الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

 افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

معهد بحوث الأمن القومي (INSS) 12/3/2026 

الجيش اللبناني، التحدي لاسرائيل في ضوء الفجوة بين الرؤيا والواقع

بقلم: أورنا مزراحي وموران لفنوني

مقدمة

يمثل الجيش اللبناني الحلقة الأضعف في مسيرة تحقيق رؤية القيادة الجديدة في لبنان، الساعية إلى إصلاح البلاد وإعادة بنائها. ومن أهم جوانب تنفيذ هذه الرؤية جمع جميع الأسلحة التي بحوزة الميليشيات، وعلى رأسها حزب الله، ونقلها إلى القوات المسلحة اللبنانية. ويتماشى هذا الهدف مع مصلحة إسرائيل في لبنان كدولة ذات سيادة وفاعلة، وفي وجود دولة مسؤولة هناك، تحتكر الأسلحة من خلال جيش قوي يضم جميع العناصر الموالية لها. ولذا، فإن لإسرائيل ولبنان مصلحة مشتركة في تعزيز القوات المسلحة اللبنانية لتمكينها من تنفيذ قرارات الحكومة، مع استغلال ضعف حزب الله وإيران، المتوقع أن يتفاقم مع نهاية حرب “زئير الأسد”.

ويشكل التناقض الكبير بين رؤية القيادة اللبنانية، التي تجلت في قراراتها ضد حزب الله حتى الآن، وعجزها عن تنفيذها، تحديًا لإسرائيل. وتستعرض هذه الوثيقة أوجه القصور في أداء الجيش اللبناني، وتلخصها في توصيات للسياسة الإسرائيلية في أعقاب الحملة الحالية. يأتي هذا على الرغم من كتابته أثناء الحرب، وعدم اليقين بشأن نهايتها. وتتجلى أهميته أيضًا في ضرورة الاستعداد لعقد المؤتمر الدولي في باريس، الذي سيركز على تعزيز الجيش اللبناني لذي تم تأجيل موعده إلى أوائل أبريل.

التوصيات الرئيسية

في ظل حرب “زئير الأسد” الدائرة على قدم وساق، يُقترح عدم الانخراط في حملة عسكرية طويلة الأمد في لبنان، وتجنب وجود عسكري إسرائيلي كبير ودائم في البلاد، وتجنب الاحتكاك مع الجيش اللبناني خلال الحرب قدر الإمكان، والعمل على تهيئة الظروف التي تُمكّن من التوصل إلى اتفاق أمني جديد مع لبنان. مع استغلال الفرصة المتاحة لتعزيز الجيش اللبناني في ضوء ضعف حزب الله المتزايد، الذي يخوض الحرب في معارضة تامة للمصالح اللبنانية. ينبغي أن يركز هذا الاتفاق على آلية لاستكمال نزع سلاح حزب الله، مع تعزيز الإصلاحات في القوات المسلحة اللبنانية وتقويتها، لكي تتمكن من مواجهة التحديات المعقدة والصعبة التي تواجهها.

في هذا الإطار، يُوصى بما يلي:

تجنب إلحاق أي ضرر بقوات الجيش اللبناني، وشن هجمات على البنية التحتية المدنية والمدنيين في لبنان، قدر الإمكان خلال الحرب الحالية، لما في ذلك من عرقلة لإمكانية تطوير العلاقات مع القيادة اللبنانية، وإثارة معارضة إسرائيل بين سكان البلاد.

العمل على تحسين قنوات التواصل بين إسرائيل ولبنان على الصعيدين العسكري والسياسي.

رفض أي إمكانية لتمديد وجود اليونيفيل، الذي ينتهي بنهاية العام 2026، ومعارضة نشر أي قوة دولية أخرى بدلاً منها، باستثناء القوات الأمريكية أو المفتشين الأمريكيين.

وفيما يتعلق بتعزيز الجيش اللبناني تحديداً:

تشجيع العناصر الغربية والإقليمية المعتدلة (المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقطر بدرجة أقل) على المشاركة في الجهود المبذولة لتحسين أداء الجيش اللبناني، وذلك من خلال مطالبته ومساعدته بالمال والسلاح لتعزيز الإصلاحات.

الحفاظ على حوار وثيق مع الولايات المتحدة بشأن الخطوات اللازمة لتعزيز الجيش اللبناني، والمطالبة بأن تكون شريكًا فاعلًا ومحوريًا في دعم التحركات ضده والإشراف على إنفاذها وتنفيذها.

اقتراح خطوات من شأنها تعزيز الجيش اللبناني، على أن تتبناها الولايات المتحدة بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية:

اصلاح شامل للجيش اللبناني بحيث يركز على حماية الحدود ومكافحة الميليشيات المستقلة، مع التخلي عن مهامه في مجال الأمن الداخلي والقطاع المدني.

القوى العاملة:

زيادة رواتب المجندين وتحسين ظروف الخدمة، إلى جانب حظر تام للعمل في وظائف إضافية، واتخاذ موقف حازم ضد من يخالف التعليمات في هذا الشأن.

الترويج لتغيير جذري في عمليات التجنيد والاختيار، بما في ذلك وضع معايير جديدة للتجنيد لضمان جيش عالي الكفاءة والولاء، وفي الوقت نفسه “تطهير” الجيش اللبناني من عناصر حزب الله أو المتعاونين معه.

معارضة مطلقة لدمج وحدات حزب الله العضوية في الجيش، والمطالبة بأن يخضع أعضاء حزب الله السابقون، الذين سيتم دمجهم كأفراد في الجيش، لعملية اختيار دقيقة تحت إشراف أمريكي.

تشكيل دورات تدريبية للجنود والقادة بمساعدة جهات غربية (على غرار “خطة دايتون” للفلسطينيين).

حشد دعم واسع النطاق للجيش اللبناني- لتمويل وتدريب الجنود وشراء المعدات ووسائل الاستخبارات والقتال. يجب أن يكون نقل الأسلحة تدريجيًا ومشروطًا بتقدم الإصلاحات في الجيش وتحسين أدائه. تتطلب هذه العملية أيضًا تشكيل آلية إشراف وتنسيق مع إسرائيل، تضمن ألا تشكل المعدات والأسلحة المنقولة إلى الجيش اللبناني تهديدًا عليها.

الجيش اللبناني – نبذة تاريخية

تأسس الجيش اللبناني العام 1945 مع انتهاء الانتداب الفرنسي ونيل لبنان استقلاله، وكان جيشًا قائمًا على الخدمة الإلزامية. قبل نحو عشرين عامًا، أُلغي التجنيد الإلزامي، ومنذ ذلك الحين يعتمد الجيش على المتطوعين. يُعتبر الجيش اللبناني من أضعف جيوش العالم: ففي تصنيف القوة النارية العالمية (GFP)، يحتل لبنان المرتبة 115 من بين 145 دولة. منذ انسحاب سوريا من لبنان العام 2005، بُذلت جهود لتعزيز قوته بمساعدة القوات الأجنبية، بهدف جعله جيشًا وطنيًا فعالًا في مواجهة الميليشيات المحلية، إلا أن قدراته لا تزال محدودة. مع ذلك، يحظى الجيش اللبناني بثقة واسعة وشرعية عابرة للطوائف في لبنان؛ ففي استطلاع رأي أجرته مؤسسة غالوب في أيلول 2023، أعرب 90 في المئة من المشاركين عن ثقتهم بالجيش.

ينص الدستور اللبناني على دور الجيش كأداة لتطبيق السيادة والنظام العام، تحت قيادة الرئيس بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة. ينص قانون الدفاع الوطني (رقم 102 لسنة 1983) على صلاحيات الجيش اللبناني في ثلاثة مجالات رئيسية: حماية حدود البلاد وسيادتها من التهديدات الخارجية (وخاصة من سوريا وإسرائيل)؛ والأمن الداخلي – حفظ النظام العام (مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب والتجسس والتهريب)؛ ومهام الإغاثة والتنمية المدنية.

يضم الجيش اللبناني حاليًا أكثر من 100 ألف جندي نظامي، منهم حوالي 65 ألفًا في الخدمة الفعلية؛ ونحو 50 ألفًا في الوحدات شبه العسكرية؛ وعشرات الآلاف من جنود الاحتياط، مع العلم أن بعضهم ليس في الخدمة الفعلية. ويتكون الجيش من ثلاثة فروع: الفرع البري (حوالي 95 في المئة من القوة)، والذي ينقسم إلى خمس قيادات جغرافية؛ وكجزء من تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، تم إنشاء مقر قيادة إضافي في صور بعد العام 2006، مسؤول عن المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني؛ وسلاح جو صغير وقديم. وقوة بحرية تعتمد بشكل رئيسي على سفن الدوريات والدعم، وهي مناسبة للدفاع الساحلي والدوريات ومنع التهريب.

 الجيش اللبناني منذ وقف إطلاق النار

في مطلع العام 2025، أعلنت القيادة الجديدة في لبنان عزمها على جعل الجيش الكيان العسكري الوحيد في البلاد، والعمل في الوقت نفسه على تفكيك الميليشيات المسلحة، وعلى رأسها حزب الله، وفقًا لاتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل الذي بدأ في تشرين الاول 2024. وفي أيلول 2025، قدّم قائد الجيش، رودولف هيكل، للحكومة خطة متعددة المراحل بعنوان “حامي الوطن”، والتي ظلت سرية إلى حد كبير، وكان محورها الرئيسي خطة لجمع الأسلحة موزعة على خمس مناطق جغرافية: جنوب الليطاني؛ وبين الليطاني والأولي؛ وفي بيروت وضواحيها؛ وفي البقاع وعلى الحدود الشرقية؛ وفي بقية أنحاء البلاد.

كان من المقرر إتمام المرحلة الأولى – من الليطاني إلى الحدود مع إسرائيل – بحلول نهاية عام 2025 وخلالها عمل الجيش اللبناني على تفكيك البنية التحتية لحزب الله وجمع الأسلحة في المنطقة. ووفقًا لتقارير الجيش اللبناني (التي رُفعت أيضًا إلى اللجنة الخماسية للإشراف على تنفيذ وقف إطلاق النار، والتي تضم الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل ولبنان وقوات اليونيفيل)، بحلول كانون الأول 2025، صودرت مئات الآلاف من الأسلحة؛ وفُككت مئات من منشآت حزب الله ومستودعات الأسلحة والمخابئ والمقرات؛ ودُمرت عشرات الأنفاق والمنشآت تحت الأرض والمستودعات السرية، ولكن لم تكن هناك أدلة كافية على ذلك.

ومع ذلك، خلال معارك “زئير الأسد”، ثبت أن قدرات حزب الله جنوب الليطاني لم تُفكك، على الرغم من المظهر الذي سعى حزب الله إلى إظهاره. تصرفت قوات الجيش اللبناني ببطء، مفضلةً تجنب المواجهات مع حزب الله، بل وتصرفت في بعض الحالات بالتنسيق معه. امتنع عناصرها عن دخول المباني المملوكة ملكية خاصة (بحجة عدم تخويلهم بذلك قانونًا)، واشتكت إسرائيل خلال العام الماضي من تسريب معلومات استخباراتية قدمتها إلى لجنة الإنفاذ المشتركة إلى حزب الله (على ما يبدو عبر قوات الجيش اللبناني). إضافةً إلى ذلك، زعمت إسرائيل انتهاكات متكررة للاتفاق من جانب حزب الله واستمرار وجود عناصره في الميدان، والذين أعيد نشرهم في جنوب لبنان. في هذا السياق، مارست قوات الدفاع الإسرائيلية حرية العمل الممنوحة لها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، وتحركت ضد محاولات حزب الله للحفاظ على وجوده في جنوب لبنان. بل إن مصادر إسرائيلية زعمت أن وتيرة جهود حزب الله لإعادة الإعمار كانت أسرع من هجمات الجيش الإسرائيلي على التنظيم، ومن النشاط المحدود والبطيء للجيش اللبناني، في ظل الاستعداد لاحتمال تحرك عسكري إسرائيلي أوسع نطاقًا، وهو ما تحقق بعد قرار حزب الله المصيري بالانضمام إلى الحرب إلى جانب إيران (2 آذار).

