المسار : اعتبر مراقبون أن مصادقة المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) على حزمة قرارات وُصفت بالدراماتيكية، تمثّل أخطر تحوّل استراتيجي منذ احتلال عام 1967، لما تحمله من تداعيات قانونية وسياسية وتاريخية عميقة على مستقبل الضفة الغربية.
ورأى المراقبون أن هذه القرارات لا تندرج في إطار التوسع الاستيطاني التقليدي فحسب، بل تؤسس عمليًا لمرحلة ضمّ فعلي وشامل، يعيد تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا، ويقوّض ما تبقى من دور السلطة الفلسطينية، في ظل صمت دولي متواطئ وتسارع غير مسبوق في فرض الوقائع على الأرض.
انقلاب قانوني وتفكيك لمنظومة السيادة الفلسطينية
وقال أستاذ حلّ النزاعات والخبير في الشؤون الإسرائيلية علي الأعور إن السلطة الفلسطينية تواجه اليوم عاصفة غير مسبوقة، عقب مصادقة المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت)، يوم الأحد، على حزمة قرارات وصفها بالدراماتيكية، تقدّم بها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الدفاع يسرائيل كاتس.
وأوضح الأعور في حديث لـ “قدس برس” أن هذه القرارات تمثّل تحولًا جذريًا في الوضع القانوني والمدني والتاريخي والديمغرافي للضفة الغربية، وتشكل خطوة عملية باتجاه فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليها.
وبيّن أن من أخطر هذه القرارات إلغاء التشريعات الأردنية التي كانت سارية في الضفة الغربية بشكل كامل، وعلى رأسها القوانين التي كانت تحظر على اليهود شراء الأراضي، وتجرّم بيع الأراضي لهم.
وأكد أن إلغاء هذه القوانين يفتح الباب واسعًا أمام تعزيز الاستيطان وتسريعه، ويمنح غطاءً قانونيًا لتحويل البؤر الاستيطانية والمستوطنات الزراعية والرعوية إلى مستوطنات «شرعية» وفق القانون الإسرائيلي.
من “بيت إيل” إلى “تل أبيب”: حسم ملكية الأرض إدارياً
وأشار الأعور إلى أن التطور الأهم يتمثل في نقل إدارة الأراضي وتسجيل الملكيات (الطابو) من مقر الإدارة المدنية في بيت إيل إلى تل أبيب، بما يسمح للمستوطنين بشراء الأراضي في الضفة الغربية وتسجيلها رسميًا في دوائر الطابو الإسرائيلية، والتعامل معها قانونيًا كما لو كانت أراضي داخل تل أبيب أو القدس، في سابقة خطيرة تعكس ضمًا فعليًا للأرض.
وأضاف أن إلغاء القانون الأردني المتعلق ببيع الأراضي يهدف كذلك إلى إنهاء مرحلة استخدام السماسرة والشركات الوهمية التي كانت تُستغل لتمرير عمليات البيع، واستبدالها بإطار قانوني إسرائيلي مباشر يشرعن الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية.
تهويد المعالم الدينية وإقصاء الهيئات المحلية
وفيما يخص الحرم الإبراهيمي، أوضح الأعور أن القرارات شملت سحب صلاحيات بلدية الخليل بالكامل فيما يتعلق بالتخطيط والبناء والترميم في محيط الحرم وداخله، وتحويل هذه الصلاحيات إلى ما يُعرف بـ«مديرية المستوطنين» في الخليل، ما يعني إقصاءً تامًا للبلدية الفلسطينية عن أي دور إداري أو مدني في المنطقة.
كما لفت إلى قرار مماثل يخص مجمّع قبة راحيل، حيث جرى إلغاء صلاحيات بلدية بيت لحم، وإعلان المنطقة «مدينة استيطانية» مستقلة تتولى جميع الوظائف المدنية والخدمية، بما في ذلك إدارة النفايات، والموظفين، والحدائق، والمساحات المحيطة بالموقع، في إطار إنشاء كيان استيطاني جديد يتمتع بكامل الصلاحيات.
وختم الأعور بالقول إن هذه القرارات، التي صادق عليها الكابينت الأمني والسياسي، من شأنها – وفق تقديره – تفريغ السلطة الفلسطينية من مضمونها ودفعها نحو الانهيار الكامل، مؤكدًا أن الرؤية الإسرائيلية باتت واضحة: لا مكان للسلطة الفلسطينية في ظل تسارع الاستيطان والسيطرة الشاملة على أراضي الضفة الغربية.
