| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
معهد بحوث الأمن القومي 17/2/2026
إسرائيل إزاء التغير المتسارع في الخليج العربي.. فرص استراتيجية أم مصدر تحديات؟
بقلم: يوئيل جوجانسكي
نظام إقليمي خليجي. في السنوات الأخيرة، قدمت دول الخليج نفسها على أنها قائدة نظام إقليمي جديد، قائمة على الاستقرار والتقدم والاستقلال السياسي، على النقيض من صورتها التاريخية القائمة على التبعية لعائدات النفط والغرب. وتعكس هذه العملية رغبة في التحرر من التصورات السائدة عن الشرق الأوسط الفاشل والمثير للمشاكل، وتخدم الاقتصاد المحلي (بجذب الاستثمارات والسياحة والتكنولوجيا) والحكومة على حد سواء، ساعيةً إلى الشرعية الداخلية والحفاظ على “العقد الاجتماعي” مع المواطنين.
معادلة جديدة للعلاقات. تعمل دول الخليج على تغيير طبيعة علاقاتها مع المجتمع الدولي، وخاصة مع الولايات المتحدة؛ من نظام (تاريخي) قائم على التبعية يتعلق أساسًا بالأمن، إلى سياسة قائمة على المصالح المتغيرة والأخذ والعطاء. تنظر دول الخليج إلى نفسها كأصول، ولم تعد مجرد “عملاء”، بل كفاعلين مستقلين يتمتعون بدعم متنوع.
الصين كإضافة، لا كبديل. يتزايد التواجد الصيني في دول الخليج، لا سيما في المجالات الاقتصادية والطاقة والتكنولوجيا، لكن من وجهة نظر هذه الدول، لا يحل هذا التواجد محل علاقاتها مع الولايات المتحدة. تسعى دول الخليج عمومًا إلى الحفاظ على علاقات طيبة مع القوتين في إطار مناورة ذكية لا خيار ثنائي.
تعمل دول الخليج على تغيير طبيعة علاقاتها مع المجتمع الدولي، وخاصة مع الولايات المتحدة؛ من نظام (تاريخي) قائم على التبعية يتعلق أساسًا بالأمن، إلى سياسة قائمة على المصالح المتغيرة والأخذ والعطاء
صياغة هوية وطنية جديدة. تعمل هذه الدول على صياغة هوية وطنية جديدة تتسم بالحداثة والتقدم التكنولوجي والإسلام المعتدل، مع الحفاظ على الأسس المحافظة والقبلية. وتتمحور هذه الهوية الجديدة حول صور المستقبلية والابتكار والذكاء الاصطناعي، فضلًا عن قيادة من قبل قادة شباب ديناميكيين.
الحداثة. تستثمر دول الخليج بكثافة في التعليم والتدريب ومراكز البحوث والتكنولوجيا المتقدمة، بهدف خلق جيل شاب منفتح على العالم، لكنه ملتزم بالقيم المحافظة والوطنية. وهذا نموذج جديد للتلقين الناعم، يجمع بين الوعي الوطني وأدوات الابتكار العالمي.
التكنولوجيا في خدمة الحكم. لا يساهم تحديث دول الخليج في التحرر السياسي، بل على العكس، يُعد التقدم الاقتصادي والتكنولوجي وسيلة أخرى في يد الأسر الحاكمة، تُساعدها على الحفاظ على السلطة المركزية، والتحكم في المعلومات، وقمع التهديدات الداخلية. لا تُعدّ التكنولوجيا محركاً للنمو فحسب، بل هي أيضاً أداة للقوة السيادية. كما تُستخدم تقنيات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي لحماية البنية التحتية، وللمراقبة الداخلية، ولتشكيل الرأي العام.
تعدد الهويات. تستطيع دول الخليج ارتداء أقنعة مختلفة وفقًا لمصالحها في ظل الظروف المتغيرة: ففي علاقاتها مع العالم العربي والإسلامي، تدافع عن الإسلام وتدعم الفلسطينيين؛ وفي مواجهة الغرب، تُعتبر رائدة في التقدم والتنمية ومحورًا إقليميًا للاستقرار؛ ومع إسرائيل، تُعتبر شريكة هادئة؛ ومع القوى العظمى، تُعتبر فاعلة مستقلة ومتملكة؛ وعلى المستوى الإقليمي، تُعتبر مُسترضية، أو وسيطة.
المنافسة المنظمة. يُعد جيران الدول أحيانًا مصدرًا للمنافسة والتحديات التي تواجهها بين دول الخليج، وخاصة بين السعودية وقطر والإمارات، وثمة منافسة في العديد من المجالات، بما في ذلك التكنولوجيا والاقتصاد والتمويل، فضلًا عن الجغرافيا السياسية. تنبع هذه المنافسة من الطموح الشخصي للقادة، ومن الرغبة في تعزيز النزعة القومية، بل وحتى من الماضي الإقليمي والقبلي. وهذا يُصعّب التعاون في مختلف المجالات ويُشوش فكرة “وحدة الخليج”.
الالتزام بالانفراج الدولي مع إيران. على الرغم من الضعف النسبي الذي لحق بإيران ووكلائها بعد عامين من الحرب، ولا سيما بعد حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو/حزيران 2025، لا تزال إيران تُعتبر تهديدًا كبيرًا لدول الخليج، ومن المتوقع أن تلتزم هذه الدول بسياسة التحوط من المخاطر ضدها. ويتجلى ذلك في الانفراجة بين الأطراف، والتي تُعتبر نجاحًا في منطقة الخليج. وترى هذه الدول أن التهديد الذي تُمثله إيران لا يزال خطيرًا، وعلى أي حال، تتوقع نشوب صراع آخر بينها وبين إسرائيل و/أو الولايات المتحدة.
دول الخليج وإسرائيل: خففت دول اتفاقيات أبراهام من حدة علاقاتها مع إسرائيل عقب حرب غزة، لكنها حافظت على إطار العلاقات معها – وهو إنجاز كبير في حد ذاته. علاوة على ذلك، فإن بعض الأضرار التي لحقت بالعلاقات قابلة للإصلاح. وبشكل عام، فإن البعد العام للعلاقات، أي عملية التطبيع، يتأثر بتطورات الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وحتى الإسرائيلي الإيراني، ويتأثر بالرأي العام العربي. في المقابل، يرتكز مسار العلاقات الأمنية السرية أساساً على المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد للدول، ولذا فهو أكثر استدامة. بالنسبة لإسرائيل، يمثل الخليج العربي مصدراً للفرص الاستراتيجية – التعاون الأمني والتكنولوجي والتواجد الاقتصادي في ساحة ناشئة – ولكنه أيضاً مصدر للتحديات. إن فهم مصالح الخليج والقدرة على تكييف السياسة الإسرائيلية مع التغيرات السريعة في هذا المجال شرطان أساسيان للحفاظ على العلاقات وتعزيزها.