عشية الحرب الحالية، دفع النشاط العسكري الإسرائيلي والضغط الأمريكي على الحكومة اللبنانية الجيش اللبناني إلى إثبات فعاليته في عمليات البحث عن أسلحة حزب الله في الأراضي الخاصة، بالتنسيق مع “آلية الإشراف” الخماسية، لكن دون تحقيق النتائج المرجوة. فعلى سبيل المثال، وصل أحد جنود حفظ السلام التابعين لليونيفيل (في 12 أيلول 2025) إلى منزل في بلدة يانوح بناءً على معلومات تفيد بوجود أسلحة مخبأة هناك، فواجه مقاومة من سكان القرية، وادعى أنه لم يعثر على شيء. في حادثة أخرى (17 كانون الأول 2025)، وصل جنود الجيش اللبناني إلى منطقة حرجية قرب بلدة ثولين، واكتشفوا نفقًا يؤدي إلى غرفة تحت الأرض، لكن لم يُعثر على أي أسلحة هناك.

مع ذلك، في اجتماع للحكومة اللبنانية عُقد في 8 كانون الثاني 2026 لمراجعة إنجازات الجيش اللبناني  في المرحلة الأولى، أفاد قائد الجيش بأن الجيش قد سيطر فعليًا على جنوب الليطاني، وأن أنشطته تركز على توسيع وجوده في هذه المنطقة لمنع الجماعات المسلحة (دون ذكر حزب الله) من استعادة قدراتها، وأن برنامج نزع السلاح قد بلغ مرحلة متقدمة، وأن الجيش سيواصل تفكيك الأنفاق والأسلحة المتبقية. أظهر هذا الإعلان وردود فعل القيادة اللبنانية عليه بوضوح محاولة لإظهار الرضا عن إنجازات الجيش اللبناني، لا سيما قبل زيارة قائد الجيش إلى الولايات المتحدة (4-6 شباط)، لكنها لم تُخفِ حقيقة أن الجيش اللبناني لم يُوفِ بمهمته المتمثلة في منع الوجود العسكري لحزب الله في هذه المنطقة. مع ذلك، في اجتماع حكومي عُقد في السادس من فبراير/شباط، تم الاتفاق على بدء المرحلة الثانية من جمع الأسلحة في المنطقة الممتدة من الليطاني إلى نهر الأولي على مدى فترة تتراوح بين أربعة وثمانية أشهر.

ونظرًا للصعوبات التي تكتنف نزع سلاح حزب الله، سعت منظمة التحرير الفلسطينية، بدءًا من آب 2025، إلى إظهار جدية في تنفيذ رؤية قيادة الدولة من خلال تشجيع جمع الأسلحة من العناصر الفلسطينية المسلحة في مخيمات اللاجئين، استكمالًا للاتفاق الذي تم التوصل إليه مع أبو مازن خلال زيارته إلى لبنان (أيار 2025). بدأت منظمة التحرير الفلسطينية عملياتها في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين قرب صور وفي منطقة صيدا، ثم في طرابلس وشمال البلاد، وأخيرًا في منطقة بيروت. إلا أن نزع سلاح المخيمات الفلسطينية كان جزئيًا للغاية، إذ اقتصر على بعض المخيمات، وتم جمع أسلحة خفيفة ومتوسطة بشكل رئيسي، بالإضافة إلى أسلحة من عناصر حركة فتح. أما الفصائل الفلسطينية الأخرى، بما فيها حماس والجبهات اليسارية، فلم تسلم أسلحتها.

ضعف الجيش اللبناني

ينبثق ضعف قوات الدفاع الوطني من النظام السياسي في لبنان (نظام توافقي قائم على تقسيم السلطة بين الطوائف)، والتركيبة السكانية، وظاهرة الميليشيات، والوضع الهش للبلاد، بما في ذلك الأزمة الاقتصادية الحادة التي تعصف بها منذ العام 2019. رئيس الدولة هو القائد الأعلى للجيش، إلا أن قوات الجيش اللبناني تخضع لقرارات الحكومة وتُدار مباشرةً من قبل وزير الدفاع، في ظل عبء مهام كبير (الأمن الداخلي والخارجي، فضلاً عن مساعدة المدنيين) لا يتناسب مع هيكلها وقدراتها. أبرز نقاط الضعف:

صعوبة استقطاب كوادر مؤهلة، ويعود ذلك أساساً إلى انخفاض الرواتب. وقد نص قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 (2006) على إلزام لبنان بنشر 15000 جندي جنوب الليطاني (بالتوازي مع نشر 15000 جندي من قوات اليونيفيل)، إلا أنه في الواقع لم يُنشر سوى ما بين 5000 و9000 جندي. بعد اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، يواجه الجيش اللبناني صعوبة في توسيع نطاق تجنيده، ولا يتجاوز عدد جنوده المنتشرين في جنوب لبنان حاليًا 9000 إلى 10000 جندي. وقد نُقل عن رئيس الوزراء اللبناني مؤخرًا قوله إن تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الجيش اللبناني لجمع الأسلحة يتطلب تجنيد 10000 جندي إضافي. وتجدر الإشارة إلى أن متوسط ​​راتب الجندي اللبناني أقل من راتب عنصر حزب الله، مما يشجع ظاهرة العمل المزدوج: إذ يعمل العديد من الجنود في وظائف أخرى، وهم على دراية بظاهرة “الولاء المزدوج” للجنود الذين يخدمون في الجيش اللبناني وحزب الله في آن واحد.

كما أن النسبة الكبيرة للشيعة في الجيش (في غياب بيانات دقيقة، يُقدّر أن الشيعة يشكلون نحو 40 في المئة من سكان لبنان) تُعدّ مشاركة الشيعة في الجيش اللبناني، بما يتناسب مع نسبتهم في المجتمع، أمرًا بالغ الأهمية لشرعية الجيش لدى الطائفة. أدى التحول إلى جيش تطوعي العام 2007 إلى زيادة نسبة الشيعة في الجيش، كوسيلة للارتقاء الاجتماعي (إذ يتمتع الشيعة بقدرات اقتصادية محدودة مقارنة بالمسيحيين). في الانتخابات البرلمانية الأخيرة (أيار 2022)، أيدت غالبية السكان الشيعة حزبي الجماعة الاسلامية وحزب الله، ومن المرجح أن يكون هذا هو الحال بين الجنود الشيعة. تشير التقديرات إلى أن نسبة الشيعة في الجيش اليوم تتراوح بين 30 و40 في المئة. مع ذلك، لا بد من افتراض أن ليس كل الجنود الشيعة في الجيش يدعمون حزب الله أو يتعاونون معه.

نقص المعدات ووسائل القتال/المساعدات الخارجية: يمتلك الجيش اللبناني معدات وأسلحة قديمة ذات كمية ونوعية منخفضة، وقدراته محدودة للغاية حتى مقارنة بحزب الله، الذي ضعف بعد حرب السيوف الحديدية. أدت الأزمة الاقتصادية العميقة في لبنان إلى خفض كبير في ميزانية الجيش، الذي لطالما كان بحاجة إلى مساعدات خارجية. على الرغم من المخاوف من وصول الأسلحة المتسربة من قوات الجيش اللبناني إلى أيدي حزب الله، فقد تلقى الجيش مساعدات من دول غربية، وإن كانت محدودة من حيث النوع والنطاق، وهو مُسلّح في الغالب بأسلحة غربية. تُعدّ الولايات المتحدة المانح الرئيسي لقوات الجيش اللبناني، حيث تُزوّدها بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة منذ العام 2005، ضمن حزمة مساعدات متدرجة بلغت قيمتها الإجمالية 1.2 مليار دولار أمريكي حتى اندلاع الحرب في الفترة 2023-2024. ومنذ العام 2022، تُساهم قطر في تمويل رواتب جنود الجيش اللبناني وتُقدّم الدعم لعملياتها الجارية. وقد توسّعت المساعدات من الولايات المتحدة ودول غربية أخرى عقب وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024.

 ويُقدّر إجمالي الدعم المُقدّم الجيش اللبناني في العام 2025 بما يتراوح بين 500 و600 مليون دولار أمريكي، مُعظمها من الولايات المتحدة. وفي إطار هذه المساعدات، تمّ نقل أسلحة ومعدات عسكرية، بما في ذلك مركبات مدرعة، وأنظمة مضادة للدبابات، ومعدات تفجير، وأنظمة اتصالات. على الرغم من توجه الجيش اللبناني نحو الغرب، فليس من المستبعد أن تستخدم، بعد مصادرة الأسلحة من حزب الله، أسلحة إيرانية الصنع (أنظمة متطورة مضادة للدبابات وصواريخ)، بالإضافة إلى الأسلحة السورية التي هُرّبت إليها بعد سقوط نظام الأسد. وقد أعلنت قطر مؤخرًا عن تسليم 162 مركبة لقوات الجيش اللبناني، ومن المقرر عقد مؤتمر دولي في باريس لوضع برنامج مساعدات إضافي، والذي تم تأجيله بسبب استئناف الحرب في نيسان 2026.

العلاقة بين الجيش اللبناني وحزب الله

يتضح ضعف الجيش اللبناني مقارنةً بحزب الله، الذي يُقدّم نفسه حاميًا للدولة. ورغم أن الحزب رسّخ موقعه على حساب الجيش اللبناني، إلا أنه حافظ في الوقت نفسه على مستويات متفاوتة من التعاون معه. ومن الأحداث التي عكست بدايات التعاون بينهما بعد حرب لبنان الثانية (2006) هجوم الجيش اللبناني على قوة تابعة للجيش الإسرائيلي في عديسة، الواقعة شمال السياج الحدودي، في آب 2010. وتحوّل هذا التعاون لاحقًا إلى قتالٍ جنبًا إلى جنب ضدّ العناصر الجهادية، كما حدث في عرسال (آب 2017)، وهي بلدة لبنانية حدودية احتلتها عناصر من جبهة النصرة وتنظيم داعش لثلاث سنوات، والتي عمل الجيش اللبناني وحزب الله معًا على تحريرها. وكان قائد القوات اللبنانية آنذاك اللواء عباس إبراهيم، رئيس المديرية العامة للأمن، وهو شيعي روّج للتعاون مع حزب الله، ويُعدّ حاليًا من أبرز الشخصيات في المجتمع الشيعي وفي لبنان. يزعم البعض أنه مرشح لخلافة رئيس البرلمان، نبيه بري.

أدى الصعود السريع لحزب الله بعد حرب لبنان الثانية إلى خلق ميزان قوى جديد بينه وببن الجيش اللبناني. وأصبح الحزب قوة عسكرية مستقلة، الأقوى في البلاد، تسيطر على المنطقة الشيعية ومواقع استراتيجية. وقد تم تأكيد ذلك رسميًا في اتفاق الدوحة، الذي عكس انتصار حزب الله على القوات المسلحة اللبنانية في نزاع بينهما في أيار 2008، إثر معارضة حزب الله لقرارات حكومية قوضت استقلاليته. على مر السنين، زرع حزب الله عناصره في مناصب عامة، وفي القوات المسلحة اللبنانية، وفي قوات أمنية أخرى، كما أثر على النظامين القضائيين العسكري والمدني. فعلى سبيل المثال، عرقل حزب الله التحقيق في مقتل جندي أيرلندي كان يخدم في قوات اليونيفيل (كانون الأول 2022). ورغم أن حزب الله اضطر، تحت ضغط دولي، إلى تسليم مطلق النار، إلا أنه أُطلق سراحه بعد خمسة أشهر فقط من سجنه. ومن الحالات الأكثر خطورةً منع التحقيق في انفجار مستودع حزب الله في مرفأ بيروت (آب 2020)، الذي أسفر عن مقتل نحو 218 شخصًا وإصابة نحو 7000 آخرين.

