خبير قانوني: مسودة الدستور المؤقت تغفل القضايا الجوهرية

المسار : رأى خبير قانوني فلسطيني أن مسودة الدستور المؤقت، التي صدرت، اليوم الثلاثاء، تتجاهل السؤال الأهم المتعلق بالمرجعية الدستورية العليا للشعب الفلسطيني.

وأصدر الرئيس محمود عباس، أمس الاثنين، قرارا رئاسيا يقضي بنشر المسودة الأولى لمشروع الدستور المؤقت للدولة، ودعوة المواطنين إلى تقديم ملاحظاتهم ومقترحاتهم عليها.

وتتكون مسودة الدستور من 162 مادة، وتتشكل لجنة صياغتها من 16 عضوًا، حيث يرأسها محمد الحاج قاسم، إضافة إلى سكرتير للجنة.

ويستند الدستور، وفق ما كتب في صفحاته الأولى، إلى فلسفة وروح وثيقة إعلان الاستقلال، التي أقرتها منظمة التحرير الفلسطينية في الدورة 19 عام 1988، وأنه يحترم قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولية ومبادئ حقوق الإنسان.

وورد في المسودة أن الدستور المؤقت ليس خاتمة الطرق بل بدايتها، هو الوثيقة التي تنقل فلسطين لطريق صناعة المستقبل بالتحرر من الاحتلال نحو الاستقلال والسيادة.

وقال الخبير وأستاذ القانون والعلاقات الدولية رائد بدوية، إن إعلان مسودة “الدستور المؤقت لدولة فلسطين 2026″، كان يفترض أن يشكّل لحظة دستورية تاريخية، تُنهي مرحلة السلطة وتؤسس لمرحلة الدولة.

لكن القراءة المتأنية للنص، وفق بدوية، تكشف مفارقة جوهرية، وهي أن المسودة تتحدث باسم دولة قائمة، لكنها تتجاهل السؤال المركزي الذي يسبق أي دستور فلسطيني حقيقي: من هي المرجعية الدستورية العليا للشعب الفلسطيني؟

واعتبر أن المسودة لا تقدم إجابة واضحة عن العلاقة بين ثلاثة مكوّنات أساسية: دولة فلسطين، ومنظمة التحرير، والسلطة الفلسطينية، وهي العقدة البنيوية للنظام السياسي الفلسطيني منذ اتفاق أوسلو.

في المقابل، يرى بدوية أن “السلطة الفلسطينية: تختفي اسميًا من النص، لكنها تعود فعليًا عبر بوابة “حكومة دولة فلسطين”، وأن المؤسسات القائمة ذاتها – رئاسة، حكومة، أجهزة أمن، أجهزة إدارية – يعاد تدويرها في قالب دستوري جديد، دون أي تحديد لكيفية الانتقال القانوني من سلطة نشأت بموجب اتفاق انتقالي إلى دولة يفترض أنها تعلو على تلك الاتفاقات.

وأشار أن تجاهل هذه الحقيقة لا يبني دولة، بل قد يؤدي – من حيث لا تقصد المسودة – إلى تكريس منطق استبدال المنظمة بهياكل حكومية تكنوقراطية، وهو المسار الأخطر على المشروع الوطني.

وأضاف أن “الدساتير في تجارب التحرر الوطني ليست مجرد وثائق تنظيم إداري، بل هي إعلان سياسي عن هوية الجهة التي تقود مشروع الدولة. ودستور فلسطين لا يمكن أن يكون استثناءً”.

وأكد بدوية أنه إذا لم يُحسم في نصوص الدستور أن المنظمة هي المرجعية العليا، وأن المجلس الوطني هو السلطة التأسيسية، وأن الحكومة مجرد أداة تنفيذية للدولة التي تمثلها المنظمة، فإننا نكون أمام دستور يشرعن واقع السلطة بدل أن يؤسس لواقع الدولة.

الخبير القانوني نبه إلى أن المسودة تصف فلسطين بأنها “دولة تحت الاحتلال”، لكنها لا تبيّن كيف ستُدار دولة تحت الاحتلال في ظل وجود سلطة نشأت أصلاً لإدارة الحكم الذاتي المحدود.

وأضاف أن المسودة لا تحدد أيضًا مصير اتفاقات أوسلو، ولا العلاقة بين القانون الدولي والواقع الانتقالي، ولا آليات تحويل الاعتراف الدولي بالدولة إلى ممارسة سيادية فعلية.

وتابع: كان يفترض أن يعالج الدستور هذه الأسئلة الكبرى: من يملك حق إعلان الدولة؟ من يفاوض باسمها؟ من يقرر السلم والحرب؟، لافتًا أن غياب الإجابة الصريحة عن هذه الأسئلة يجعل النص أقرب إلى دستور سلطة موسّعة منه إلى دستور دولة تحرر وطني.

وشدد بدوية على الحاجة إلى إدراج باب واضح يحدد مكانة منظمة التحرير في النظام الدستوري، والنص صراحة على أن المجلس الوطني هو صاحب الولاية التأسيسية، ووضع مواد انتقالية تُحوّل السلطة إلى حكومة تنفيذية تابعة للدولة، وتحديد العلاقة القانونية مع الاتفاقات السابقة بما ينسجم مع كون فلسطين دولة تحت الاحتلال.

وكان الرئيس محمود عباس قد تسلم الخميس الماضي، مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين، من لجنة صياغة الدستور الفلسطيني المؤقت، وأصدر تعليماته بإحالة نسخة من المسودة لإطلاع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير عليها.

وفي أغسطس/ آب الماضي، أصدر الرئيس مرسوما رئاسيا بتشكيل لجنة صياغة الدستور المؤقت للانتقال من السلطة إلى الدولة، وذلك في إطار التحضير للذهاب إلى الانتخابات العامة

Share This Article