المسار : لم تعد الحرب الإسرائيلية – الأمريكية،على إيران ،مجرد صراع حول البرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية، بل تحولت إلى مشروع متكامل لإعادة تشكيل الإقليم سياسياً وأمنياً واقتصادياً. فطبيعة الصراع الراهن تكشف أنه يتجاوز أدوات الردع التقليدية ليصل إلى مستوى هندسة المجال الجيوسياسي برمته عبر إخضاع دولة إقليمية محورية وإعادة ترتيب موازين القوى بما يضمن هيمنة إسرائيل كقوة إقليمية أولى.
في هذا السياق، يصبح السؤال هل الهدف هو تعديل سلوك إيران أم تفكيك دورها الإقليمي؟ وهل المواجهة تتعلق بملفات تقنية، أم بمستقبل التوازنات في الشرق الأوسط؟ القراءة المتأنية تشير إلى أن المسألة أعمق من مجرد “مواجهة” كمقدمة للاحتواء، بل تتجه نحو إعادة تعريف الإقليم بما يتوافق مع المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي طويل الأمد،المنسجم مع السياسة الأمريكية.
القوة الجيوسياسية الإيرانية – نقل المعركة خارج الحدود
تتمثل قوة طهران في قدرتها على نقل المعركة من جغرافيتها الوطنية إلى ساحات إقليمية متعددة. هذا الانتشار العابر للحدود لا يقتصر على البعد العسكري، بل يشمل أبعاداً سياسية وأمنية واقتصادية. لقد استطاعت إيران بناء شبكة حلفاء في عدد من الدول العربية، ما منحها عمقاً إستراتيجياً يتجاوز حدودها الوطنية.هذا الامتداد يمكن أن يؤدي إلى اشتعال جبهات تمتد من شرق المتوسط إلى باب المندب. فالحرب قد لا تبقى محصورة في جغرافيا محددة، بل قد تتحول إلى صراع إقليمي متعدد المستويات.
دبلوماسية حافة الهاوية – الممرات المائية كسلاح سياسي
في هذا السياق، تمتلك إيران ورقة ضغط إضافية تتمثل في قدرتها على تحويل الممرات المائية الدولية، وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب، إلى أوراق مساومة سياسية. إن ما تمارسه طهران يدخل في إطار ما يعرف في أدبيات السياسة الدولية بـ”دبلوماسية حافة الهاوية”، حيث يستخدم التهديد بعرقلة تدفقات الطاقة العالمية كورقة تفاوضية. فالعالم،لا سيما أوروبا والولايات المتحدة،يعتمد بشكل جوهري على استقرار هذه الممرات التي تمثل شريان التجارة والطاقة العالمي. وبالتالي، فإن أي تصعيد في هذه النقاط الحساسة يضع القوى الكبرى أمام معادلة صفرية،إما الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي العالمي، أو الانخراط في مواجهة شاملة قد تتجاوز حدود الإقليم.
كما لا تستند قوة إيران، في جوهرها، إلى تفوق عسكري تقليدي بالمعنى الكلاسيكي، بل إلى طبيعتها كفاعل غير تقليدي داخل نظام دولي تقليدي. فهي لا تسعى إلى حسم الحرب وفق نموذج الانتصار العسكري المباشر، بل إلى تعظيم كلفة الهزيمة على أعدائها إلى مستوى يتجاوز قدرتهم على الاحتمال. تقوم إستراتيجيتها على استثمار عامل الزمن، واستنزاف الإرادة السياسية لدى أعدائها، وتوظيف شبكاتها الإقليمية كأدوات ضغط ممتد. وبهذا المعنى، تتحول المواجهة من صراع جيوش إلى صراع إرادات، حيث يصبح الصمود والاستمرار عنصرين حاسمين في تحديد المآلات.