ينفي الجيش اللبناني أي صلة له بحزب الله، إلا أن التعاون بين أفراده والحزب لا يزال معروفًا حتى اليوم، وإن كانت هذه التفاصيل على الأرجح غير مؤكدة. وقد زعم هلال خشان، الأستاذ في الجامعة الأمريكية في بيروت، مؤخرًا في مقابلة مع صحيفة “جنوبية” أن عسكريين يسربون معلومات إلى حزب الله. فعلى سبيل المثال، ورد أن المقدم سهيل حرب، وهو شيعي من جنوب لبنان، عُيّن في كانون الأول 2020 رئيسًا للاستخبارات العسكرية في القيادة الجنوبية، وعضوًا في لجنة الإنفاذ المكونة من خمسة أعضاء، مسؤول عن تسريب معلومات سرية من غرف اللجنة إلى حزب الله، بما في ذلك معلومات أدت إلى إخلاء مستودعات أسلحة حزب الله قبل وصول الجيش السوري إليها.

اعتبارات إسرائيل

على الرغم من أن القدرات المتبقية لحزب الله تفوق حاليًا قدرات الجيش اللبناني، إلا أن ضعفه بعد “السيوف الحديدية”، إلى جانب التغيير في النظام السياسي في لبنان، واختفاء الأسد، والصعوبات التي تواجه إيران، فضلًا عن الضرر البالغ الذي لحق به جراء العمليات العسكرية الإسرائيلية الحالية ضده، وتزايد الإدراك بأن الحزب يعمل بما يتعارض تمامًا مع المصالح اللبنانية، كل ذلك يُهيئ فرصة لتغيير ميزان القوى بينه وبين الجيش اللبناني.

لدى إسرائيل والقيادة الحالية في لبنان مصلحة مشتركة في زوال حزب الله كقوة عسكرية قوية ومستقلة في خدمة إيران، ويبدو أن احتمالية عودته للظهور ستزداد بعد “زئير الأسد”. حتى الآن، أظهرت الحكومة اللبنانية عزمها على التحرك ضد حزب الله وإيران، بما في ذلك خلال الحرب الحالية، عندما اتخذت سلسلة من القرارات للحد من نشاطهما على أراضيها بعد انضمام حزب الله إلى الحرب في خدمة إيران. ولكن على الرغم من أن هذه القرارات حاسمة وتُرسّخ سوابق تاريخية، فإن حظر النشاط العسكري لحزب الله دون موافقة الحكومة يُعدّ أمرًا غير مقبول. خطوات ملموسة للحد من الوجود الإيراني في لبنان – لا يزال هناك تساؤل حول قدرة القوات المسلحة اللبنانية على المساعدة في تنفيذ هذه الخطوات، وأن تصبح قوة عسكرية قوية وحصرية في لبنان في المستقبل القريب. عمليًا، وبعد عمليات الجيش الإسرائيلي خلال “زئير الأسد”، اضطرت القوات المسلحة اللبنانية إلى التراجع في جنوب لبنان، وهي خطوة تشير، من جهة، إلى ضعفها، ومن جهة أخرى، إلى عدم رغبتها في الوصول إلى احتكاك مع الجيش الإسرائيلي.

الاعتماد على قوة دولية – لدى إسرائيل ولبنان مقاربات مختلفة بشأن وجود قوة دولية على حدودهما المشتركة. لبنان، الذي يدرك نقاط ضعف الجيش اللبناني في مواجهة الجيش الإسرائيلي وحزب الله، قلق بشأن الاختفاء المتوقع لقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) مع انتهاء ولايتها (نهاية العام 2026). من جهة أخرى، لدى إسرائيل تجربة سيئة مع عمل القوات الدولية على طول حدودها، والتي لا تُسهم في أمنها، بل وتُقيّد حرية عمل الجيش الإسرائيلي. لذلك، لا مصلحة لإسرائيل في وجود قوة دولية أخرى تتماشى مع الأفكار التي طُرحت مؤخرًا من الجانب اللبناني بشأن إنشاء قوة دولية تحل محل اليونيفيل. وتحظى هذه المبادرة بدعم رئيسي من فرنسا، التي تسعى لحشد عناصر أوروبية إضافية لدعمها رغبةً منها في الحفاظ على وجودها العسكري في لبنان، مستغلةً مخاوف اللبنانيين من زوال اليونيفيل.

وفي ضوء ذلك، تسعى إسرائيل إلى تعزيز جهود تحويل القوات المسلحة اللبنانية وتعزيز قدراتها العسكرية بصفتها الذراع التنفيذية للحكومة اللبنانية، لكي تتمكن من نزع سلاح حزب الله والسيطرة على الأراضي اللبنانية بنفسها، بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي. وفي الوقت نفسه، من المهم الحفاظ على النفوذ الإسرائيلي، عبر الولايات المتحدة، على خصائص المعدات والأسلحة التي ستُنقل إلى القوات المسلحة اللبنانية، وذلك للحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي ومنع نقل أسلحة تُهدد أمنها.

يُعدّ دمج حزب الله في الجيش اللبناني (من حيث الأفراد والقدرات العسكرية) تحديًا رئيسيًا لإسرائيل، وهي فكرة طرحها كبار مسؤولي حزب الله حتى قبل “زئير الأسد”، إذ يرون فيها سيناريو سيئًا ولكنه وارد إذا ما اضطروا للاستجابة للمطالب الموجهة إليهم من الداخل والخارج. ويزعم قادة حزب الله أنهم سيوافقون على مناقشة هذا الأمر مع القيادة اللبنانية في إطار محادثات صياغة “خطة الدفاع الاستراتيجي المشتركة”، ولكن فقط بعد أن تفي إسرائيل بجميع التزاماتها (الانسحاب من لبنان بالكامل، ووقف العمليات العسكرية، والإفراج عن الأسرى، وإعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب). ويتضح جليًا اهتمام إسرائيل بتقليص دور ونفوذ أعضاء حزب الله السابقين وأنصارهم في صفوف الجيش اللبناني المُجدد، ولكن يبدو أنه لن يكون من الممكن منع دمجهم تمامًا حفاظًا على شرعية الجيش اللبناني لدى الشيعة، لا سيما وأنهم سيشكلون مصدرًا للتجنيد نظرًا لتدريبهم وخبرتهم.

نماذج محتملة لدمج حزب الله في الجيش اللبناني:

تجنيد عناصر شيعة على أساس فردي فقط، ودمجهم كأفراد في وحدات الجيش، على غرار الوضع الراهن، حيث لا يوجد ما يمنع عناصر حزب الله، وخاصة ذوي الخبرة في استخدام الأسلحة والقتال، من التطوع في الجيش اللبناني والخدمة كجنود. مع ذلك، سيشترط الجيش اللبناني المُجدد آلية فحص وإشراف تضمن تخليهم عن الحزب وعدم تعاونهم معه. هذا هو النموذج المرغوب من وجهة نظر إسرائيل.

تجنيد هياكل حزب الله كاملة كوحدات عضوية في الجيش اللبناني، تحت قيادة ضباط غير منتسبين للحزب أو منتمين إلى جماعات عرقية أخرى. ستستفيد هذه الوحدات، إذا خدمت في المناطق التي كانت تعمل فيها سابقًا، من ميزة معرفتها بالمنطقة وقدرتها على العمل بين السكان المحليين. مع ذلك، فإن دمج هياكل كاملة سيخلق خطرًا كبيرًا بسبب استمرار ارتباطهم بحزب الله. هناك أيضًا مخاوف من أن يُفضّلوا التزامهم بالمنظمة والمجتمع على ولائهم للدولة. ينطوي هذا النموذج على مخاطر جمّة، وهو أمرٌ غير مقبول من وجهة نظر إسرائيل.

دمج وحدات حزب الله كوحدات مستقلة في الجيش، على غرار الوضع في العراق، هو الخيار الذي يُبدي حزب الله استعداده للنظر فيه ضمن إطار مناقشة “خطة الدفاع المشتركة”، أي دمج وحدات حزب الله بأكملها، بمعداتها وقادتها، في الجيش اللبناني. يبدو هذا الخيار “اقتصاديًا” ظاهريًا للجيش اللبناني، إذ لن يُطلب منه تزويد هذه الوحدات بالمعدات أو تدريبها، لكن بالنسبة لإسرائيل، يُعدّ هذا النموذج الأكثر خطورة، ويجب معارضته بشدة ومنع تنفيذه، إذ من الواضح أن عناصر حزب الله سيواصلون العمل على أساس أيديولوجية “المقاومة” مستغلين شرعية الجيش اللبناني.

عند صياغة سياسة تجاه الجيش اللبناني، من الضروري مراعاة أن التعامل مع حزب الله يتطلب عملية طويلة وتدريجية ومتعددة المراحل. مع ذلك، ينبغي لإسرائيل التأكيد على المصالح المشتركة بينها وبين القيادة الحالية في لبنان فيما يتعلق بتعزيز القوات المسلحة اللبنانية وتغيير ميزان القوى بينها وبين حزب الله، تمهيداً للتوصل إلى تسوية مستقبلية بين البلدين. ونظراً لمحدودية قدرة إسرائيل على التأثير في عملية تعزيز القوات المسلحة اللبنانية، يُفترض أن يكون للولايات المتحدة وإسرائيل دورٌ هام في هذا السياق، يتمثل في الإصرار على استمرار مشاركتهما كرئيسة للجنة الإنفاذ الخماسية (أو أي آلية أخرى تُحدد في نهاية الحملة الحالية)؛ كعامل داعم ومساعد في بناء قوة القوات المسلحة اللبنانية، وكجسر لنقل مقترحاتها ومطالبها بالتغييرات والإصلاحات في القوات المسلحة اللبنانية، فضلاً عن كونها جهة تشرف على تنفيذ هذه الإصلاحات، ووسيطاً بين إسرائيل والقيادة اللبنانية في ظل غياب حوار مباشر بينهما.

توصيات للسياسة الإسرائيلية

فيما يتعلق بـ “زئير الأسد” – نظراً للاحتمالية الكبيرة بأن تُضعف إسرائيل حزب الله أكثر، إلى جانب التغيرات السلبية المتوقعة في وضع إيران، الداعم الرئيسي للحزب (وهو تقييم منطقي، رغم أننا لا نعلم كيف ستنتهي الحرب)، يُقترح عدم الانخراط في حملة عسكرية طويلة الأمد و/أو الانجرار إلى وجود عسكري إسرائيلي دائم وواسع النطاق في لبنان، بل السعي إلى تهيئة الظروف التي تُمكّن من التوصل إلى اتفاق أمني جديد مع لبنان، يتمحور حول اتفاق لاستكمال عملية نزع سلاح حزب الله مع تعزيز الإصلاحات في الجيش اللبناني وتقويته، حتى يتمكن من مواجهة التحدي الصعب الذي يواجهه من حزب الله.

نظراً لأهمية تعزيز مكانة القيادة الحالية في لبنان كشريك مستقبلي، مع اعتبار القوات المسلحة اللبنانية القوة العاملة باسمها وخدمتها، يُقترح ما يلي:

تجنب إلحاق أي ضرر، قدر الإمكان، بقوات القوات المسلحة اللبنانية (واليونيفيل)، وكذلك أي ضرر بالبنية التحتية المدنية للدولة اللبنانية ومواطنيها، لما قد يترتب عليه من نتائج عكسية، إذ قد يُثير معارضة لإسرائيل.

العمل على تحسين قنوات التواصل بين إسرائيل ولبنان على الصعيدين العسكري والسياسي. كما يُقترح بحث إمكانية إدخال التعديلات اللازمة على التشريعات اللبنانية المتعلقة بوضع الجيش ومهامه، وذلك بالتنسيق مع القيادة اللبنانية.

رفض أي إمكانية لتمديد وجود اليونيفيل، والمطالبة بإنهاء أنشطتها بنهاية عام 2026 وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2790 (آب 2025)، ومعارضة مساعي فرنسا والقيادة اللبنانية لتشكيل قوة دولية بديلة لليونيفيل. في الوقت نفسه، يُوصى بالموافقة على دراسة إمكانية نشر قوة أمريكية أو وجود مفتشين أمريكيين في وحدات الجيش اللبناني.

وبالتحديد فيما يتعلق بتعزيز الجيش اللبناني:

تشجيع الجهات الغربية والإقليمية المعتدلة (المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقطر بدرجة أقل) على المشاركة في الجهود المبذولة لتحسين الجيش اللبناني، ودعم إصلاحاته، وتقديم المساعدة المالية والموارد اللازمة له.

الحفاظ على حوار وثيق مع الولايات المتحدة لضمان التزامها بتعزيز الجيش اللبناني وموافقتها على الاضطلاع بدور محوري في دعم الخطوات الضرورية لتحقيق ذلك والإشراف على تنفيذها. ولذلك، فإن المشاركة الفعّالة للولايات المتحدة في المؤتمر الدولي لتعزيز الجيش اللبناني ، الذي تعتزم فرنسا عقده في باريس في نيسان المقبل، أمر بالغ الأهمية.

نقترح خطوات من شأنها تعزيز الجيش اللبناني، على أن تروج لها الولايات المتحدة بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية:

إصلاح شامل للجيش اللبناني، يركز على حماية الحدود ومكافحة الميليشيات المستقلة، مع التخلي عن مهامه في مجال الأمن الداخلي (لصالح أجهزة أمنية أخرى) وفي المجال المدني.

القوى العاملة:

بشكل عاجل، زيادة رواتب المجندين وتحسين ظروف الخدمة، إلى جانب حظر تام للعمل في وظائف إضافية، واتخاذ موقف حازم ضد من يخالفون تعليمات الجيش في هذا الشأن.

الترويج لتغيير جذري في عمليات التجنيد والاختيار، بما في ذلك وضع معايير جديدة للتجنيد لضمان جيش عالي الكفاءة والولاء، مع تطهير الجيش اللبناني من أعضاء حزب الله أو المتعاونين معه.

معارضة مطلقة لدمج الوحدات النظامية لحزب الله في الجيش. سيخضع أعضاء حزب الله السابقون الذين يتم تجنيدهم كجنود في الجيش اللبناني لفحص دقيق، يُفضل أن يكون تحت إشراف أمريكي، كما سيُطلب منهم المتابعة للتأكد من تغيير رأيهم.

وضع دورات تدريبية للجنود والقادة بمساعدة جهات غربية (على غرار “خطة دايتون” للفلسطينيين).

تقديم دعم واسع النطاق للجيش اللبناني – لتمويل وتدريب الجنود وشراء المعدات ووسائل الاستخبارات والقتال، مما سيساعده على مواجهة التحديات التي تواجهه: منع الوجود العسكري لحزب الله في جنوب لبنان واستكمال نزع سلاحه، بالإضافة إلى حلّ الفصائل الفلسطينية الأخرى في لبنان ومراقبة عمليات التهريب عبر المعابر الدولية. يجب أن يكون نقل الأسلحة تدريجيًا ومشروطًا بتحقيق إصلاحات في الجيش اللبناني وتحسين أدائه. تتطلب هذه العملية أيضًا إنشاء آلية للإشراف والتنسيق مع إسرائيل لضمان ألا تُشكل المعدات والأسلحة المنقولة إلى الجيش اللبناني تهديدًا عليها.

——————————————

هآرتس 12/3/2026 

جنود نيتسح يهودا يساهمون في طرد السكان

بقلم: متان غولان

في الساعة التاسعة والنصف في صباح يوم السبت الماضي وصل جنود بمرافقة مستوطنين الى بيوت سكان قرية العقبى في غور الأردن وهذه لم تكن المرة الأولى. ففي الأيام التي سبقت وصولهم، وفقا للوثائق وشهادات السكان، حصلوا على عدة زيارات مشابهة. وفي يوم السبت نفسه هدد الجنود السكان بان حياتهم ستكون في خطر اذا لم يغادروا. وفي الساعات التالية بدات اربع عائلات من العائلات التسعة في حزم اغراضها، وفي يوم الاثنين كانت القرية كلها قد غادرت.

الحياة الهادئة نسبيا التي كانت سائدة هناك تغيرت بشكل جذري في غضون بضعة أيام. وعلمت “هآرتس” بانه قبل أسبوع ونصف تم استبدال القوة العسكرية في نقطة تفتيش تياسير القريبة بقوة جنود احتياط من المحاربين القدامى في كتيبة “نيتسح يهودا”. بعد ذلك، حسب السكان، بدات سلسلة حوادث تعاون فيها المستوطنون والجنود، الامر الذي أدى الى هرب أبناء هذه التجمعات.

في يوم الاحد قام سكان قرية خربة يرزة الجنوبية، الذين كانوا يعيشون في أراضي خاصة مسجلة في الطابو، بحزم امتعتهم أيضا. لقد كانوا يتعرضون للمضايقة والتهديد على مدى أسابيع، لكن من بداية الشهر زادت المضايقة شدة ومع حلول يوم الاثنين كانوا هم أيضا قد هربوا. قرب الحاجز وعلى ارض خاصة مسجلة في الطابو، ما زالت توجد عدة بيوت لعائلة واحدة، عائلة مسعيد، من قرية خربة يرزة. ويخشى ابناءها الان من ان يكونوا التالين في قائمة النزوح. اما قرية العقبى، قرية بدوية صغيرة يعيش فيها رعاة، فقد عاشت منذ بداية الالفية الثانية على ارض فلسطينية منظمة قرب قرية العقبى، على خط التماس بين شمال غور الأردن ومنطقة منشه، على بعد كيلومتر ونصف غرب حاجز تياسير. وعلى بعد 250 متر شرق الحاجز أقيمت في 2025 البؤرة الاستيطانية تسفي هعوفريم.

قبل أسبوعين تقريبا سجلت البؤرة الاستيطانية “انجاز” عند هرب تجمعين موجودين شرقها، البرج وميتيا. لقد سبق رحيل التجمعين مضايقات طويلة من المستوطنين شملت احراق مبنى وهدم بيوت من قبل الإدارة المدنية. ويبدو ان النجاح في جعلهم يهربون، الى جانب وصول عناصر من “نيتسح يهودا” الى نقطة التفتيش فتح الباب امام الضحية التالية، وهي التجمعات الموجودة غربها.

نوعان من الجنود

لا يعرف الفلسطينيون متى تغيرت القوة العسكرية تقريبا. كل ما يعرفوه هو ان الأجواء تغيرت في غضون بضعة أيام. ويقول م.، احد أبناء عائلة مسعيد: “هؤلاء الجنود هنا منذ 7 – 10 أيام، انا غير متاكد من يوم وصولهم”. قبل تسعة اشهر كان يوجد هنا ضابط وعدد من جنوده. عندما وصلوا عرف نفسه وقال بانه مدير الحاجز، تبادلنا التحية، وساد هنا هدوء نسبي. ولكن منذ وصول القوة الجديدة كل شيء تغير كليا. يوجد نوعان من الجنود، جنود مسؤولون يهتمون بالجميع، وجنود مستوطنون يهددوننا بالقتل.

حسب ح.، وهو احد سكان العقبى، فانه في مساء يوم الثلاثاء الماضي ظهر اشخاص يرتدون الزي العسكري في نقطة التفتيش. وقد قال: “هؤلاء قاموا بتخويف الأولاد وتفتيش البيوت ورموا الأثاث وضربوا الرجال ورموا مسن على الأرض وهددونا بالمغادرة في تلك الليلة، أو انهم سياتون في الغد مع المزيد من المستوطنين”. وحسب شهادات السكان فقد سرقت هواتفهم في هذه الحادثة وتمت اعادتها اليهم. في صباح يوم الأربعاء وصل المستوطنون بالفعل من البؤرة الاستيطانية وجاء وراءهم جنود من نقطة التفتيش. في الوثائق التي وصلت الى “هآرتس” يظهر المستوطنون في سيارات مدنية وتظهر سيارة للجيش الإسرائيلي. هـ قال للصحيفة “في ذلك اليوم اقترب الجنود من شخص وقالوا بانه يجب علينا ان نغادر. وعندما أجاب بانه لا يوجد مكان لنذهب اليه، هددونا بانهم سيرسلون المستوطنين لاحراق البيوت وسرقة الأغنام”. وقد قال بانه قام بالاتصال مع الشرطة، التي قامت بفتح شكوى بهذا الشأن. وتواصلت المحامية نيتا عمار شيف التي تمثل التجمع مع الشرطة والمدعي العام العسكري في يهودا والسامرة.

في مساء يوم الأربعاء تمت مهاجمة بيوت عائلة مسعيد، وهناك أيضا، حسب الشهادات، تمت سرقة هواتف عدد من السكان، وقامت منظمة الهلال الأحمر بنقل اثنين من أبناء العائلة للعلاج، بينما نقلت العائلة شخص ثالث بنفسها. وتظهر الصور مستوطنين على تراكترون من نوع رينغر، وهو النوع الذي وزعته الدولة على المزارع، خارج احد البيوت، بينما تتم رؤية الأولاد في البيوت.

م. قال: “عندما كنا نتناول الإفطار وصل مستوطنان، دعوتهما للدخول فاشار احدهما بيده وكانه يطلق النار علي. هل تفهم؟ قلت له: هل ترغب بفنجان قهوة؟ فاشار لي بنفس الإشارة، ثم توجه الى بيت ابن عمي وحطم خزان المياه وثقبه بسكين. تظهر الصور الخزان والمياه تتدفق منه من عدة ثقوب. م. أضاف: “ابن عمي صرخ عليهما، وبعد ذلك احضرا كل اصدقائهما”.

في توثيق آخر ظهرت مجموعة مستوطنين يتقدمون من باب منزل م.، وحسب م. واحد أبناء عائلته فقد انضم جنود من نقطة التفتيش للمستوطنين، وكانوا شركاء فاعلين في الهجوم. وتشير شكاوى قدمت للشرطة الى ان الجنود دخلوا الى البيوت وسمحوا للمستوطنين برش غاز الفلفل وضرب بعض السكان بالعصي. ويبدو أيضا ان النساء ضربن وتم خلع ملابس احد السكان وسكب المستوطنون المياه عليه.

م. قال: “المستوطنون والجنود تصرفوا كقوة واحدة. ابن عمي كبير السن كان في سيارته. المستوطنون طلبوا منه النزول وقاموا بتفتيشه. احدهم قال له: اركع على الأرض وقبل قدمي. في احد التسجيلات ظهرت سيارة اسعاف وهي تمنع اشخاص من الاقتراب من القرية. طلبنا من مديرية التنسيق والارتباط ارسال جيش. قالوا ان الجيش موجود بالفعل معنا. قلت لهم: ارسلوا جيش حقيقي وليس الجيش الموجود هنا”. وبحسبه وصلت قوة عسكرية أخرى ثم غادر المستوطنون وسمح لسيارة الإسعاف بالدخول.