——————————————
هآرتس 17/2/2026
إغراءات إيران في “جنيف”: أي الكفتين ترجح.. أيديولوجيا طهران أم “هيبة واشنطن”؟
بقلم: تسفي برئيل
ربما تكون الجولة الثانية للمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، في جنيف، عملية ومفصلة أكثر من “المحادثات الاستكشافية” التي جرت قبل 11 يوماً في سلطنة عمان. وحسب تقارير إعلامية، ربما تعرض إيران تخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم من مستوى 60 في المئة إلى مستوى أقل كبادرة حسن نية مقابل رفع العقوبات عنها. ولكن هذا العرض، حتى لو تم تقديمه رسمياً، لا يلبي الحد الأدنى من الشروط التي وضعها الطاقم الأمريكي، التي تنص على أن عدم قبول أي عرض لا يشمل وقفاً كاملاً للتخصيب.
ربما ينطوي اجتماع أمس وزير خارجية إيران عباس عراقجي والأمين العام للوكالة الدولية للطاقة النووية رفائيل غروسي، على رسالة أخرى. فقد يشير هذا اللقاء إلى استعداد إيران لاستئناف عملية الرقابة على المنشآت النووية والسماح بعودة مراقبي الأمم المتحدة الذين طرد معظمهم من إيران. وقد تم التوقيع على اتفاق بهذا الشأن في أيلول 2025 في مصر بين عراقجي وغروسي، لكن إيران ألغته بعد ثلاثة أشهر.
يمكن استشفاف مؤشر آخر على المضمون المتوقع للمحادثات من تصريحات حميد كنباري، مساعد وزير الخارجية للشؤون الاقتصادية. يقول كنباري، المشارك في المحادثات مع أمريكا، بأن إيران ستعرض اتفاقات مشتركة. وقال كنباري لرؤساء لجان غرفة التجارة في إيران: “لم تجن الولايات المتحدة أي فائدة اقتصادية من الاتفاق النووي السابق. هذه المرة يجب ضمان حصول واشنطن أيضاً على فائدة اقتصادية لضمان استدامة أي اتفاق يتم التوصل إليه. وينبغي أن تكون هذه الفائدة في مجالات لها قيمة اقتصادية كبيرة يمكن تحقيقها بسرعة”. وأضاف بأن هذه المجالات تشمل صفقات في فرع الغاز والنفط والموارد الطبيعية وشراء الطائرات. “هذه مسألة تثير اهتمام الطرف الأمريكي بشدة”.
حسب كنباري، يجب على الولايات المتحدة في المقابل الإفراج عن الأموال الإيرانية المودعة في البنوك الأمريكية وبنوك دول أخرى
لكن هذا العرض ليس أحادي الجانب. فحسب كنباري، يجب على الولايات المتحدة في المقابل الإفراج عن الأموال الإيرانية المودعة في البنوك الأمريكية وبنوك دول أخرى. “هذه خطوة يمكن تنفيذها بمرة واحدة أو بالتدريج”. وتحتفظ الولايات المتحدة تقريباً بـ 2 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة في بنوك في أرجاء العالم، من أصل 100 – 120 مليار دولار مجمدة في بنوك دولية. في 2023، خلال فترة رئاسة بايدن، تم الإفراج عن 6 مليارات دولار كانت مجمدة في كوريا الجنوبية مقابل صفقة لإطلاق سراح سجناء. هذا المبلغ كان مودعاً في بنك في قطر. ولم يكن بإمكان إيران سحبه إلا لتمويل الاحتياجات الإنسانية. ولكن بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر، اتفقت الولايات المتحدة وقطر على إبقاء الأموال مجمدة، وعدم قدرة إيران على استخدامها على الإطلاق.
كنباري خبير اقتصاد مخضرم شارك في محادثات سابقة بين الولايات المتحدة وإيران، وقد تشير مشاركته في المفاوضات الأخيرة إلى توقع إيران من هذه المحادثات. هذا يدعم التقييم الذي يقول بأن المحادثات تهدف إلى تحقيق نتائج اقتصادية ملموسة، التي قد تكون إيران مستعدة لتقديم المزيد من التنازلات المهمة لتحقيقها. من غير المستبعد أن تطرح فكرة انشاء اتحاد نووي إقليمي من جديد على شاكلة النموذج الذي طرح في السنة الماضية ولم ينفذ. وقد نص الاقتراح الأصلي على إنشاء هيئة إقليمية تشارك فيها السعودية والإمارات إلى جانب إيران، وتدير منشأة لتخصيب اليورانيوم خارج إيران بشكل مشترك، تحت رقابة دولية دقيقة، بدلاً من ادارتها في منشآت التخصيب في إيران.
إيران أيدت الفكرة، لكنها قيدتها بالتأكيد على أن المنشأة الجديدة لن تستبدل برنامجها لتخصيب اليورانيوم، بل ستكمله. وإن موقع التخصيب، حتى في حالة شراكة دول عربية، سيكون داخل أراضي إيران. السعودية لم تتحمس لهذه الفكرة، لأنها هي أيضاً تطمح إلى إنشاء منشأة لتخصيب اليورانيوم في أراضيها. وتخشى السعودية أيضاً من أن الشراكة مع إيران تحملها مسؤولية تصرفات طهران، بل وتشكل غطاء واقياً ضد أي ضرر قد يلحق بالمنشآت النووية في إيران. وإذا أعيد إحياء إنشاء مثل هذا التحالف، ربما بالشراكة مع عدة دول أخرى في المنطقة مثل مصر وتركيا وقطر، فربما تصمم الولايات المتحدة على أن تكون منشأة التخصيب خارج إيران، وهو طلب لن تقبله طهران في الوقت الحالي.
خلافاً للمفاوضات التي جرت بشأن الاتفاق النووي الأصلي، يتم إجراء هذه المحادثات في هذه المرة بدون مشاركة أو شراكة أوروبية. ويقتصر دور الدول العربية على استخدام الضغط على الولايات المتحدة لتجنب تصعيد حرب قد تتحول إلى حرب إقليمية. مع ذلك، قد يكون لهذه الدول – لا سيما سلطنة عمان التي تتوسط بين الطرفين، والسعودية والإمارات اللتين لهما مصالح اقتصادية واسعة مع إيران – دور سياسي إذا تجاوزت المفاوضات مجرد مناقشة مسألة تخصيب اليورانيوم، وتطورت إلى مفاوضات حول مجمل العلاقات بين إيران والولايات المتحدة.
لكن هذه المرحلة من المفاوضات ما زال هدفها المباشر غامضاً. هو بين رؤيتين: رؤية إيران التي تعتبر تخصيب اليورانيوم على أراضيها مبدأ أيديولوجياً، والتنازل عنه بمثابة هزيمة وطنية وانتهاك خطير لسيادة إيران وحقوقها كدولة وقعت على اتفاق عدم انتشار السلاح النووي. ورؤية أمريكا وإسرائيل تنسب للتخصيب حتى بأدنى مستوى، نية صريحة للحصول على السلاح النووي. إضافة إلى ذلك، أصبحت التنازلات الأمريكية امتحاناً للهيبة. فبعد أن أغرقت الولايات المتحدة المنطقة بحاملات الطائرات وقوة عسكرية أخرى وأظهرت الاستعداد لشن الحرب، سيجد هذا التهديد الكبير صعوبة في الاكتفاء بإنجاز جزئي.
وفي هذه الرؤية شرك؛ ففي المفاوضات التي يظهر وكأنها تدور حول “كل شيء أو لا شيء”، فغير واضح ما المقصود بـ “كل شيء”. هل تصمم الولايات المتحدة أيضاً على تفكيك برنامج الصواريخ البالستية أو الحد منه؟ هل تعتبر قضية وكلاء إيران، التي تعرف بأنها “تدعم الإرهاب”، جزءاً أساسياً لا يمكن التنازل عنه؟ لذا يصعب تحديد الإنجاز الذي قد يمنع الهجوم، وما الذي قد يؤدي غيابه إلى تنفيذه؟ الأهم هو: هل يوجد سيناريو يضمن تحقيق كل هذه الأهداف بواسطة الهجوم العسكري، وهو سيناريو قادر أيضاً على تقييم التداعيات الإقليمية لمثل هذه الحملة والتعامل معها لاحقا؟
ما زال الرئيس ترامب مصراً على تفضيل الحل الدبلوماسي على الحل العسكري. واستعراض القوة يلعب دوراً مهماً كمحفز سياسي من المفروض أن يجبر إيران على تقديم تنازلات تحيد التهديد. من ناحيتها، يتوقع الآن من إيران اختبار مرونة التهديد الأمريكي، وهي تسير على حبل دقيق وخطير يفترض أن يجسر الفجوة بين المبادئ الأيديولوجية والوطنية وبين الإملاءات والتهديدات الأمريكية. في مثل هذه العملية، تسعى طهران إلى كسب الوقت وتقديم إنجازات تدريجية مقابل تنازلات تدريجية، وفي خضم ذلك ستختبر مفهوم ترامب للوقت. كعادته، أعلن ترامب بأن “الوقت ينفد”، ثم ناقض نفسه بعد ذلك عندما قال “لدينا متسع من الوقت للتوصل إلى اتفاق مع إيران”.
——————————————
معاريف 17/2/2026
المؤشرات كلها.. من ترامب حتى لاعب البيسبول: واشنطن وطهران لن تتفقا
بقلم: زلمان شوفال
بعد قراءة تصريحات الرئيس ترامب الرسمية أو حتى من تغريداته، فكل محاولة لاستخلاص صورة واضحة لما بحث أو اتفق عليه في لقاء الأسبوع الماضي بينه وبين نتنياهو، محكوم عليها بالفشل؛ لأن ستار الدخان المقصود يشكل جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران، لكن دعوة الرئيس إلى لقاء عاجل مع نتنياهو تشهد على أن الإدارة الحالية، بخلاف إدارتي الرئيسين أوباما وبايدن، ترى في إسرائيل حليفاً وشريكاً استراتيجياً حقيقياً وعملياً للخطوات في الشرق الأوسط وليس فقط في الموضوع الإيراني.
سبق لهذه الحقيقة أن انعكست في وثيقة نشرتها وزارة الدفاع الأمريكية قبل بضعة أسابيع في موضوع استراتيجيات الأمن القومي للعام 2026. تتضح فيها بصمات الرئيس ترامب نفسه، الذي يعرض إسرائيل كـ “نموذج لحليف لا يطلب من الولايات المتحدة القتال نيابة عنه، بل يبدي استعداداً وقدرة على الدفاع عن نفسه بقواه الذاتية (اقتباس لفظي من عقيدة إسرائيل الأمنية الدائمة). لذا، هو جدير بالدعم غير المتحفظ.
معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية لم تتعاط بجدية مع هذا الإعلان الرسمي الذي يرفع الحلف الاستراتيجي بين الدولتين بعدة درجات فوق ذاك الذي كان قائماً مع إدارات سابقة.
في الماضي، تم التشديد على تحفظ في الموضوع الفلسطيني وصيغ “الدولتين”، وقد صدح وشدد عليه أيضاً في المواقف المعلنة لمحافل يسارية في إسرائيل.
الواقع الجيوسياسي ليس ساكناً في مكان ما، ومثله أيضاً الواقع السياسي في الولايات المتحدة. ترامب، الذي اعتبر مؤيداً متحمساً للغاية لنهج الانعزالية الأمريكي الذي يتميز به سواء اليمين المتطرف أم اليسار المتطرف، يتكشف أكثر وبخلاف قاعدته الأيديولوجية في MAGA كوريث لنهج الروزفيلتيين ثيودور وفرنكلين، اللذين رأيا في الولايات المتحدة قوة عظمى يمكنها وينبغي لها أن توسع نفوذها في العالم كله، وإن لم يكن بالضبط للأهداف ذاتها. مثال على هذا التدخل يتجسد في خلفية المواجهة الناشئة بين حليفتي الولايات المتحدة، السعودية والإمارات، مواجهة قد تكون لها تداعيات على إسرائيل أيضاً. فيها كل عناصر الأزمات الدبلوماسية وغيرها، التي تتطلب تعاوناً وثيقاً بين “القدس” وواشنطن.
