| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
إسرائيل اليوم 8/2/2026
لترامب: لن تجني مفاوضاتك مع النظام الإيراني سوى الهزيمة
بقلم: إيال زيسر
كان يبدو قبل أسابيع قليلة أن مصير النظام في طهران قد حسم. احتجاج شعبي واسع للجماهير الإيرانية اجتاح الشوارع وكان يبدو أنه سيسقط النظام الإيراني رغم محاولات إغراق جماهير المتظاهرين بأنهار من الدم.
كل ما كان يلزم هو ضربة ساحقة لقادة النظام، سواء بتصفية من يقف على رأسه أم بضرب مراكز قوته، وبخاصة الحرس الثوري. غير أن هذه الضربة التي يمكن للأمريكيين فقط أن يوقعوها لم تأت.
التاريخ هو الذي سيحكم إذا كان هناك احتمال حقيقي لإسقاط النظام الإيراني وإذا كان الرئيس الأمريكي قد فوت فرصة ذهبية، قد لا تعود في المستقبل المنظور. لكن كل هذا هو بمثابة حليب سكب. الاحتجاجات في إيران انطفأت حالياً، والنظام ينتعش، فيما يسعى الأمريكيون إلى بدء مفاوضات والوصول إلى اتفاق له معنى واحد: مد حبل نجاة لآية الله في طهران، يسمح لهم بالبقاء في الحكم ومواصلة طريقهم.
التاريخ هو الذي سيحكم إذا كان هناك احتمال حقيقي لإسقاط النظام الإيراني وإذا كان الرئيس الأمريكي قد فوت فرصة ذهبية، قد لا تعود في المستقبل المنظور
يواصل ترامب التهديد، بل ويبعث مزيداً من القوات العسكرية إلى الخليج الفارسي. ويأمل أن يقنع بذلك الإيرانيين للتوصل إلى اتفاق يضيفه إلى قائمة الاتفاقات التي وقع عليها في السنة الأخيرة.
نسي ترامب أن إيران ليست فنزويلا ولا إسرائيل أو حركة حماس، الذين فرض عليهم جميعاً الاتفاق.
وبعامة، لم يجرِ ترامب حتى اليوم مفاوضات مع أحد، بل ببساطة أملى إرادته على الدول والزعماء المتعلقين به، وبالتالي يريدون إرضاءه. المفاوضات الوحيدة التي أجراها كانت مع روسيا على وقف الحرب في أوكرانيا، وحتى هذه لا تقدم فيها.
إذا كان ثمة شيء يميز الإيرانيين، فهو خوض المفاوضات وتمديد وكسب الوقت، وخداع الخصم وإنهاكه، وفي النهاية الوصول إلى اتفاق يخدم مصالحهم.
وبعامة، فإن الأمر الذي يهم آية الله هو بقاء النظام. كل ما تبقى قابل للتفاوض، لأن التجربة تفيد بأن ما يعطيه الإيرانيون اليوم يستعيدونه غداً.
في العام 1988، بعد ثماني سنوات من حرب مضرجة بالدماء مع العراق، فاجأ الأمام الخميني أبناء شعبه حين أعلن استعداده لوقف النار، رغم أنه دعا إلى حرب إبادة حتى النصر المطلق ضد العراق صدام حسين. وشرح الخميني بأن هذا يعد احتساء كأس سم، لكن لا بديل؛ لأن صدام حسين بدأ يستخدم السلاح الكيماوي في الحرب، وأمطر آلاف الصواريخ على المدن الإيرانية.
منذئذ، احتسى زعماء إيران بضع كؤوس سم أخرى. هكذا في 2003، حين أوقفوا مشروعهم النووي مؤقتا بعد أن احتل الأمريكيون العراق، وكان يبدو أن وجهتهم المواصلة إلى طهران.
وهكذا أيضاً بعد عقد من ذلك، حين توصلوا مع الرئيس أوباما إلى اتفاق جمد تقدمهم في الطريق إلى النووي.
صحيح أن الإيرانيين أبدوا براغماتية بهدف ضمان بقاء النظام، لكن تبين بأثر رجعي بأن كل التنازلات التي قدموها كانت كاذبة؛ فهم لم يتنازلوا عن مشروعه النووي، بل جمدوه ليستأنفوه فوراً حين يتاح لهم ذلك. أما عن دعم الإرهاب في اليمن والعراق ولبنان وتطوير سلاح صاروخي – كل هذا لم يتحدث فيه أحد على أي حال.
ومن ناحية إيران، ما كان هو ما سيكون هذه المرة أيضاً. وعليه، فلا يجب خوض المفاوضات مع النظام الإيراني، بل إسقاطه.
إذا كان ترامب يريد “أن يلعب اللعبة”، فبدلاً من المفاوضات، عليه أن يصدر للإيرانيين إنذاراً نهائياً لقبول شروطه وأن يتأكد أنه لا تسويات، بل استسلام مطلق – تصفية البرنامج النووي، وتصفية مشروع الصواريخ الإيرانية، وتصفية وكلاء الإرهاب الذين أقامتهم إيران، وإلا لا نكون قد فعلنا شيئاً.
——————————————
هآرتس 8/2/2026
رواية نتنياهو بشأن 7 أكتوبر: قفز بين الكذب والخروج عن السياق
ميخائيل هاوزر طوف
نشر نتنياهو الخميس الماضي وثيقة تتكون من 55 صفحة، تشمل روايته الخاصة لأحداث 7 تشرين الأول وما سبقها، في محاولة للتنصل من المسؤولية عن المذبحة. ووفقاً له، تتضمن الوثيقة إجاباته عن الأسئلة التي وجهها إليه مراقب الدولة متنياهو انجلمان في إطار التحقيق الذي يجريه. وقال نتنياهو في مؤتمر صحافي مرافق للوثيقة: “هذه الوثيقة تتضمن نصوصاً لمحادثات أمنية ووثائق كثيرة على مدى 12 سنة، بدءاً بعملية “الجرف الصامد” وحتى صباح 7 تشرين الأول”. وأضاف: “يجب إخباركم: عندما تم عرض هذه المواد دهش الكثيرون لأنهم اطلعوا على أمور لا حصر لها مناقضة تماماً ما سمعوه في وسائل الإعلام في السنتين الأخيرتين”.
