الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

مركز القدس للاستراتيجية والأمن (JISS) 13/2/2026 

المعادن الحيوية والاستعداد الاستراتيجي: دور إسرائيل في البنية الناشئة لسلاسل الإمداد للحلفاء

بقلم: د. عمانويل نافون

ملخص

لقد أصبحت المعادن الحيوية إحدى المحاور الرئيسية للصراعات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. فالمواد التي كانت تُعتبر في السابق مدخلات تجارية محايدة، تخضع لآليات الأسعار والميزة النسبية، مثل الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة والنيكل والكوبالت والجرافيت، باتت تُعرف اليوم بأنها أصول استراتيجية تدعم الأمن القومي والتفوق التكنولوجي والمرونة الصناعية. ويعكس قرار الولايات المتحدة برفع قضية المعادن الحيوية إلى مستوى وزاري إعادة تقييم أوسع نطاقًا: إذ لم تعد سلاسل التوريد مجرد كيانات اقتصادية سلبية، بل أصبحت أدوات فاعلة للقوة والضعف والاستعداد السياسي.

وتجادل هذه الورقة البحثية بأن مبادرة الولايات المتحدة لبناء شبكة من الشراكات الموثوقة في مجال المعادن الحيوية ليست استراتيجية احتواء ضيقة تجاه الصين، بل هي خطوة شاملة لبناء سلسلة توريد مرنة بين الحلفاء. ويستند هذا الادعاء، من بين أمور أخرى، إلى المؤتمر الدولي للمعادن الحيوية الذي عُقد في واشنطن في 4 شباط 2026، بمبادرة من نائب الرئيس الأمريكي جيه. دي. فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، وبقيادة وزارة الخارجية. حضر المؤتمر وفود من 55 دولة، من بينها إسرائيل، ممثلة بوزير الخارجية جدعون ساعر، الذي يعقد أيضاً سلسلة من الاجتماعات الثنائية مع وزراء كبار من دول أخرى لبحث التعاون الاستراتيجي في مجال سلاسل التوريد. وفي هذا السياق الناشئ، تضطلع إسرائيل بدور فريد، وربما لا يحظى بالتقدير الكافي. فرغم أن إسرائيل ليست منتجاً رئيسياً للمعادن الحيوية، إلا أنها تُعدّ عاملاً تمكينياً استراتيجياً على امتداد سلسلة القيمة، لا سيما في مجالات تقنيات المعالجة المتقدمة، وعلوم المواد، وإعادة التدوير، والتحسين الرقمي، وأمن سلاسل التوريد.

ويُضاف إلى ذلك أن الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل تتعزز بتداخل المصالح والقيم بينها وبين ديمقراطيات رئيسية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ: الهند واليابان وكوريا الجنوبية. فهذه الدول تجمع بين قواعد صناعية متقدمة، وتعرض كبير لانقطاعات في إمدادات المعادن، وأنظمة حكم ديمقراطية تُشجع الشفافية والمصداقية والتعاون القائم على القواعد. وتشكل هذه الدول مجتمعاً دولياً يعكس تعاونها في قطاع المعادن الحيوية مصالح مشتركة ومعايير سياسية مشتركة.

من خلال ترسيخ مكانتها كمركز تكنولوجي، ومبتكر في مجال الأنظمة، ونقطة وصل تربط أوروبا والولايات المتحدة وآسيا، تستطيع إسرائيل أن تلعب دورًا هامًا في صياغة بنية أمن المعادن الحيوية بين حلفائها. لن تُعزز هذه الخطوة القيمة الاستراتيجية لإسرائيل في نظر شركائها فحسب، بل ستُعمّق أيضًا من رسوخها في النظام الدولي الناشئ، الذي يتسم بالترابط الاستراتيجي بين الديمقراطيات.

1 . المعادن الحيوية كمجال استراتيجي

يعكس صعود المعادن الحيوية تحولاً عميقاً في طبيعة القوة الدولية. فالاقتصادات المتقدمة تعتمد بشكل متزايد على التقنيات كثيفة الموارد المعدنية، مثل السيارات الكهربائية، وأنظمة الطاقة المتجددة، وأشباه الموصلات، ومراكز البيانات، ومنصات الفضاء، وأنظمة الأسلحة المتطورة، بدلاً من الاعتماد على العمالة أو القدرة الإنتاجية الصناعية التقليدية. وعلى النقيض من العصر الصناعي، حيث كانت الطاقة والقدرة الإنتاجية عاملين حاسمين، يعتمد الاقتصاد المعاصر على مدخلات مادية معقدة، قد يؤدي غيابها إلى شلّ قطاعات بأكملها.

لا تنبع هشاشة المعادن الحيوية من ندرتها المطلقة، بل من تركزها. فبينما تتوزع رواسب المعادن نفسها جغرافياً، فإن مراحل المعالجة والتكرير والمراحل الوسيطة في سلسلة القيمة شديدة التركيز. هذه المراحل – وليس التعدين نفسه فحسب – هي الاختناقات الحقيقية للنظام العالمي. فالسيطرة عليها لا توفر ميزة تجارية فحسب، بل توفر أيضاً نفوذاً سياسياً.

وقد تعمقت هذه الحقيقة في السنوات الأخيرة. فقد أظهرت قيود التصدير، ومتطلبات الترخيص، والحواجز غير الرسمية مدى سرعة تعطل سلاسل التوريد لأسباب استراتيجية. انضمت المعادن الحيوية بذلك إلى قطاعات أخرى كأشباه الموصلات والبنية التحتية للطاقة، لتصبح ساحاتٍ يتحول فيها الاعتماد الاقتصادي مباشرةً إلى ضعف استراتيجي.

ونتيجةً لذلك، لم تعد الدول راغبةً في الاعتماد كلياً على آليات السوق. ويتأثر قطاع المعادن بشكل متزايد بأدوات السياسة العامة: الدعم، والتخزين الاستراتيجي، والتمويل المخصص، والتنسيق بين الحلفاء. ويبرز نوع جديد من البنية التحتية الاستراتيجية، لا هو مؤمم بالكامل ولا هو عالمي بالكامل، بل هو جزء لا يتجزأ من شبكات الثقة.

2 . من العولمة إلى الترابط الاستراتيجي

يُعدّ سعي الولايات المتحدة للتعاون في مجال المعادن الحيوية جزءاً من تحول أوسع نطاقاً عن افتراضات العولمة في أواخر القرن العشرين. فعلى مدى عقود، كانت الكفاءة، وتقليل التكاليف، والتسليم في الوقت المناسب تُعتبر قيماً مطلقة. وكان يُنظر إلى الترابط بطبيعته كعامل استقرار.

لكن هذا الافتراض انهار أمام الواقع الجيوسياسي. فقد أثبت الترابط غير المتكافئ أنه مصدر قوة لا كبح. عندما تُركّز سلاسل التوريد، يصبح الاعتماد قسريًا.

لكن الحل ليس في القومية الاقتصادية أو الاكتفاء الذاتي. فحجم سلاسل توريد المعادن وتعقيدها والاستثمارات الرأسمالية الهائلة فيها تجعل الاستقلال التام أمرًا غير واقعي لمعظم الدول. وبدلًا من ذلك، تروج واشنطن لنموذج الترابط الاستراتيجي: سلاسل توريد متنوعة، مُدمجة في شبكة من الشركاء الموثوق بهم الذين يتشاركون أنظمة سياسية وثقافات تنظيمية ومصالح أمنية متوافقة.

يعتمد هذا النموذج على التكرار بدلًا من الحصرية، وعلى التنسيق بدلًا من المركزية. وهو على استعداد لتحمّل تكاليف أعلى مقابل الاستدامة واليقين. والأهم من ذلك، أنه يُقرّ بأن المساهمة الاستراتيجية لا تقتصر على ملكية الموارد. فحتى الدول التي تفتقر إلى المواد الخام يمكنها توفير قدرات أساسية في مراحل أخرى من السلسلة.

يفتح هذا المنطق الباب أمام دول مثل إسرائيل للعب دور يتجاوز بكثير حجمها أو طبيعتها الجيولوجية.

3 . القيمة المضافة لإسرائيل: التكنولوجيا والأمن والمرونة

لا يكمن دور إسرائيل في ضمان أمن المعادن الحيوية تحت سطح الأرض، بل في مراحل الإنتاج والتوزيع، حيث تكون سلاسل التوريد التابعة لها عرضة للخطر بشكل خاص.

أولاً، تمتلك إسرائيل قدرات متقدمة في علوم المواد والهندسة الكيميائية وتحسين العمليات. وتقود الشركات والمعاهد البحثية الإسرائيلية مسيرة تطوير تقنيات تزيد من معدلات الإنتاج، وتقلل من الهدر، وتخفض الأثر البيئي لمعالجة المعادن. وتُعد هذه الابتكارات أساسية لجعل مراكز المعالجة البديلة مجدية اقتصاديًا، خارج المناطق التي تتركز فيها حاليًا قدرات المعالجة العالمية.

ثانيًا، طورت إسرائيل خبرة واسعة في إعادة التدوير، و”التعدين الحضري” – أي استخراج المعادن من النفايات الصناعية والمنتجات المستعملة والبنية التحتية القائمة – وفي حلول الاقتصاد الدائري. ومع ازدياد الطلب على المعادن الحيوية، يُتوقع أن تصبح هذه المصادر الثانوية عنصرًا حيويًا في ضمان استمرارية سلاسل التوريد ومرونتها. وتمنح خبرة إسرائيل في تحقيق أقصى قدر من الكفاءة في ظل ظروف الندرة ميزة تنافسية متأصلة في هذا المجال.

