المسار : في لحظة دولية شديدة الاضطراب، أعادت عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى طرح فكرة ضم جزيرة غرينلاند، هذه المرة ليس بوصفها صفقة عقارية كما في 2019، بل كخيار مفتوح قد يشمل استخدام القوة العسكرية، فتح واحدا من أخطر الشروخ في العلاقة عبر الأطلسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، خصوصا أن التلويح جاء بعد ساعات من تنفيذ عملية عسكرية أميركية في فنزويلا، ما جعل الأوروبيين يقرأون الرسالة بوصفها تحولا بنيويا في السلوك الأميركي لا مجرد مناورة خطابية عابرة .
الموقف الأميركي الذي عبّر عنه البيت الأبيض في السابع من يناير 2026، حين أعلن دراسة خيارات متعددة للاستحواذ على غرينلاند بدعوى الأمن القومي، وضع حلف شمال الأطلسي أمام اختبار وجودي حقيقي، إذ للمرة الأولى يلوّح طرف مركزي في الحلف باستخدام القوة ضد أرض تابعة لدولة عضو فيه، ما حوّل النقاش من خلاف سياسي إلى تهديد مباشر للبنية الأمنية التي قام عليها الناتو منذ أكثر من سبعة عقود .
محاولات التخفيف التي قادها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بالقول إن ترامب يفضّل الشراء لا الغزو، لم تقنع العواصم الأوروبية، لأن مجرد عدم استبعاد الخيار العسكري كافٍ لتقويض الثقة، خصوصا حين تترافق هذه التصريحات مع تسريبات أميركية تتحدث عن أولوية استراتيجية لغرينلاند في مواجهة الخصوم في القطب الشمالي، ومع نقاشات داخل البنتاغون حول سيناريوهات عسكرية محتملة .
الرد الأوروبي جاء سريعا ومتدرجا، من الاجتماع السري والعاجل للبرلمان الدنماركي، إلى البيان الاسكندنافي المشترك الذي شدد على أن غرينلاند ليست ملفا دوليا مفتوحا بل قضية تخص الدنمارك وشعب الجزيرة حصرا، وصولا إلى الموقف الأوروبي الأوسع الذي وقّعته سبع دول كبرى، مؤكدا أن غرينلاند ملك لشعبها وأن أي مساس بسيادتها يمثل انتهاكا صريحا لميثاق الأمم المتحدة ولمبادئ سلامة الحدود .
اللافت أن هذا الموقف الأوروبي لم يكن موجها ضد الولايات المتحدة بوصفها خصما تقليديا، بل جاء محملا بقلق عميق من أن تتحول واشنطن نفسها إلى عامل تفكيك للنظام الغربي الذي قادته لعقود، وهو ما عبّرت عنه بوضوح تحذيرات رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن من أن السيطرة الأميركية على غرينلاند قد تعني نهاية الناتو بصيغته الحالية .
في هذا السياق، لا تبدو حجج ترامب الأمنية والاقتصادية مقنعة حتى داخل الأوساط الغربية، فغرينلاند مشمولة أصلا بالمظلة الدفاعية للحلف، والوجود العسكري الأميركي فيها قائم منذ سنوات، أما الموارد الطبيعية التي يجري الترويج لها، فيجمع خبراء على أنها صعبة الاستخراج وضعيفة الجدوى الاقتصادية، ما يجعل الدافع الحقيقي أقرب إلى منطق القوة والرمزية السياسية، ورغبة ترامب في تسجيل سابقة تاريخية كرئيس وسّع حدود الولايات المتحدة بالقوة أو بالتهديد ولغة البلطجة.
لكن الأبعد من غرينلاند نفسها، يكمن في التحول الأعمق الذي تكشفه هذه الأزمة، وهو انتقال الولايات المتحدة في عهد ترامب من قيادة التحالف الغربي إلى ابتزازه، ومن الدفاع عن القانون الدولي إلى استخدامه انتقائيا، وهو ما دفع معلقين أوروبيين إلى اعتبار واشنطن خصما أيديولوجيا وجيوسياسيا، لا يقل خطورة عن روسيا أو الصين، خصوصا أن أوروبا تجد نفسها محاصرة بضغوط متزامنة، حرب هجينة روسية من الشرق، وضغط اقتصادي وتكنولوجي صيني من الداخل، وتهديد أميركي مباشر من الحليف المفترض.
تقديرات دبلوماسية أوروبية ترى أن جوهر الصدام لا يتعلق بجزيرة نائية يسكنها ستة وخمسون ألف نسمة، بل بصراع أوسع على شكل النظام الدولي، حيث تنظر الاستراتيجية الأميركية الجديدة إلى أوروبا بوصفها قوة تنظيمية وقانونية وتجارية قادرة على تقييد الهيمنة الأميركية، سواء عبر تشريعات التكنولوجيا أو عبر تعزيز دور اليورو كعملة منافسة للدولار .
ورغم أن استطلاعات الرأي في غرينلاند نفسها تظهر رفضا شعبيا واسعا لأي ضم أميركي، وتفضيلا لمسار استقلال تدريجي عن الدنمارك مع الحفاظ على الدعم المالي، إلا أن هذا الصوت لا يبدو حاضرا في الحسابات الأميركية، التي تتعامل مع الجزيرة بوصفها موقعا جيوسياسيا لا مجتمعا له إرادة سياسية .
في المحصلة، قد لا نشهد غزوا فعليا لغرينلاند، كما يرجّح مراقبون، إذ يبدو أن ترامب يستخدم التهديد العسكري كأداة تفاوضية لفرض تنازلات، سواء على شكل قواعد إضافية أو اتفاقيات اقتصادية وأمنية، لكن الثمن السياسي لهذه الاستراتيجية قد يكون باهظا، لأن مجرد التلويح باستخدام القوة داخل الناتو كفيل بإحداث تصدعات يصعب ترميمها، ويطرح سؤالا وجوديا على أوروبا والعالم، هل ما زال الحلف الأطلسي إطارا للأمن الجماعي أم بات رهينة نزعة أحادية لا تعترف إلا بمنطق القوة .
غرينلاند، في هذه اللحظة، لم تعد جزيرة جليدية بعيدة عن مركز العالم، بل تحولت إلى مرآة تعكس أزمة النظام الغربي نفسه، بين قانون دولي يتآكل، وتحالفات تهتز، وقوة عظمى لم تعد ترى في حلفائها شركاء، بل أوراق ضغط قابلة للاستخدام متى اقتضت مصلحة أمريكا أولا .
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار

