المسار : لم تعد الأسواق في قطاع غزة تعمل وفق القواعد الاقتصادية التقليدية، فالحرب المستمرة والانهيار الحاد في السيولة النقدية وتعطل سلاسل التوريد، دفعت السكان إلى ابتكار أنماط جديدة من التبادل والتجارة والعيش.
من المقايضة إلى البيع الجزئي إلى الاعتماد شبه الكامل على التطبيقات البنكية، تشكل تدريجيا ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد النجاة”، وهو اقتصاد لا يقوم على النمو أو الاستثمار، بل على القدرة اليومية على البقاء.
في الظروف الطبيعية، تستند الأسواق إلى عناصر مستقرة نسبيا: النقد والبنوك وحركة البضائع والدخل المنتظم، لكن في غزة تآكلت هذه المرتكزات تباعا تحت ضغط الحرب والحصار، لتظهر بدائل فرضتها الضرورة أكثر مما صنعتها السياسات الاقتصادية. وتشير التقديرات إلى أن معدلات الفقر تجاوزت 90%، بينما وصلت البطالة إلى نحو 80%، مع انهيار واسع في مصادر الدخل وتوقف غالبية الأنشطة الاقتصادية.
فالمواطن الذي كان يشتري احتياجات أسرته دفعة واحدة، بات يشتري بالقطعة أو بالكيلو أو وفق “المبلغ المتوفر”، بينما اضطر التجار إلى إعادة تشكيل أنماط البيع والتعامل بما يتناسب مع واقع السيولة المحدودة والطلب المتراجع.
غير أن المشهد الاقتصادي في غزة لم يتشكل فقط بفعل الحرب، بل أيضا نتيجة صعود ما يمكن تسميتهم بـ”تجار الأزمات” أو “تجار الحروب”، الذين استفاد بعضهم من حالة الانهيار والفوضى لتحقيق أرباح استثنائية على حساب الاحتياجات الأساسية للسكان.
فمع ندرة السلع وضعف الرقابة وغياب المنافسة الحقيقية، ارتفعت أسعار بعض السلع الأساسية بأكثر من 300% مقارنة بما قبل الحرب، وتحولت مواد غذائية رئيسية إلى أدوات للاستغلال والمضاربة، في وقت تعيش فيه غالبية الأسر أوضاعا معيشية كارثية.
وقد ساهمت القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال البضائع في تعميق هذا الواقع، إذ ارتبطت عمليات الاستيراد بمنح أذونات محدودة لعدد معين من التجار، ما أدى عمليا إلى تركيز القدرة التجارية بأيدي فئات محددة وخلق حالة من الاحتكار غير المباشر داخل السوق.
كما أن عدم التزام الاحتلال بإدخال الأعداد المتفق عليها من الشاحنات ضمن المراحل الإنسانية المختلفة والتي تنص على إدخال 600 شاحنة يوميا كحد أدنى، أدى إلى استمرار نقص المعروض من السلع، علما أن ما يدخل فعليا غالبا يقل كثيرا عن هذا الرقم، الأمر الذي أبقى الأسعار مرتفعة وأضعف قدرة السوق على الاستقرار.
وفي ظل هذه التعقيدات برز دور الوسطاء والسماسرة بصورة لافتة، سواء في عمليات إدخال البضائع أو توزيعها أو حتى في تحويل الأموال والحصول على السيولة النقدية.
ومع الوقت، تشكلت حلقات إضافية من الاستنزاف الاقتصادي يدفع ثمنها المواطن النهائي الذي يشتري السلعة بأسعار مضاعفة أو يتحمل عمولات مرتفعة للحصول على أمواله النقدية من التطبيقات البنكية، حيث وصلت عمولات “الكاش” في بعض الفترات إلى نحو 40% من قيمة المبلغ المسحوب.
أحد أبرز ملامح هذا الاقتصاد الجديد يتمثل في التحول التدريجي من “اقتصاد الاستهلاك” إلى “اقتصاد البقاء”، حيث لم يعد السؤال الأساسي لدى الأسر: ماذا نحتاج؟ بل أصبح: ما الذي نستطيع تأمينه اليوم؟.
