المسار : مع مرور الأيام يتضح أن الحرب على إيران لم تسر وفق السيناريو الذي رُسم لها في غرف التخطيط في واشنطن وتل أبيب، فبدلاً من ضربة سريعة تُعيد رسم موازين القوى في المنطقة، تبدو المعركة وكأنها تحولت إلى حرب استنزاف سياسية وعسكرية واقتصادية، عنوانها الأبرز أن إيران لم تسقط، بل صمدت وبدأت تدريجياً برفع كلفة الحرب على خصومها.
في الحسابات الأولى، كان الرهان يقوم على إرباك إيران سريعاً، وإجبارها على القبول بمعادلة جديدة في المنطقة تُضعف نفوذها وتفتح الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، غير أن ما حدث على الأرض يشير إلى مسار مختلف؛ فطهران لم تنكفئ، بل تعاملت مع الحرب بمنطق الصبر الاستراتيجي، وبدأت في توسيع نطاق الرد بطريقة محسوبة ترفع ثمن المواجهة دون الانجرار إلى حرب شاملة تخرج عن السيطرة .
هذا التحول وضع واشنطن في موقف بالغ التعقيد ، فالإدارة الأمريكية التي دخلت الحرب تحت عنوان حماية الأمن الإقليمي واحتواء إيران، تجد نفسها اليوم أمام معادلة أكثر صعوبة: حرب لا تحقق نصراً سريعاً، وكلفة اقتصادية وسياسية تتزايد مع كل يوم يمر، لذلك بدأت المؤشرات تتزايد على أن واشنطن تبحث عن مخرج سياسي يوقف التصعيد ويحفظ ما يمكن حفظه من ماء الوجه.
في هذا السياق، برزت اتصالات ووساطات غير مباشرة تقودها قوى دولية مثل روسيا وفرنسا، في محاولة لفتح قنوات مع طهران والبحث عن صيغة لوقف القتال، هذه التحركات لا تعكس فقط رغبة في احتواء الحرب، بل تكشف أيضاً عن إدراك أمريكي بأن استمرارها قد يقود إلى تداعيات أوسع يصعب السيطرة عليها.
لكن المعضلة الحقيقية تكمن في الموقف الإسرائيلي، فتل أبيب التي دفعت بقوة نحو هذه المواجهة تجد نفسها اليوم بين خيارين أحلاهما مر: فهي لا تريد وقف الحرب الآن قبل تحقيق إنجاز يمكن تسويقه داخلياً كـ”نصر”، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن استمرار الحرب دون نتائج حاسمة قد يحولها إلى عبء استراتيجي ثقيل.
ولهذا تبدو إسرائيل وكأنها تبحث عن معادلة معقدة: الخروج من الحرب دون أن تبدو وكأنها خرجت مهزومة، وهي معادلة صعبة في ظل واقع ميداني لم يمنحها حتى الآن الأهداف التي أعلنتها في بداية المواجهة.
في المقابل، تتزايد الضغوط الإقليمية لوقف الحرب، فدول المنطقة تدرك أن اتساع رقعة المواجهة سيحمل أثماناً باهظة سياسياً واقتصادياً وأمنياً، أي انزلاق نحو حرب أوسع قد يهدد استقرار المنطقة بأكملها، ويفتح أبواباً يصعب إغلاقها لاحقاً.
أما على المستوى العالمي، فقد بدأت تداعيات الحرب تظهر بوضوح في أسواق الطاقة، فارتفاع أسعار النفط بات أحد المؤشرات المباشرة على حجم القلق الدولي من استمرار المواجهة، هذه الزيادة لا تضرب فقط الاقتصادات العالمية، بل تضغط أيضاً على الداخل الأمريكي نفسه، حيث بدأ المواطن العادي يشعر بأن فاتورة الحرب تُدفع من جيبه.
وهنا تتكشف مفارقة لافتة: فالكثير من الأمريكيين باتوا يتساءلون عن جدوى هذه الحرب أصلاً ، لماذا تُخاض؟ وما هي مصلحة الولايات المتحدة المباشرة فيها؟ ومع ارتفاع أسعار الوقود وتزايد الأعباء الاقتصادية، يتحول هذا السؤال من نقاش سياسي إلى قضية معيشية تمس حياة الناس اليومية.
وهكذا، بينما كانت واشنطن وتل أبيب تأملان في حرب قصيرة تعيد ترتيب المنطقة، تبدو الصورة اليوم مختلفة تماماً: إيران صمدت، وكلفة الحرب ترتفع، والضغوط تتزايد للبحث عن مخرج ، وفي مثل هذه اللحظات من التاريخ، غالباً ما لا يكون السؤال من بدأ الحرب، بل من يستطيع أن يجد طريق الخروج منها.