في موضوع إيران، رغم ستار الدخان المقصود، واضح أن الموضوع كان في مركز اللقاء بين ترامب ونتنياهو. فالولايات المتحدة وضعت أمام نظام آية الله اختياراً عملياً بين الاتفاق والهجوم العسكري، فيما البندول لا يزال يتراوح بين الإمكانيتين. من ناحية إسرائيل، مثلما شدد رئيس الوزراء، فالاتفاق مع إيران يجب ألا يكتفي بالموضوع النووي، بل يتناول أيضاً الصواريخ بعيدة المدى، دون موعد انتهاء (نقطة ضعف مركزية في اتفاق أوباما) وتصفية الوكلاء الإيرانيين – حزب الله، حماس، الحوثيين وجماعات إرهابية أخرى، فيما أن كل تحقيق في العقوبات أو في القيود سيكون خاضعاً لتنفيذ هذه الشروط. في جملة واحدة: اتفاق استسلام شبه تام، أحد أهدافه تغيير النظام في إيران، وإن لم يذكر الأمر صراحة.
على أي حال، احتمالات اتفاق من هذا القبيل طفيفة وربما غير واردة من ناحية الإيرانيين، ويطرح السؤال: أي بنود تلك التي يمكن لإدارة ترامب أن تكون مستعدة فيها للتنازل أو تبدي ليونة ما؟ كل تنازل ربما يبقي لدى النظام الإيراني قدرات مهددة تشكل خطراً على إسرائيل. في مثل هذه الحالة، قد تضطر إسرائيل لاتخاذ قرارات عملياتية بذاتها، بدعم أمريكي أو بدونه.
في هذه المرحلة، لا مؤشرات حقيقية على استعداد أمريكي للتوافق مع طهران، بل العكس؛ إذا كان هناك انطباع بأن الإدارة أو جزءاً منها مستعدة للتنازل في موضوع الصواريخ، فيبدو الآن أن الإدارة اقتربت من الموقف الإسرائيلي. يبدو أن تقرير “نيويورك تايمز” الذي نشر عشية زيارة رئيس الوزراء وبحث في خطوات إيران لتوسيع قدراتها الصاروخية، لم يكن صدفة؛ فتعهدات الرئيس الصريحة في شبكة “فوكس” في هذا الموضوع تدل على ذلك أيضاً. ومع ذلك، فإن المحادثات في جنيف بين مندوبي الولايات المتحدة وإيران يفترض أن تتواصل، ومثلما قال في حينه لاعب البيسبول الأمريكي نيوغي بارا، “لن ينتهي هذا إلى أن ينتهي”.
——————————————
هآرتس 17/2/2026
غزة: خطط كبرى دون ميزانية.. و”مجلس السلام” بين الشرط العربي ومناورات نتنياهو
ليزا روزوفسكي
سيعقد مجلس السلام اجتماعه الرسمي الأول في واشنطن الخميس، حيث يتوقع أن يعلن رئيسه، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن الدول التي تعهدت حتى الآن بالإسهام في إعادة إعمار قطاع غزة. وحسب المعلومات المتوفرة، هذه الدول هي: الإمارات والكويت وقطر والولايات المتحدة نفسها. كما أعلن الرئيس في شبكته الاجتماعية “تروث سوشيال” الأحد، أن إجمالي الالتزامات المالية بلغ 5 مليارات دولار.
ولكنه مبلغ قليل مقارنة مع احتياجات القطاع، وبالتأكيد مقارنة مع الخطط الطموحة التي قدمها جاريد كوشنر، صهر ترامب، عند افتتاح المجلس في دافوس. فالأموال الطائلة المطلوبة في حالة تردد، وهذا ما صرح به وزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، رداً على سؤال “هآرتس” في مؤتمر ميونخ. ولكي توافق السعودية وبعدها الدول الإسلامية الأخرى، على التبرع فهي بحاجة إلى ضمانات لإنهاء الحرب نهائياً، وهذا يعني على أقل تقدير وضع خطة واضحة ومتفق عليها لنزع سلاح حماس من جهة، وانسحاب إسرائيل من قطاع غزة من جهة أخرى. ومن المؤكد أن هذه القضايا ستطرح في اجتماع المجلس أو على هامشه. فهي قضايا جوهرية ولن يتقدم مشروع ترامب بدونها، وكل الأطراف يدركون ذلك.
في خطابه الذي ألقاه في مؤتمر رؤساء الدول، تشدد نتنياهو في موقفه بشأن نزع سلاح حماس، شاملاً بنادق الكلاشينكوف التي تعتبرها حماس “سلاحاً للدفاع عن النفس”، والتي رأي فيها ترامب سلاحاً ثقيلاً يجب نزعه من القطاع، إلى جانب صواريخ آر.بي.جي وتفكيك شبكة الأنفاق، التي ما زال معظمها -حسب نتنياهو (350 كم من أصل 500 كم) سليماً.
في خطابه الذي ألقاه في مؤتمر رؤساء الدول، تشدد نتنياهو في موقفه بشأن نزع سلاح حماس، شاملاً بنادق الكلاشينكوف التي تعتبرها حماس “سلاحاً للدفاع عن النفس”
في الوقت نفسه، يقسّم خليل الحية، رئيس طاقم التفاوض التابع لحماس، وقته بين القاهرة وإسطنبول والدوحة، ويتنقل بين ممثلي الوسطاء الثلاثة الضامنين لوقف إطلاق النار. مع ذلك، المخابرات المصرية هي التي تقود المفاوضات مع حماس بشأن نزع السلاح. ففي الأسبوع الماضي، التقى نيكولاي ملادينوف، كبير مندوبي مجلس السلام في القاهرة، مع الحية ومع مسؤول آخر رفيع المستوى في حماس هو غازي حامد، وتناقش معهما حول الخطوط العريضة لنزع السلاح، أو ما يفضل تسميته في مجلس السلام، وبين الوسطاء بـ “عملية إيداع السلاح”.
في الأسبوع الماضي، نشرت “نيويورك تايمز” بأن كوشنر وستيف ويتكوف وملادينوف يعملون على وثيقة ربما تطالب حماس بنزع سلاحها على مراحل، بحيث تسمح لها مبدئياً بالاحتفاظ بكمية من السلاح الخفيف. وعندما سئل ملادينوف عن هذا الأمر في جلسة نقاش في مؤتمر ميونخ، امتنع عن الرد، لكن عملياً، يبدو أن التقدم التدريجي هو الخيار الوحيد. فالبديل هو الوصول إلى طريق مسدود، وهو وضع يزيد من خطر استئناف القتال.