في الأشهر التي مرت منذ 7 أكتوبر وحتى الآن، حصلت “هآرتس” على محاضر وملخصات الكثير من النقاشات التي أشار إليها نتنياهو في مزاعمه. ويظهر الاطلاع على الوثائق كاملة صورة واضحة لا لبس فيها: لقد شوه رئيس الوزراء الحقائق وكذب وقدم أنصاف حقائق فيما نشره للجمهور. بعض أقواله كاذبة تماماً، وبعضها يعرض بأسلوب تلاعب. وفي حالات كثيرة، لا تتضمن الاقتباسات التي اختار نشرها من مختلف المناظرات أجزاء أخرى في النقاش، ما يتناقض مع الرواية التي يسعى إلى تسويقها.
هذه ليست المرة الأولى التي يتصرف فيها نتنياهو بهذه الطريقة. فعندما حاول إقالة رئيس “الشاباك” رونين بار، ومنعته المحكمة العليا، قدم رئيس الحكومة إفادة خطية للمحكمة العليا تضمنت ادعاءات كثيرة ضد رئيس الجهاز استناداً لمحاضر سرية لمحادثات جرت بينهما، وحتى أن “هآرتس” استعانت بالمحاضر كاملة لتوضيح كيف حرف نتنياهو التصريحات وقدم صورة متحيزة للقضاة. والآن تعرض “هآرتس” ادعاءات رئيس الحكومة في الوثيقة التي صدرت الخميس، إضافة إلى الصورة الكاملة.
مصطلح “الاحتواء” ومصطلح “الهدوء” لم يذكرا قط في التوجيه
ادعاء رئيس الحكومة. في بداية أقواله في الوثيقة، أشار نتنياهو إلى “سياسته تجاه الساحة الفلسطينية ورؤيته لـ “التسوية” في قطاع غزة. ويقول نتنياهو إن مصطلح “الاحتواء” ومصطلح “الهدوء” لم يذكرا قط في توجيه رئيس الحكومة”.
نتنياهو يكذب. فخلافاً لأقوال رئيس الحكومة، تشير ملخصات اللقاءات الخطية في مكتبه إلى أنه استخدم “الاحتواء” و”الهدوء” لوصف نهجه تجاه قطاع غزة
الصورة الكاملة: نتنياهو يكذب. فخلافاً لأقوال رئيس الحكومة، تشير ملخصات اللقاءات الخطية في مكتبه إلى أنه استخدم هذه المصطلحات لوصف نهجه تجاه قطاع غزة. في 15 شباط 2023 التقى نتنياهو مع والدي هدار غولدن. ويذكر ملخص اللقاء المعد في مكتبه أن نتنياهو قال في هذا اللقاء: “حماس عازمة على التراجع. لديها مصلحة في الحفاظ على الاستقرار والتوصل إلى اتفاق. من المهم الحفاظ على الهدوء المصطنع كأداة ضغط على حماس”.
رئيس الحكومة أيد التصفيات المركزة دائماً
ادعاء رئيس الحكومة. يبدأ نتنياهو حديثه عن سياسته بشأن تصفية الشخصيات البارزة في القطاع بالقول: لطالما أيد رئيس الحكومة عمليات التصفية المركزة كأداة ردع ناجعة”.
الصورة الكاملة. ادعاء نتنياهو غير دقيق. فمع أن الكثير من عمليات التصفية نفذت في فترة ولايته، إلا أن نتنياهو عارض خلال سنوات استغلال الكثير من الفرص الاستراتيجية لاستهداف الشخصيات البارزة. ومثال ذلك تنفيذ عملية “جدول الضرب”، وهي عملية خاصة بدأ التخطيط لها في فترة رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت، لتصفية يحيى السنوار ومحمد ضيف في الوقت نفسه.
ومثلما نشرت “هآرتس”، فإن “الشاباك” ضغط لتنفيذ هذه الخطة، ولكن نتنياهو الذي اطلع على تفاصيلها وتقدم مراحلها، امتنع في جلستين منفصلتين على الأقل، عن المضي قدما بها في عدة مناسبات. وفي الأسبوع الماضي، نشرت القناة 12 بأن نتنياهو أجل العملية المخطط لها 11 مرة، وأمر بعدم تنفيذها.
رئيس الحكومة أمر بالمضي قدماً في تصفية العاروري، ولكن رونين بار عارض ذلك.
ادعاء رئيس الحكومة. لإثبات ادعائه بأن من يعارضون عمليات التصفية المركزة هم رؤساء جهاز الأمن، يدعي نتنياهو بأن رئيس “الشاباك” رونين بار، عارض تصفية صالح العاروري، القيادي البارز في حماس والذي قاد الهجمات الإرهابية التي حرجت من الضفة الغربية. وينقل نتنياهو عن بار أقواله في لقاء عمل تم عقده بينهما في 8 كانون الثاني: “رئيس الحكومة أمر رئيس جهاز “الشاباك” بتسريع عملية تصفية العاروري (الذي كان في لبنان)، لكن رئيس “الشاباك” رد: “هذا سيضع “الشاباك” في موقف حرج. ولا أراه أمراً صائباً”.
الصورة الكاملة. امتنع نتنياهو عن عرض السياق الكامل. في المحادثة التي اقتبست، قال بار إنه يعتقد أن موارد “الشاباك” يجب أن توجه بطريقة مختلفة، وأن يخصص معظمها للتعامل مع يحيى السنوار، زعيم حماس في القطاع، لأن الخطر الذي يشكله أكبر. وقال بار في لقاء عقد قبل المذبحة بتسعة أشهر: “ثمة فرق بين نهج العاروري الذي يدعو إلى تنفيذ هجمات صغيرة ونهج السنوار الذي يدعو إلى تنفيذ هجمات كبيرة”.
رونين بار أراد تجنب الحرب
ادعاء رئيس الحكومة. ينقل نتنياهو مرة أخرى عن رئيس “الشاباك” رونين بار قوله بأنه أراد تجنب الحرب في قطاع غزة. واقتبس أقواله من جلسة في نيسان 2023 التي قال فيها “علينا إيجاد هدف تحت نسبة التصعيد (أي هدف للتصفية لا يجر إسرائيل إلى معركة مع حماس).
الصورة الكاملة. نتنياهو يحرف الحقائق ويمتنع عن عرض السياق الكامل. يخفي رئيس الحكومة في الوثيقة حقيقة أن هذا النقاش عقد على خلفية تصعيد خطير في المسجد الأقصى، وليس على خلفية التوتر في قطاع غزة. ففي اليوم الذي سبق النقاش، دعت حماس الفلسطينيين إلى التحصن في المسجد الأقصى، واندلعت مواجهات مع الشرطة هناك كانت نتيجتها اعتقال 350 فلسطينياً. وفي نقاش عقد في اليوم التالي، حذر رؤساء جهاز الأمن من أن أي تصعيد في المسجد الأقصى قد يؤدي إلى حرب متعددة الساحات.
