المسار : عقدت أنيتا كيكي غبيهو، نائبة الممثل الخاص للأمين العام في بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان والمنسقة المقيمة في البلاد، مؤتمرا صحافيا الجمعة من جوبا، تناولت فيه التصعيد الأخير للعنف في ولاية جونغلي، والذي بات يشكل إحدى أبرز بؤر النزاع بين الأطراف الرئيسية الموقعة على اتفاق السلام. وأوضحت غبيهو أن القتال الدائر، رغم تركّزه على المواجهات العسكرية المباشرة، يخلّف آثارًا جسيمة على المدنيين، إذ فقد كثيرون حياتهم ومنازلهم، فيما أُجبر أكثر من 200 ألف شخص على النزوح خلال هذا الشهر وحده.
وبيّنت غبيهو أن المجتمعات المتضررة تواجه تحديات إضافية مع تفشي مرض الكوليرا، حيث سُجلت 125 حالة في ولاية جونغلي خلال الشهر الجاري، من أصل 479 حالة على مستوى البلاد. ويأتي ذلك في أعقاب أسوأ موجة كوليرا شهدتها جنوب السودان مؤخرًا، ما أدى إلى إنهاك مراكز العلاج ونقص حاد في الإمدادات الطبية الأساسية. وأكدت أن الاستجابة الطارئة جارية حاليًا، وأن تعاون الحكومة ساهم في تسهيل الوصول الإنساني، إلا أنه ما يزال محدودًا بفعل القيود المفروضة على الحركة عبر الطرق والأنهار والطيران، إضافة إلى أعمال النهب وتخريب المنشآت الإنسانية، بما في ذلك سبع منشآت على الأقل في جونغلي.
وأكدت المسؤولة الأممية أن بعثة الأمم المتحدة تواجه تحديات كبيرة تؤثر على قدرتها في حماية المدنيين ومنع النزاعات وبناء السلام، مشيرة إلى أن جميع المؤشرات تنذر بإمكانية وقوع كارثة إنسانية. وشددت على أهمية استمرار الدعم المالي، مرحبة بإطلاق 10 ملايين دولار من صندوق الإغاثة الطارئة المركزي، لكنها أكدت الحاجة إلى موارد إضافية لضمان استدامة العمل الإنساني.
وأشارت غبيهو إلى أن ولاية جونغلي ليست المنطقة الوحيدة المتأثرة بالنزاع، إذ تمتد المواجهات إلى مناطق الإكواتوريات الأخرى، مؤكدة أن الحل للأزمة الراهنة سياسي وليس عسكريًا، وأن مسؤولية وقف الأعمال العدائية واستئناف الحوار الشامل تقع على عاتق القادة المحليين. ولفتت إلى أن جنوب السودان يمر بلحظة حاسمة قد تحدد مستقبله، إما باتجاه السلام أو نحو مزيد من الصراع، مؤكدة ضرورة الالتزام باتفاق السلام ووضع حماية المدنيين في صدارة أولويات الأمم المتحدة.
وفي ما يتعلق بقوات حفظ السلام، أوضحت غبيهو أن البعثة تدير ثلاثة مراكز رئيسية في ولاية جونغلي، في العاصمة وبيبور، إضافة إلى مركز كان من المقرر إغلاقه في أكوبو بسبب تحديات التمويل، إلا أنه جرى الإبقاء عليه مع تعزيز أعداد قوات حفظ السلام لضمان حماية المدنيين الذين يلجأون إلى هذه المواقع. كما أكدت الدور الحيوي للمنسق الإنساني في تعزيز الأمن الغذائي والتغذية، وضمان وصول المساعدات رغم القيود الميدانية.
وفي سياق التحديات المستجدة، وردًا على سؤال بشأن استخدام المعلومات المضللة المولدة بالذكاء الاصطناعي ضد العاملين في المجال الإنساني، وما يُقال عن تأثر نحو 70 في المئة من قوات حفظ السلام بهذا النوع من الإعاقة الرقمية، وتحول الأمر إلى تنسيق هجمات على المتطوعين ونهب المنشآت الصحية، أوضحت غبيهو أن هذه الظاهرة تمثل تحديًا مستمرًا. وأكدت أن الأمم المتحدة تعمل على توضيح رسائلها وأنشطتها الإنسانية لضمان فهم دورها والتزامها بولايتها في مختلف أنحاء البلاد، مع التركيز على حماية المدنيين واستمرارية تقديم المساعدات، رغم أن معالجة هذا النوع من المعلومات المضللة لا تندرج ضمن نطاق خبرتها المباشر.
واختتمت غبيهو إحاطتها بالتأكيد على أن الحلول المستدامة تتطلب التزامًا سياسيًا عاجلًا من قيادة جنوب السودان لوقف الأعمال العدائية، وخفض التوترات، والحفاظ على العملية السياسية. وأشارت إلى أن القدرة على إحداث تغيير إيجابي تكمن في أيدي شعب جنوب السودان نفسه، وأن القرارات المتخذة اليوم ستحدد مستقبل البلاد بشكل حاسم، بين السلام والاستقرار أو استمرار التصعيد والنزاع.

