المسار :تعيش عائلات فلسطينية في قطاع غزة واحدة من أقسى الأزمات الإنسانية في تاريخ الحروب، حيث لم يعد الموت نهاية الفاجعة، بل بداية معاناة جديدة، تُدفن فيها الجثامين قبل أن يُحسم سؤال الهوية، وتبقى القلوب معلّقة بين القبر والشك.
وفي ظل حرب الإبادة المتواصلة على القطاع، تفقد العائلات حقها في الوداع واليقين، مع وصول جثامين مشوهة أو متحللة أو مجرد أشلاء وجماجم، دون أي وسيلة علمية حاسمة للتعرف عليها، ما يترك الأهالي أمام قرارات موجعة لا يمكن احتمالها.
وأكد المتحدث باسم الأدلة الجنائية محمود عاشور أن محاولات التعرف على جثامين الشهداء تعتمد حاليًا على وسائل بدائية ومحدودة، كعرض الصور أو البحث عن علامات فارقة، باستخدام إمكانيات متواضعة من أدوات قياس وتصوير جنائي، وهي وسائل لا ترقى لحجم الكارثة الإنسانية.
وأوضح أن نسبة التعرف على الجثامين بهذه الطرق ضئيلة جدًا، وقد وقعت أخطاء مؤلمة، من بينها تعرف عائلتين مختلفتين على الجثمان ذاته، في ظل غياب أي وسيلة حاسمة للفصل، لعدم توفر فحوصات الحمض النووي (DNA) داخل القطاع.
وأشار عاشور إلى أن الاحتلال يرفق أحيانًا الجثامين ببيانات وراثية عبر الصليب الأحمر، إلا أن هذه البيانات غير قابلة للاستخدام لعدم وجود قاعدة بيانات للحمض النووي لعائلات المفقودين في غزة.
ووصف ملف الجثامين مجهولة الهوية بأنه من أكثر الملفات قسوة نفسيًا، ليس على الأهالي فحسب، بل على الطواقم الطبية والفنية التي توثق جثامين في مراحل تحلل متقدمة، تحمل آثار تعذيب وإصابات، وبعضها لا يتجاوز كونه أشلاء بشرية.
وبيّن أن بعض العائلات تصل إلى قناعة غير مكتملة بأن الجثمان يعود لابنها، بنسبة لا تتجاوز 90%، بينما تبقى 10% كافية لتعذيب القلب إلى ما بعد الدفن، مؤكدًا أن الشك يلازم الأهالي حتى بعد مواراة الجثمان الثرى.
وفي السياق ذاته، أعلن مدير مستشفى الشفاء محمد أبو سلمية تسلم جثامين وأشلاء وجماجم لشهداء، بينها جثث نساء مجهولات الهوية، وجثامين مبتورة أو مشوهة، مؤكدًا أن الاحتلال يمتلك معلومات دقيقة عن هويات الشهداء لكنه يرفض الإفصاح عنها.
وتشير المعطيات إلى انتشال نحو 700 جثمان من تحت الأنقاض منذ وقف إطلاق النار، بينهم عدد من مجهولي الهوية، فيما لا يزال أكثر من 8500 جثمان مفقود تحت الركام، ما ينذر بتفاقم المأساة مع العثور عليهم في حالات تحلل متقدمة.
وطالب مختصون المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية بالتحرك العاجل لإدخال مختبرات وتجهيزات فحوصات الحمض النووي، معتبرين أن استمرار هذا الملف دون حلول علمية يمثل جريمة إنسانية إضافية بحق أهالي الضحايا، ومأساة مفتوحة بلا أفق.