رئيس قسم الأبحاث، عميت ساعر، قال في الجلسة: “إن صور المسجد الأقصى يتم تداولها بنطاق واسع”. وأضاف رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، أهارون حليفا: “هذا سيجمع الساحات”. رداً على ذلك، قال رئيس “الشاباك” رونين بار: “يجب الاقتراب من شفا الحرب بدون الانجرار إليها. الانفصال عن المسجد الأقصى بشكل مبادر إليه وليس انجراراً”. بكلمات أخرى، سعى بار إلى اتخاذ إجراءات لا تكون كرد فعل على أعمال الشغب في المسجد الأقصى؛ لتجنب حرب دينية متعددة الساحات. لم يسع بار إلى تجنب العمل كما قال نتنياهو، بل اعتقد أن على إسرائيل المبادرة بأفعالها وليس الانجرار إلى رد الفعل. وفي لقاء لمجلس الوزراء في اليوم التالي، قال نتنياهو نفسه بأنه “من الضروري تهدئة الوضع في المسجد الأقصى”.
“كل أجهزة الاستخبارات قدرت أن حماس مردوعة”
ادعاء رئيس الحكومة. الفصل الموجود في الوثيقة عن “التقدير بشأن وضع الردع أمام حماس”، يبدأه نتنياهو بقوله: “القول بأن “حماس مردوعة” لم يكن “توجيهاً”، بل تقدير الاستخبارات الموحد الذي أيدته كل أجهزة الاستخبارات في إسرائيل”.
الصورة الكاملة. نتنياهو يقوم بالتشويه. رغم أن أجهزة الاستخبارات، وبحق، قدرت في مناسبات كثيرة بأن حماس مردوعة، إلا أنها نظرية تم دحضها. ومثلما كشفت “هآرتس” في 21 أيار 2023، أي قبل خمسة أشهر على هجوم 7 أكتوبر، فقد حذر رئيس “الشاباك” نتنياهو من حملة مستقبلية في قطاع غزة. وفي محادثة بينهما، قال بار إن عملية “الدرع والسهم” ضد الجهاد الإسلامي، التي انتهت قبل بضعة أيام من ذلك، كانت “الجولة الأولى ضد المحور الشيعي”، وإن “الردع سيتم اختباره مع مرور الوقت”. وأضاف رئيس “الشاباك”: “يجب الاستعداد لضربة استباقية، جولة تصفيات. حماس هي التحدي القادم الذي نواجهه، ولا مناص من معركة في قطاع غزة”. من ناحيته، اعتقد نتنياهو أن حماس تم ردعها. ورد على بار: “منذ عملية حارس الأسوار، لم تطلق حماس أي صواريخ على إسرائيل، بينما “الجهاد الإسلامي” يشكل تحدياً. هناك حالياً ميزان رعب قوي أمام حماس”.
وقال نتنياهو أموراً مشابهة بشكل علني بعد انتهاء عملية “الدرع والسهم” في أيار 2023: “عملية حارس الأسوار التي وجهت لحماس أشد ضربة في تاريخها… أدت إلى تغيير معادلة الردع، وهذا يعمل منذ سنتين”. وأشار إلى أنه “منذ ذلك الحين، لم تطلق حماس أي صاروخ نحونا، هي مرتدعة”.
الانقلاب والردع
ادعاء رئيس الحكومة. أحد الادعاءات المهمة التي يواجهها نتنياهو هو فقدان الردع عقب المضي بالانقلاب النظامي الذي بدأ في 2023. في الوثيقة التي نشرها، قال إن الردع الإسرائيلي تحسن بعد عملية “الدرع والسهم”، التي أمر فيها في بداية أيار 2023. ولإثبات هذا الادعاء، اقتبس نتنياهو رئيس الأركان هرتسي هليفي في جلسة تقدير للوضع عقدت في 4 حزيران في تلك السنة: “أعتقد أن قدرة إسرائيل على الردع فعالة جداً وقوية جداً. ونرى هذه الدلائل على أرض الواقع.
الصورة الكاملة. نتنياهو يشوه الأقوال التي قيلت في الجلسة. فرغم عملية “الدرع والسهم”، فما زالت إسرائيل تعتبر ضعيفة عقب الجدال حول الانقلاب. خلافاً لأقواله، في إجمال تقدير الوضع الذي اقتبسه، كتب: “الرأي العام في النقاش كان تشخيص ضعف إسرائيل استراتيجياً من قبل جميع المشاركين”.
ادعاء رئيس الحكومة. في الجزء في الوثيقة الذي يتطرق إلى الردع أمام حماس، قال نتنياهو بأنه في سلسلة من الوثائق جاء أن الخلافات الداخلية في المجتمع الإسرائيلي تشكل عاملاً رادعاً لحماس وليس العكس. ويعرض رئيس الحكومة في الوثيقة عدة وثائق من الاستخبارات العسكرية كمثال على ذلك.
الصورة الكاملة. نتنياهو لم يذكر أن رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية حذره شخصياً في 2023 من أن الأزمة السياسية والاجتماعية في إسرائيل، على خلفية الانقلاب، تشجع إيران وحزب الله وحماس على المخاطرة بتنفيذ عمليات ضدها. ومثلما نشرت “هآرتس” في 2023، كتب رئيس قسم الأبحاث لنتنياهو: “تشير جميع الأطراف الفاعلة في النظام إلى أن إسرائيل تعاني من أزمة شديدة وغير مسبوقة تهدد تماسكها وضعفها. بالنسبة للأعداء الرئيسيين، إيران وحزب الله وحماس، يعتبر هذا الضعف تعبيراً عن مسار خطي سينتهي بانهيار إسرائيل. والوضع الراهن يعتبر فرصة لتسريع وتعميق مشكلاتها”. وجاء في البيان: “يضاف إلى ذلك التقييم الذي يقول بأن الدعم الأمريكي والأوروبي لإسرائيل يتآكل بشكل يقلل من قدرتها على التعامل مع أزمة أمنية واسعة النطاق”.
