غزة- مدلين خلة – عن وكالة صفا
المسار: تعيش آلاف النساء في قطاع غزة حكاية فقدٍ صامتة، يُواجهن قسوة الحياة وحدهن، بلا سند، يحملن أوجاع الفقد ومسؤوليات مضاعفة، بعد أن فقّدن أزواجهن في حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على القطاع.
لم يكن الفقد خيارًا، بل قدرًا فرضته الحرب، لتتحول الزوجة إلى معيلة وحيدة لأولادها، تُحاول أن تخفي دموعها خلف أقمشه الخيام البالية، والتي باتت مسكنها الوحيد، كي لا ينهار أطفالها.
في المخيمات الممتدة على أطراف مدينة غزة المدمّرة، لا تسكن أرامل الشهداء الخيام وحدها، بل يسكنهن غياب الزوج الذي كان الأمان والحياة بالنسبة لهن.
قسوة العيش
“عمود العيلة راح، ما ضل إلي ولأولادي سند، اليوم بدون زوجي بمر كأنه سنة، كيف بدي أكون قوية؟”.. بهذه الكلمات عبرت العشرينية ولاء ماهر، عن معاناتها وقسوة الحياة، بعد أن استشهد زوجها قبل ثمانية أشهر، في استهداف اسرائيلي لمجموعة من المواطنين في منطقة الصفطاوي شمالي مدينة غزة.
تقول “ولاء” : “أُحاول دون جدوى أن أواجه قسوة العيش، دون زوجي، فعيشة الخيام ونقل المياه وتوفير مصروف الأولاد، وتحضير الطعام لهم، ومواجهة ظروف الطقس، والنار وإشعال الحطب.. كل هذا عبء أقوم به دون مساعدة من أحد”.
وتضيف “التحديات صعبة وكثيرة، وأغلبها قد أستطيع التعامل معها على مشقتها، إلا أن ما يُؤذي روحي ويجعلني عاجزة حين تسألني طفلتي هدى (أربعة أعوام)، لماذا صديقتها تمتلك أب وهي لا؟، فتحاول إقناعها بأن أباها يعيش في الجنة، لكنها لم تقتنع”.
وتتابع “أصعب ما واجهته عندما نزحنا إلى جنوب القطاع، في هذا الوقت لم أكن أعلم ما يجب عليّ فعله، يجب أن اتخذ أول قرار دون وجود زوجي، وعليّ أن أتحمل مسؤولية كبيرة دون أن أثقل على أهلي بحمل آخر”.
وتشير إلى أنه مهما حاولت الأم السيطرة على زمام الأمور، فإنها لن تتمكن من ذلك في غياب الأب.
وتردف “نحن نفتقر إلى مصدر دخل منتظم، أُعيل منه أطفالي الثلاثة، وما يأتي من المؤسسات الخيرية لم يكن إلا وقتي على شكل مساعدة لا كفالة دائمة”.
و”منذ اللحظات الأولى وبعد إفاقتي من صدمة الفقد أخذتُ أجول حاملة طفلي ذو العام والنصف، على أبواب الجمعيات أحاول تحصيل أي شيء يعتاش منه الصغار، ورد الجميع واحد نحن نتعامل مع سيستم محدد وعندما يصلك الدور ستأخذين المساعدة”. تقول “ولاء”
تبكي “ولاء” مرارة فقدها وحرقة حالها، قائلة: “انقلبت حياتي رأسًا على عقب كنت قبل ثمانية أشهر لا أعلم عن هموم الدنيا شيء، كان زوجي متكفل بكل ذلك، أما الآن فأنا أكافح ليعيش أطفالي كما كان يريد أباهم”.
ولم تكن معاناة “ولاء” الوحيدة، فهي واحدة من بين آلاف النساء اللواتي استشهد أزواجهن منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
مأساة مضاعفة
تتقاطع مأساة “ولاء” مع هموم رنين شحادة، التي أفقدتها حرب الإبادة زوجها في الاستهداف ذاته الذي فقدت فيه ولاء سندها، حيث أضحت مسؤولة عن رعاية وإعالة أطفالها.
تقول شحادة : “نحمل هم المنخفضات الجوية، خصوصًا في ظل انهيار البنية التحتية، وغرق الخيام، أصبحنا نتابع أخبار المعبر ودخول البضائع وأخبار الطقس، اختلفت اهتماماتنا عما كانت في السابق”.
وتضيف “كان أول اختبار لي دون زوجي حينما مرض طفلي أمير وارتفعت حرارته ليلًا، لم أدرِ ما يجب أن أفعله حينها وبقيت انتظر طلوع الصباح لأهاتف أخي كي يأتي ويأخذه إلى المشفى، وقتها شعرت بالعجز تجاه صغيري”.
وتتابع “نحن بلا بيت، ولا مأوى، ولا حتى مساعدات إنسانية، لم يكن الفقد وغياب زوجي بسيطًا، لقد كان قطعًا لشريان الحياة في البيت”.
وتشير إلى أنها أصبحت تتحمل عبئًا فوق طاقتها دون وجود مساند لها بعد استشهاد زوجها، “استشهد أبي وأخي وأختي وكل عائلتها”، أعيش الفقد أضعافًا مضاعفة أصبح فقدان أي حبيب هاجس يؤرق راحتي”.
حرقة وألم
ولا يبدو الأمر مختلفًا عند الأرملة أماندي الددا، إلا أنها تبدو أكبر سنًا من سابقتيها، فقد تخطت عتبة الثلاثين عامًا، تشكو حالا وصلت إليه بعد استشهاد زوجها في نوفمبر/ تشرين ثاني 2024.
تقول لوكالة “صفا”: “لا نعيش كما كانت حياتنا انقلب الحال رأسًا على عقب، أصبحتُ الأب والأم لأطفالي الأربعة، أحاول توفير الحياة الكريمة لهم”.
وتضيف “كان استشهاد زوجي فاصلًا مهمًا في حياتي، أصبحت أبحث عن الماء والنار وتوفير سبل الحياة، أقوم بما لم أقم به من قبل، فقدت كل شيء باستشهاد زوجي”.
وتحتضن الددا طفلتها ذات الثمانية أشهر وتقول بحرقة: “كان زوجي يحلم بأن يرى طفلته على يديه، استشهد دون أن يعلم أن احتضن طفلة أنثى في أحشائي”.
وتعاني كثيرًا مع بلوغ طفلها الأول سن الرشد (14عامًا) ويحتاج إلى رجل يرشده ويكون سنده في مرحلة حساسة من حياته.
وتشكو الددا سوء الحال والحاجة وعدم وجود عائد مادي توفر فيه متطلبات أطفالها الأربعة.

