المسار :في كل مرة تنفجر فيها فضيحة من عيار ملفّات جيفري إبستين، لا يتقدّم السؤال الأخلاقي ولا القانوني إلى الواجهة بقدر ما يتقدّم سؤال “القوى الخفيّة” التي تقف خلف الرجل وشبكته، كأن العقل العام حين يصطدم بكمّ هذا الانحطاط وتورّط هذا العدد من أصحاب النفوذ، يعجز عن تفسير الجريمة بوصفها نتاج منظومة سلطة مادية واضحة، فيلجأ فورًا إلى استعارة الغيب السياسي، الدولة العميقة، الحكومة السرّية، النخبة العالمية، أو شبكة مخابرات خارقة تدير العالم من خلف الستار.
ملفّات إبستين، التي تضم ملايين الوثائق من صور وتسجيلات وشهادات، لم تكشف فقط عن شبكة استغلال جنسي إجرامية، بل كشفت عن شيء أعمق وأكثر إزعاجًا، وهو هشاشة الخط الفاصل بين المال والسياسة والجريمة في النظام الرأسمالي المعولم. فالأسماء التي مرّت في هذه الوثائق، من رؤساء سابقين وحاليين، وملوك مال، ونجوم تكنولوجيا، لم تكن بحاجة إلى “تنظيم سرّي أسطوري” كي تنزلق إلى هذا المستنقع، بل كانت تتحرّك داخل فضاء طبيعي يتيح الإفلات من العقاب، ويحوّل النفوذ إلى درع قانوني وأخلاقي.
السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس من شغّل إبستين، بل من سمح له بالعمل، ومن حماه، ومن أغلق الكاميرات حين كان يجب أن تُفتح، ومن عطّل العدالة حتى انتهت القصة بجثته في زنزانة، وقيل إنه انتحر.
فليس من قبيل الصدفة، ولا من باب التوازي البلاغي، أن المنظومة الدولية ذاتها التي عجزت عن تفكيك شبكات استغلال الأطفال ومحاسبة رموزها السياسية والاقتصادية، هي نفسها التي تقف اليوم متواطئة، أو صامتة في أحسن الأحوال، أمام واحدة من أبشع جرائم الإبادة المفتوحة في العصر الحديث. الفشل هنا ليس تقنيًا ولا إجرائيًا، بل فشل بنيوي يكشف عن طبيعة عقل سياسي واحد، عقل يحدّد قيمة الإنسان وفق موقعه في ميزان القوة، ويمنح الحياة أو يسحبها بقرار سياسي بارد.
العقل ذاته الذي يبرر قتل الأطفال الفلسطينيين بذريعة “الدفاع عن النفس”، ويشرعن قصف البيوت والمستشفيات ومخيمات النزوح، لا يمكن أن يُفاجأ بانتهاك أجساد الأطفال في الغرف المغلقة، ولا أن يدّعي الصدمة الأخلاقية حين تنكشف فضائح الاستغلال الجنسي المنظّم. فمن يجرّد الضحية من إنسانيتها في الخطاب العلني، ويحوّلها إلى رقم أو “خسائر جانبية”، لا يرى حرجًا في تصفيتها جسديًا أو استباحتها أخلاقيًا حين تغيب الكاميرات.
الإشكال هنا لا يكمن في ازدواجية المعايير فحسب، بل في وحدة المنطق الذي يحكم السياسة والأخلاق معًا: منطق القوة حين تتحرّر من أي قيد إنساني أو مساءلة قانونية.
بهذا المعنى، لا تبدو فضيحة إبستين حادثة شاذة أو انحرافًا فرديًا داخل النظام الغربي المعاصر، بل انعكاسًا صريحًا لجوهره في مرآة أقل تجميلًا. فالمنظومة التي وفّرت الحماية السياسية والإعلامية لشبكات استغلال الأطفال، هي نفسها التي وفّرت الغطاء الدبلوماسي والقانوني لإبادة أطفال غزة. الدم الفلسطيني الذي يُستباح بقرار سياسي، هو الوجه العلني لنظام عالمي سمح منذ زمن بأن تُستباح الأجساد حين لا يكون لأصحابها وزن سياسي أو اقتصادي.
وحين تصبح حياة الطفل مسألة تفاوض، لا مبدأً أخلاقيًا مطلقًا، تسقط آخر الحواجز بين الجريمة والسياسة. عندها لا يعود القتل استثناء، ولا الاغتصاب صدمة، بل يتحولان إلى أدوات مختلفة داخل المنظومة ذاتها، تُستخدم وفق الحاجة وتُبرر وفق الخطاب السائد.
في هذا السياق، لا يمكن فصل ما يحدث في غزة عن فضائح الاستغلال الجنسي، ولا عن صمت المؤسسات الدولية، ولا عن انهيار منظومة “القيم” التي طالما جرى تصديرها للعالم بوصفها معيارًا أخلاقيًا كونيًا.
إن ما يُكشف اليوم، سواء في ساحات الإبادة أو في ملفات الفضائح المغلقة، ليس انحرافًا عن النظام العالمي، بل تعبيرًا صادقًا عنه. نظام لا يرى في الطفل إنسانًا إلا إذا كان ينتمي إلى الجهة الصحيحة من الجغرافيا، ولا يعترف بالضحايا إلا إذا خدم الاعتراف مصالحه. وبين طفل يُقتل تحت الأنقاض، وطفل يُستباح في الغرف المعتمة، تمتد السلسلة نفسها من النفاق السياسي، ويقف العقل ذاته خلف الجريمتين: عقل لا يعرف من الأخلاق إلا ما يخدم القوة، ولا يعترف بالإنسان إلا حين يكون امتدادًا لها.