المكالمة الهاتفية صباح المذبحة
ادعاء رئيس الحكومة. يعرض نتنياهو في الوثيقة ملخصاً أعده بشأن المكالمة الهاتفية بينه وبين السكرتير العسكري آفي غيل بعد عشر دقائق على بدء الهجوم في صباح 7 أكتوبر. ورغم وجود نص كامل لهذه المكالمة، ونشر جزء منها في السابق في برنامج “عوفدا”، لكن نتنياهو اختار تقديم نسخة محرفة منها لمراقب الدولة. يقول نتنياهو في الوثيقة: “رئيس الحكومة أكد أن الأكثر أهمية هو معرفة نطاق الهجوم، وما إذا كان يهدف إلى عمليات اختطاف”.
الصورة الكاملة. نتنياهو يكذب. النص الكامل للمكالمة، الذي وصل إلى “هآرتس”، يثبت أن السكرتير العسكري هو الذي طرح احتمالية حدوث هجوم بهدف عملية اختطاف. بينما لم يشر نتنياهو إلى هذا الأمر على الإطلاق. وقال السكرتير العسكري غيل في المكالمة: “سيدي، سأطلعك على آخر المستجدات في الـ 15 دقيقة القادمة، وقد يكون الهدف عملية اختطاف، هذا ما نعتقده”. فأجاب نتنياهو: “حسنا، علينا رؤية ما إذا كان يمكننا اغتيال بعض قادتهم على الفور”.
——————————————
هآرتس 8/2/2026
بشأن 7 أكتوبر: بروتوكولات العائلة الكاذبة.. نتنياهو يتهم الآخرين وسارة تخفي الحقائق
بقلم: أسرة التحرير
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كذب وزور وشوه الواقع في روايته عن أحداث 7 أكتوبر. البروتوكولات وخلاصات المحادثات التي كشفتها “هآرتس” تثبت هذا بما لا يرتقي إليه شك. فقد استخدم نتنياهو أجزاء محادثات وأنصاف حقائق كي يبث رواية كاذبة عما حصل. ولمفاجأتكم: نتنياهو مسؤول عن كل ما نجح، أما الفشل فلا يتحمل مسؤوليته إلا جهاز الأمن!
ليست هذه هي المرة الأولى التي يستخدم بها نتنياهو البروتوكولات والمداولات السرية استخداماً انتقائياً ومتحيزاً؛ فحتى عندما أقال رئيس “الشاباك” السابق رونين بار، استخدم بروتوكولات سرية في رده للمحكمة لتبرير خطواته (وفي حينه، أجل تورط مع أنصاف حقائق وتزويرات).
البروتوكولات السرية ليست ملكه الخاص، ويحظر عليه استخدامها استخداماً تلاعبياً، سياسياً وانتقائياً. وفي الحقيقة، يجدر بالبروتوكولات أن تنشر بكاملها كي تعطي الجمهور صورة كاملة. لكن نتنياهو غير معني بذلك، خوفاً من كشف الحقيقة، التي تدحض رواية المخرج الكذاب.
ثقافة الكذب لدى عائلة نتنياهو تسيطر. فبعد أيام معدودات من 7 أكتوبر، أمرت سارة نتنياهو أناس مكتب رئيس الوزراء بجمع المواد والمعلومات عن كل السنين التي سبقت الحرب. وحسب ما نشرت “واللا”، طلبت سارة نتنياهو أن تضع يدها على بروتوكولات سرية وعلى منشورات إعلامية، وذلك كله لبناء رواية تعفي نتنياهو من أي مسؤولية.
الصلاحيات القانونية تمنح نتنياهو إمكانية السماح بنشر المضامين الحساسة، لكنها لا تسمح له بتحرير واقع بديل منها. يستخدم نتنياهو بكل تهكم المقدر الوطني الحساس للغاية، ويمس بذكرى الشهداء وبرغبة العائلات للحصول على جواب حقيقي، بهدف هندسة الوعي العام.
وكما يستخدم البروتوكولات استخداماً تهكمياً، فهو بالطريقة ذاتها يسخر من صلاحيات متنياهو انجلمان، مراقب الدولة. نتنياهو يثق بأنجلمان الذي لا يعمل حارس عتبة حقيقياً ويتعاون معه بشكل وثيق. قبل وقت طويل من 7 أكتوبر، ومع تسلمه مهام منصبه، أعلن انجلمان أنه يعارض استنتاجات شخصية ضد من تتركز عليهم رقابته، وسيفضل الانشغال بالدروس المنظوماتية. لا توجد سياسة ملائمة لنتنياهو أكثر من هذا.
مستوى تلويث للتحقيق غير مسبوق. فلم يسبق لرئيس وزراء أن شوش كل قدرة على التحقيق والاستقصاء في ما حصل. حاول اختيار محققه، ونشر أنصاف حقائق وأكاذيب لتغيير الرواية العامة. ليس سوى لجنة تحقيق رسمية يمكنها أن تكشف الحقيقة الكاملة، وربما تنجح في تحييد الضرر.
——————————————
يديعوت أحرونوت 8/2/2026
إيران في المفاوضات: إمام الاستسلام أو المواجهة العسكرية
بقلم: راز تسيمت
في تموز 2012 جرى في إيران حوار واسع واستثنائي حول الذكرى الـ 24 لقرار زعيم إيران السابق آية الله روح الله خميني تبنيه عام 1988 قرار مجلس الأمن للأمم المتحدة رقم 598 والموافقة على وقف نار مع العراق في ختام حرب سنوات الثمانية بين الدولتين. قراره الدراماتيكي اتخذ بخلاف تام مع موقفه غير المساوم حتى ذلك الحين، وسعيه لمواصلة القتال حتى إسقاط لصدام حسين نهائياً. وعلى حد قوله، كان هذا القرار يوازي احتساء “كأس سم”.
الموقع الرسمي لزعيم إيران، علي خامنئي، جلب في صفحته الرئيسة مقاطع مختارة من مواقفه على مدى السنين من قرار سلفه، والتي عبر فيها خامنئي عن تأييده لاتخاذ القرار. على حد قوله، عندما تتطلب مصالح الإسلام والثورة ذلك، يجب تبني موقف يبدو سطحياً على 180 درجة عن الموقف السابق. وهكذا تهيأت التربة لتنازل إيراني تجاه الغرب في مسألة النووي والتي تحققت بعد نحو ثلاث سنوات من التوقيع على الاتفاق النووي التاريخي بين إيران والغرب.