للحظة ظهر ان الحادثة انتهت، لكن شكوى قدمها احد أبناء العائلة تشير الى ان الجنود رجعوا بعد بضع ساعات وامروا أبناء العائلة بالجلوس في الخارج في البرد وضربوا الرجال قبل مغادرتهم. وحسب أبناء العائلة فان الجنود عادوا في صباح يوم الخميس. احد أبناء العائلة قال: فتشوا البيوت وهددونا بانه غير مسموح لنا اثارة المشاكل مع المستوطنين.

في نفس الوقت قال سكان العقبى بان قائد حاجز تياسير ظهر امام بيوتهم في فجر يوم الخميس حوالي الساعة الثالثة في سيارة عسكرية برفقة بعض المستوطنين وتجول في المكان. وذكروا ان المستوطنين حاولوا في صباح اليوم التالي سرقة اغنامهم. وتظهر لقطات السكان وهم يرعون القطعان مع سماع صوت اطلاق نار في الخلفية. في الظهيرة اقتحمت قوة عسكرية القرية والتجمع برفقة مستوطنين كان بعضهم ملثمين، الامر الذي وصفه قائد المنطقة الوسطى آفي بلوط، في تموز الماضي بانه جريمة جنائية.

حسب بيان الهلال الأحمر فقد احتاج 12 فلسطيني الى العلاج في اعقاب الاقتحام. ستة منهم أصيب بالغاز المسيل للدموع، ونقل ستة الى المستشفى بسبب إصابة جسدية، وتم اعتقال خمسة من السكان واطلق سراحهم.

أيضا تمت سرقة حصانين من القرية، في احد التسجيلات يظهر جندي ومستوطن على مدخل الاسطبل، واحد السكان داخله، الجندي طلب “التوقف عن التصوير” وصوب سلاحه على الشخص الذي يحمل الكاميرا، ثم دخل الاسطبل وحاول وقف التصوير. في تسجيل آخر يقود مستوطن الخيول الى خارج القرية. وقد وصلت الى “هآرتس” تسجيلات للخيول مع أصحابها في الصيف الماضي كدليل على ملكيتهم لها. في اللقطات بعد الهجوم ظهرت خزانات مياه فارغة واوعية حليب مرمية والواح شمسية مهشمة.

في صباح يوم السبت شوهد الجنود من جديد في المنطقة. حسب السكان الجنود هددوا حياتهم اذا لم يغادروا. في ذلك اليوم بدات العائلات تفكك بيوتها وتحمل اغراضها في السيارات. وفي يوم الاثنين لم يبق أي احد في المنطقة، 50 شخص هربوا.

خلال أسابيع ضايق المستوطنون 11 عائلة في خربة يرزة التي يعيش فيها 82 شخص على أراضيهم، في بيوت بعضها بني قبل العام 1967. وحسب السكان اقترب الجنود منهم في يوم السبت وهددوهم بالاخلاء القسري اذا لم يغادروا خلال 24 ساعة. معظمهم غادروا في يوم الاحد، واكتمل الاخلاء في يوم الاثنين.

ردا على شكاوى المحامي عمار شيف، جاء من المستشار القانوني ليهودا والسامرة بان القوة العسكرية كانت في قرية العقبى في أيام الثلاثاء والأربعاء والسبت في “دورية روتينية” تابعة للواء منشه. وأنه لا نعرف عن ادعاءات بتهديدات او اعمال عنف ضد السكان. هذا يأتي رغم وجود سيارات للمستوطنين في المكان في الوثائق. وفيما يتعلق باقتحام يوم الجمعة زعم ان “القوة وصلت الى المكان بعد تلقي بلاغ عن اعمال عنف ضد إسرائيليين وصلوا الى المكان قبل قوات الامن”.

من بين جميع سكان تجمع العقبى وخربة يرزة بقيت فقط عائلة مسعيد. ان سلسلة المضايقات التي كانت في يوم السبت الماضي لم تتجاوزهم. “كنت في البيت مع الأولاد، كنا ما نزال نائمين”، قال م. “فتحت عيني وشاهدت شخص وهو يصوب السلاح نحو رأسي ويقول: قم، قم. هذا امام زوجتي واولادي”. وحسب قوله الجنود رموه على الأرض امام أبناء عائلته، وبعد ذلك نقلوه الى نقطة مخفية.

في التسجيلات التي وصلت “هآرتس” يظهر الجنود وبعضهم ملثم، وهم يبعدون م. عن البيت، وبعد ذلك يتجمعون خلف المبنى. في هذه المرحلة م. لم يعد يشاهد في الفيلم. وحسب قوله قاموا برميه على الارض. احد الجنود صوب سلاحه نحو راسي وضربني. وسالني لماذا أقوم بالمشاكل. شرحت له انني أعيش هنا منذ فترة طويلة وانه لي أصدقاء يهود اكثر من العرب. ولكنه صرخ علي بان هذا لا يهمه. هو هددني بانه اذا حدث شيء في المنطقة فهو لا يعرف أي احد غير وسياتي الي وسيقتلني. بعد ذلك ارجعني الى البيت واجبرني على ان أقول لاولادي بانه اذا تسبب احدهم باي مشكلة مع اليهود فانني ساقتله”.

وقد جاء من المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي: “الجيش الإسرائيلي لا يعترف بالادعاءات المذكورة. نحن لم نحصل على أي شكاوى بشانها. في حالة وصول أي شكاوى بهذا الشأن فسيتم التحقيق فيها بشكل معمق. اما بخصوص حادثة يوم الجمعة الماضي فمعروف ان قوات الجيش الإسرائيلي ذهبت الى منطقة العقبى بعد وصول بلاغ عن قيام فلسطينيين برشق الحجارة على مواطن إسرائيلي اثناء تواجده في مكان مسموح له التواجد فيه. وقد تدخلت القوات لتهدئة الموقف، ثم حددت مكان المشتبه فيهم بالاعتداء على المواطن وقامت باعتقالهم. وخلاء عملية التفتيش تم العثور على غاز الفلفل لدى احد المشتبه فيهم”.

——————————————

هآرتس 12/3/2026

متى سنعرف انه لا توجد ضربة خاطفة وننتهي، بل دائما هناك ضربة خاطفة ونبدأ

بقلم: نوعا لنداو

بعد يوم من الهجوم على ايران اجتمع تقريبا 1500 عضو من جماعة الضغط اليهودية الليبرالية، الـ “جي ستريت”، في واشنطن لحضور المؤتمر السنوي. وكان موقفهم واضح من البداية: معارضة الحرب. وقد كتب رئيس المنظمة جيرمي بن عامي: “نحن نشعر بالخوف من قرار الرئيس ترامب المتهور بشان حرب اختيارية ضد ايران، هدفها المعلن هو تغيير النظام”. وأوضح بان مشروع ايران النووي والبرنامج الصاروخي ودعمها للجماعات المسلحة بالوكالة في جميع ارجاء الشرق الأوسط وقمع مواطنيها، كل ذلك يشكل بالفعل تحد حقيقي للولايات المتحدة وإسرائيل، ولكن كان يمكن تجنب الحرب، مثلا من خلال تشديد العقوبات والعودة الى الاتفاقيات.

من النادر في تاريخ العلاقات بين يهود الشتات وإسرائيل أن تجد مثل هذا الموقف السياسي في إسرائيل. قد يبدو الامر متناقض للأجانب، لكن الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين، وبالتاكيد اليهود رغم تحصنهم في الثكنات والملاجيء والتعب منذ اكثر من سنتين من الحرب الضارية، تؤيد العملية من حيث المبدأ. السبب الرئيسي هو اعتقاد معظمهم بدرجة معينة بان تدمير اكبر قدر ممكن من القدرات العسكرية الإيرانية وتقويض النظام قد يوفر لهم شروط السلام والامن على المدى البعيد، لذلك هم مستعدون لتحمل وضع لا يحتمل على المدى القريب.

وقد سلط استطلاع اجري في معهد “ايكورد” الضوء على هذه الظاهرة من منظار آخر. ففيما يتعلق بالحرب في قطاع غزة تبين ان معظم الإسرائيليين مصابون بازدواجية في الشخصية، تتسم بمواقف متطرفة متزايدة تجاه الفلسطينيين من جهة، واستعداد مفاجيء للبحث عن حل سياسي من جهة أخرى (حسب الاستطلاع يؤيد 50 في المئة من الإسرائيليين حل سياسي إقليمي بقيادة الولايات المتحدة). مفتاح فهم هذا التناقض يكمن في معرفة عمق اليأس. فالاسرائيليون يتوقون بشدة الى أي حل، وقد اصبحوا شبه غير مبالين بمسالة اذا كان الحل سيتخذ شكل حروب دموية أخرى او اتفاقات مثل التي أدت الى اطلاق سراح الرهائن ووقف اطلاق النار في غزة.

لذلك، يجدر التوقف عند بعض الجمل الرئيسية الأخرى في موقف منظمة “جي ستريت”. فقد أوضح بن عامي ان “الرئيس يشن هذه الحرب بدون خطة واضحة لتحقيق هدفه”. وللأسف، هذه الحقيقة تتجلى في كل خطاب وتصريح لدونالد ترامب، الذي ينقصه التماسك في رسائله. ومن الأمثلة على ذلك ادعاء الرئيس بانه شن الهجوم لانه سمع من مستشاريه، بمن فيهم صهره جارد كوشنر، بان ايران تنوي في الواقع المهاجمة أولا. مثل هذه التصريحات الغريبة (“لان كوشنر ابلغني”) لا توحي بوجود استراتيجية.

لكن الأكثر أهمية من ذلك هو ان الأهداف التي تم وضعها يجب ان تكون بمثابة جرس انذار للاسرائيليين كي يتعلموا من التجربة. في ظل غياب الاتفاقات بعد الحرب، تعود صناعة الصواريخ والقنابل، ويعاد تسليح القوات الوكيلة ويتم استبدال القادة الذين تم القضاء عليهم، ويتم استبدال الحكومات التي “تم اسقاطها” بحكومة لا تقل سوء. أو مثلما كتب بن عامي “ينبغي ان يكون تاريخ التدخل العسكري الأمريكي، خاصة في الشرق الأوسط، بمثابة تحذير”.

على فرض ان معظم الإسرائيليين لا ينشغلون بدروس التدخل الأمريكي في أفغانستان. فهل نسوا بسرعة كيف اكدوا لنا خلال السنتين الأخيرتين بان حماس وحزب الله، ومؤخرا ايران نفسها، قد تمت هزيمتهم وتدميرهم، وغيرها من الوعود الفارغة؟ ألم نتعلم من وابل الصواريخ من لبنان انه لا يوجد “نصر كامل” بدون اتفاقات ترافق استخدام القوة العسكرية؟ متى سنفهم انه لا يوجد ضربة خاطفة وننتهي، بل هناك دائما ضربة خاطفة ونبدأ.

——————————————

هآرتس 12/3/2026

حزب الله يظهر أنه لا يزال يشكل تهديدا

بقلم: عاموس هرئيلِ 

وسط سلسلة من الإنذارات التي رافقت ليلة الثلاثاء – الأربعاء، باتت طريقة ايران في العمل واضحة اكبر. فحجم الضرر الناجم عن اطلاق الصواريخ على إسرائيل محدود نسبيا، لكن الاضطراب النفسي بلغ الذروة. بعد ليلة أخرى من الارق اضطر ملايين الإسرائيليين الى التنقل بين أماكن العمل والتعلم عن بعد. في الليلة الماضية زاد التوتر بعد انتشار الشائعات والقلق حول استعداد حزب الله لشن موجة اشد من الصواريخ.