لقد علمت “هآرتس” أن هناك سيناريو آخر يناقش حالياً في القاهرة: اعتماد لجنة التكنوقراط الفلسطينية بشكل مؤقت على ضباط الشرطة الذين يعملون في الوقت الحالي في الشرطة، والذين تطلق عليهم إسرائيل “شرطة حماس”. وبطبيعة الحال، تجري إسرائيل فحصاً دقيقاً لرجال الشرطة أنفسهم رغم أن جهاز “الشاباك” كان قد وافق على وجود قوات الشرطة هناك قبل الحرب. وحسب الخطة، فبمجرد دخول لجنة التكنوقراط إلى القطاع ستصبح هذه القوات تابعة لها وليس لحماس.
في غضون ذلك، سيحاول مجلس السلام تحديد مواقع قوات احتياط في القطاع تستطيع استبدال شرطة حماس عند الحاجة. حالياً، لا يتوفر إلا بضع مئات من شرطة غزة الذين تدربوا في مصر أثناء الحرب، ولن يدخل 2000 شرطي فلسطيني من الضفة الغربية، الذين تم تدريبهم في الأردن، إلى القطاع. ويقال إن السلطة الفلسطينية لا ترغب في إخضاع هذه القوة للجنة التكنوقراط. وحسب رواية أخرى، إسرائيل لن تسمح لهم بالانتقال إلى غزة خشية ربط الحكومة الجديدة بالسلطة الفلسطينية. في كل الحالات، استخدام شرطة حماس المؤقت هو الطريقة الوحيدة للسماح للجنة الفلسطينية بدخول القطاع في أسرع وقت، وتولي السلطات الحكومية بدون انزلاق غزة إلى الفوضى.
في الوقت الراهن، لا مؤشرات واضحة على استعداد حماس لنزع السلاح الخفيف. ولكن حتى لو كانت مستعدة فمن المرجح أنها ستربط هذه الخطوة الجريئة بعدة طلبات: نزع سلاح العشائر التي قاتلت ضدها إلى جانب إسرائيل للحد من الخطر الشخصي الذي يهدد أعضاء حماس الذين سيسلمون سلاحهم، وانسحاب إسرائيل، وربما بعض الإنجازات السياسية أو الدبلوماسية. مع ذلك، من المرجح ألا تتم تلبية هذه الطلبات إلا بشكل جزئي.
في غضون ذلك، تعزز هذه العشائر تحت حماية إسرائيل، سيطرتها على القطاع. وفي ظل امتناع الأمم المتحدة عن تلطيخ أيديها بالتعاون مع الاحتلال، فقد منحت هذه العشائر دوراً رسمياً جديداً في شرق الخط الأصفر – مرافقة سكان غزة العائدين من مصر في معبر رفح إلى نقطة تفتيش الجيش الإسرائيلي. وحسب بعض الشهادات، تنطوي هذه العملية على الإهانة والتهديد، بل وحتى السرقة.
إن الضغط على إسرائيل للسماح بما يسمى “إعادة التأهيل المبكر”، أي إزالة الأنقاض وإدخال المساعدات إلى القطاع، سيزداد. وقد طرح ملادينوف وعضو مجلس السلام سيغريد كاخ، هذه الطلبات علناً في مؤتمر ميونخ. ومن المؤكد أن الضغط الخفي أكبر بكثير، وقد يشتد بعد قمة واشنطن. وبينما تعتبر حكومة إسرائيل إدخال كرفان بمثابة إعادة تأهيل محظورة، يسود اعتقاد بأن إسرائيل ستضطر إلى إظهار مرونة في هذا الأمر.
وزير الخارجية جدعون ساعر، الذي مثل إسرائيل في الاجتماع الأول للمجلس، سيضطر إلى التنسيق بين الكثير من القادة والوزراء العرب والمسلمين، بل وسيوثق حضوره معهم. قد يتوقع منه عرض موقف إسرائيل والتفاوض مع الوسطاء، لكن الأرجح أنه سيحضر نيابة عن نتنياهو بعد أن تملص الأخير من هذا الموقف ببراعة. وفي كل ظهور علني، يحرص رئيس الوزراء على ذكر خيار استئناف الحرب وإبقائه مطروحاً، ما يترك له هامشاً قليلاً للمناورة، ولا يترك أي مجال على الإطلاق لمبادرات المبعوثين نيابة عنه.
——————————————
هآرتس 17/2/2026
هكذا أخضع “أوسلو” الضفة الغربية لحكم المستوطنين
بقلم: عميره هاس
سألني صديقان لي من هولندا قبل عشر سنوات تقريباً: “ما أصعب شيء بالنسبة لك في الموضوع الذي تقومين بتغطيته”. لقد قادهما مجال عملهما، البحث التاريخي وصناعة الأفلام الوثائقية، إلى التركيز على الكارثة، التي هي جزء من السيرة الذاتية لنا نحن الثلاثة.
خلال سنوات، شعرت أنهما يفضلان الابتعاد عن تغطية قضايا سياسية تمس إسرائيل. لذلك، تفاجأت من السؤال. وقد أكدا أنهما لا يشيران إلى صعوبة تقنية، أو حتى إلى حقيقة سيطرتنا المعادية على شعب آخر. لم أكن بحاجة إلى أي تلميح للإجابة على الفور بأن “التخطيط هو الجزء الأصعب في عملي”. أما الاثنان فلم يكونا بحاجة إلى توضيح أو تفسير. ففي مجال بحثهما، تعرفا على التخطيط كموهبة مخيفة وخطيرة، التي هي حكر لمجتمع مشروعه القومي هو نقاء عرقي وتوسع إقليمي.
اليهود الإسرائيليون الذين يعيشون في الفوضى المألوفة في إسرائيل يجدون صعوبة في نسب مهارة التخطيط لدولتهم، رغم أن كل مدينة عمرها 70 سنة، وكل مجمع تجاري ومفترق طرق يدين بوجوده لتشريعات مدروسة منذ العام 1948، ولبعد نظر رواد الحركة الصهيونية العالمية. لقد أخفى بريق “عملية السلام” الزائفة، وبريق “الأمن” القومي الذكوري وما زالا يخفيان تلك الدولة العميقة الحقيقية التي تعرف كيفية الاستيلاء على الأراضي وسلبها من الفلسطينيين.