ثالثًا، تُعالج القدرات الرقمية والسيبرانية الإسرائيلية تزايد هشاشة سلاسل إمداد المعادن، وما تتعرض له من اضطرابات وتجسس وتخريب. ومع تحول أنظمة الخدمات اللوجستية والمعالجة والمخزون إلى أنظمة رقمية، يصبح أمن سلاسل الإمداد مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالأمن السيبراني. وتُعد ريادة إسرائيل في هذا المجال ذات صلة مباشرة بجهود الحلفاء لحماية البنية التحتية الحيوية.

أخيرًا، تتمتع إسرائيل بثقافة استراتيجية تشكلت في ظل قيود أمنية مستمرة. وتتجلى هذه الثقافة في التركيز الفطري على التكرار وإدارة المخاطر والمرونة، وهي تحديدًا العقلية المطلوبة اليوم لإدارة سلاسل الإمداد الحيوية في عصر التنافس الجيوسياسي.

4 . مجتمع القيم والمصالح: إسرائيل والهند واليابان وكوريا الجنوبية

يتعزز دور إسرائيل من خلال تقاربها مع ديمقراطيات آسيوية رئيسية، تحتل مكانة محورية في التصنيع والتكنولوجيا العالميين.

تتشارك الهند واليابان وكوريا الجنوبية مع إسرائيل خصائص رئيسية: اقتصادات قائمة على الابتكار مع موارد طبيعية محدودة نسبيًا لتلبية احتياجاتها الصناعية؛ وتعرضها الشديد لاضطرابات في إمدادات المعادن الحيوية؛ بيئات استراتيجية تتأثر بالتنافس الإقليمي بين القوى العظمى؛ ورغبة في تحقيق السيادة التكنولوجية دون الانعزال عن الاقتصاد العالمي.

لقد أدت هذه الظروف المشتركة إلى تعميق التعاون في مجالات الأمن والتكنولوجيا والسياسة الصناعية. وفي مجال المعادن الحيوية، يخلق هذا التقارب فرصًا للتخصص التكاملي: حجم الهند وإمكاناتها الهائلة، وقدرات اليابان وكوريا الجنوبية في مجال المعالجة الصناعية، وقدرات إسرائيل التكنولوجية والأمنية.

وإلى جانب المصالح المادية، هناك أيضًا بُعد معياري. فهذه دول ديمقراطية تُقدّر التجارة القائمة على القواعد والشفافية والتنظيم القابل للتنبؤ. لذا، فإن تعاونها ليس مجرد معاملة وظيفية، بل يقوم على فهم مشترك لكيفية ممارسة القوة الاقتصادية.

وبهذا المعنى، فإن التعاون بين إسرائيل والهند واليابان وكوريا الجنوبية يتجاوز كونه ترتيبًا نفعيًا. فهو يُعبّر عن مجتمع قيم يُقلل المخاطر السياسية ويعزز الثقة الاستراتيجية طويلة الأمد.

5 . إسرائيل كحلقة وصل في تحالفات القوى

يُتيح موقع إسرائيل الجغرافي، وتواصلها الدبلوماسي، وبيئتها التكنولوجية، لها أن تكون حلقة وصل بين الأطر الإقليمية والموضوعية التي لا تتلاءم دائمًا بشكل طبيعي.

بالنسبة لأوروبا، تُقدم إسرائيل حلولًا تكنولوجية لمشكلة يصعب على أوروبا حلها بالاعتماد على التعدين وحده. فالقيود التنظيمية والبيئية تُحد من توسع التعدين في أوروبا، مما يزيد من أهمية كفاءة المعالجة، وإعادة التدوير، والتحسين الرقمي – وهي مجالات تتفوق فيها إسرائيل.

أما بالنسبة للشركاء الآسيويين، فتُوفر إسرائيل لهم إمكانية الوصول إلى بيئة غنية بالابتكار والخبرات الأمنية تُضاهي المعايير الغربية. وبالنسبة للولايات المتحدة، تُمثل إسرائيل عاملًا مُضاعفًا للقوة، إذ تُعزز التماسك بين الحلفاء دون ازدواجية القدرات الصناعية القائمة.

هذا الدور ليس من قبيل الصدفة، بل يعكس مصلحة استراتيجية أوسع لإسرائيل: ترسيخ وجودها في تحالفات مستدامة بدلًا من روابط تجارية مؤقتة. ومع ازدياد تنظيم السياسة العالمية حول أنظمة متنافسة بدلًا من الأزمات المحلية، يُصبح هذا الترسيخ رصيدًا استراتيجيًا طويل الأمد.

6 . الآثار الاستراتيجية

يُتيح الانخراط في هيكلة المعادن الحيوية لإسرائيل مكاسب استراتيجية تتجاوز بكثير مجال المعادن نفسه. فهو يُعزز مكانة إسرائيل في المجالات التي تُشكل مستقبل القوة: التصنيع المتقدم، وانتقال الطاقة، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات الأمن. كما يُرسخ إسرائيل في صميم الأولويات الاستراتيجية لحلفائها الرئيسيين. ويخلق آفاقًا جديدة للتعاون الصناعي، والصادرات التكنولوجية، والانخراط الدبلوماسي، ويُرسخ مكانة إسرائيل كمساهم في المنافع العامة العالمية التي تُعرف بالمرونة لا بالتبعية.

مع ذلك، يتطلب هذا الانخراط وضوحًا مفاهيميًا. يجب على إسرائيل أن تُقدم نفسها لا كمورد بديل، بل كعامل تمكين للمرونة بين الحلفاء. لا تكمن ميزتها النسبية في التنافس مع الدول الغنية بالموارد، بل في مضاعفة فعالية الآخرين من خلال الحد من المخاطر، وتحسين الكفاءة، وتعزيز الأمن.

وبذلك، تُجسد الجغرافيا السياسية للمعادن الحيوية تحولًا أوسع في النظام الدولي. تُمارس القوة بشكل متزايد من خلال الشبكات لا الأراضي، ومن خلال المرونة لا الهيمنة، ومن خلال التوافق لا الإكراه.

في هذا النظام الناشئ، لا تكمن القيمة الاستراتيجية لإسرائيل فيما تستخرجه، بل فيما تُتيحه. فمن خلال المساهمات التكنولوجية والأمنية والابتكارية، وتعميق التعاون مع شركاء مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية، تستطيع إسرائيل أن تلعب دورًا مؤثرًا يتجاوز حجمها في تشكيل بنية سلاسل التوريد لحلفائها. ولذلك، لا تُمثل المعادن الحيوية مجرد قضية اقتصادية لإسرائيل، بل فرصة استراتيجية لتعزيز مكانتها ضمن نظام دولي تقوده الولايات المتحدة، مُتكيفًا مع عصر التنافس المستمر بين القوى العظمى.

——————————————

يديعوت أحرونوت 13/2/2026

ماذا لو كانت تصريحات ترامب حول مواصلة المفاوضات مع إيران مضللة؟

بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين

لا يُمكن المُبالغة في وصف الأحداث الدرامية التي شهدتها الأسابيع القليلة الماضية في الشرق الأوسط. سواء وقع هجوم على إيران أو تم توقيع اتفاق بينها وبين الولايات المتحدة، فمن المُتوقع أن يتغير ميزان القوى والبنية الإقليمية التي اهتزت بشكل جذري منذ 7 أكتوبر، بشكل أكبر قريباً.

تهدف زيارة نتنياهو إلى واشنطن إلى ضمان المصالح الإسرائيلية في ظل حالة عدم اليقين بين الحرب والاتفاق. يبدو أن محاولات دفع ترامب إلى اتخاذ موقف هجومي مستمرة، مع الحرص في الوقت نفسه على ألا يقتصر الاتفاق، في حال التوصل إليه، على الملف النووي فحسب، بل يشمل أيضاً معالجة صواريخ النظام الإيراني الباليستية ومنظومة “الوكلاء”. وفي ختام اجتماع الثلاثاء، أصدر ترامب بياناً أكد فيه تمسكه بقناة الحوار، وأنه في حال فشلها، سينظر في بدائل أخرى، بما فيها البدائل العسكرية. أما الاحتجاجات داخل إيران، التي تُعدّ السبب الرئيسي للأزمة، فلا تحظى بمكانة بارزة في النقاشات الجارية حالياً.

لقد بدأ الحوار (جولتان حتى الآن) مما خفف قليلاً من حدة القلق الذي خيّم على الحكومة في طهران في ذروة الاحتجاجات، حين وعد ترامب بأن “المساعدة قادمة”، إلا أن الشعور العام لا يزال يسوده توتر غير مسبوق: تداخل التهديدات من الداخل والخارج، كل ذلك في ظل محدودية القدرة العسكرية للنظام نتيجة الخسائر التي تكبدها في عملية “الأسد الصاعد” وتفكك محور المقاومة. للحفاظ على بقائه، يُظهر النظام مهاراته القديمة في المناورة: فهو يُجري مفاوضات مُظهِرًا نهجًا إيجابيًا ظاهريًا (“نرى في المفاوضات فرصةً مهمةً للتوصل إلى حل متوازن للقضية النووية”، كما صرّح الرئيس الإيراني بزشكيان هذا الأسبوع)؛ لكنه في الوقت نفسه، يُروّج لسياسة الردع، مُركّزًا على إشعال حرب إقليمية. كل هذا مع شكوك عميقة بأن الخطاب الحالي ليس إلا خداعًا يُمهّد لضربة مُفاجئة، كما حدث عشية “الأسد الصاعد”، وأنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق، فإن ترامب لا ينوي رفع العقوبات التي تسببت في الاضطرابات الداخلية الأخيرة.