في الساعة الثامنة مساء شن حزب الله هجوم واسع على الجليل وحيفا ومستوطنات الكريوت، حيث اطلق اكثر من 100 صاروخ في اكبر هجوم من نوعه في الشمال منذ بداية الحرب. أيضا تشعر إسرائيل بالقلق من احتمالية اقتراب قوة النخبة (قوة الرضوان) التابعة للحزب من الحدود. في الوقت الحالي يعتبر هذا تغيير جوهري في وضع القتال، لكنه سيؤدي بالتأكيد الى رد إسرائيلي واسع النطاق أيضا في عمق لبنان.

في كل الحالات اصبح من الواضح بان الشائعات حول انهيار حزب الله كانت مبالغ فيها. صحيح ان الحزب اصبح اضعف مما كان عليه قبل سنتين، ولكنه ما زال قايم وقوي ويستطيع شن هجوم منسق، كما يبدو بالتنسيق مع ايران. من ناحيته عزز الجيش الإسرائيلي القوات في الشمال ونقل وحدات الى هناك بالإشارة الى الاستعداد لهجوم أوسع في جنوب لبنان.

في مواجهة القوة العسكرية الكبيرة لإسرائيل والولايات المتحدة اختارت ايران حرب استنزاف. لا تحتاج الى الانتصار فيها، بل يكفيها البقاء في السلطة، اذا صمدت حتى صفارة النهاية. ويعكس تسليم زمام الأمور الى مجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى الراحل، استمرار سيطرة المعسكر الأيديولوجي المتشدد بقيادة الحرس الثوري. في واشنطن على الأقل بدات علامات الاستفهام تظهر بشأن استمرار الحرب في ظل الازمة العالمية الوشيكة الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة.

في الحوار الأسبوعي له مع “نيوز 12” صرح الرئيس دونالد ترامب مجددا بانه يفحص انهاء الحرب في القريب. وبحسبه “لم يبق أي شيء تقريبا لمهاجمته في ايران”، وان الحرب ستنتهي في أي لحظة. ولكن الجدول الزمني غير واضح وقد تستمر الحرب لاسابيع، لا سيما ان الرئيس يميل الى التناقض في تصريحاته. ما زال الغموض يكتنف الموقف، رغم ان نهاية الحرب تبدو وشيكة.

يحسب لترامب الحرص على مخاطبة الشعب الأمريكي. اما في إسرائيل فلا ينشر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الا نادرا مقاطع فيديو يلقي فيها خطاب مديح للمواطنين. ولا يظهر أي اهتمام بالاجابات الصريحة على أسئلة المراسلين. وقد نشر وزير الدفاع يسرائيل كاتس فيلم فيديو امس اعلن فيه بان الحرب ستستمر الى اجل غير مسمى. ثم وصف القيادة الإيرانية بانها “مجموعة جبناء يهربون مثل الفئران الى الانفاق”. على الأقل هناك من يخفف من توتر المواطنين الذين اتعبتهم الحرب منذ زمن.

كل ذلك يحدث في الوقت الذي يواصل فيه الائتلاف بقوة ترتيبات نهب الأموال العامة لصالح الأحزاب الحريدية والمستوطنين، ويتصاعد الغضب في مستوطنات الشمال بسبب القصف اللبناني المتجدد، وتتنافس وزارات الحكومة في اظهار العجز عن التعامل مع المدنيين.

لقد نقل عن مسؤولين امنيين رفيعين امس وصفهم لـ “تصدعات وليس انهيار” في سيطرة النظام الإيراني. لم يكن لدى الجيش الإسرائيلي في البداية امل كبير بان يؤدي الهجوم المشترك سريعا الى تغيير النظام في ايران. ويتمثل السيناريو الإيجابي في ان يضعف النظام بسبب الحرب، مثلما حدث في الجولة السابقة في حزيران، وان يؤدي ذلك في نهاية المطاف الى نوع من الانهيار. ان فقدان الشرعية الذي بدأ بسبب القمع الوحشي للاحتجاجات في كانون الثاني سيترافق مع مظاهر الضعف في الحرب الحالية، الامر الذي سيجعل من الصعب على النظام الاحتفاظ بالسلطة لفترة طويلة. يبدو كل ذلك في الوقت الحالي نظري الى درجة كبيرة، ويعتمد بالطبع بشكل أساسي على قرارات ترامب.

تبقى هناك قضية واحدة عالقة تثير القلق وتحتاج الى حل مستعجل، اما قبل انهاء الحرب أو في اتفاق يعقد عندما تنتهي، وهي الـ 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة، التي لم يتم التطرق اليها في الجولة السابقة. يتوزع اليورانيوم في ثلاثة مواقع محمية في ارجاء ايران. وبدون التقليل من شان الاخطار التي يشكلها برنامج الصواريخ البالستية فان أي اتفاق لا يشمل سحب هذا اليورانيوم من النظام الإيراني لن يضمن الاستقرار والسلام على المدى البعيد.

——————————————

هآرتس 12/3/2026

ايران تخطط “لليوم التالي” ويبدو انها تعول على تركيا

بقلم: تسفي برئيل 

ان اغلاق مضيق هرمز وتقارير عن زرع الغام في الممر التجاري في الخليج الفارسي، وهجوم بمسيرة على ناقلة نفط في ميناء عُمان، واستمرار اطلاق النار على دولة الامارات العربية، واغلاق منشآت الغاز في قطر، وخفض انتاج النفط في العراق بنسبة 60 في المئة، كل ذلك يندرج ضمن اطار حرب الاستنزاف التي تشنها ايران في الأيام الأخيرة. تستند استراتيجيتها الى تقييم يبدو منطقي، يفيد بان الضرر الذي لحق بممرات الملاحة في الخليج الفارسي لم يتسبب فقط في ارتفاع أسعار النفط وانهيار بعض أسواق الأسهم، بل هو قد يحدث سلسلة ردود فعل، حيث ستؤثر أسعار النفط على أسعار الكثير من السلع الاستهلاكية الأخرى وتزيد التضخم في دول كثيرة في المنطقة وتخفض مستوى المعيشة، لا سيما في الدول الفقيرة – كثير منها في الشرق الأوسط – وربما تثير بعد ذلك احتجاجات واضطرابات مدنية.

بهذه الطريقة تقدر ايران بانها ستتمكن من استخدام ضغط كبير على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي دعا الى حرب قصيرة جدا. إضافة الى ذلك هذا سيجبره على التفاوض مع النظام الذي سعى الى اسقاطه وبشروط تعيد لإيران قوتها كقوة عظمى. وقد أوضح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هذا الموقف عندما صرح في يوم الثلاثاء بان بلاده لا تسعى الى وقف اطلاق النار، بل الى الدفاع والانتقام. في غضون ذلك غرد الأمين العام للمجلس الأعلى القومي علي لاريجاني: “حتى الذين هم أقوى منك (بالإشارة الى ترامب) لم ينجحوا في إرادة الامة الإيرانية، احذر من ان تباد أنت نفسك”.

شرط ايران المسبق لاي مفاوضات الان هو الالتزام بوقف اطلاق النار، وضمان عدم تعرض ايران لهجوم آخر. كان هذا احد الشروط الأساسية التي وضعتها ايران في جولات المفاوضات السابقة بشان اتفاق نووي جديد. ولكن بينما كان من المفترض ان يكون الالتزام بعدم الهجوم جزء من اتفاق شامل في تلك المفاوضات، يبدو الان ان ايران تقدر بانها تستطيع الفصل بين قسمي المفاوضات: اتفاق عدم اعتداء يؤدي الى وقف اطلاق النار، ومحادثات لاحقة، في زمان ومكان تحدده ايران، حول هذه القضايا.

ملخص إيراني مؤقت لنتائج الحرب بعد 13 يوم يظهر انه رغم الاضرار الجسيمة التي لحقت بمؤسسات النظام، واغتيال عشرات المسؤولين الكبار وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وقصف المنشآت النووية وقواعد الصواريخ وأماكن انتاجها، وشل بعض الاتصالات العسكرية بشكل أدى الى تعطيل سلسلة القيادة – الا ان النظام لم يسقط ولم تندلع الاحتجاجات مجددا، وتخضع الشوارع لسيطرة مشددة من قبل قوة الباسيج والشرطة والحرس الثوري. وفي نفس الوقت استكملت عملية اختيار المرشد الأعلى الجديد، رغم ان المرشد مجتبى خامنئي لم يبدأ عمله بعد بسبب اصابته.

ترى ايران قد رسخت توازن إقليمي جديد للرعب. ويوضح قرارها مهاجمة دول الخليج الجارة التي تشمل شركاء تجاريين هامين مثل دولة الامارات وقطر وسلطنة عمان، إضافة الى السعودية والبحرين والكويت – التي سعت بجهد لبناء علاقات اقتصادية ودبلوماسية معها في السنوات الأخيرة – طبيعة التهديد. وقد ثبت خطا تقييمها السابق بان دول الخليج بسبب علاقاتها الوثيقة مع الإدارة الامريكية والاستثمارات الكبيرة التي قدمتها وتعهدت بتقديمها لامريكا والعلاقات الودية بين قادتها وترامب ستشكل درع واقي لها.

وقد فشلت هذه الدول في منع حرب الـ 12 يوم في حزيران الماضي، ولم توقف الهجوم الحالي. إضافة الى ذلك كان رد فعل دول الخليج متراخ إزاء الهجمات واسعة النطاق التي تعرضت لها، بما في ذلك دولة الامارات العربية، الشريكة الأكبر الثانية لإيران، التي عانت من هجمات بمسيرات وصواريخ اكثر مما عانت منه إسرائيل في البداية؛ وقطر، الشريكة في اكبر حقل غاز في العالم. والان تستطيع ايران ان “تثبت” لهم بانهم هم الذين بحاجة الى درع واق. لم تشكل هذه الدول “التحالف العسكري” الذي كان من المفروض ان يكون محور امريكي إسرائيلي عربي ضد ايران. فقد تحول اعتمادها على الدفاع الأمريكي والتواجد العسكري الأمريكي في أراضيها الى “شعور زائف بالأمان”. والسلاح الكثير الذي حصلت عليه من الولايات المتحدة ودول أخرى لا فائدة منه، وبالتالي فهو عديم الجدوى. من الان فصاعدا سيتعين عليها إعادة النظر في استعدادها الأمني والسياسي.

في هذا السياق يعتبر التميز الذي وضعته ايران باختيار أهدافها امر هام جدا. فبينما تمطر ايران دول الخليج بنيرانها، بقيت تركيا حتى الان بعيدة عن أي اذى يذكر. في الحالتين اللتين اطلقت فيهما صواريخ في المجال الجوي التركي، واعترضتها أنظمة الدفاع التابعة لحلف الناتو، سارعت ايران الى نفي مسؤوليتها عن اطلاق النار، وهو النفي الذي دحضته تركيا.

حسب تفسير تتناقله مصادر تركية فقد استعدت ايران لاحتمالية فصل أجزاء من الجيش والحرس الثوري عن القيادة. لذلك قسمت الوحدات القتالية الى 6 – 7 مراكز مستقلة تعمل بحسب أوامر معدة مسبقا. ويبدو ان هذه الأوامر شملت أيضا مهاجمة قواعد أمريكية في تركيا. وحسب هذا التفسير فقد اطلقت وحدة من هذه الوحدات المستقلة الصواريخ بدون معرفتها عن تغيير السياسة من قبل صانعي القرار الإيرانيين.

مع ذلك، ينبغي ان يثير هذا التفسير قلق تركيا، اذ يوضح انها كانت جزء من “بنك الأهداف” المخطط لها. وهناك عدة تفسيرات تكتيكية لامتناع ايران عن مهاجمة تركيا، منها الادراك بان القوة العسكرية لتركيا تفوق قوة الدول العربية. إضافة الى ذلك هذا قد يدفع تركيا الى حشد دول الناتو لمساعدتها، الامر الذي سيوسع نطاق الهجمات ضدها.

