كتب م. أحمد الزاغة”القدس…المدينة العتيق”

المسار :القدس ليست كغيرها من المدن، فهي تحكي تاريخًا عريقًا، وشهدت حروبًا كثيرة ومر عليها الكثير من الحضارات وبقيت شامخة رغم ما اقترفه الاحتلال بتدمير معالمها ومحاولة تغيير تاريخها وتغيير الرواية لتتماشى مع طموحاته الاستعمارية.

عندما تدخل المدينة في رحلة عمل فقط وليس للسياحة وتذهب إلى ساحة المصرارة للوصول إلى باب العامود ومن ثم التجول في أسواقها بعجالة، فلا تستطيع أن تهضم ما تراه بسرعة، لأنها تحتاج أيامًا كي تستطيع أن ترى وتدون ما رأيته في مقالة أو منشور. يوم الأربعاء 28 يناير، وبعد انتهاء الاستلام الابتدائي لأعمال فرع بنك القدس في ضاحية البريد، أشار الزميل والصديق المعماري إبراهيم الهندي، رئيس جمعية المعماريين في فلسطين ومحاضر في جامعة بير زيت، إلى القيام بجولة في البلدة القديمة للقدس قبل العودة إلى رام الله، ورحبت بالفكرة.

وصلنا موقف السيارات في شارع مأمن الله أو “مميلا” بالعبرية، وصعدنا بالمصعد إلى السوق التجاري المكون من شارع وسطي مبلط بالحجر الطبيعي وعلى جانبه المباني العربية التي استولى عليها الاحتلال، والأخرى الحديثة التي تحاكي المباني التراثية. بعض المباني تم نقلها وإعادة بنائها حجرًا حجرًا مع وضع أرقام على كل حجر لضمان وضعه في مكانه.

انتقلنا إلى باب الخليل، أحد أبواب سور القدس العتيقة، حيث يقع فندق الإمبريال ومبنى قلعة القدس (ليس برج داود بل برج “فصايل”)، والقلعة بشكلها اليوم بناء مملوكي للناصر محمد بن قلاوون مع إضافات عثمانية وترميمات تشمل المسجد المملوكي والمسجد الصيفي ومئذنة من الفترة العثمانية

مشينا في طريق حارة الأرمن ودير الأرمن “دير يعقوب” الذي يحتوي على نصب ولوحات تذكارية وإيقونات مرسومة على الجدران، ثم توجهنا إلى الحي اليهودي، وهو واحد من أربعة أحياء في البلدة القديمة، وأقيم بعد عام 1967 على أنقاض “حارة الشرف”. وصلنا إلى السوق المعروف بالكاردو، وهو طريق روماني رئيسي يعرف بـ”القلب” للمدينة القديمة، وما زال يتبقى منه نحو 130 مترًا بعد ألفي عام على إنشائه.

قمنا بزيارة سوق مسقوف على جانبيه دكاكين بها محلات تحف وورش لتصنيع التحف والتماثيل من خشب الزيتون (تم سرقة هذه الحرفة من السكان العرب الأصليين)، وكان معظمها مغلقًا نتيجة الأوضاع الاقتصادية وفرض الاحتلال الضرائب الباهظة على التجار العرب، وجائحة الكورونا، واندلاع الحرب على غزة بعد طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023.

ثم وصلنا إلى طريق البيمارستان الصلاحي الذي أنشأه الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي عام 583 هـ / 1187 م، ويعرف اليوم بالكنيسة الإنجيلية اللوثرية في القدس أو كنيسة المخلص “الفادي” اللوثرية، التي تحتوي على قطع أثرية من العصور الرومانية والمسيحية والإسلامية القديمة.

الجولة لم تكن تعريفية فقط، بل كانت رحلة عبر التاريخ تحتاج أيامًا وشهورًا للتعرف على أركان المدينة العتيقة. الكاتب شكر إبراهيم الهندي على هذه المتعة، مؤكدًا أن القدس ستبقى عربية إسلامية ومسيحية رغم محاولات الاحتلال تهويدها، وأنها حزينة دون زيارة أهلها في الضفة الغربية وغزة.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار .

Share This Article