تتجلى معضلة حادة في أعلى هرم السلطة في طهران. فالمصلحة الأساسية هي البقاء، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: أيّهما أشدّ تهديدًا: الاستعداد لتقديم تنازلات قد تُزيل خطر الهجوم الأمريكي – وهو نهج يُفضّله الرئيس – لكنه قد يُنظر إليه على أنه ضعف، ما يُؤجّج الاضطرابات الداخلية أو يُقوّض عزيمة وتماسك أنصار النظام، أم هجوم أمريكي يُلحق أضرارًا جسيمة، لكنه لا يُنهي النظام بالضرورة – وهو موقفٌ تبنّاه المرشد خامنئي، ويبدو أنه مهيمنٌ في الوقت الراهن على الأقل؟

فيما يتعلق بالملف النووي، قد تُبدي إيران بعض المرونة نظرًا لتضرر برنامجها النووي بشدة، ووضوح عدم امتلاكها أسلحة نووية، بل وعدم قدرتها على إقامة دولة حافة نووية. قد تُقبل في طهران أفكارٌ مثل نقل 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة إلى خارج إيران، وتجميد التخصيب (الذي لا يُنفذ حاليًا)، شريطة أن يتم ذلك “بطريقة تحترم مصالحها”، وهو ما لا يُنكر من حيث المبدأ حقها في التخصيب. في المقابل، يبرز تباينٌ في الموقف بشأن الصواريخ الباليستية، التي أثبتت أنها أداة استراتيجية من الطراز الأول بعد الأضرار الجسيمة التي لحقت بالتشكيلات العسكرية الأخرى ومعسكر المقاومة. وقد أُعيد بناء الترسانة التي تُعتبر حاليًا الورقة الرابحة للبقاء، وعُززت بعد النزاع، ومن المرجح أن تُبدي طهران تشددًا في هذا الشأن.

“في إيران نفسها، المشاعر متضاربة للغاية، وفي الخطاب العام، تُوجّه كلمة “خيانة” إلى ترامب. يزعم كثيرون: “لقد وعدتَ بأن المساعدة قادمة، ثم ذُبح عشرات الآلاف، وكل هذا لتتفاوض مع قتلتنا على اتفاق نووي أفضل؟” تُنظر إلى المفاوضات نفسها على أنها تُضفي الشرعية على النظام، وخطوة ستُمكّنه من البقاء”، كما توضح الدكتورة تمار جيندين-إيلام، الخبيرة في الشؤون الإيرانية. “مع ذلك، من الواضح أن الحماسة الثورية لم تخمد، وأن اندلاع ثورة أخرى مسألة وقت. هناك بالطبع تردد بسبب الوحشية التي مارسها النظام، ولكن هناك أيضاً جرأة وشعور بأن “إما الآن وإلا فلا”. قد تُشكّل الذكرى الأربعون للقمع مطلع الأسبوع المقبل فرصة لاندلاع ثورة عفوية”. لقد انعكست تلك الطاقة المكبوتة في الذكرى السابعة والأربعين للثورة، التي أُقيمت هذا الأسبوع: أظهرت مقاطع فيديو نُشرت على الإنترنت ألعابًا نارية في سماء طهران، وهتافات “الله أكبر” تُسمع من المساجد، بينما تُرى في الخلفية حشود تهتف من الشرفات “الموت لخامنئي”.

يدرك النظام تمامًا أن احتمالية اندلاع أعمال عنف عالية، ولذا فقد بدأ رد فعل مضادًا حذرًا نسبيًا: موجة اعتقالات لقادة التيار الإصلاحي، مع تجنب الإعدامات الجماعية حتى لا يُثير غضب ترامب. “في أعقاب القمع غير المسبوق، هناك أصوات في المعسكر الإصلاحي تزعم أنه لم يعد هناك جدوى من الحديث عن التغيير في ظل النظام القائم، بل اتخاذ خطوات جذرية مثل إزاحة الزعيم وإجراء استفتاء وانتخابات، لكن الكثيرين يتمسكون بالقول إن الإصلاح هو المطلوب، وليس الثورة”، يوضح البروفيسور مئير ليتفاك، رئيس مركز الدراسات الإيرانية في جامعة تل أبيب، في حديث، مضيفًا: “يقدم البروفيسور صادق زيباك لام، وهو مفكر إصلاحي بارز، مثالًا صارخًا على ذلك: فقد كان يجادل في الأسابيع الأخيرة بأن التغيير يجب أن يتحقق تدريجيًا، وليس من خلال الثورة، وبالتأكيد ليس من خلال العنف”.

ما يحدث على الجانب الأمريكي مُضلل إلى حد كبير. يبدو أن هناك أصواتًا متعددة وترددات، لكن من غير الواضح ما إذا كانت هذه الأصوات حقيقية أم مجرد ستار دخاني مُصمم لخداع الإيرانيين. في هذا السياق، تبرز التقارير التي تفيد بأن ويتكوف وكوشنر يسعيان جاهدين لتعزيز الحوار مع إيران مع التركيز على الملف النووي واتخاذ نهج متساهل في قضايا أخرى. ووفقًا لتقارير إعلامية، هذا هو النهج الذي يُعاني نتنياهو في اتصالاته مع ترامب، الذي أوضح بالفعل في مقابلة هذا الأسبوع أنه “يُفضل اتفاقًا، لكنه اتفاق يُجرد الإيرانيين من أسلحتهم النووية وصواريخهم”. من جهة أخرى، يُواصل الأمريكيون حشد قواتهم في المنطقة، وإلى جانب “الأسطول الرائع” المُقام حول حاملة الطائرات “لينكولن”، تُشير التقارير إلى احتمال إرسال حاملة طائرات أخرى إلى المنطقة قريبًا.

“ترامب عالق في معضلة بين تصريحاته وقيود الواقع”، هذا ما أوضحه دان شابيرو، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل، في محادثة جرت في اليوم الآخر. دعا ترامب الجماهير في إيران إلى السيطرة على مؤسسات الدولة، لكنه في الوقت نفسه يبدو مدركًا أنه لن يتمكن من تغيير النظام عبر الضربات الجوية وحدها، ولا يرغب في التورط في مستنقع الصراع الإيراني، ويتأثر بأصوات من حوله تدعم المفاوضات (على عكس الموقف المتشدد لروبيو وهيغسيث)، بقيادة ويتكوف وكوشنر، اللذين يُظهران سذاجة كبيرة في اعتقادهما أن الاتفاق مع الإيرانيين أشبه بصفقة عقارية في نيويورك. وبين هذين النقيضين، يبرز لغز محوري: ما هو موقف ترامب، إن وُجد أصلًا؟ من الممكن أنه لحل التوترات، وعندما يتضح أنه لا أمل حقيقياً في الحوار، سيختار الرئيس شن هجوم على أهداف النظام، وربما على منظومة الصواريخ أيضاً. مع ذلك، سيسعى إلى أن يكون الرد الإيراني مقيدًا نسبيًا – كما في “الأسد الصاعد” – وأن يُثير الهجوم اضطرابات شعبية.

تتجلى الأزمة الحادة بوضوح في المنطقة، مما يخلق رابطًا غريبًا بين الخصوم، إذ يجمعهم جميعًا معارضة أي هجوم على النظام في إيران. هذا الموقف، بطبيعة الحال، يُعبّر عنه أعضاء محور المقاومة، الذين يرون في تقويض النظام أو إسقاطه خرقًا لركيزة وجودية. من جهة أخرى، يُوجّه خصوم طهران، بقيادة السعودية ومصر، إلى جانب قطر وتركيا -الذين يخشون الفوضى بالإضافة إلى نفورهم من سيناريوهات الثورات الشعبية ضد الأنظمة القمعية- تحذيرات عديدة لترامب: إسقاط النظام في طهران ليس بالأمر الهين؛ ولا يزال البديل عن نظام آية الله غير واضح، إن وُجد؛ وقد تنشأ أزمة اقتصادية عالمية حادة تُؤثر سلبًا على الاقتصاد الأمريكي.

“إذا ما انهار الحوار ونشب صراع، فمن المتوقع أن تُفعّل طهران شبكة وكلائها، على الرغم من الهجمات التي تعرضوا لها منذ 7 أكتوبر- سواء على أهداف أمريكية في المنطقة أو على إسرائيل”، كما يوضح داني سيترينوفيتش، الباحث في الشؤون الإيرانية ومحور المقاومة. “من المهم الإشارة إلى الاجتماع الذي عقده علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، هذا الأسبوع، مع ممثل الحوثيين في عُمان، والذي تضمن على الأرجح تنسيقًا في حال انهيار المحادثات، كتعطيل خطوط الملاحة ومهاجمة القوات الأمريكية. أما فيما يتعلق بحزب الله، فهناك علامة استفهام في ضوء الهجمات التي تعرض لها وانتقادات داخلية في لبنان من جرّه إلى حملة تخريبية أخرى، وهذه المرة أيضاً بسبب المصالح الإيرانية”. من المتوقع أن تتوخى المنظمة الحذر، لكن قد تظهر سيناريوهات تعتبرها تجاوزًا للخطوط الحمراء، وعلى رأسها تصفية خامنئي، ما قد يدفعها إلى التحرك، ولو بشكل محدود.

وفي خضم ذلك، يستمر القلق في العالم السني من أن تستفيد إسرائيل من انهيار عدوها الأكبر، ولا سيما من ترسيخ هيمنتها الإقليمية. هذا السيناريو يثير مخاوف في الدول العربية وتركيا لا تقل، بل ربما تفوق، مخاوف استمرار النظام الإسلامي.