تضم قاعدة انجرليك في تركيا سلاح نووي تحت رقابة أمريكية. وتتشارك تركيا وايران مصلحة مشتركة في محاربة النزعة الانفصالية للاكراد، وتعتبران التنظيمات الكردية المسلحة تهديد لامنهما القومي. وقد تصبح تركيا الان وجهة لمئات آلاف الإيرانيين الذين يرغبون في الهرب من الحرب.

مع ذلك وبغض النظر عن هذه الاعتبارات العملية فان ايران تخطط بالفعل لما بعد الحرب. ففي ذلك اليوم يتوقع ان تعيد دول الخليج، رغم عدم مشاركتها في الحرب وتعهدها مثل تركيا بعدم السماح باستخدام أراضيها لمهاجمة ايران، النظر في سياستها تجاه ايران. عند هذه النقطة قد تصبح تركيا البديل المحتمل للشراكة الاقتصادية القائمة، وربما تشكل أيضا قوة دعم سياسية وامنية.

لقد وصفت تركيا في ايران بانها “الدولة التي خانت ايران” عندما ساعدت، بل وخططت، بحسب ايران، لاسقاط نظام الأسد بقيادة احمد الشرع. تركيا هي حليفة لامريكا، لكنها ساعدت ايران أيضا في الالتفاف على العقوبات الامريكية، وتطورت العلاقة بين الدولتين بشكل كبير عندما ساعدت قطر في مواجهة الحصار الذي فرضته عليها السعودية والامارات والبحرين ومصر في الأعوام 2017 – 2021.

تركيا لعبت دور رئيسي في استئناف المفاوضات الأخيرة بين ايران والولايات المتحدة. ورغم ان ايران فضلت في نهاية المطاف عقد المحادثات في عُمان بدلا من إسطنبول، الا ان تركيا استمرت في لعب دور الوسيط من وراء الكواليس. تركيا هي حليفة لامريكا، لكنها خلافا لكل دول الخليج، تكن العداء لإسرائيل وتخوض صراع من اجل الهيمنة الإقليمية ضدها.

في هذا السياق يجدر الانتباه الى تصريحات اردوغان. ففي اجتماع لحزب العدالة والتنمية أمس قال بصراحة: “لقد شنت إسرائيل مؤخرا حرب على الجارة ايران، والحقت هذه الحرب اضرار جسيمة، وفي الوقت الذي كانت فيه إمكانية حل المشكلات من خلال المفاوضات قائمة، أدت الحسابات الخاطئة وسوء التقدير، وبالطبع استفزازات الشبكات المتعطشة للدماء، الى اغراق المنطقة مجددا في دوامة الدماء والعنف”. ما هي هذه الشبكات المتعطشة للدماء التي يتحدث عنها اردوغان؟.

اردوغان قال: “نحن ندرك النوايا الحقيقية من وراء الحملات التي تديرها اللوبيات المعادية لتركيا، ولن ننجر الى الاعيبها. تركيا الان تختلف كليا عن تركيا أمس. فقد انتقلت من الدور السلبي الى دور الدولة التي تغير قواعد اللعب”. هكذا يسعل فهم من كان يقصد.

لكن هذه التقييمات والاعتبارات تعتمد كالعادة على التغريدة القادمة التي سينشرها ترامب. فاذا قرر ان الحرب انتهت بانتصار له، وان كل ما يحتاجه الان ورقة للتوقيع، فيمكن الافتراض بان تركيا ستكون هي التي ستقدم الطاولة والقلم والورقة.

——————————————

يديعوت احرونوت 12/3/2026

مهمة الاعلام طرح الأسئلة الصعبة، لكن في إسرائيل هذا تقوض

بقلم: افي يسخاروف

وربما، بمرور 12 يوما على حرب الجبهة الداخلية كانت هي الهدف، يستحق الجمهور الإسرائيلي أن يسمع الحقيقة: ما هو هدف هذه الحرب؟ ما هي الخطة؟ ما هي استراتيجية الخروج، واذا كان الجواب هو “اسقاط النظام”، فما الذي سيحصل عندها من ناحيتنا اذا لم يسقط النظام بل يتبين انه في الأيام التي يكون فيها زعيم اعلى ليس فقط في ايران محظور أيضا ان نسأل الامر الأكثر أولية الذي يريد الجمهور تحت النار ويمكنه أن يسأله: ما هي اهداف الحرب ضد ايران.

كل من خدم في الجيش الإسرائيلي يعرف أنه عندما تخرج وحدة الى مهمة، يتحدد لها الهدف. وكذا الطرق للوصول الى الهدف أو الغاية من الخطة. وعندما تنفذ المهمة يتحدد كيف تنهى العملية، كيف الاستمرار للتحكم بالهدف الذي احتل او كيف يتم الانسحاب منه. بسيط. أساسي. هذه في واقع الامر خطة الخروج، او استراتيجية خروج. فما بالك حين تخرج الدولة الى حرب حقيقية في ظل تجنيد كامل للجبهة الخارجية والداخلية. على أصحاب القرار والجمهور ان يعرفوا ما هي الخطة وماذا يحصل اذا ما تشوشت. فهل الهدف هو التدمير الكامل لإيران؟ تدمير النظام؟ تدمير قدرات النووي؟ غير أنه يتبين ان الامر الأكثر أولية الذي يمكن للجمهور ان يفعله – ان يسأل الى اين وجهتنا – يصبح دليلا عن “الضعف”. يوجد منذ الان من يصفون من يسأل الأسئلة واجبة السؤال كـ “مسممي آبار”، ليس اقل.

ان مهمة الاعلام في كل ديمقراطية، هي التشكيك وطرح الأسئلة الصعبة، لكن في إسرائيل شيء ما في هذا الفهم تقوض: فاذا ما تجرأت لا سمح الله على أن تنتقد او تسأل، فقد بت جزءاً من معسكر الخونة، من “الضعفاء”. إذن فقط تذكير لكل أولئك المحللين، الخبراء، الصحافيين والبروفيسوريين المكلفين: هذا واجبنا – المهني والوطني. بعد سنتين ونصف من الحروب التي تجري بشكل فاشل، دون تحديد اهداف – انظروا حالة غزة – من واجبنا ان نسأل المرة تلو الأخرى الى أن نحصل على أجوبة منطقية. عندما سألنا ما هي الخطة في غزة، ما هو البديل لحماس، عصبة من الابواق والمعجبين بنتنياهو اتهمونا باننا يساريين، خونة، محبي حماس. وعندها انتهت الحرب في غزة وفي القطاع تحكم حماس وتعيد تسليح نفسها دون أن تفعل الحكومة شيئا.

 ان تصفية علي خامنئي السبت الماضي تسببت بحالة من الانفعال والنشوة ليس فقط في الجمهور الغفير في إسرائيل بل وأيضا في وسائل الاعلام وفي الاستديوهات. وأوضحت القيادة السياسية بانها تسعى لاسقاط النظام في ايران. غير أنه بمرور بضعة أيام فان قسما أيضا من الصحافيين الذين انفعلوا جدا من نتنياهو، فهموا بان تصفية زعيم ابن 87 واستبداله بابنه ابن الـ 56 المعروف كأكثر تطرفا حتى منه، بعيدة عن أن يوصل إسرائيل الى أهدافه: أولا وقبل كل شيء تفكيك النووي الإيراني، التسليم للغرب لنحو 450 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب الى مستوى 60 في المئة وضربة شديدة للصواريخ الباليستية. اما اسقاط النظام؟ فحتى في المستوى السياسي فباتوا يعرفوا بان هذا ليس في الأفق. ومن هنا أيضا بدأت تطرح الأسئلة، لكن من اللحظة التي طافت فيها الأسئلة وتبين بان النظام ليس على شفا الانهيار، بدأ مقربو رئيس الوزراء بان يهاجموا بغضب من لم يؤدِ التحية للزعيم الأعلى الإسرائيلي.

إذن هاكم قائمة صغيرة من الأسئلة التي قسم من الجمهور في إسرائيل سيسره أن يسمع الأجوبة عليها: اذا لم يسقط النظام فكيف مع ذلك يمكن دفع طهران لان توقف تماما تخصيب اليورانيوم وتسليم الغرب اليورانيوم المخصب الذي لديها والذي يمكن أن يكفي لانتاج نحو عشر قنابل نووية؟ (استخدام مزيد من القوة هو جواب شرعي). واذا كان الهدف الشرعي جدا للحرب هو ابطاء مشروع النووي الإيراني قدر الإمكان فلماذا الثرثرة بـ “اسقاط النظام” كغاية، كهدف اسمى؟ وماذا عن تصفية خامنئ؟ هل هذه العملية كان يفترض بها ان تؤدي الى اسقاط النظام، ولعلها بالذات تعزز الدعم الإيراني للنظام الإسلامي. وهل أخذ بالحسبان بان خليفة خامنئي يمكن ان يكون اكثر تطرفا منه؟ وماذا سيحصل اذا لم تستسلم ايران امام الغرب وتوافق على البحث في تسليم اليورانيوم المخصب او وقف النووي؟ وهل بانتظارنا أسابيع من القتال؟ اشهر؟ ربما اشهر كثيرة؟

في هذه الحرب وصل سلاح الجو وشعبة الاستخبارات العسكرية الى إنجازات غير مسبوقة، لكن مقربي رئيس الوزراء يصرون على الاحتفال بها وكأنهم جلبوا النصر في الحرب. هذه المجريات تذكر في الحرب في غزة حين كانت كل تصفية لمسؤول كبير في حماس تجلب معها إحساسا بالنصر الذي لم يحصل. كم مرة سمعنا في سياق حماس التقارير بان حماس تظهر بوادر انكسار، او استسلام، او تحطم، وكل عامل آخر يصف نهاية شفا استسلام؟ حتى بعد حارس الاسوار في 2021 بُشرنا بنصر عظيم لإسرائيل على منظمات الإرهاب في غزة، بحملة عظيمة ضد انفاق حماس في القطاع. وعندها تبين الحقيقة القاسية. إذن نعم، مهمتنا، واجبنا، دوما، سيكون طرح الأسئلة. من يعتقد ان هذا “تسميم آبار” يحاول ان يعيد ترسيم حدود الديمقراطية في بلادنا.

——————————————

يديعوت احرونوت 12/3/2026

احباط رهان حزب الله  الذي يراهن على كل الصندوق

بقلم: يوسي يهوشع 

في إسرائيل يستعدون لتوسيع الحرب ضد حزب الله في ساحة الشمال في اعقاب الرشقة التي اطلقها امس التنظيم على بلدات الشمال وذلك في اعقاب تقدير محافل الاستخبارات في الجيش بان التنظيم قرر ان من ناحيته من الاصوب له ان يدخل في مواجهة في نهايتها يطلب وقف نار تام – وقف تمنع عن إسرائيل أيضا حرية العمل التي كانت قائمة منذ نهاية حملة سهام الشمال قبل اكثر من سنة.

بزعم محافل في الجيش الإسرائيلي يدل هذا القرار على ان استقلالية التنظيم الذي يريد أن يخلق وضعا لا يبقى فيه لإسرائيل مفر غير تصعيد العملية في لبنان. “هو يريد ان يخلق معادلة جديدة بموجبها تتوقف سياسة الانفاذ الإسرائيلية في لبنان والا نهاجم نحن على الاطلاق – وهذا لن يحصل. وعليه فان كل الحدث يسير نحو تصعيد خطير”، قال امس مصدر إسرائيلي كبير.