اليهود الإسرائيليون الذين يعيشون في الفوضى المألوفة في إسرائيل يجدون صعوبة في نسب مهارة التخطيط لدولتهم، رغم أن كل مدينة عمرها 70 سنة
في الأسبوع الماضي، قررت الحكومة اتخاذ المزيد من إجراءات التطهير العرقي والاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية. وتتزامن قراراتها مع الطلبات التي ظهرت في برامج الأحزاب الاستيطانية وفي وسائل الإعلام القطاعية والرئيسية. وقد عمل المستوطنون بلا كلل على تحويل طلباتهم إلى سياسة علنية. وتمكن ممثلوهم من الجمع بين الغضب المصطنع من الإدارة المدنية، التي نفذت سياسة الحكومة في التخطيط والبناء لليهود ومنع الفلسطينيين من البناء وتقييد حصولهم على المياه، وبين العمل الوثيق داخلها وضدها. فقد عمل المستوطنون هناك مثل قط يحرس الجبنة – قبل فترة طويلة من تعيين مستوطن كنائب مدني للقائد العسكري لهذه المؤسسة. في العقد السابق، مثلت اللجنة الفرعية لشؤون “يهودا والسامرة” التابعة للجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست، لا سيما في عهد رئيسها المستوطن موتي يوغاف، ساحة مهمة للجمع بين الضغط والعمل المشترك. فقد تم استدعاء ممثلي حركة “يهودا والسامرة” [الضفة الغربية] ومنسق أعمال الحكومة في “المناطق” [الضفة الغربية] إلى اجتماعاتها كمتهمين بمحاكمة ميدانية، في حين اضطلع أعضاء جمعية “رغافيم” ومستوطنين آخرين بدور الادعاء ببراعة. وشملت الأحكام التي كانت معدة مسبقاً، أوامر هدم للفلسطينيين، وإعطاء المستوطنين المزيد من الفرص لبناء المستوطنات وتوسيعها.
يد خفية أقامت بؤراً استيطانية منذ التسعينيات، ما أدى على الفور إلى اندلاع أعمال عنف ضد الرعاة الفلسطينيين والمزارعين. وفي العقد الأول في الألفية الثانية خصوصاً، “استسلم” الجيش بشكل طوعي لظاهرة اليهود المهاجمين ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم وإلى الينابيع، التي انتشرت فيها كروم العنب التي تتم زراعتها حسب الشريعة اليهودية. عدد الكلمات في النقاشات حول تفكيك البؤر الاستيطانية لم يضاهه إلا عدد الشكاوى من اعتداءات المستوطنين التي أغلقت الشرطة ملفاتها بسبب عدم الاهتمام الشعبي أو بسبب عدم وجود متهمين. بعد ذلك، بدأ استخدام قطعان كبيرة من الأغنام والرعاة، الكبار والصغار، الذين يشاهدون فوق الخيل والدراجات والحمير وسيراً على الأقدام، كسلاح ناجع لردع الرعاة الفلسطينيين، بالضرب والإحراق وإطلاق النار والاقتحام وكل ترسانة العنف التي تكشفها الإنترنت لكل من لا يتجاهل الحقيقة. لقد أصبح التدفق القليل فيضاناً، وتم طرد 70 تجمعاً فلسطينياً تقريبا. ويشير النمط المتكرر في أماكن كثيرة والتشابه في أسلوب التنفيذ والمنهجية والأموال الكثيرة المطلوبة إلى وجود عناصر تخطط وتمول وتعمل بتناغم مريب من وراء الكواليس، في المجالس المحلية، والمستوطنات، والكنيست والوزارات الحكومية.
الفضل في نجاح حركة استيطان اليمين الديني والحريدي الوطني، ونجاح طرد التجمعات الفلسطينية من المناطق المصنفة “ج”، إلى القدرة التخطيطية التي تجلت في اتفاق أوسلو. فقد اعتبر اليمين الاتفاق خيانة، واستهزأ بدهاء كوادر حزب العمل ومفاوضيه. وقد أسفرت خبرتهم المثبتة في الاستيلاء على الأراضي تحت غطاء “قانون أملاك الغائبين” الخبيث، وتعريفه المضلل “الحاضرون – الغائبون”، عن تقسيم مصطنع إلى جزر “أ” و”ب” في محيط المناطق “ج”، وعن قرار إعادة الصلاحيات بالتدريج – مع بقاء المناطق “ج” في نهاية لا تعرف الحدود.
كان يمكن تفهم منطق النقل التدريجي والمشروط لصلاحيات الشرطة والأمن، ولكن ما صلة ذلك بصلاحيات التطوير والبناء وصناعة الزراعة ورسوم معاملات العقارات؟ لماذا أصرّ إسحق رابين على الاحتفاظ بها؟ كان يمكن إعادتها للفلسطينيين على الفور، مع الحفاظ على أمن المستوطنين. كيف يمكن أن يضر ربط التجمعات بالمياه وإعداد الخطط الهيكلية وتنفيذها وبناء مدارس وعيادات ومراكز سياحية، بأمن الإسرائيليين؟ لن يضرهم، بل سيحبط خطط الاستيطان الجديدة. وقد كان شمعون بيرس ورابين وإيهود باراك يعرفون ذلك جيداً. مماطلتهم في المفاوضات لم تكن بالصدفة؛ أما ناخبوهم الذين اعتبروا الاحتلال مشكلة وأيدوا السلام، فبفضل ذلك نسوا مهارة معسكرهم في الخداع والمكر من أجل الدونم التالي، وتركوا مهارة التخطيط والتنفيذ للمستوطنين.
——————————————
هآرتس 17/2/2026
عنف الحريديم المتظاهرين بمدينة “بني براك”: نحن الدولة.. نفعل ما نشاء
بقلم: أسرة التحرير
على كل منا ألا يتفاجأ من انفجار العنف في أرجاء مدينة “بني براك” هذا الأسبوع، حول دخول مجندتين إلى المدينة. وشملت أعمال الشغب في المدينة قلب سيارة دورية للشرطة وإحراق دراجة نارية شرطية، وإغلاق طرق ورشق حجارة. إن إجراء مظاهرة في نظام ديمقراطي، حتى تلك التي تمس بالنظام العام أحياناً، هي خطوة احتجاجية شرعية للتأثير على سياسة الحكومة. لكن يبدو أن احتجاج الجماهير الحريدية لا تتم بهدف المشاركة في سياقات اتخاذ القرارات وإبداء مشاركة مدنية، بل تنكراً للواجبات ورفض صلاحيات الدولة وقوانينها في كل ما يتعلق بهم.