في هذه الأيام، حين تقف الجمهورية الإسلامية أمام لحظة حسم أخرى في ضوء الأزمة الداخلية وإمكانية هجوم عسكري أمريكي، يبرز من جديد سؤال ما إن كان خامنئي سيطالَب قريباً باتخاذ قرار إذا كان مستعداً لـ “احتساء كأس السم”. لقد سبق لزعيم إيران أن أثبت بأنه قادر على الموافقة على تسويات تكتيكية، مثلما فعل عندما وافق على سحب البرنامج النووي مقابل رفع العقوبات الغربية عن بلاده. في خطاب في أيلول في 2023 صرح خامنئي بأنه لا يعارض خطوة دبلوماسية مشروطة ومحدودة مع الغرب ويؤيد نهجاً وصفه “بالمرونة الشجاعة” مثل الإمام الشيعي الثاني، حسن بن علي، الذي وافق العام 661 على التوقيع على معاهدة سلام مؤقتة مع الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان، التي تنازل فيها عن مطالبته بالحكم. وقد عبر هذا الموقف عن استعداد للتنازل ما دام هذا يخدم بقاء النظام، لكن دون التنازل عن المبادئ الأساس أو الذخائر الاستراتيجية.
حين تقف الجمهورية الإسلامية أمام لحظة حسم أخرى في ضوء الأزمة الداخلية وإمكانية هجوم عسكري أمريكي، يبرز من جديد سؤال ما إن كان خامنئي سيطالَب قريباً باتخاذ قرار إذا كان مستعداً لـ “احتساء كأس السم”.
وبالفعل، فالمرونة التي أدت إلى الاتفاق النووي أبقت لدى إيران قدرات وبنى تحتية قد تستخدمها في المستقبل لاستئناف البرنامج النووي. لكن انسحاب ترامب من الاتفاق في 2018 اعتبر في نظره دليلاً على مفهوم بموجبه لم يكن البرنامج النووي سوى ذريعة للضغط على إيران، لعزلها وإضعافها؛ لتهيئة التربة لتحقيق الهدف المطلق: إسقاط النظام الإسلامي.
كفيل خامنئي هذه المرة أن يوافق على حلول وسط تكتيكية في مسألة النووي لإزالة تهديد الهجوم العسكري. ستكون طهران مطالبة بتنازلات أخرى في سياق البرنامج النووي، مثل الموافقة على إخراج 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب إلى مستوى 60 في المئة المتبقية لديها، وربما حتى الموافقة على عودة مراقب الوكالة الدولية للطاقة الذرية. مع ذلك، هذه التنازلات قد تعتبر في نظرها حلاً معقولاً وضرورياً في ضوء الضائقة التي علقت فيها. تسوية كهذه ستمنع الهجوم الأمريكي، بل وتوفر للنظام حبل نجاة في وضعه الصعب الحالي.
بالمقابل، فإن استعداداً من جانب خامنئي للموافقة على تنازلات في المسألتين الإضافيتين: برنامج الصواريخ والمساعدات الإقليمية، موضع شك كبير. فمنظومة الصواريخ بقيت اليوم عنصر الرد الناجع الوحيد لدى إيران في ضوء الضربة التي وجهت لقدرات النووي والوكلاء. إن التنازل عنها لا يعتبر تسوية تنقذ النظام، بل توقيع على كتاب استسلام، وهي لا تمنع فقط محاولة أمريكية لإسقاط النظام، بل ستفاقم هشاشة الجمهورية الإسلامية وتسرع الجهود لإسقاطها.
فضلاً عن ذلك، مشكوك أن يكون خامنئي مقتنعاً بالفعل بأن بوسع الولايات المتحدة أن تحقق هدف إسقاط النظام الإيراني. حتى في سيناريو تنجح فيه الولايات المتحدة في إزاحة خامنئي عن الحكم، ليس في ذلك بالضرورة ما يهدد بقاء النظام الإسلامي. لذا، بينما موافقة الخميني على احتساء “كأس السم” في 1988 فإن التنازل عن عنصر أساسي في مفهوم الردع الإيراني وعلى رأسه الصواريخ، يعتبر في نظره خطوة أخطر من مواجهة عسكرية.
في نهاية الأمر، إن رفض خامنئي تنازلات بعيدة الأثر بما في ذلك في مجال الصواريخ، قد يدهور بلاده إلى مواجهة عسكرية قاسية مع الولايات المتحدة. بالمقابل، استعداده للتنازل عن بوليصة التأمين الأخيرة المتبقية لديه، لن تنقذ النظام بل تقرب نهايته. من هذه الناحية، فإن المعضلة التي يقف النظام الإيراني أمامها أصعب حتى من تلك التي وقف أمامها سلفه، لأن المسألة لم تعد احتساء “كأس السم” كي يحافظ على نظامه، بل عن أي سم يختار: ذاك الذي قد يعرضه للخطر في المدى القصير، أم هذا الذي يسرع انهياره لاحقا؟
والآن، لم يبق سوى رؤية ما إذا كانت التسويات التي قد توافق عليها ستكفي للوصول إلى اتفاق مع إدارة ترامب.
——————————————
هآرتس 8/2/2026
مواجهة في الكنيست بين الأكاديميين و”الحكومة وزعرانها”: هل نقترب من حرب أهلية؟
بقلم: آسا كيشر
مؤخراً، طُرح مشروع قانون في الكنيست يهدف إلى منح السياسيين السيطرة على نظام التعليم العالي في إسرائيل. وبطبيعة الحال، هذا المشروع يُناقش في كل الجامعات والكليات الأكاديمية التي تعتبر نفسها شريكة في النضال لإفشاله. وقيلت آراء منطقية كثيرة ضد هذا المشروع. سأكتفي بذكر أقوال البروفيسور اهارون تشخنوبر، الحائز جائزة نوبل، وأقوال رئيس جامعة تل أبيب البروفيسور أريئيل فورات، اللذين أتفق معهما تماماً. لا اضيف هنا إلى أقوالهما، بل أسلط الضوء على بعض الجوانب العميقة للصراع بين من يؤيدون هذا المشروع ومعارضيه.
