المسار: عن نداء الوطن – لم تعد المفاوضات الأميركية – الإيرانية مجرّد مسار دبلوماسيّ تقليديّ يقتصر على ضبط البرنامج النووي الإيراني، بل تحوّلت إلى ساحة صراع أوسع على شكل النظام الجيوسياسي والاقتصادي العالمي. ففي خلفية المحادثات الجارية، يتبلور تنافس استراتيجيّ يتجاوز اليورانيوم وأجهزة الطرد المركزي، ليصل إلى معركة على ممرّات التجارة العالمية والطاقة والنفوذ الجيو-اقتصادي بين مشروع الحزام والطريق الصيني، ورؤية أميركية بديلة لإعادة تشكيل شبكات النفوذ يمكن توصيفها سياسيًا بـ “طريق ترامب”.
في الإطار العلني، ما زال الملف النووي محور النقاش المباشر، حيث تصرّ طهران على حصر المفاوضات بالبرنامج النووي ورفع العقوبات، فيما تسعى واشنطن إلى توسيع نطاق التفاوض ليشمل الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي الإيراني. غير أن مسار المفاوضات الأخيرة، خصوصًا عبر الوساطة العُمانية، كشف أن جوهر النقاش أعمق بكثير، إذ تُستخدم القناة الدبلوماسية لاختبار نيات الطرفين تجاه تسويات استراتيجية أوسع في المنطقة.
كما أن تحركات دول المنطقة لمحاولة إبقاء المفاوضات قائمة تعكس إدراكًا إقليميًا بأن انهيار المسار التفاوضيّ قد يدفع نحو تصعيد عسكريّ أو نحو إعادة رسم التحالفات الإقليمية بالكامل.
في الوقت نفسه، تظهر الخلافات حول جدول الأعمال ومكان انعقاد المحادثات حجم التعقيد السياسي المحيط بها، إذ لم تعد مجرّد مفاوضات تقنية، بل أصبحت جزءًا من لعبة توازنات دولية وإقليمية معقدة.
لكن التحوّل الأهمّ يتمثل في دخول العامل الجيو-اقتصادي بقوّة إلى صلب المعادلة. فالعالم يشهد انتقالًا تدريجيًا من العولمة المفتوحة إلى عولمة قائمة على الكتل والتحالفات الاقتصادية. وفي هذا السياق، تمثل إيران عقدة جغرافية استراتيجية تربط الخليج بآسيا الوسطى وأوروبا، ما يجعل موقعها داخل أو خارج شبكات التجارة الجديدة جزءًا أساسيًا من الحسابات الدولية.
هنا تحديدًا، يبرز البعد الأعمق للمفاوضات. فالصراع لم يعد فقط حول منع إيران من امتلاك سلاح نووي، بل حول موقعها في النظام الاقتصادي العالمي الجديد. فنجاح واشنطن في احتواء إيران اقتصاديًا وأمنيًا قد يحدّ من تمدّد النفوذ الصيني في الشرق الأوسط، بينما فشل ذلك قد يدفع طهران أكثر نحو المحور الأوراسي، بما يعزز مسار التعدّدية القطبية الصلبة.
ضمن هذا الإطار، يمكن فهم المفاوضات الحالية كجزء من ثلاث معارك متداخلة:
• معركة منع الانتشار النووي.
• معركة ضبط التوازنات الأمنيّة الإقليميّة.
• معركة السيطرة على الممرّات الاقتصادية العالمية.
أما الشرق الأوسط، فهو يقف اليوم على خط تماس مباشر بين هذه المشاريع. فنتائج هذه المواجهة لن تحدّد فقط مستقبل إيران أو العلاقات الأميركية – الإيرانية، بل ستحدّد أيضًا شكل التحالفات الاقتصادية والأمنية في المنطقة لعقد كامل على الأقلّ.
في الخلاصة، المفاوضات الأميركية – الإيرانية هي مفاوضات على مستقبل موقع إيران في النظام الدولي الجديد. إنها مفاوضات على خرائط الطاقة، والممرّات التجارية، وموازين النفوذ العالمي. وفي هذه المعادلة، لا تجلس واشنطن وطهران وحدهما على الطاولة، بل تحضر أيضًا بكين وموسكو، ومعهما مستقبل التوازن الدولي في القرن الحادي والعشرين.