هذه هي خلفية الدور المحوري لتركيا في الأزمة. توضح الدكتورة غاليا ليندنشتراوس: “لطالما دعمت أنقرة حل الأزمة النووية عبر الحوار، وعرضت في وقت مبكر من عام 2010 تخزين 1200 كيلوغرام من اليورانيوم منخفض التخصيب في المنطقة”. وتضيف: “يشعر الأتراك بالقلق إزاء الفوضى التي ستصاحب تدفق اللاجئين إلى أراضيهم، وتصاعد الإرهاب الكردي – وهي سوابق تعلمتها أنقرة عن كثب بعد الصدمات التي حدثت في العراق وسوريا”. ومثل العرب، تشعر تركيا أيضاً بالقلق إزاء تعزيز إسرائيل لنفوذها في المنطقة. في هذا السياق، تقول: “من المهم الإشارة إلى التصريح غير المألوف الذي أدلى به وزير الخارجية التركي هاكان فيدان هذا الأسبوع، والذي أشار فيه إلى أن تحقيق إيران اختراقًا نوويًا سيدفع بسباق تسلح نووي إقليمي، مع تلميحه إلى إمكانية انضمام أنقرة إليه”.

تمثل الأزمة المحيطة بإيران فرصة استراتيجية لإسرائيل تتمثل في إضعاف عدو وجودي يهددها منذ عقود، أو حتى القضاء عليه. ويُحسِن نتنياهو صنعًا بتقديمه المصالح الحيوية لترامب في أي سيناريو، وحتى في حال التوصل إلى اتفاق لا يتضمن ردًا على قضية الصواريخ، فمن الضروري الحفاظ على حرية التصرف لمواجهة هذا التهديد. ومع ذلك، من المهم ألا يُنظر إلى إسرائيل على أنها تُثير الفتنة، الأمر الذي قد يُفسر على أنه دفع واشنطن إلى مستنقع مماثل لما حدث في العراق.

في غضون ذلك، يُوصى بفهم العلاقة بين التعامل مع إيران والقضايا الأخرى، ولا سيما القضية الفلسطينية. ولتحقيق أقصى قدر من الإنجازات فيما يتعلق بإيران، من الضروري تجنب إثارة توترات أخرى، كما حدث هذا الأسبوع في مجلس الوزراء بشأن “يهودا والسامرة”- محاولةٌ لترويج ضمٍّ تدريجيٍّ حتى دون ذكر هذا الاسم صراحةً. كل هذا على أمل ألا يُثار غضب ترامب، مع أنه قد أبدى معارضته لهذه الخطوة، ومن المرجح أن يُعبّر عنها بأسلوبه الخاصّ قريبًا.

——————————————

هآرتس 13/2/2026

قراءة في تصريحات ترامب ومستشاريه: الميزان الإقليمي الآن أهم من الباليستي الإيراني

بقلم: تسفي برئيل

مثلما هي الحال مع أسلافه، ينظر ترامب أيضاً إلى التهديد النووي باعتباره قضية مهمة جداً وخطيرة جداً، وهو مستعد لخوض حرب لوقفه. ولكن إيران تحولت إلى “حزمة تهديدات” تشمل الصواريخ البالستية والتنظيمات الإرهابية التابعة لها، ما يطرح معضلة صعبة أمام الإدارة: هل يجب التعامل مع كل قضية على حدة أم كحزمة واحدة؟ هل يجب حتى التعامل مع القضايا غير النووية؟ والأهم: كيف يمكن تحديد أولويات كل تهديد؟

تصريحات ترامب وكبار مستشاريه تشير إلى أن قضية الصواريخ البالستية والدعم الذي تقدمه إيران لوكلائها في المنطقة أو طبيعة النظام الإجرامية، لا تشكل في الوقت الحالي سبباً للحرب. ويفصل ترامب بين التهديد الاستراتيجي العالمي الناتج عن المشروع النووي الإيراني وبين التهديد الإقليمي الناتج عن الصواريخ أو عن وكلائها. لا يستند هذا التمييز فقط إلى حجم الضرر الذي قد يسببه أي تهديد كهذا، بل إلى الصلاحية السياسية المعطاة للرئيس الأمريكي.

الإجماع الإقليمي، الذي يضم دول الخليج برئاسة السعودية وتركيا، يدعم تحييد التهديد النووي الإيراني. وقد أعلنت السعودية دائماً بأنه إذا حصلت إيران على السلاح النووي فستكون معنية أيضاً بالحصول على سلاح مشابه. وفي مقابلة مع “سي.ان.ان” التركية في هذا الأسبوع، حذر وزير خارجية تركيا هاكان فيدان من أن حصول إيران على السلاح النووي سيخل بتوازن القوة في الشرق الأوسط، وبالتالي يشعل سباق التسلح النووي، الذي سيجبر تركيا على الانضمام إليه. لم يتم توجيه تحذير مشابه من تركيا أو من السعودية أو غيرها من برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية، رغم تعرض السعودية لهجوم بصواريخ إيرانية الصنع، بل وقال البعض بأنه تم اطلاقها من إيران، في العام 2019.

الصواريخ بالنسبة لدول المنطقة تعتبر تهديداً موجهاً لإسرائيل، أي أنها قضية ثنائية تحاول إسرائيل عرضها كخطر إقليمي وتسعى بجهد إلى إضافتها كشرط صارم في أي اتفاق مع إيران، ما يحولها إلى ذريعة للحرب. ويعتبر هؤلاء أن تصوير قضية الصواريخ بأنها مساوية في أهميتها وقيمتها للقضية النووية، وسعي إسرائيل للضغط على ترامب لتبني سياسة “كل شيء أو لا شيء”، يعرض سلامة دول المنطقة للخطر، ويضعف فرصة التوصل إلى اتفاق نووي، الذي بدونه ستصبح الحرب ضد إيران أمراً حتمياً.

يشكل موقف هذه الدول التي أصبحت بمثابة غطاء سياسي لإيران، عاملاً مهماً جداً في قرارات ترامب. فإلى جانب العلاقات الشخصية الوثيقة والاستثمارات الضخمة التي تعهدت بها في الولايات المتحدة والشركات الخاصة التي يمتلكها أفراد في عائلة ترامب وعائلة ويتكوف في هذه الدول، يوفر قادتها الدعم العربي لسياسة ترامب في الشرق الأوسط، بدءاً بغزة ومروراً باليمن وانتهاء بسوريا ولبنان. وهذه الدول تقدم حججاً استراتيجية ذات صلة.

تجادل تركيا والسعودية وقطر بأنه في حالة التوصل إلى الاتفاق النووي يمكن حينئذ التوصل إلى اتفاقات بشأن قضايا تهم إسرائيل والولايات المتحدة. ولكنها لم تقدم حتى الآن أي ضمانات بأن إيران ستوافق على مناقشة هذه القضايا بعد التوقيع على الاتفاق النووي، ونظراً للموقف المتشدد الذي أظهرته إيران حتى الآن، فإنه مشكوك فيه وجود أي فرصة للتفاوض في هذه المسائل. وقال مصدر دبلوماسي تركي لـ “هآرتس”: “علينا النظر إلى الأمور بمنظار زمني. لقد وافقت إيران على التفاوض مع أمريكا، وعقدت لقاء مباشراً، حتى لو كان قصيراً، مع ويتكوف، وهي تعد بجدية للجولة القادمة للمحادثات وتقدر أنها ستقدم موقفاً أكثر مرونة بشأن القضية النووية. تجري إيران حواراً كثيفاً مع تركيا وقطر والسعودية، وتأخذ اقتراحاتنا على محمل الجد وتدرك أهمية الدعم الذي تحصل عليه من دول المنطقة والتزامها تجاهنا”.

ويشير المصدر الدبلوماسي التركي نفسه، إلى أن تركيا قلقة أيضاً بشأن الضربات الصاروخية، وتشكك بشدة بالمليشيات الموالية لإيران والتي تعمل في العراق. ويؤكد: “مع ذلك، لن نخوض حرباً بسبب ذلك. هذه أمور يمكن حلها من خلال المفاوضات مثلما فعل ترامب مع الحوثيين. وكما يضغط على لبنان من أجل نزع سلاح حزب الله، ويتخذ إجراءات ضد الحكومة العراقية”.

في غضون ذلك، يبدو أن إيران ليست الوحيدة المستعدة لتعديل مواقفها؛ فحسب وزير الخارجية التركي، يبدو أن ترامب مستعد أيضاً للنظر ببعض المرونة فيما يتعلق بتخصيب اليورانيوم في إيران. إذا كان هذا هو موقفه بالفعل فهو يرتبط بالضغط الذي تمارسه عليه دول المنطقة، التي حصلت في هذا الأسبوع على تقدير الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لإسهامها في المفاوضات.

إن الغطاء الدبلوماسي العربي والتركي المرافق لإيران يضع الولايات المتحدة، ليس للمرة الأولى، في موقف يجبرها، إضافة إلى التفاوض مع إيران، على إجراء مفاوضات ثنائية الأبعاد ضد إسرائيل وضد تحالف دول لها نفوذ يفوق نفوذ إسرائيل كما يبدو. وقد أثبت هذا الغطاء قوته بالفعل عندما نجح التحالف العربي، خلافاً لموقف إسرائيل، في ثني ترامب عن تهجير سكان قطاع غزة وإقامة مشروع الريفييرا ودفعه إلى تبني مسار إقامة الدولة الفلسطينية.

في سوريا، ضغط التحالف على ترامب للاعتراف بنظام الشرع، ورفع العقوبات المفروضة عليها. وفي غضون ذلك، وافق ترامب أيضاً على بيع طائرات “إف35” للسعودية وتركيا، وهو يتفاوض حالياً على صفقة مشابهة مع قطر. والآن ينوي هذا التحالف تحقيق إنجاز مشابه في المفاوضات مع إيران.

——————————————

معاريف 13/2/2026

هل تلقى نتنياهو “توبيخاً” من كوشنر وويتكوف بسبب أعماله في غزة والضفة؟

بقلم: ران أدليست

ظاهراً، التقى ترامب ونتنياهو لفحص كيف سيؤثر الوضع الحالي في إيران، بلا بلع أو تقيؤ، على مصيرهما السياسي. عملياً، تركز بحثهما على غزة. ترامب لا يحتاج إسرائيل بعد أن بنى قوة عليا في الشرق الأوسط والخليج الفارسي. الاستخبارات الإسرائيلية تعمل على أي حال لدى البنتاغون.