هذه الجوانب تقودنا إلى الاستنتاج المذكور في العنوان. فالحرب الأهلية ليست كابوساً قد يحدث في المستقبل ويتسبب لنا بالضرر، بل هي مشكلة معقدة تنشأ هنا والآن، بفعل تصرفات زعرنة برعاية السلطات. ويمكن إلقاء نظرة أولية على عمق هذا الصراع من خلال أعضاء الكنيست الذين يؤيدون المشروع. يبدو أن الخلاف حول مستقبل التعليم العالي هو بينهم وبين أساتذة الجامعات. يبدو أن عالم الكيمياء الحيوية الحائز جائزة نوبل ورجل القانون رئيس الجامعة، اللذين يعرفان نظام التعليم العالي، يدركان خطورة سيطرة الجهات السياسية على نظام الأبحاث وتطوير الأكاديميا.
في المقابل، لا فكرة لدي عما يعرفه أو يفهمه من يؤيدون مشروع القانون. لم أجد في سيرتهم الذاتية إثراً لفهمهم لأهداف العلوم وقيمتها ومنهجيتها. يبدو أن مشروع القانون محاولة فجة ممن مُنحوا السلطة في ظروف لا تمت لعالم العلوم بصلة، السيطرة على مجال يقوم في الأساس على حرية الانخراط فيه وفقاً لقيمه. الحرية ترف بالنسبة لمن يقفون وراء دعاة الشر الذين يروجون لمشروع القانون، ولا يجدون أي غضاضة في استخدام السلطة المعطاة لخدمة أهداف نبيلة وضعها شخص ما في يدهم. أرى في ذلك شكلاً من اشكال الترهيب.
صراع محتدم في الكنيست الآن، التي اصبحت ساحة واضحة لمظاهر الزعرنة. فمقاطعة رئيس المحكمة العليا في سياق مراسم الكنيست التقليدية، زعرنة
هذا صراع محتدم في الكنيست الآن، التي اصبحت ساحة واضحة لمظاهر الزعرنة. فمقاطعة رئيس المحكمة العليا في سياق مراسم الكنيست التقليدية، زعرنة. إن استبعاد أعضاء الكنيست الذين يرفضون مواقف هؤلاء (مؤخرا اللجان نفسها)، تعتبر زعرنة. وإن تشكيل لجنة جديدة لتجاوز لجنة قائمة في السعي لتمرير أي قانون، يعتبر زعرنة. لدينا كنيست يعتبر التنمر فيها أحد قيمها وأساليبها.
إن صراع الترهيب الذي يستخدمه الوزراء وأعضاء الكنيست ضد الأكاديميا هو صراع بين نشطاء الحزب والخبراء العلميين والأكاديميين. المتنمر لا يرغب في مواجهة من لا يمكنه الرد على ادعاءاته وذرائعه، لذلك يلجأ إلى العنف بكل أنواعه. الصراع ليس بين “مسؤولين منتخبين” و”موظفين”، بل بين نشطاء غير مؤثرين و”خبراء” حقيقيين.
لا يبقى التنمر بين جدران الكنيست، بل يخرج علناً وبضجة وبدون خجل، أينما يمارس برعاية متنمر. ومثال ذلك شبكة المنظمات الإرهابية اليهودية التي تنشط ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. وهي شبكة متنمرين تعمل برعاية وزراء متمردون يتبنون روح التنمر التي يمارسها “شبيبة التلال”، بل ويساعدونهم بكل طريقة. مؤخراً، ظهر نوع جديد من التنمر في الشوارع، حيث تجرأ بعض الفتيان على عرقلة سيارة أهارون براك وإيهود باراك، وهم يهتفون بشعارات بذيئة. وثمة متنمرون آخرون طرقوا باب ناشطة اجتماعية لم تعجبهم أقوالها.
لا شك أن هذه الزعرنة الهامشية عمل منظم لمنظمة جريمة معروفة. ولا شك أن اليوم الذي سيواجه فيه هؤلاء الزعران الهامشيون قوات البالماخ في الجانب الآخر، لن يكون بعيداً، ولن يسمحوا لهم بالتصرف كما يريدون، في أي مكان وفي أي زمان.
حسب ما هو معروف، فإن البالماخ الحالي لم يظهر حتى الآن، لكن المسار الطبيعي للتطورات السياسية والاجتماعية في إسرائيل ينذر بعودته. وفي اللحظة التي يجد فيها هؤلاء الزعران الهامشيون مقاتلي البالماخ في مواجهتهم، سيدرك الجميع بأننا وصلنا إلى مرحلة الحرب الأهلية. لن تكون البداية مليئة بالعنف. ولكن من منا يتنبأ النهاية. العقبة الوحيدة أمام الحرب الأهلية هي القضاء على الزعرنة. لا فائدة من الحديث عن المتنمرين، أجل لا فائدة من محاولة إقناع شخص نزيه وعقلاني بقبول الوحدة إزاء الزعران وأمثالهم ومؤيديهم. يجب استئصال التنمر كمشكلة من مشكلات المجتمع الإسرائيلي.
——————————————
يديعوت أحرونوت 8/2/2026
نتنياهو بلا كوابح ويصدر وثائق خلافا للقانون
بقلم: رونين بيرغمان، يوفال روبوفيتش
كتب نتنياهو في مذكرة في حزيران 2023: “غزة مستقرة من خلال القوة الوثيقة المكتوبة بخط اليد، وتلك الأكاذيب كانت موجهة إلى مراقب الدولة”.
“يعتمد هذا النوع من المنشورات على افتراضين على الأقل: أولهما، أن القارئ غير مطلع على التفاصيل، وبالتالي يمكن ترتيب الأحداث التاريخية بالشكل المطلوب دون أن يلاحظ أحد. وثانيهما، أنه لا يوجد من يُسأل ؛ لأن نشر التفاصيل ممنوع”: هكذا وصف مسؤول أمني رفيع، مطلع على كيفية تجاهل الدولة لما كان يحدث في حماس.
وهو محقٌّ على الأرجح، إذ إن من كتب الوثيقة التي يسميها نتنياهو “رواية رئيس الوزراء لمراقب الدولة” اعتمد تحديدا على هذين الأمرين: الملكية المطلقة والسيطرة التامة التي يتمتع بها نتنياهو على المواد السرية، والاعتقاد بأنه الوحيد الذي يمتلكها أو أن الآخرين سيخشون كشف الحقيقة. بهذه الطريقة، يستطيع أن يبيعنا أي منتج، لا بتقليله، بل بإغراقه بكمّ هائل من المعلومات، سيلٌ من التفاصيل حول كيفية وقوع “فيضان الأقصى”، فيضانٌ يحجب عنا التناقضات والثغرات.