تحويل الضفة إلى فضاء سيادي وإلغاء الدولة المتصلة
وقال الكاتب أحمد العمري إن القرار الإسرائيلي الأخير القاضي بالسماح للمستوطنين بشراء الأراضي في مناطق (أ) و(ب) من الضفة الغربية، بالتوازي مع إقامة مقرات عسكرية دائمة، لا يمكن فصله عن المسار التراكمي لمشروع الاستيطان والسيطرة على الأرض الفلسطينية، وهو مشروع بدأ مع احتلال عام 1967 وتكرّس عبر عقود طويلة من التشريعات العنصرية، والإجراءات الإدارية القسرية، وتوظيف القوة العسكرية لفرض وقائع دائمة على الأرض.
وأوضح العمري أن ما يجري اليوم يمثّل انتقالًا نوعيًا خطيرًا، يتمثل في تحويل الضفة الغربية فعليًا من أرض محتلة مؤقتًا – وفق القانون الدولي – إلى فضاء سياسي وجغرافي خاضع بالكامل للسيادة الإسرائيلية، بحيث تُختزل الأرض إلى سلعة قابلة للبيع، ويُختزل الفلسطيني إلى مستأجر في وطنه، بينما تُفرّغ الحقوق التاريخية والقانونية من مضمونها أمام سطوة الواقع الميداني المفروض بالقوة.
وفي هذا السياق، أكد أن السماح بشراء الأراضي وإقامة المقرات العسكرية يُعد إعلانًا عمليًا عن إلغاء أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا، ويؤسس لتحول ديموغرافي واستراتيجي عميق يمسّ الأمن القومي العربي برمّته، عبر فرض واقع يعزل فلسطين عن محيطها العربي.
مواجهة التصفية العلنية وخطر الاكتفاء بـ “بيانات الشجب”
من جهته، قال الباحث علي أبو رزق إن هذا القرار يُعد واحدًا من أخطر القرارات في تاريخ الشعب الفلسطيني، لما يحمله من دلالات عملية تتجاوز كل المراحل السابقة. وأضاف أن الاحتلال، بهذا القرار، يعلن صراحة بدء ضم الضفة الغربية فعليًا وعلى الملأ، بعد أن استولى خلال سنوات طويلة على ما يقارب 69 في المئة من أراضيها، ولا سيما خلال العامين الأخيرين، عبر سياسة القضم المتدرج وفرض الوقائع بالقوة.
وأشار أبو رزق إلى أن المشهد بالغ القسوة على الشعب الفلسطيني، إذ يفتح القرار الباب أمام جيش الاحتلال لهدم أي حيّ يشاء، في أي منطقة، وفي أي وقت، وبالطريقة التي يختارها، دون رادع قانوني أو سياسي، ما يعني إطلاق يد الاحتلال بالكامل لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية وفق اعتبارات أمنية واستيطانية خالصة.
وختم بالتحذير من أن الكارثة الحقيقية لا تكمن في القرار ذاته فحسب، بل في أن تكون ردة فعل القيادات الفلسطينية والنخب السياسية والفكرية في الضفة الغربية محصورة في البيانات السياسية، وعبارات الشجب والتنديد، دون الارتقاء إلى مستوى الخطر الوجودي الذي يمثله هذا التحول.
وكان المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابينيت” قد صادق، أمس الأحد، على هذه الحزمة من القرارات التي تشمل تغييرات جوهرية في إدارة الأراضي والتخطيط والبناء في الضفة الغربية، بهدف إزالة ما تصفه الحكومة بعوائق تعرقل تطوير المستوطنات. وتشمل الإجراءات إلغاء القانون الأردني الذي يحظر بيع العقارات لليهود، ونقل صلاحيات التخطيط في التجمع الاستيطاني داخل الخليل، بما في ذلك المسجد الإبراهيمي، إلى مؤسسات الإدارة المدنية، بما يسمح بتنفيذ إجراءات التخطيط دون الحاجة إلى موافقات فلسطينية، ومنح الإدارة المدنية صلاحيات بلدية كاملة لمعالجة شؤون المستوطنين.
المصدر … قدس برس