الأهداف الإستراتيجية للحرب الإسرائيلية أبعد من إسقاط النظام – التفكيك وإعادة التشكيل
لم تعد الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران تقتصر على هدف تقليدي يتمثل في إجبار طهران على الانكفاء داخل حدودها أو تقليص قدراتها العسكرية. فالخطاب السياسي والأمني السائد يشير إلى أن الهدف يتجاوز مسألة فرض قيود على إنتاج الأسلحة الثقيلة التقليدية والإستراتيجية، ولا سيما الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، أو حتى تفكيك البرنامج النووي الإيراني وتدميره. هذه الأهداف، على أهميتها، تمثل المستوى الأول من المقاربة الإسرائيلية.
المستوى الأعمق يتعلق بإعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية المحيطة بإيران، عبر إنهاء حالة التحالف بينها وبين حلفائها في بعض الدول العربية. فإضعاف هذه الشبكات أو تفكيكها يعني عملياً تجريد إيران من عمقها الإقليمي، وتحويلها إلى دولة محاصرة جغرافياً وسياسياً، بما يفضي إما إلى القضاء على حلفائها أو إلى تدجينهم وإعادة إدماجهم في ترتيبات إقليمية جديدة تخضع لمعادلات توازن مختلفة.
غير أن القراءة الإستراتيجية تشير إلى أهداف أبعد مدى. فالمسألة لا تقف عند حدود تغيير سلوك إيران، بل تتصل بمشروع أوسع لإحكام السيطرة على الإقليم. في هذا السياق، يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى ترسيخ موقع إسرائيل كقوة مهيمنة تفرض قواعد اللعبة السياسية والأمنية في الشرق الأوسط. هذا الطموح يتجاوز إسقاط النظام السياسي الإيراني إلى التفكير في إعادة تشكيل الداخل الإيراني ذاته، عبر الدفع نحو عملية سياسية جديدة قد تفضي، في أحد سيناريوهاتها القصوى، إلى إعادة رسم الخريطة الداخلية لإيران أو تفكيكها إلى كيانات متعددة، بما يضمن إنهاء قدرتها على لعب دور إقليمي مؤثر.
قد يبدو هذا الطرح للبعض مبالغاً فيه، غير أن التجربة التاريخية تشير إلى أن المشاريع الإستراتيجية الكبرى تتحقق عبر تراكم زمني طويل. فالفترة الممتدة بين المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في بازل عام 1897 وقرار التقسيم عام 1947 لم تتجاوز (50) عاماً، وهي مدة قصيرة نسبياً في عمر الدول. ومن ثم، فإن التخطيط بعيد المدى يمكن أن يحوّل ما يبدو اليوم تصوراً نظرياً إلى واقع سياسي.
ففي الوقت الذي تعمل فيه الحركة الصهيونية ويهود العالم للوصول إلى تحقيق مشروع إسرائيل الكبرى ، فأن إسرائيل، تُعد رأس الحربة في تحقيق ذلك المشروع التوراتي. ويلاحظ أن سلوك نتنياهو لا ينفصل عن هذا السياق، إذ يستند إلى فكر سياسي ذي مرجعيات توراتية ، وهو ما يعبر عن نزعة توسعية ذات طابع استعماري. ورغم أن تصرفه باعتباره رئيساً للسلطة التنفيذية يمكن تفسيره في إطار حماية “الأمن” الإسرائيلي، فإن البعد الشخصي لا يمكن تجاهله. فالسعي إلى البقاء في الحكم، وتقديم نفسه بوصفه امتداداً “للآباء المؤسسين”، بل والتطلع إلى تخليد أسمه في التاريخ، يشكل عاملاً مؤثراً في صناعة القرار. والتاريخ السياسي يقدم لنا نماذج عديدة لقادة خاضوا حروباً وارتكبوا فظائع بدافع الطموح الشخصي أو الرغبة في تثبيت الإرث السياسي.
بذلك، فإن الحرب الإسرائيلية على إيران لا تفهم فقط بوصفها مواجهة عسكرية أو أمنية، بل كمشروع إستراتيجي متعدد الأبعاد يهدف إلى إعادة صياغة التوازنات الإقليمية، وترسيخ هيمنة إسرائيلية طويلة الأمد، ضمن سياق يتداخل فيه البعد الأيديولوجي مع الحسابات الجيوسياسية والمصالح الشخصية لصناع القرار.
