستقبل الأطفال. تقول إن المستوطنين هم الغرباء الذين حولوا حياة السكان إلى جحيم، لكنهم لن يتمكنوا من اقتلاعهم من أرضهم.

ورغم تمسكها بالصمود، لا تخفي صفاء مخاوفها من التهجير بالقوة، في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين التي تصفها بأنها “مشاهد موت” تحاصر التجمع من كل الجهات.
ومع ذلك، تواصل حياتها اليومية داخل الخيمة، تربي أطفالها على التمسك بالأرض، وتحاول أن تصنع وسط هذا الخوف معنى للبقاء، في واحدة من أكثر المناطق الفلسطينية عزلة واستهدافا في الأغوار الشمالية.