هذا افتراض منطقي، لكنه أغفل عدة عوامل: أولا، الغضب العارم لدى كبار المسؤولين الحاليين والسابقين في جميع الأجهزة الأمنية، والجيش، وأجهزة إنفاذ القانون، والحكومة، إزاء ما فعله نتنياهو، واستعدادهم لكشف أكاذيبه. ثانيا، افتقار من كتبوا رواية نتنياهو إلى المهنية والمعرفة، ما يخلق تناقضات (مضحكة أحيانا) ليس فقط مع الواقع، بل داخل الوثيقة نفسها. ثالثا، ما يمكن استخلاصه من مخلفات النقاشات المهمة.
لنأخذ على سبيل المثال ما كان يمكن العثور عليه في سلة المهملات في نهاية مناقشة لجنة الشؤون الخارجية والأمن في 13 حزيران (يونيو) 2023، لأنه بالغ الأهمية لأحد ادعاءات نتنياهو الرئيسة: من قال حقا إن حماس قد رُدعت؟ في وثيقة المراقب العام، يسأل نتنياهو: “هل أثّر التوجيه القائل بأن حماس مُردوعة ومهتمة بالهدوء على المشاركة في حماية الحدود؟” في رده المكتوب، رفض نتنياهو التلميح رفضا قاطعا: “لم يكن تصريح ‘حماس مُردوعة’ توجيها، بل كان تقييما استخباراتيا موحدا أيدته جميع أجهزة الاستخبارات في إسرائيل.”
بعبارة أخرى – ماذا تريدون مني؟ كل اللوم يقع على الاستخبارات، ورؤساء المؤسسة الأمنية يتحملون المسؤولية، وأنا، رئيس الوزراء، كنتُ كالأعمى الذي يتبع كلبا مرشدا. هم من وضعوا المفهوم، وهو صدّقه فحسب.
لكن إنكاره للتوجيه الذي أصدره بنفسه لا يصمد أمام الوثائق والواقع. تُظهر هذه الوثائق أنه في سعيه المحموم لنيل الفضل في كل شيء، أصبح أحد واضعي مفهوم الردع.
وهكذا يُعرّف نتنياهو الأمور فيما بينه وبين نفسه بخط يده. فهو مثل أمام لجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست، واستعرض الوضع، بما في ذلك وضع حماس في غزة. دوّن النقاط الرئيسة لنفسه، لكنه لم يكلف نفسه عناء أخذ الورقة التي كتب عليها أو إتلافها، فانتقل الورق من سلة المهملات.
تحت عنوان “التوجيه” بخط يده، وهو نفس التوجيه الذي ينكره اليوم، كتب نتنياهو بكلمات لا لبس فيها: “غزة – الاستقرار من خلال القوة”. لم يستشر المختصين بشأن وجود الاستقرار، بل أمر به.
شدد نتنياهو على كلمة “الردع” لأنه منذ عملية حارس الأسوار في أيار (مايو) 2021 (حين كان رئيسا للوزراء)، لم تطلق حماس “صاروخا واحدا” ولم تكن هناك “مظاهرات عند السياج”. كان هذا قرارا سياسيا تحول إلى مهمة عملياتية: فقد صدرت التعليمات للمستويات المختصة بخلق “صمت مطبق” وضمان عدم المساس بإحصائيات رئيس الوزراء المريحة.
بمعنى آخر، لا يقول نتنياهو إن هذا ما تُخبره به الاستخبارات، بل يُحدد هو الموقف. حتى عندما يحثه رؤساء أجهزة الاستخبارات على التحرك، يقول إنه لا جدوى من ردع حماس.
بلغ هذا التصور ذروته في عملية “الدرع والسهم” في أيار 2023. فبينما كانت العملية تُشن ضد حركة الجهاد الإسلامي، أقنع نتنياهو نفسه وحاشيته بأن حماس قد رُدعت تماما.
وفي أيار (مايو) 2023، خلال اجتماع لكتلة الليكود، حوّل نتنياهو الردع إلى أمر واقع: إذ أوضح أن حماس لم تُطلق أي صواريخ منذ عام 2021 “لأنها رُدعت”. وقد أدت الضربة التي وُجهت إلى حارس الأسوار إلى تدمير قدراتها تحت الأرض وفي الجو.
هذا ما كتبه أحد أبرز الشخصيات في المؤسسة الدفاعية خلال العقود الأخيرة في نهاية الأسبوع: “يستغل رئيس الوزراء سيطرته على المواد الاستخباراتية بطريقة استبدادية ومضللة وإجرامية، لنشر مقتطفات منها بطريقة تلاعبية ومنحازة. هذا تصرف مشين ودنيء ومضلل. نرجو من المحكمة العليا إصدار أمر له بنشر النصوص الكاملة.”
لا يقتصر الأمر على هذا الشخص البارز. فكثيرون في المؤسسة الدفاعية وعلى رأس أجهزة إنفاذ القانون والتحقيق يشاركونه الرأي، بأن نتنياهو لا يملك صلاحية نشر الوثيقة المذكورة. هذا التصرف غير قانوني وغير سليم، وبالتأكيد غير أخلاقي.
لا يملك نتنياهو صلاحية التصريح بنشر وثائق سرية باستثناء وثائق مجلس الوزراء، وحتى في هذه الحالة، لا يُنشر إلا بعد التشاور مع مسؤولي الأمن والاستخبارات. كما أن نشر هذه الوثائق محظور بموجب قانون مراقب الدولة. لا يملك نتنياهو صلاحية نشر مقتطفات من أسئلة مراقب الدولة أو إجاباته. هناك حظر جنائي على نشر ذلك.
لكن الأمر يختلف قليلا فيما يتعلق بنتنياهو. فقد رفض مراقب الدولة الرد مباشرة على أسئلتنا حول هذا الموضوع، واكتفى ببيان عام: “في الآونة الأخيرة، تم تجميد ثماني عمليات تدقيق بموجب أمر مؤقت من المحكمة العليا، يحترم مكتب مراقب الدولة قرارات المحكمة العليا، ولذلك لا يمكننا الرد بشكل جوهري على التصريحات التي صدرت في الأيام الأخيرة. حاليا، يتلقى الجمهور معلومات مجزأة بدلا من تقرير كامل وموضوعي ومتماسك.”
وبالمناسبة، لم ينتبه مراقب الدولة – في محاولته لابتكار نظرية مؤامرة أخرى – هو والكتّاب الذين يدافعون عنه، إلى أنه يُعقّد الأمور على نفسه.