ترامب ليس الرجل الذي يتقاسم مجداً قتالياً مع فارق حظوات خبير بقدر لا يقل عنه. معقول الافتراض بأن الاستجابة للقاء تنبع من تخوف من مبادرة منفلتة العقال يقوم بها نتنياهو تخرّب الجدول الزمني الأمريكي. فقد سبق لنتنياهو أن أثبت بأنه ثور منفلت يخرب الأمور، كما في أيلول 2025، في الهجوم الإسرائيلي الغبي والفاشل في الدوحة، والذي أخرج ترامب عن طوره.

لقد التقى ترامب ونتنياهو فيما أن لكليهما صندوق مفاسد يهددهما بقدر لا يقل عن نتائج الحرب ضد إيران – كانت أم لم تكن، ومن شبه المؤكد ألا تكون. والضغوط الداخلية مستمرة. نتنياهو يأتي مع أصوات أصداء الانهيار في محاكمته، وهو احتمال يضعف نصره في الانتخابات، وخليط سام من الإخفاق والفساد.

أما ترامب فيأتي مع احتمال خسارته في انتخابات منتصف الولاية ومع وثائق جيفري إبستين مع رائحة نزعة رغبة جنسية بالأطفال. هذه ليست سرقة محافظ أمنية سرية أفلت منها “قانونياً” بمنع التحقيقات. كما أن فتات هوى تكون بالصدفة في بيته لم تهز قيم عائلة الجمهوريين. في حالة إبستين، قام عضو كونغرس جمهوري وصرح: “نحن لا نريد ذا نزعة حب جنسي للأطفال في البيت الأبيض”. وكل هذا الشر على خلفية نزعات شخصية من الغباء، الوحشية، لدى ميليشيات المهاجرين خاصته، فساد مالي وجنون عظمة.

وصل نتنياهو إلى البيت الأبيض أساساً بسبب خطة السلام في غزة. ربما إيران تهدد إسرائيل، لكن غزة تهدد الائتلاف. ومن هنا جاءت العجلة. في هذه الأيام، تعرقل إسرائيل عمل حكومة التكنوقراط المعدة لإدارة غزة في صالح تنفيذ اتفاق العشرين نقطة التي تفضي إلى دولة فلسطينية. فيما يضيف ترامب هذا الأسبوع معارضة للاستيطان في الضفة.

قبل طلب عاجل للقاء مع ترامب، التقى نتنياهو ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. وبصفتهما مستشارين عقاريين لترامب، شرحا لنتنياهو قوانين اللعب مع إيران وغزة. ربما حاولا “إقناعه” مرة أخرى بأنه من المجدي له العمل على عجل في كل ما يتعلق بدخول حكومة التكنوقراط، ودخول قوات برية وقبول السلطة كشريك في مساعي الإعمار. ولعلهما وبخاه على تسخين حوادث في القطاع والضفة.

اللقاء مع الرجلين سار فيما الجميع على وعي لمشكلة توريد السلاح التي بلغ بها رئيس الأركان نتنياهو حتى عاد من واشنطن. نتنياهو المفزوع استجدى على الفور لقاء مع ترامب، لا لأنه يعتقد بأن مناورته ستنجح في موضوع غزة، بل بسبب المظهر. ماذا ستقول القاعدة وبخاصة مترددو الليكود والسموتريتشيين حين يخضع للرجلين اللذين هما بمثابة فتيين رسولين. أما الخضوع لترامب فهذه قصة أخرى.

افترض أن الرجلين أوصيا ترامب أن يوافق على اللقاء مع نتنياهو. ربما عقب قدرته على الإضرار باللعبة الحساسة تجاه إيران. ما زال ترامب بحاجة للجيش الإسرائيلي لإغلاق زوايا إذا ما نشبت حرب. أما نتنياهو، الذي حاول أخذ مندوب من سلاح الجو معه، وكأننا في اللعبة، فقد كبح على الفور. ممتاز. اتفاق سيئ أفضل من حرب ناجحة.

استثمار الخضوع

بالتوازي، فعّل نتنياهو آلة أحابيله ضد ويتكوف وكوشنير في نوع من التحذير المؤلم. أحد العناوين قال: “تحذير خطير من الولايات المتحدة: ويتكوف قصة غير جيدة لإسرائيل، كوشنير طماع”، وواصل: “بينما يتم نسج اتفاق نووي جديد مع إيران، يختار نتنياهو الصمت حيال ترامب. والجالية اليهودية في الولايات المتحدة تحذر من صعود قوة المبعوث ويتكوف والثمن الذي قد تدفعه إسرائيل”. الخطأ الوحيد في العنوان هو أن الاثنين “قصة غير جيدة لإسرائيل”، بينما يدور الحديث عن قصة ممتازة لإسرائيل. هذان العقاريان يفترض بهما دفع حكومة إسرائيل إلى التنازلات اللازمة للوصول إلى الهدوء في الشرق الأوسط. هما بحاجة إلى الهدوء لغرض أعمالهما التجارية، وإسرائيل بحاجة إلى الهدوء وبالفعل… لأجل الهدوء.

بالتوازي، تم تفعيل آلة الأحابيل حيال نية ترامب أيضاً لإجراء مفاوضات مع إيران تقفز عن تصفية مخزون الصواريخ الباليستية الإيرانية. “ترامب يتراجع عن الخطوط الحمراء”، بشر عنوان صحفي. حقاً؟ لم يكن لترامب ونتنياهو قط خطوط حمراء أو إشارات ضوء حمراء. كان موقفهما أصفر متردداً، وإذا تحول فإلى اخضر أو أحمر.

وحتى يثبت بأنه يخوض صراعات بطولية من أجل أمن إسرائيل، يرسم نتنياهو خطوطاً حمراء وهمية للاتفاق الإيراني – الأمريكي، وبينها صواريخ باليستية. ليته يفعل. لكن أحقا؟ كيف يمكن الحظر على إيران – أو في السياق الدولي أو على كل دولة مهددة من الجو – إنتاج صواريخ باليستية، وبخاصة بعد أن أثبتنا بأن لدينا القدرات لخلق ممر جوي نظيف حتى طهران. لا حاجة اليوم لانتظار ميزان رعب نووي يمنع حرباً مع إيران. فقدرة إيرانية مسنودة بمئات أو آلاف الصواريخ الكفيلة بأن تتحول إلى ميزان رعب صاروخي يشلنا ويشل الإيرانيين على حد سواء، وما الضير؟

إن قواعد اللعب حيال الإيرانيين يقررها ترامب ورجاله، وليس لديهم ذرة مشكلة بالتضحية بدولة إسرائيل. في منتصف آذار 2025 أمر ترامب بهجمات جوية وبحرية ضد الحوثيين في اليمن بسبب ما يلحقونه من ضرر بحرية الملاحق وبتدفق توريد النفط للغرب. وكانت الأهداف قواعد ومنظومات دفاع ومواقع عسكرية للحوثيين. لاحقا وقع مع الحوثيين على اتفاقاً بعدم إلحاق الأذى المتبادل، وأبقى إسرائيل خارج التسوية في ظل تهديد حوثي متواصل على حرية الملاحة الإسرائيلية. حتى اليوم. انظروا إلى ميناء إيلات.

اليوم، مهمة ترامب ورجاله هي إنقاذ أنفسهم من ورطة استعراض عضلات عسكرية تظاهرية ومن قائمة مطالب متعذرة (بما في ذلك الصواريخ الباليستية التي طرحت على الإيرانيين. المهمة الإيرانية لنتنياهو، من ناحية ترامب ورجاله هي الجلوس بصمت والاستعداد للتدخل إذا ما تعقد الوضع. كلاهما مهددان من خيار شمشون لدى خامنئي: فعل شهيدي لقتال يتجاوز الاستعراض التلفزيوني المتفق عليه؛ إطلاق نار كرد إيراني كثيف – وعدد القتلى صعب على الهضم؛ وإشعال إقليمي لمنشآت النفط، وأسعار البرميل التي هي مصفاة حياة مهنية لترامب ونتنياهو.

بالفعل، كلاهما يريدان حرباً خاطفة وناجحة، وكلاهما مهددان داخلياً بقرار للذهاب إلى إجراء متواصل على بنود اتفاق ما: ترامب حيال السخف والعجب من أجل من وماذا كانت حاجة رفع مستوى استعراض العضلات، ونتنياهو، الذي سيلقى به لتنفيذ مراحل اتفاق التسوية في غزة. بين القعود بصمت واستخدام سلاح الجو والتضحية بمواطني إسرائيل في صالح الجهد الأمريكي، يحاول نتنياهو استثمار الخضوع لإملاء أمريكي في إيران مقابل إبطاء وتيرة الإعمار في غزة. التهاني بمناسبة مشاركتك كشريك في مجلس السلام. سمعت أنك تعارض التعاون مع تركيا وقطر.

إذن، ما الذي سيكون؟ سواء حدثت حرب أم اتفاق، فالنتائج ستبتلعها العواصف التالية في المقابر. مثلما في كل فشل، هذان الاثنان، ترامب ونتنياهو، سينفضان ريشهما وسيحاولان الإقلاع كنسرين، حتى لو كانا دجاجتين.

——————————————

هآرتس 13/2/2026

التهمة “مولود في غزة”: قاض إسرائيلي يحكم بالموت على طفل بعمر 5 سنوات يعاني “السرطان”

بقلم: أسرة التحرير

قاضي المحكمة المركزية في القدس، رام فينوغراد، ربما حكم بالموت على شخص لم يدن بشيء، باستثناء أصله القومي ومكان ولادته، وهذا حتى قبل أن تجيز الكنيست القانون التعسفي الذي يفرض حكم الموت على مخربين فلسطينيين، لكن ليسوا يهوداً.