الأهداف الأمريكية – إدارة التوازنات ومنع تشكل قوة موازية
الولايات المتحدة، من جانبها، تنظر إلى إيران باعتبارها قوة إقليمية تسعى إلى إعادة تشكيل ميزان القوى بما يتعارض مع المصالح الأمريكية.الهدف الأمريكي لا يقتصر على كبح البرنامج النووي، بل يشمل منع تشكل محور إقليمي قادر على تقويض النفوذ الأمريكي في الخليج والشرق الأوسط.
الوجود العسكري الأمريكي في الخليج والمنطقة عموماً يعكس هذه المقاربة. ففي البحرين مقر قيادة الأسطول الخامس الذي يشرف على الخليج والبحر الأحمر وأجزاء من المحيط الهندي. وفي قطر تقع قاعدة العديد الجوية، التي تمثل المقر المتقدم للقيادة المركزية الأمريكية وتضم آلاف الجنود. هذا الانتشار يعكس إدراكاً لأهمية الإقليم، ويؤكد أن المواجهة مع إيران جزء من إستراتيجية أوسع لضبط المجال الحيوي للولايات المتحدة.
الأبعاد الاقتصادية – السيطرة على مفاصل الاقتصاد العالمي
صحيح أن الإقليم يعتبر من الناحية السياسية منطقة نفوذ للولايات المتحدة الأمريكية، ولكن هناك منافسين لها ، بل خصوم أولهم الصين، فالإقليم يمثل أحد أهم الأسواق الاقتصادية الاستهلاكية العالمية، وموقعه الجغرافي يجعله حلقة وصل بين الشرق والغرب. هذا إلى جانب الثروات الطبيعية الضخمة والمتنوعة ، لاسيما النفط والغاز تمنحه أهمية إستراتيجية مضاعفة. هذا إلى جانب الممرات المائية ، والتي تعتبر الشريان الأساسي للتجارة الدولية ، لذلك السيطرة على هذا الفضاء تعني التحكم في إمدادات الطاقة وأسعارها، وفي طرق التجارة البحرية والبرية.الحرب، بهذا المعنى، ليست عسكرية فحسب، بل هي معركة على الاقتصاد العالمي ومفاصل العولمة.
في ظل التهديد الإسرائيلي المستمر:الأمن القومي العربي – بين التآكل وإعادة التشكل
في ظل التحولات الإقليمية الراهنة، لم يعد الأمن القومي العربي مفهوماً مستقراً، بل أصبح رهينة مباشرة لنتائج الصراع بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. فإذا ما أُخضعت إيران أو فُككت شبكاتها الإقليمية، ستتحول إسرائيل إلى القوة المهيمنة بلا منازع، ما يفضي إلى اختلال حاد في ميزان القوى ويضع المجال العربي في حالة انكشاف استراتيجي غير مسبوق.
المشكلة لا تكمن فقط في صعود قوة إقليمية على حساب أخرى، بل في هشاشة النظام العربي ذاته. فغياب رؤية أمن جماعي موحد، وتراجع مفهوم الردع العربي المشترك، جعلا كل دولة تتحرك وفق حساباتها الضيقة، ما عمق التشرذم وفتح الباب أمام تدخلات خارجية متزايدة. وفي ظل استمرار الهيمنة الإسرائيلية وتوسع نطاق الإملاءات الأمنية والسياسية، يتحول بعض الفضاء العربي إلى مجال لإعادة تعريف الأمن وفق منظور غير عربي.
هذا الواقع يهدد بتحويل المجال الحيوي العربي إلى ساحة لإعادة الهندسة الجيوسياسية وفق مصالح خارجية، سواء عبر التحكم بالممرات المائية، أو منظومات الطاقة، أو الترتيبات الأمنية الإقليمية. ومع غياب مشروع عربي مستقل،يصبح الأمن القومي العربي عرضة للتآكل التدريجي.