يكتب نتنياهو أنه قدّم الوثيقة التي يوزّعها الآن على وسائل الإعلام خلال اجتماع مطوّل استمرّ أربع ساعات مع المراقب وفريقه في 25 كانون الأول (ديسمبر). ويضيف: “بعد ستة أيام فقط من اجتماع رئيس الوزراء مع المراقب، أصدرت المحكمة العليا، في توقيت استثنائي، أمرا مشروطا بتجميد عمل المراقب بشأن إخفاقات 7 تشرين أول (أكتوبر)”.
بعبارة أخرى، يُلمّح إلى أن توقيت أمر المحكمة العليا ليس من قبيل الصدفة (مع أن الجلسة كانت مقررة قبل ذلك بكثير)، وأنه يهدف إلى إسكات نتنياهو. لذلك، يرى نتنياهو أن “هذا يستلزم الكشف عن إجاباته من المراقب للجمهور”.
بمعنى آخر، تُثبت الوثيقة التي نشرها نتنياهو بهدف إلقاء اللوم على الجميع وتبرئة نفسه، مدى ثقة نتنياهو في قدرة المراقب على التوصل إلى استنتاجات صحيحة نيابة عنه. الحقيقة هي أنه عندما أصدرت المحكمة العليا أمرا بمنع مراقب الدولة، ولو مؤقتا، قرر نتنياهو، في عام الانتخابات، نشر نسخته المُنمّقة، متجاهلا القانون.
النتيجة مزيج من الأكاذيب والتشويهات الخطيرة والتستر والتزييف، حيث يُشكّل نشرها ومحتواها انتهاكا صارخا للعديد من القوانين. كل ذلك مع استغلال الثقة الممنوحة لنتنياهو وفريقه في الحفاظ على سرية المعلومات.
——————————————
يديعوت أحرونوت 8/2/2026
ترامب أكثر قابلية للتوقع مما تظنون
بقلم: دورون هدار
طوال الوقت، يُقال، إن «ترامب غير متوقّع»، وإنه «من المستحيل معرفة ما الذي سيحدث». هذا غير صحيح؛ فمن خلال تحليل شخصية الرجل، يمكن أن نخرج بانطباعٍ مفاده أنه في المجمل شخص قابل للتوقّع إلى حدّ كبير، ويمكن التنبؤ بخطواته، ولتوصيف تحرّكاته يجب تحليل ملفه الشخصي وأفعاله على مرّ السنين، والظروف الخاصة الخاضعة للفحص.
في سنة 1987، عندما كان ترامب رجل أعمال ناجحاً، نشر كتابه الشهير «فن الصفقة». لم يكن اختيار العنوان عشوائياً، بل مستوحى من كتاب «فن الحرب» الذي كُتب في القرن السادس قبل الميلاد، وأصبح مصدر إلهامٍ لقادة عسكريين ورجال دولة وصنّاع قرار. في تلك الأعوام، حاول ترامب تقديم نفسه خبيرا فذّا في التفاوض التجاري، وأراد أن يصبح مصدر إلهام لكل قائد، أو سياسي، أو رجل أعمال، يسعى لتعظيم أهدافه وتحقيق النجاح في الصفقات.
يحدّد ترامب في كتابه خمسة مبادئ للنجاح: التفكير الطموح، والتأكّد من عدم الخسارة، واستخدام أدوات الضغط، والسيطرة على السردية والوعي العام، والتصرّف بعدوانية.
من الناحية النفسية، واستناداً إلى «دليل تشخيص الاضطرابات النفسية» (DSM) الذي يُعد بمثابة المرجع الأساسي لعلماء النفس، فإن الرئيس الأميركي يتوافق مع سِمات الشخصية النرجسية: شعور مفرط بالعظمة، وانشغال زائد بالقوة والمظهر، وتصوّر ذاتي «متميز»، وحاجة ملحّة إلى الإعجاب، وانعدام التعاطف مع الآخرين، وشعور بالتفوّق، وغيرة من الآخرين، وغرور وغطرسة.
مع بداية الاحتجاجات المدنية في إيران، غرّد ترامب، قائلاً، إن «المساعدة في الطريق»، لكن المتظاهرين الذين انتظروا المساعدة لم يحصلوا عليها، وقُتل الآلاف – وربما أكثر – على يد قوات الحرس الثوري. وبدأت الانتقادات توجَّه إلى ترامب من داخل إيران، وحتى في الولايات المتحدة، حيث عاد استخدام التعبير «ترامب يتراجع دائماً».
هذه الانتقادات مستغرَبة، لأن سلوكه متوقّع إذا نظرنا إلى امتناعه من الرد الأميركي خلال ولايته الأولى، عندما هاجمت إيران منشآت الغاز والنفط التابعة لشركة «أرامكو» في السعودية في سنة 2019، أو إلى الاتفاق السريع الذي عقده مع الحوثيين في أيار 2025، بعد مواجهة عسكرية قصيرة؛ أو حتى إلى الضربة المحدودة في فوردو خلال عملية «شعب كالأسد»، الخطوة التي سارع بعدها إلى التغريد بأن الحرب انتهت، وفرض إنهاءها على الطرفين.
علاوةً على تجنّب الحروب، يعمل ترامب على الدفع بصفقات، أو تسويات إقليمية. ففي بداية ولايته الحالية، سعى لإنهاء حرب «السيوف الحديدية»، والحرب الروسية الأوكرانية، ونجح في التوصّل إلى اتفاق بين الهند وأفغانستان، بل اقترح على مصر إنهاء النزاع مع إثيوبيا.
لذلك، وبالنظر إلى طبيعته، ومنطقة الراحة التي يعمل ضمنها، والقوة المتاحة له، بصفته القائد الأعلى للجيش الأميركي، أعتقد أن ترامب سيستخدم الأدوات التي لديه، ليس لتحقيق حسم عسكري، بل للتوصّل إلى صفقة تخدم صورته التي يحاول ترسيخها، بصفتها إرثه السياسي؛ وحتى إذا لجأ إلى استخدام القوة فسيكون ذلك بشكل محدود، كقوة ردع وإشارة، لا كوسيلة لإطاحة النظام، بل لإعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات.
أمّا الصفقة التي سيحققها في نهاية المطاف، فسيغلّفها بغطاء ذهبي، ويعرضها على أنها أفضل صفقة في العالم، ويقدّم نفسه، باعتباره أعظم مفاوض في الكون.
—————–انتهت النشرة—————–