لا يمكن لأي ذريعة إدارية أو مبرر قضائي مهما كان ملتوياً ومنمقاً أن يغير المعاملة المهينة من جانب القاضي لطفل في سن خمس سنوات، مريض بالسرطان. لا يمكن المغفرة لفينوغراد على ذلك، ولا للدولة التي تسمح بهذه الفظاعة.

رد القاضي فينوغراد، الأحد من هذا الأسبوع، التماساً تقدمت به منظمة “غيشا” يطلب السماح لطفل بالوصول إلى مستشفى “شيبا” على مسافة نحو ساعة سفر كي يتلقى فيه علاجاً منقذاً للحياة غير متوفر بالضفة الغربية.

لسوء حظ الطفل، فقد ولد في غزة. إن سكنه منذ العام 2022 في رام الله، لتلقي العلاجات الطبية التي يحتاجها، لم تنزل ولم ترفع شيئاً في نظر القاضي. الحكم بالموت هو مصير طفل مريض من غزة، وفقاً لأخلاقه الشوهاء. لم يستطع أن يمر مرور الكرام عن مكان الولادة في غزة. هكذا هو الحال عندما يؤدي القضاة أدوارهم كموظفين مكلفين خانعين.

القاضي بقلبه المسدود هذا أبعده إلى مطارح ذليلة على نحو خاص: في قراره، كتب فينوغراد أن الالتماس المقدم لإنقاذ حياة الطفل هو محاولة لمهاجمة قرار وزير الدفاع إسرائيل كاتس وجهاز الأمن لمنع سكان غزة من الدخول إلى إسرائيل لتلقي علاج طبي. بهذا تنطح القاضي بعمى ليحمي جهاز الأمن كي يزيل تهديداً يزعم انه يحدق بأمن الدولة من إنقاذ حياة الطفل.

كما أن الفتوى الطبية التي عرضت على القاضي، والتي حذرت من الضرر الذي سيلحق بالطفل فيما إذا أرسل إلى الخارج للعلاج، لم تؤثر على حضرته عديم الحضرة. “لا يقال إن حكماً مساوياً ينطبق على رحلة برية في سيارات إسعاف طوال ساعات قليلة حتى وصول المستشفى في عمان”، كتب القاضي بصفته خبيراً طبياً وخبيراً أيضاً في شؤون المواصلات.

ولتبرير قراه، شرح القاضي بأن 4 آلاف طفل مريض بأمراض خطيرة في غزة يحتاجون إلى علاج طبي عاجل، والطفل الموجود في رام الله لا يختلف عنهم، وعليه فقد تقرر حكمه.

فينوغراد وأمثاله ما كانوا ليقرروا حكم طفل يهودي بالموت. أما لكون الطفل فلسطينياً، فهذا يسمح لهم التصرف بانغلاق حس كهذا. ثمة قضاة في القدس، وبينهم قضاة ليسوا جديرين بأن يكونوا قضاة في دولة تدعي أنها متنورة. فينوغراد واحد منهم.

——————————————

هآرتس 13/2/2026

هل بدأ الأمريكيون يرون في إسرائيل محرضاً على الحروب في الشرق الأوسط؟

بقلم: عاموس هرئيل

لقد اعتاد بعض الاقتصاديين على التحدث عن “التفضيل الواضح” عندما تتضح نوايا شخص أو منظمة من خلال اختياراتهم الفعلية. وقد كان التفضيل الواضح لحكومات إسرائيل في قطاع غزة على مدى 15 سنة حتى مذبحة 7 أكتوبر، هو إدارة الصراع مع حماس وليس هزيمتها. فقد فضلت جولات قتال قصيرة على حملات طويلة ومكلفة كان يمكن أن تطيح بهذه المنظمة الإرهابية وابعادها عن الحكم في غزة. بل إن نتنياهو اعترف بذلك أحيانا. 

الآن فيما يتعلق بالمسألة الإيرانية، يعبر الرئيس الأمريكي عن تفضيله، ويظهر ذلك في أفعاله (في الواقع في غيابها) وفي تصريحاته. كرر ترامب موقفه في هذا الأسبوع في حوار مع براك ربيد من “أخبار 12، ثم في بيان أصدره بعد لقائه مع نتنياهو في البيت الأبيض. في حالة الرئيس الأمريكي يجب دائماً أخذ التضليل المتعمد في الحسبان. مع ذلك، التصريحات تتكرر. يقول ترامب بأنه يفضل مسار التفاوض على مسار الحرب. وهو يفضل صياغة اتفاق يوقف المشروع النووي الإيراني بدلاً من التورط في حملة عسكرية طويلة. 

لكن نية ترامب هذه لا تحل المشكلة بالضرورة. فرغم احتمالية عقد جولة أخرى من المحادثات بين أمريكا وإيران في القريب، لكن الخلافات بين الطرفين عميقة. فالنظام الإيراني يرفض التخلي عن حقه في تخصيب اليورانيوم، ويتصرف وكأنه لا يعرف الأخطار التي تهدده. في اللقاء مع نتنياهو، تخلى الأمريكيون عن المجاملة، بل وعن الجزء المفضل لدى الرئيس، المؤتمر الصحافي المشترك، رغم تأكيد ترامب في إعلانه على وده لرئيس الحكومة. من المرجح أن يتكرر هذا الأمر قبل الانتخابات في إسرائيل، إلى درجة تدخل الرئيس الأمريكي العلني في العملية الديمقراطية إذا وفر له نتنياهو ما يأمل به. 

السؤال الذي يصعب إيجاد جواب موثوق عليه هو: ما الذي تم الاتفاق عليه بين الطرفين إذا انهارت المحادثات؟ لقد استمر اللقاء تقريباً ساعتين ونصف ساعة. فهل التزم ترامب بتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران إذا فشلت المفاوضات؟ ضربة مشتركة؟ ضوء أخضر لتحرك إسرائيلي؟ من المؤكد أنه ستعقد جولة أخرى من المحادثات على الأقل. وقد أشار ترامب في تصريحات كثيرة إلى ضرورة التعامل مع برنامج الصواريخ الإيرانية الذي يثير قلقاً كبيراً لإسرائيل. 

في غضون ذلك، تعزز الولايات المتحدة وجودها العسكري في الشرق الأوسط. ومن الأفضل عدم الانفعال المفرط من حديث ترامب الحماسي عن “الأسطول الجميل” والتصريحات الحماسية المشابهة في وسائل الإعلام الإسرائيلية. إذا كانت الولايات المتحدة تخطط بالفعل لتحرك عسكري يهدف إلى إسقاط النظام في طهران، فعليها تركيز ونشر المزيد من القوات في المنطقة، مع احترام حق الفيتو الذي يفرضه الرئيس على وجود جنود أمريكيين في أراضي إيران. 

لقد وصف نائب الرئيس جي دي فانس، الشخص المثير للجدل في الإدارة الأمريكية، الوضع بوضوح. قال الثلاثاء بأن الولايات المتحدة لا تهتم إلا باتفاق نووي جديد. ولكن إذا أراد الشعب الإيراني إسقاط النظام فهذا شأنه. يبدو أن هذا التصريح ظاهرياً بمثابة تخلّ عن المتظاهرين في إيران، بعد بضعة أسابيع على وعد الرئيس ترامب بـ “المساعدة قادمة”. في الحقيقة لم يتم إجراء أي نقاش في الإدارة الأمريكي في الفترة الأخيرة حول الشرارة التي أشعلت فتيل الأزمة في نهاية كانون الأول، وهي موجة الاحتجاجات التي تم قمعها بوحشية في منتصف كانون الثاني وجبت حياة آلاف المواطنين في إيران. 

على خلفية تصريحات فانس، يمهد الاتفاق النووي الطريق لرفع العقوبات عن إيران. وهذه الخطوة قد تخفف الضغط عن اقتصاد إيران والنظام. نتنياهو لم يخف موقفه منذ فترة طويلة، وهو أن أي اتفاق مع إيران هو اتفاق سيئ. وما يجب على أمريكا فعله هو اتخاذ إجراء عسكري، على أمل أن يؤجج ذلك موجة احتجاجات جديدة في كل أرجاء إيران. إن اتخاذ مثل هذا الموقف ينطوي على مخاطرة أيضاً؛ لأنه سينظر إلى إسرائيل بأنها تحرض الأمريكيين على التورط في حرب جديدة في الشرق الأوسط. مع ذلك، قاعدة ترامب الشعبية تشك بإسرائيل، لا سيما ما تعتبره كتحريض على الحرب من قبلها. 

قادة كبار في الجيش الإسرائيلي، سئلوا عن ذلك في هذا الأسبوع، ما زالوا يجدون صعوبة في تقدير كيف ستنتهي هذه القصة. نظراؤهم في قيادة المنطقة الوسطى الأمريكية (سنتكوم) الذين يتحدثون معهم، يؤكدون أن القرار النهائي هو بيد الرئيس، بيده فقط. ترامب يعرف القيود التي يواجهها. وباستثناء إسرائيل، فإن كل حلفاء بلاده في المنطقة، وعلى رأسهم تركيا والسعودية، يتحفظون بشدة من هجوم أمريكي ويفضلون مسار التفاوض. 