كل هذا نشأ بعد أن سمحت سلطات إسرائيل للوسط الحريدي عملياً بإقامة حكم ذاتي، بلا قانون ولا نظام. للطائفة الحريدية جهاز تعليم خاص بها يمول بمليارات الشواكل، ويوجه جماعة كاملة بين السكان إلى حياة فكر وتنكر للواجبات المدنية. فأبناء المدارس الدينية تلقوا طوال سنين، بشكل غير متساو، إعفاء من الخدمة العسكرية، والدولة تمولهم من خلال دعمها للمؤسسات التوراتية. الكثيرون في الوسط الحريدي يستحقون سلسلة تخفيضات في الأرنونا، حسب معايير غير متساوية بسبب ضغط سياسي من الأحزاب الحريدية. بعض منهم لا يدفعون الضرائب وفقاً لدخلهم، بسبب ظاهرة الاقتصاد الأسود المنتشرة في الوسط. وفي التجمعات الحريدية ظاهرة علاوات بناء لحظية وخطيرة، وذلك لأن حتى قوانين التخطيط والبناء لا تفرض في المجتمع الحريدي كما ينبغي.
غضت السلطات عينها على مدى سنين، بحيث إن القانون والنظام توقفا عند بوابات المدن الحريدية. الحكومات الأخيرة، لاعتبارات سياسية صرفة، عظمت هذه السياسة كي تحافظ على حكمها. نتنياهو حمل هذه الظاهرة إلى أقصى درجة، والنتيجة واضحة: الحكومة التي خطت على علمها الحوكمة كقيمة عليا اختفت وصمتت عندما يجري الحديث عن إنفاذ القانون في الوسط الحريدي. الحكومة تحصد ثمن تسيبها.
خط مباشر يمر بين معدلات الجريمة المرتفعة في المجتمع العربي وحالات القتل الكثيرة من يوم إلى آخر، وبين فقدان السيطرة والاستخفاف بالقانون في المجتمع الحريدي. في الحالتين، تنشغل الحكومة بالحفاظ على حكمها وبتوزيع الامتيازات على مقربيها وتختار ترك سكان من ملايين المواطنين لمصيرهم. في حالة العرب، هذا التسيب يكلف حياتهم.
إن الإسناد الذي منحته الحكومة لخروقات الحريديم للقانون، مع التشديد على الإعفاء من التجنيد حتى بعد حرب مضرجة بالدماء – تفجر في وجهها في شوارع “بني براك”. ما دام الحريديم باقين دولة داخل دولة، فسيستمر التسيب. يخيل أن هذا لا يهم نتنياهو وحكومته.
——————————————
هآرتس 17/2/2026
النظامان بإيران وإسرائيل متشابهان
بقلم: غال ليبرتوف
توجد أوجه تشابه كثيرة بين العنف الشديد داخل إسرائيل والعنف في المناطق الخاضعة لحكمها. القاسم المشترك هو السياسة. ليس فشل أو اهمال أو لامبالاة بحياة الانسان، بل سياسة موجهة من الأعلى، من طاولة الحكومة ومن يترأسها. وهو نفس رئيس الحكومة الذي كان يعرف بالضبط ما يفعله وماذا سيحدث عندما ترك الشرطة وكل الشعب في يد ايتمار بن غفير، وترك الأراضي في يد بتسلئيل سموتريتش، والامن في يد يسرائيل كاتس والقضاء في يد ياريف لفين.
يستخدم كل نظام مستبد العنف لقمع معارضيه وتهديدهم، ولحرف الانتباه عن افعاله وتفريق الناس وحكمهم، أي خلق “عدو” وهمي وشيطاني، سواء تمت تسميته “اليسار” أو “العرب” أو “الدولة العميقة”. العدو الذي تعمل الحكومة ضده وتحرض عليه هو نحن، مواطنو الدولة، عرب ويهود، علمانيون ومتدينون الذين لا يؤيدونها، الفنانون والاكاديميون، وحتى الفتيات اللواتي يتجرأن على الخدمة في الجيش الإسرائيلي، الامر الذي يثير استياء المقربين من الحاكم وابواقه. ان الحكومة معنية بجمهور خائف ومنقسم ومحبط يدفع افراده الى الاقتتال، والجماعات الى الاقتتال، والقطاعات الى الاقتتال، والنوع الاجتماعي ضد الاخر، بدلا من مواجهته، وبدلا من الدفاع عن حقوقه.
لنبدأ بالبلدات العربية، حيث تفاقمت الجريمة وتضاعف عدد جرائم القتل ثلاثة اضعاف في ظل الحكومة الحالية. فاذا كان عدد القتلى يزداد أسبوعيا منذ تشكيل هذه الحكومة، ففي الأشهر الأخيرة يقتل شخص كل يوم ولا احد يهتم بإحصاء الجرائم الأخرى الخطيرة.
منظمات الجريمة هي طرف جبل الجليد الظاهر، وليست هي أساسه. يمكن التعامل معها بسهولة اذا توفرت الإرادة. حتى خلال فترة عملي في النيابة العامة كنا نشاهد جدالات وصراعات شخصية وسياسية في العمل مع النخبة، لكن الهدف كان واضح والقيم مشتركة. لم تشاهد البلاد حكومة كهذه من قبل، تشجع على العنف وتعتبر مكسبا وتبني عليه. بالنسبة لبنيامين نتنياهو الوضع ممتاز (“نجاح”، على وزن “نهضة”)، أو ربما هو يلوم الاستشارة القانونية. تتم سرقة الميزانيات من المجتمع العربي بفضل الوزيرة المشتبه فيها ماي غولان. في نفس الوقت تلقي ابواق الحكومة اللوم على الضحية: هذه هي ثقافة المجتمع العربي، بالضبط مثلما يصفون أفعال زعران الحكومة على اعتبار انها “تعكس الواقع”. في الواقع ثقافة العنف ليست الا حكر على بعض وزراء الحكومة وانصارهم الذين يعتبرونها أيضا وسيلة لحل ما يعتبرونه مشكلة ديمغرافية: تقليل عدد العرب بقدر الإمكان، ونفس الشيء ينطبق على “الكابلانيين”.
في المناطق المحتلة نشاهد مذابح يرتكبها اليهود، نعم مذابح، لا توجد طريقة أخرى لتسميتها أو وصف لطيف لها أو مكانة لتحمل هذا العار. الجيش يحمي المشاغبين، والشرطة لا تجري تحقيقات، والمجرمون العنيفون يتجولون في الشوارع بدون رادع، ويصممون على اشعال النار والضرب والتدمير والدفن والطرد والقتل. مرة أخرى ذهبت كل تحذيرات المؤسسة الأمنية ادراج الرياح.