هذا التحول انعكس بوضوح على طبيعة الأسواق، حيث تراجعت السلع الكمالية وحتى بعض الاحتياجات الأساسية لصالح الأولويات الأكثر إلحاحا مثل الغذاء والدواء والمياه.
كما أدت أزمة السيولة إلى خلق سوق نقدية موازية، باتت تستنزف جزءا كبيرا من دخول المواطنين، ما خلق واقعا اقتصاديا جديدا أصبحت فيه قيمة المال مرتبطة بقدرته على التحول إلى “كاش” أكثر من ارتباطها بقيمته الفعلية داخل الحسابات البنكية.
وفي قلب هذه الأزمة، تبدو الطبقة الوسطى من أكثر الفئات تضررا؛ فهي الفئة التي كانت تشكل تاريخيا ما يقارب 50-60% من البنية الاجتماعية في غزة، لكنها تعرضت خلال الحرب إلى تآكل واسع نتيجة استنزاف المدخرات وتراجع الدخول وارتفاع تكاليف المعيشة، ما دفع شرائح واسعة منها إلى الاقتراب من دائرة الفقر أو السقوط فيها فعليا.
أما محدودو الدخل، فقد أصبحوا عاجزين عن تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية، في حين دفعت البطالة الواسعة آلاف العاملين وأصحاب المهن الصغيرة إلى دائرة العوز، بعد فقدان مصادر رزقهم وتوقف الأنشطة الاقتصادية بشكل شبه كامل.
ومع انهيار فرص العمل التقليدية، برزت أشكال جديدة من النشاط الاقتصادي المنزلي والصغير، كثير من الأسر اتجهت إلى إعداد الطعام المنزلي للبيع أو تصنيع احتياجات بسيطة أو تقديم خدمات محدودة داخل الأحياء ومراكز النزوح، في محاولة لتأمين حد أدنى من الدخل.
هذه الأنشطة رغم محدوديتها، شكلت شبكات اقتصادية بديلة ساعدت آلاف العائلات على الصمود وسط الانهيار الاقتصادي الواسع.
الحرب أيضا غيّرت سلوك المستهلك والتاجر معا، فالتاجر الذي كان يعتمد على دورة مالية مستقرة، أصبح أكثر حذرا في الشراء والتخزين، بينما بات المستهلك أكثر ميلا لتقليل الإنفاق وتأجيل الشراء والبحث عن البدائل الأرخص.
وحتى العلاقات الاجتماعية تأثرت اقتصاديا، إذ عادت بعض مظاهر المقايضة والتكافل العائلي لتحل محل المعاملات النقدية المباشرة في كثير من الحالات.
لكن الأخطر في “اقتصاد النجاة” أنه اقتصاد مؤقت بطبيعته لا ينتج تنمية حقيقية ولا يخلق استقرارا طويل الأمد، فهو اقتصاد يقوم على التكيف مع الأزمة، لا على تجاوزها.
ومع استمرار الحرب وتآكل القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر والبطالة وغياب أي أفق اقتصادي واضح، تتعمق التحولات الاجتماعية والاقتصادية داخل القطاع بصورة قد تترك آثارا طويلة المدى على بنية المجتمع الفلسطيني ومستقبله الاقتصادي.
ورغم قسوة المشهد، يكشف الواقع في غزة عن قدرة استثنائية لدى الناس على إعادة تشكيل أدوات العيش تحت الضغط، فحين تنهار البنية الاقتصادية التقليدية لا تتوقف الحياة بالكامل، بل تظهر أنماط جديدة للبقاء يصنعها الناس بإمكانات محدودة وإرادة تحاول مقاومة الانهيار اليومي. وفي هذا تحديدا، يتجسد “اقتصاد النجاة” بوصفه انعكاسا حيا لقدرة المجتمع على التكيف، حتى في أكثر الظروف قسوة وتعقيدا