في غضون ذلك، يتفاقم وضع الرئيس على الصعيد الداخلي. فقد هبطت شعبيته إلى أدنى مستوى على الإطلاق، وتلوح في الأفق انتخابات نصف الولاية في تشرين الثاني، وأصبح اضطهاد المهاجرين بمثابة سهم سياسي مرتد، وقضية جيفري ابستين تثير جدلاً واسعاً، ما يحرج ترامب وحاشيته. الخلاصة أن الرأي العام في أمريكا لديه قضايا ملحة أكثر من الحرب التي تهدف إلى تغيير النظام في إيران، في حين أن هجوماً لمرة واحدة، على شاكلة تفجير المنشآة النووية في فوردو في حزيران الماضي، لن يحدث على الأرجح تغييراً جذرياً في الوضع. 

تحذير من أنقرة 

وزير الخارجية التركي (والمسؤول الكبير السابق في المخابرات التركية)، هاكان فيدان، قال لصحيفة “فايننشال تايمز” أمس بأنه يبدو أن الولايات المتحدة وإيران مستعدتان لتسوية تضمن التوصل إلى اتفاق نووي. ولكنه حذر من أن توسيع نطاق المحادثات، بحيث يشمل قيوداً على الصواريخ البالستية، سيؤدي إلى زيادة خطر اندلاع حرب جديدة. وأضاف فيدان، الذي شارك في الوساطة بين الطرفين، بأن إيران مستعدة للموافقة على قيود على مستوى تخصيب اليورانيوم وفرض نظام رقابة صارم على مشروعها النووي. وقال بأن التهديد الصاروخي هو “تهديد إقليمي وليس تهديداً دولياً”، وإن إسرائيل تحذر منه بالأساس لأنها تريد الحفاظ على تفوقها العسكري في الشرق الأوسط. وحسب فيدان، فإن قصفاً جوياً أمريكياً سيضر بالنظام في طهران، ولكنه لن يؤدي إلى إسقاطه. 

في غضون ذلك، لا يخشى نتنياهو فقط من سياسة الاسترضاء الأمريكية تجاه النظام في إيران، بل يأمل أيضاً في وقف تحركات الإدارة الأمريكية في قطاع غزة. في الواقع، سربت الإدارة في هذا الأسبوع لصحيفة “نيويورك تايمز” بأن الولايات المتحدة تنوي السماح لحماس بالاحتفاظ بسلاحها الخفيف، على الأقل في المرحلة الأولى في تنفيذ خطتها في قطاع غزة. 

ويشير قادة القوات الإسرائيلية في قطاع غزة إلى اتجاه واضح نحو تعزيز نفوذ حماس: إذ تزداد سيطرتها المدنية على السكان، ويجري إعادة بناء تشكيلتها العسكرية، وبالتالي، يزداد الخوف الذي تبثه في نفوس خصومها. وسيتطلب الأمر تحركاً واسع النطاق بقيادة الولايات المتحدة وبدعم مصر وقطر وتركيا من أجل إبعاد حماس من السلطة وإضعاف قوتها العسكرية. ومل لم توجد قوة بديلة في قطاع غزة، فإن قدرة لحماس حماس المحدودة وإعادة تأهيل وحداتها جزئياً، تكفي للحفاظ على سيطرتها على نصف القطاع الذي يخضع لها. 

——————————————

يديعوت أحرونوت 13/2/2026

يستميت في محاولة إقناع ترامب بأن يأمر بعملية عسكرية ضد إيران

بقلم: ناحوم برنياع   

في ساعة كتابة هذه السطور، ظهر يوم الخميس قبل الماضي، أن القليل جدا علم عما جرى في لقاء نتنياهو ترامب. الكثير من الكلام قيل في ساعتين ونصف من الحديث، وبعض منه بالتأكيد ذو مغزى. بخلاف عادته بعد لقاءات مع زعماء أجانب، اختفى ترامب هذه المرة برسالة قصيرة في قناته الخاصة على الإنترنت. قراءة موضوعية للرسالة القصيرة تقول، ببساطة، إن تحذيرات رئيس وزراء إسرائيل عن إيران ونواياها لم تقنعه. سيواصل التمسك بالمسار المزدوج الذي اختاره -مفاوضات دبلوماسية مع إيران وتهديد بعملية عسكرية إذا ما فشل. الموعد النهائي الذي لوح به ترامب قبل أسبوع أو أسبوعين -إذا لم يتحقق اتفاق، سأشن حربا- اختفى، في الخطاب العلني على الأقل.

لكن ترامب هو ترامب، خيرا كان أم شرا، هو غير متوقع. يبادر إلى الكثير من الأمور بالتوازي، يقول أمورا كثيرة جدا بالتوازي، بحيث يصعب معرفة ما هو معد للتنفيذ وما هو معد لأن ينسى وما هو معد لأن يكون عملية تضليل، غطاء لخطوة أخرى، في ساحة أخرى.

نسبت وسائل الإعلام الأميركية أهمية أقل للشأن مع إيران، في المقابل ما نسبته وسائل الإعلام الإسرائيلية يبشر في كل ساعة عن تأهب أقصى: الحرب على الأبواب. ففي أميركا الأمور تتركز بوسائل الإعلام على مشاكل داخلية، وأداء المنتخب الأميركي في الألعاب الأولمبية الشتوية.

لقد سافر نتنياهو إلى واشنطن كي يحاول إفشال خطوتين كبيرتين لإدارة ترامب: اتفاق نووي مع إيران وإعمار غزة. هذه مهمة صعبة لكل رئيس وزراء إسرائيلي، لكنها صعبة على نحو خاص حين لا يكون تبقى لرئيس وزراء إسرائيل حلفاء آخرون في واشنطن. هو لا يمكنه أن يصارع ترامب، هو لا يمكنه أن ينفصل عنه.

الخطة الأولية، إن لم تكن لنتنياهو فبالتأكيد لقادة جهاز الأمن، كانت إقناع ترامب بأن يأمر بعملية عسكرية: القوات اللازمة، وكذا الخطط. هذه ما تزال الاستراتيجية، الهدف النهائي. ترامب ليس هناك، ولهذا فمطلوب مرحلة مسبقة: إقناع ترامب بأن يعرض على النظام الإيراني مطالب يكون ملزما بأن يرفضها رفضا باتا. والرفض سيؤدي به إلى الخيار العسكري.

غزة هي توأم إيران الفقير: ترامب يريد أن تتقدم؛ إسرائيل تريد أن تفشل. هنا أيضا التكتيك هو أن يعرض على الطرف الآخر، في هذه الحالة على الوسطاء، مطالب لا يمكن لحماس أن تلتزم بها. فشل في غزة سيعطي نتنياهو ضوءا أخضر لاستئناف القتال. ترامب تعهد.

لقد سافر نتنياهو إلى واشنطن مسلحا بمواد استخبارية تحذر من أن إيران تخادع. هذه المواد قد تؤثر فينا، نحن الإسرائيليين، حين يختار نتنياهو أن ينشرها على الملأ، أما على ترامب فهي تؤثر قليلا جدا: فرضيات العمل لديه هي أن كل الدول تخادع. هي تعمل حسب مصالحها وليس حسب تعهداتها الدولية. هو أيضا يتصرف هكذا. إسرائيل أيضا. خسارة إضاعة الوقت على خطابات تندد بحماس أو إيران، تركيا أو قطر. هذا يسلي جدا، أن يسمع ترامب ما يقوله نتنياهو عن إردوغان وما يقوله إردوغان عن نتنياهو. يشعر وكأنه مروض في سرك يرقص الدب أمام النمر.

اثنان هما الحاجزان في طريق نتنياهو إلى قلب ترامب: جارد كوشنير وستيف ويتكوف، وهما يهوديان. الاثنان يذكرانني بجون ترابولتا وصموئيل ل. جاكسون. وهما فنسنت وجولز، مبعوث الفريضة من “الأدب الرخيص”، فيلم عبادة ترانتينو. يتنقلان معا من عاصمة إلى عاصمة، واحد طويل والآخر قصير، يستمعان بإنصات شديد للادعاءات ولردود كل طرف، وفي النهاية يفعلان ما أمرهما به الزعيم.

في نظر ترامب، غزة ليست وحش إرهاب كاسرا؛ كما أنها ليست مليوني نسمة، نصفهم بلا بيت، يحتاجون على عجل إلى الإعمار -غزة هي عمل تجاري يجب التقدم به. يوجد تمويل محتمل؛ يوجد مقاولون، يوجد بحر وشمس ورمال. حماس تعرقل؛ إسرائيل تعرقل. كوشنير، الذي رأى نتنياهو فيه في الماضي ربيبه، أصبح خصما مريرا. تشهد على ذلك التسريبات التي يتلقاها براك رابيد، المراسل الممتاز لقناة 12 في واشنطن. في النظام الملكي الذي أقامه ترامب، العائلة هي التي تقرر. كل رئيس وزراء وحلم غزة خاصته. رابين حلم بغرق غزة في البحر؛ بيرس حلم بتحويل غزة إلى سنغافورة؛ بيغن استصعب الانفصال. سألت مؤخرا شخصا أدى أدوارا رفيعة المستوى في حكومات يمينية لماذا لم يرجع بيغن غزة إلى مصر في اتفاقات كامب ديفيد. فأجاب: هذا منوط بأي غزة تقصد. توجد غزة مثل العنزة النحيفة وتوجد غزة مثلما يقال اذهب إلى غزة. بيغن تبنى غزة العنزة. إلى هذه الدرجة حرص على أن يضعها في خطاباته في الوسط حين كان يسمي المناطق يهودا وغزة والسامرة.

هذا لا يستوي مع النموذج التجاري لترامب.