اما نتننياهو فيسمح لشركائه السياسيين وانصارهم باشعال نار الفتنة في الضفة الغربية. فما هي قيمة حياة البشر – سواء كانوا مدنيين أو جنود، يهود أو عرب، رجال أو نساء، فلسطينيين أو إسرائيليين – مقارنة مع استمرار حكمه؟. هو متساهل مع هذه الأفعال ومن يرتكبونها (فقط 70 من فتيان التلال)، بينما في نفس الوقت يتم تحييد الجناح اليهودي في جهاز الشباك ويطلق سراح المعتقلين الإداريين، اليهود فقط بالطبع، من قبل وزير الدفاع من اجل انضمامهم الى المشاغبين وقيادتهم. ترسل رسالة واضحة للجيش والجنود في الميدان: ليس من مهمتكم حماية الشعب الفلسطيني من مضطهديه. ربما سيأتي يوم لا تتم فيه محاسبة الجناة ومرسليهم فقط، بل محاسبة أيضا من يوافقون على هذه الأفعال بصمت ولامبالاة. كل مواطن صمت سيحاكم في محكمة التاريخ، بسبب انه لم يرغب في معرفة ما يتم ارتكابه باسمه.
سياسة العنف نفسها يتم تطبيقها كوسيلة قمع في كل ارجاء إسرائيل: ضد المراسلين الذين يتجرأون على كشف جرائم الحكومة للجمهور، ضد الشهود الذين يتجرأون على تقديم شهاداتهم في محاكمة الحاكم الأعلى، ضد مجندات الجيش الإسرائيلي اللواتي يقمن بمهماتهن بسرور في معقل انصار النظام (بني براك)، الامر الذي لا يشرعن تهربهم فقط، بل يساهم أيضا في عنفهم.
——————————————
هآرتس 17/2/2026
من حقا سيحكم في غزة؟
بقلم: الوف بن
يمكن للمرء أن يتساءل عن سبب ترشيح رئيس الحكومة لوزير الخارجية جدعون ساعر لتمثيل إسرائيل في مجلس السلام الذي سيعقد بعد غد في واشنطن. نتنياهو سيستمتع بمشاهدة خصمه السياسي الذي أصبح خادما، وهو يتخبط في محاولته للتملص من لقاء مشترك مع أصدقائه من قطر وتركيا. لقد فهم نتنياهو أن ذهابه بنفسه سيلحق ضررا كبيرا بحملته الانتخابية، لأن صوره مع من يدعمون حماس ستعرض للخطر حملته الانتخابية. لذلك هو يفضل إحراج ساعر عشية الانتخابات التمهيدية لحزب الليكود.
لكن بعيدا عن هذه المناورة السياسية توجد لنتنياهو مصلحة أكثر أهمية في إبعاد نفسه عن مجلس السلام وهي عرقلة النقاشات حول انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة. فقد ترسخ في خطاب إسرائيل الداخلي بان حماس وقطر وتركيا تسيطر على غزة. هذا الحديث يناسب من يؤيدون الحكومة ويهددون باستئناف القتال، وأيضا من يعارضون النظام الذين يصورون نتنياهو بأنه الخاسر. الجميع يتجاهلون الواقع، حيث تسيطر إسرائيل على معظم أراضي قطاع غزة (58 في المائة) ولا تظهر أي نية للانسحاب منه.
تنص المادة 16 في خطة ترامب المكونة من 20 بندا، والتي أنهت الحرب على غزة، على أن إسرائيل لن تحتل أو تضم القطاع، وتسلمه للقوة الدولية وفقا لشروط ستحدد لاحقا، باستثناء “المحيط الأمني” الذي سيبقى تحت سيطرة إسرائيل.
لا يوجد جدول زمني أو مرحلة محددة للانسحاب، باستثناء تطلع عام وهو ألا تشكل غزة أي تهديد لإسرائيل أو مصر أو مواطنيها. عمليا، هذه الصياغة الضبابية لا تلزم إسرائيل بأي شيء، على الأقل إلى حين تغير الظروف وتصبح غزة تشبه فنلندا أو أندورا.
يصعب تصديق أن إسرائيل ستترك ببساطة منطقة واسعة خالية، الى ان تصبح حماس قوة ودية، غير مسلحة ومع نية حسنة. الأرجح كما هي الحال في الضفة الغربية هو إقامة مستوطنات إسرائيلية في غزة. وقد تطورت مشاريع الاستيطان في الضفة الغربية منذ 1967 رغم المعارضة الدولية الشديدة، مستغلة الفرص الداخلية والخارجية، رغم ان المنطقة مأهولة بملايين الفلسطينيين.
لقد هيأت الحرب في غزة ظروفا ملائمة أكثر للاستيطان اليهودي. فلا حاجة الى ارسال المشاغبين من البؤر الاستيطانية من أجل طرد التجمعات الفلسطينية مثلما هي الحال في الضفة الغربية. فقد تم طرد سكان غزة بالفعل ودمرت بيوتهم ومدنهم. والأرض جيدة وهناك منفد على البحر. الدعاية الداخلية بسيطة وهي إلغاء الانفصال وحماية بلدات الغلاف التي تمت مهاجمتها في 7 أكتوبر وأقصى عقوبة للفلسطينيين.
يعارض المجتمع الدولي برئاسة ترامب تهويد غزة، لذلك يتبنى نتنياهو نهجا غامضا وحذرا. فقد صرح وزير الدفاع يسرائيل كاتس، المعروف بتصريحاته المثيرة للجدل، قبل شهرين تقريبا بأن إسرائيل لن “تترك قطاع غزة بشكل كامل”، وانها ستقيم قواعد “ناحل” في شماله، في مكان المستوطنات التي تم إخلاؤها من هناك في 2005. لقد خفف كاتس أقواله كما يبدو بتوجيهات من الأعلى وأوضح بان القواعد ستقام “لأغراض أمنية فقط”، وأن إسرائيل لا تنوي بناء مستوطنات في قطاع غزة. يعرف كاتس بالطبع أن مشروع الاستيطان في المناطق المحتلة بدأ بهذه الطريقة بالتحديد، مع إقامة بؤر “ناحل” في هضبة الجولان وغور الأردن وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء “لأغراض أمنية”.
هكذا فإنه أرسل ساعر الى واشنطن من اجل كسب الوقت في محادثات عقيمة حول تشكيل القوة الدولية، ورفع سقف طلب تفكيك حماس. والأكثر أهمية هو أن لا يسأل عن موعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من القطاع وعدم اثارة الشكوك حول نية إسرائيل البقاء هناك. ستنتظر إسرائيل ببساطة أن يفقد ترامب اهتمامه بغزة، أو ان يركز على مشكلات أخرى، أو يتعب ببساطة، من اجل ترسيخ الوضع على الأرض واستئناف الاستيطان، مثلما تفعل منذ 59 سنة في الضفة الغربية.
—————–انتهت النشرة—————–