الأمن القومي العربي، إذاً، يقف اليوم بين مسارين، مسار التآكل التدريجي تحت وطأة الهيمنة وإعادة الهندسة الخارجية، ومسار إعادة التشكل عبر وعي استراتيجي جديد يدرك أن غياب التوازنات الإقليمية لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقرار، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة من الإملاءات الدائمة. والرهان الحقيقي يكمن في قدرة العرب على الانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل، ومن التكيف مع نتائج الصراع إلى التأثير في معادلاته.
مستقبل الحرب : الصمود الإيراني وتحمل الشارع الإسرائيلي
يتوقف مستقبل الحرب إلى حد بعيد على معادلة داخلية مزدوجة، قدرة إيران على الصمود الاستراتيجي من جهة، وحدود تحمل الشارع الإسرائيلي للكلفة البشرية والمادية من جهة أخرى. إيران لا تتعامل مع الحرب بوصفها معركة خاطفة، بل كصراع طويل الأمد يدار بمنطق الاستنزاف وتآكل الإرادة المعادية. لذلك، فإن قدرتها على امتصاص الضربات، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي، وإبقاء مؤسسات الدولة متماسكة، تشكل عناصر حاسمة في تحديد مسار المواجهة. فأي خلل داخلي واسع النطاق قد يغير الحسابات، لكن في المقابل فإن تماسك الداخل يمنح طهران هامشاً زمنياً أوسع للمناورة.
وفي المقابل، يقف الشارع الإسرائيلي أمام اختبار غير مسبوق.فهو، رغم طابعه التعبوي والأمني، يبقى ذا حساسية عالية تجاه الخسائر البشرية والاضطرابات الاقتصادية طويلة الأمد. إذا تحولت الحرب إلى استنزاف ممتد، مع تهديد متواصل للجبهة الداخلية وتعطيل للمجال الاقتصادي، فإن الكلفة السياسية قد تبدأ بالتراكم. عندها قد تتحول الكلفة البشرية إلى ضغط مباشر على صناع القرار، سواء عبر الانتخابات أو عبر الاحتجاجات والتظاهرات والانقسامات الداخلية.
وعليه، فإن السيناريو الأكثر تأثيراً ليس بالضرورة الحرب الشاملة قصيرة الأمد، بل الحرب الرمادية الطويلة التي تبقي الجبهات مفتوحة دون حسم. في مثل هذا السياق، تصبح معادلة الزمن حاسمة، كلما طال أمد المواجهة، ارتفعت احتمالات التحول في المواقف السياسية داخل إسرائيل، كما ازدادت الضغوط الدولية على واشنطن لإعادة ضبط الإيقاع. في المقابل، فإن قدرة إيران على المحافظة على توازن داخلي، ومنع تحول الضغط الداخلي إلى اضطراب سياسي واسع، ستحدد مدى قدرتها على فرض معادلة ردع جديدة.
إن مستقبل الحرب، إذاً، لا يتقرر فقط في ساحات القتال، بل في عمق المجتمعات المعنية. فتماسك الداخل الإيراني مقابل حدود التحمل الإسرائيلي سيصوغ المآلات النهائية للصراع، ويحدد ما إذا كانت المواجهة ستفضي إلى إعادة توازن إقليمي، أم إلى تصعيد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة في تاريخ المنطقة.
الحرب الإسرائيلية–الأمريكية على إيران ليست نزاعاً تقنياً حول سلاح أو برنامج نووي، بل هي معركة على شكل الإقليم ومستقبله،وعلى من يملك حق تعريف الأمن والاستقرار فيه.إنها مواجهة بين مشروعين، مشروع يسعى إلى الهيمنة وإعادة الهندسة، ومشروع يسعى إلى الصمود وفرض معادلة ردع مختلفة.وفي قلب هذه المعادلة تبقى الأيام حُبلى بالمفاجآت والتحولات والمواقف غير المتوقعةـ فالحروب الممتدة تعيد تشكيل حسابات الفاعلين وتنتج وقائع جديدة قد تربك التقديرات المسبقة،ما يجعل مسار الصراع مفتوحاً على احتمالات تتجاوز التحليل والسيناريوهات المتوقعة.