——————————————

هآرتس 13/2/2026

نتنياهو.. الرجل الذي عرف أقل مما ينبغي

بقلم: يوسي فيرتر   

فيما يلي قائمة الكلمات والمفاهيم التي يرغب مكتب رئيس الحكومة في عدم ذكرها أو ظهورها في عنوان أي وثيقة رسمية للدولة: مجزرة، فشل، ذنب، مسؤولية، 7 تشرين الأول (أكتوبر)، لجنة تحقيق رسمية، اعتذار، طلب العفو والاستقالة. وفيما يلي الكلمات والمفاهيم التي يطالب مكتب رئيس الحكومة بتدوينها في السجل التاريخي لتعزيز قوة الشعب: أحداث الشغب، حقائق، خيانة جهاز الشاباك، تمرد، قيامة، بطولة، نصر مطلق، بعون الله، شعب إسرائيل حي، شعب كالأسد وعربات جدعون (أ) و(ب).

 لقد أرسل ممثل مكتب رئيس الحكومة يوئيل الباز، الذي لم نحظ بالتعرف عليه حتى هذا الأسبوع، إلى لجنة التعليم في الكنيست، التي تناولت قانون تخليد مذبحة 7 تشرين الأول (أكتوبر)، من أجل تبرير قرار حذف الجملة غير اللائقة من عنوان القانون، “ذاكرة تبني الصمود”، شرح. بظهور واحد تحول الباز الذي يرتدي القبعة المنسوجة إلى مقدم لعملية التستر، وإعادة كتابة التاريخ وهندسة الوعي التي يقودها بنيامين نتنياهو منذ 8 تشرين الأول بنجاح كبير.

لقد شهد الأسبوع الماضي تنصلا من المسؤولية وإلقاء اللوم بالفشل السياسي والأمني والكارثة التي اجتاحت الغلاف، على كل العالم. لقد بدأ الأمر بمثول رئيس الحكومة أمام لجنة شؤون الخارجية والأمن، وهناك اقتبس مقاطع مختارة من شهادته أمام مراقب الدولة، وبعد ذلك نشر “وثيقة نتنياهو” التي تتكون من 55 صفحة وفيلم فيديو مرافق لها.

منذ تلك اللحظة، فقد الزعيم السيطرة على الأحداث والتطورات. ووجد نفسه في دوامة إعلامية مدمرة كشفت عن تحريف وحذف وتلاعب فادح وأفعال مشينة ارتكبها في المحاضر التي نشرها. ونشرت وسائل إعلام كثيرة الاقتباسات الكاملة من المحاضر ومحاضر جديدة قدمت صورة مختلفة تماما عن التي حاول رئيس الحكومة المتورط في المذابح، رسمها بخداع مخجل.

في اجتماعات متتالية في الأيام والأسابيع والأشهر التي سبقت اقتحام حماس، كان يلخص النقاشات بصورة متشابهة: الاحتواء وعدم الهجوم، “زيادة المساعدات الإنسانية (لسكان غزة) والتركيز على إدخال العمال”، “تحديد نطاق التصعيد” و”ضرورة تعزيز التسوية المدنية مع حماس” وما شابه. الحجة الرئيسية هي أن إسرائيل تواجه اتفاق تطبيع مع السعودية. الحجة الثانوية هي الحفاظ على الهدوء في أعياد تشرين. وللسبب نفسه رفض دائما توصيات الشاباك باغتيال يحيى السنوار ورفاقه.

عندما أدرك نتنياهو ومرافقوه، بمن فيهم على الأرجح زوجته سارة ونجله يئير اللذان عادا معه إلى إسرائيل من ميامي، حجم المأزق الذي وقعوا فيه (يطلق عليه بالإنجليزية الأميركية “عاصفة الملاحة”)، برزت الحاجة إلى التحرك. الهدف: تحويل مسار الحديث. لقد قام أحدهم بالبحث في كومة التغريدات المزعجة في “إكس”، ووجد تغريدة في الأسبوع الماضي، في 6 من الشهر الحالي عند الساعة 9:28 صباحا. لقد كتب المغرد، وهو شخص حقير لا يهم اسمه لكثرة أمثاله، بأن رئيس جهاز الشاباك في حينه رونين بار قرر عشية 6-7 تشرين الأول (أكتوبر) اتخاذ القرارات بنفسه لأنه كان يرى أن نتنياهو “رئيس وزراء غير شرعي”. ولهذا السبب لم يقم بتحديث البروتوكولات، بل قام بتزويرها، وقاد “تمردا” ضد نتنياهو.. إلخ. كلام كاذب ومقرف ومخجل. ليت بار يقاضيه.

في يوم الاثنين، 9 من الشهر الحالي عند الساعة 21:48، بعد مرور أربعة أيام على نشر تلك التغريدة، قام رئيس الحكومة نفسه من سباته ورددها على الملأ. وحسب مصدر سياسي مطلع على ما يحدث حول رئيس الحكومة، فإن الهدف لم يكن مجرد محاولة “فاشلة” لحرف الانتباه عن الوثيقة الملفقة التي ارتدت عليه سلبا، بل كان أيضا بمثابة ندم وتصحيح للجملة التي ربما قالها أو ربما تفوه بها في لجنة شؤون الخارجية والأمن، وهي “لم تكن هناك خيانة”.

في عالم سارة ويئير يعد هذا التصريح خيانة كبيرة، فالابن يكتب بانتظام عن الخيانة ويفضح ثغرات المؤسسة الأمنية. سارة لا تغرد، لكن هذا ما تقوله/ تصرخ به في أذن هؤلاء الأشخاص البؤساء، هذا هو ثمرة جهدها خلال سنتين وأربعة أشهر. وقد تلقى ضربة قاسية بسبب ضعف والده النفسي العابر. لا بد أنه استشاط غضبا في البيت بسبب ذلك. لحسن حظه أنه سافر إلى واشنطن وحده. يومان ونصف من العقلانية. هذا مؤقت.

ذاهبون إلى فيلم سيئ

في ظهيرة يوم الثلاثاء الماضي، توجه نتنياهو إلى البيت الأبيض، حيث تلاحقه المنشورات التي كشفت عورته. أما بالنسبة لخصومه في المعارضة فقد كان ذلك بمثابة يوم عيد. كذلك اتهمه يئير لبيد بالتزوير وطالب بتحقيق جنائي. وشبهه نفتالي بينيت بفورست غامب: “رجل ضعيف، فقير، عاجز، تورط في حدث لا يكاد يكون له صلة به”.

لقد ظلم بينيت فورست غامب ظلما كبيرا. بطل فيلم “1994”، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه، وهو شاب يعاني من إعاقة جسدية (تعافى منها لاحقا بأعجوبة)، وإعاقة ذهنية. هو صادق، طيب القلب، شخصية ملهمة، بطل حرب، عداء رائع، يجد نفسه بمحض الصدفة مرارا وتكرارا في قلب أحداث تاريخية، إلى جانب شخصيات أسطورية مثل رئيسين أميركيين.

هل هذه نقاط تشابه بينه وبين نتنياهو؟ رئيس وزراء 7 تشرين الأول (أكتوبر) يطرح نفسه كشخص ساذج، جاهل بما يحدث حوله، طفل وقع أسيرا، يتم خداعه من قبل جنرالات وخبراء أمنيين، بعضهم أخطأ في تقدير الأمور، وغيرهم خانوه وتمردوا عليه وتآمروا من أجل الإطاحة به. لكن هذا هو وجه الشبه الوحيد بينه وبين فورست غامب. خبراء السينما سيجدون بسهولة أشخاصا آخرين أكثر ملاءمة له.

ما رأيناه منه ومن المتحدثين باسمه في حزب الليكود وفي وسائل الإعلام في هذا الأسبوع يجسد الوجه القبيح والخطير للحملة الانتخابية المقبلة. ستهيمن عليها قصص الخيانة في الداخل والتمرد وعبارة “لم يوقظوني”. الضربة المضادة التي تعرض لها في هذا الأسبوع بسبب وثيقته البائسة لن تعلم نتنياهو الدرس ولن تعاقبه على عادته في الكذب والتزوير، فهو لا يعرف غير ذلك. ستنتشر في الأجواء موجة افتراءات ونظريات الخيانة التي ستطال رؤساء جهاز الأمن السابقين والمستشارة القانونية للحكومة والمحكمة العليا ووسائل الإعلام و”إخوة في السلاح” ومن على شاكلتهم، وسيتم دعم هذا السم ببروتوكولات تمت إعادة صياغتها و”شهادات” مزعومة وأدلة زائفة.

ستدور حملة الانتخابات هذه حول قضية واحدة، بما أنها تعتمد على حزب الليكود ورئيسه: تبرئة نتنياهو من مسؤولية التستر على مذبحة جبت أرواح 1200 شخص، وبالطبع تبرئته من مسؤولية إطالة مدة الحرب، التخلي عن المخطوفين وإفشال صفقات إطلاق سراحهم، والعجز التام عن اتخاذ أي خطوات سياسية بعد الحرب مباشرة، الأمر الذي أوصلنا إلى الوضع الراهن، حيث تسيطر حماس على غزة إلى جانب السلطة الفلسطينية وتركيا وقطر.

لكن هذا غير كاف. فمن أجل التأثير على سير الانتخابات وتعطيلها، هناك إجراءات إضافية يمكن اتخاذها. على سبيل المثال، التشكيك في نزاهة لجنة الانتخابات المركزية برئاسة قاضي المحكمة العليا نوعام سولبرغ، والتخريب المتعمد لعملها من خلال تعيين عضو الكنيست تالي غوتلب كأحد نواب رئيس اللجنة (وهي خطوة يفحصها نتنياهو وفقا لمقال نشره يوفال سيغف في القناة 13)، والتحريض على العنف في يوم الانتخابات في مراكز الاقتراع الحساسة التي سيتم تحديدها مسبقا من قبل ميليشيات يمينية مختلفة تابعة لمردخاي دافيد، واستكمال أعداد أكبر عدد من القوانين التي من شأنها أن تمس بأي شخص يحاول تحدي النظام.

—————–انتهت النشرة—————–

Share This Article