في الجيش الإسرائيلي استعدوا لامكانية النار الواسعة امس، واطلق أيضا اخطار لرؤساء السلطات المحلية في الشمال عن ان النار ستتصاعد جدا في الساعات القريبة القادمة، فنشر هؤلاء بلاغات لسكانهم للاستعداد. السؤال هو، اذا كانت الاستخبارات عرفت بذلك فلماذا لم يعمل الجيش الإسرائيلي كي يشوش النار ولماذا لم يهاجم مثلا بقوة في الضاحية كي يطلق إشارة للتنظيم مثلما فعل بعد الهجوم.

في الأشهر الأخيرة اعد الجيش الإسرائيلي الحملة ضد حزب الله. كان يفترض بهذه ان تكون ضربة قاسية ومفاجئة ضد كبار رجالات التنظيم ومنظومات النار لديه. وكانت الفكرة المركزية هي خلق قطع رأس لقيادة التنظيم، ضرب القيادة والتحكم، قدرات النار وقوات الرضوان.

لكن الخطة تأجلت مرتين بقرار المستوى السياسي. حزب الله تردد وأخيرا انضم لإيران. اما الجيش الإسرائيلي الذي فقد عنصر المفاجأة فرد بقوة، لكن ليست بالقوة التي خطط لها لان معظم الطائرات، المُسيرات وخلايا الهجوم خصصت للساحة الأهم، وعن حق، في ايران. الان ستهاجم الولايات المتحدة في ايران اكثر والجيش الإسرائيلي يجلب مزيدا من المقدرات للساحة الفرعية، وعمليا هذا هو التردد الأساس في اتخاذ القرارات الان في المداولات لدى رئيس الوزراء نتنياهو بشأن توزيع المقدرات.

حتى قبل ان يسجل تسخين في الشمال أمر رئيس الأركان ايال زمير أمس بنقل لواء غولاني من غزة الى لبنان في صالح توسيع المناورة البرية. في الأسبوع الأخير يهاجم حزب الله استحكامات الجيش الإسرائيلي والقوات التي تعمل على الحدود وفي عمق جنوب لبنان.

الفكرة العملياتية هي ابعاد تهديد نار مضادات الدروع والنار الصاروخية عن البلدات المحاذية للجدار. وتعمل الان هناك ثلاث قيادات فرقة، ولاجل اكمال المهمة ستكون حاجة الى تجنيد واسع للاحتياط. قبل الحرب كان للجيش الإسرائيلي خمس حاميات دائمة في المجال داخل لبنان، نوع من المباني الدائمة، والان يوجد 18 حامية في عمق الأراضي، فيما أن مهمة القوات هي صيد مخربي الرضوان.

——————————————

هآرتس 12/3/2026

قضاء وفق الانتماء: “الصهيونية الدينية” فوق القانون.. زيني نموذجاً

بقلم: أسرة التحرير

وفرت المحكمة المركزية في بئر السبع هذا الأسبوع إطلالة إلى الشكل الذي تتغلغل فيه أيديولوجية الصهيونية الدينية إلى قاعة المحكمة أيضاً. ففي بحث في طلب النيابة العامة بتمديد اعتقال بتسلئيل زيني، شقيق رئيس “الشاباك”، دافيد زيني – المتهم بتهريب السجائر والتبغ إلى قطاع غزة في زمن الحرب، اختار القاضي ألون غبيزون أن يضع هويته الفئوية في المركز وليس الأفعال المنسوبة للمتهم.

“هل تعتقد سيدتي بأن شخصاً تربى في حضن الصهيونية الدينية التي تحمي دولة إسرائيل في المعركة، وكلنا نعرف من هو أخوه، سيعرض إسرائيل للخطر؟”، سأل غبيزون مندوبة النيابة العامة – وكأن هناك تضارباً منطقياً بين الصهيونية الدينية ومخالفة القانون.

اضطرت النيابة العامة أن تذكر بما لم يعد أمراً مفهوماً من تلقاء ذاته في الدولة التي توجد تحت مكبس أيديولوجية صهيونية دينية: “أساس الخطورة لا يتعلق بالقيم أو الانتماء لهذه الفئة أو تلك”. لم تؤثر هذه الأقوال على القاضي غبيزون، الذي بدا كمحامٍ “لـلحماة” من الصهيونية الدينية أكثر من قاض غير متحيز. “لنقل إنه فعل وساعد العدو، ما لا أعتقده أنا”، قال، “واحد كهذا سقط وأخطأ وارتكب الأخطاء الأبشع في حياته – هل تعتقدين أن أحداً مثله في إقامة جبرية سيعرض دولة إسرائيل للخطر؟ أحياناً تكون حاجة للتوقف والتنفس”. 

يجب التوقف والتنفس في ضوء حقيقة أن النيابة العامة تقضي بأنها بمثابة مساعدة للعدو في وقت الحرب، ولكن يعتمد القاضي على حجة أن المتهم “تربى في حضن الصهيونية الدينية”. منذ متى يسأل القانون بأي حضن فئوي تربى المتهم؟ قل لي لأي فئة تنتمي وأقول لك إذا كان القانون ينطبق عليك.

عملياً هذا هو الوضع في “المناطق” [الضفة الغربية]؛ ثمة قانون لليهود وآخر للفلسطينيين. ليس عبثاً أن يوصف الوضع في الضفة الغربية كأبرتهايد. القاضي غبيزون يتحدث كمن هو معني باستيراد الازدواجية في القانون إلى داخل الخط الأخضر أيضاً: إذا كنت صهيونياً دينياً، فأنت بريء مسبقاً.

فضلاً عن القضية ذاتها، فإن ما قيل في هذا البحث يتجاهل المخاطر الكامنة في أيديولوجية الصهيونية الدينية والجرائم التي ترتكبها إسرائيل باسمها في الضفة بشكل جار، وكذا في حرب قطاع غزة. الإرهاب اليهودي في “المناطق” دحر الفلسطينيين عن أرضهم وسيطرة على أراضيهم، هو “ضوء أخضر” لأفعال الفتك وأعمال “شارة الثمن”، إن العنف تجاه السكان الفلسطينيين وأجواء “الغرب المتوحش” والتفوق اليهودي في المناطق يتم باسم أيديولوجية الصهيونية الدينية.

وعليه، من تربى في حضن “الصهيونية الدينية” سيعرض دولة إسرائيل للخطر.

——————————————

هآرتس 12/3/2026

الإرهاب اليهودي في الضفة: أبعاد مرعبة

بقلم: آفي دبوش

محمد طه معمّر، وفهيم طه معمّر، وأمير شنران، وثائر فاروق حمايل، وفارع جودت حمايل، ومحمد حسن مرار؛ هؤلاء ستة أشخاص قُتلوا على ما يبدو بنيران مستوطنين في الضفة الغربية خلال الأسبوع الماضي. 

إنه رقم قياسي سلبي جديد ضمن سلسلة مستمرة من الانهيار وهاوية من الإرهاب اليهودي الذي نعيشه خلال العام الأخير. 

أحياناً تكشف التفاصيل العادية روتيناً من الشر والإرهاب أكثر من أي شيء آخر. آخر مرة وصلتُ فيها إلى خربة الفخيت الصغيرة في منطقة مسافر يطا كانت قبل نحو شهر، وقد جاء ذلك بعد أن تعرضت المنطقة لهجوم من عشرات اليهود الذين سرقوا مئات الأغنام واعتدوا بالضرب على الرعاة البدو ليلاً. 

كل هذا حدث، بحسب الشهادات والتوثيق، بينما كان الجنود والشرطة الإسرائيليون موجودين في المكان ويتغاضون عما يحدث، وربما أسوأ من ذلك. 

في الفخيت، أُصيبَ أحد السكان المحليين بجروح خطِرة بعد ضربه بالعصي والحجارة، وبقي في المستشفى عدة أيام. 

وصلنا إلى هناك مع طرود غذائية وكلمات تضامن، وكان الشباب اليهود الذين رأيناهم في الوادي مع قطيعهم في طريقنا إلى القرية قد دخلوها فعلاً، وأحدهم قاد قطيعه إلى داخل حظيرة أغنام سكان الفخيت، وكانت الأغنام تأكل علف الفلسطينيين، بينما كان الشاب داخل الحظيرة يضايق أغنامهم. 

عندما سألنا السكان إن كانوا يريدون أن نتصل بالشرطة، رفضوا، وقالوا إنه إذا جاءت الشرطة ثم غادرنا فسيتعرضون لاحقاً لانتقام أشد، لذلك فضّلوا خفض رؤوسهم والصمت. 

تذكرت التعليم الديني الذي تلقيته، والشعارات التي تقول: “لتكن كرامة صديقك عزيزة عليك ككرامتك”، لكن في الضفة الغربية، يبدو أن القانون السائد هو الإهانة والمضايقة اليومية. 

تمثل هذه القصة الجانب الأقل إيلاماً من سلسلة الإهانات والإرهاب اليومي. 

ومع ذلك، فقد كسرت قلبي، كما الحالات التي أطلق فيها مستوطنون مسلحون النار علينا، أو عندما رَشَقَنَا شبان بالحجارة، أو عندما وصلنا لزيارة مجتمعات تعيش في حالة هلع بعد اعتداءات عنيفة تضمنت حرقاً وضرباً وإطلاق نار. 

كشف الأسبوع الماضي الأبعاد المرعبة التي وصل إليها الإرهاب اليهودي؛ ففي قرية قصرة قرب نابلس، تعرض ناشطان كانا يشاركان في وجود وقائي لحماية السكان لهجوم، أحدهما يعمل في المنظمة التي أرأسها؛ “صوت الحاخامين لحقوق الإنسان”، وتم ضربهما بوحشية بالعصي، ونجوا بصعوبة، وسيحتاجان إلى أشهر من العلاج للتعافي من الكسور والإصابات. 

لكن ذلك كان مجرد البداية، فخلال الأسبوع قُتل ستة فلسطينيين في ثلاثة حوادث متعددة، ويُعتقد أنهم قُتلوا بنيران مستوطنين، وفي حالتين على الأقل يُشتبه بأن الفاعلين ينتمون إلى فرق الحراسة في المستوطنات التي تستخدم أسلحة ومعدات للجيش الإسرائيلي وتتحرك أحياناً بالزي العسكري. 

إن ما يحدث ليس أعمالاً فردية معزولة، ولا مجرد أشخاص أخذوا القانون بأيديهم، فالحكومة الحالية تبني مشروعاً واسعاً لنهب الأراضي عبر دعم مئات المزارع والبؤر الاستيطانية غير القانونية. 

ومن زار الضفة قبل 7 تشرين الأول ثم عاد الآن سيرى بسهولة كم تغير الواقع: بؤر استيطانية على كل تلة، ومزارع تستولي على مئات الآلاف من الدونمات، ودفْع الفلسطينيين خارج “المناطق”. كان المشروع يركز سابقاً على المناطق “ج”، لكنه بدأ الآن يمتد إلى المناطق “ب” أيضاً. 

الأمور واضحة للعيان، من السهل متابعة حسابات بتسلئيل سموتريتش على شبكات التواصل الاجتماعي، وهو الوزير المسؤول عن شؤون الضفة الغربية، إلى جانب كونه وزير المالية الذي فشل في معالجة غلاء المعيشة والاستثمار في البنية التحتية العامة، أو متابعة حسابات وزيرة الاستيطان أوريت ستروك، فهم يعلنون مراراً وتكراراً أنهم يقتلون فكرة الدولة الفلسطينية ويدفعون في اتجاه دفع الفلسطينيين إلى المناطق الحضرية الكبرى. 

أمّا المرحلة التالية، وفقاً لما يُسمى خطة الضمّ، والطرد، واختبارات الولاء، فهي القتل والتدمير، سواء بالتشجيع أو بالصمت، وهما جزء من الأمر. 

هذا الأسبوع، ساهمت المقابلة مع أحد قادة خطة نزع الملكية، إليشاع يَرَد، في كشف جزء من الصورة؛ إذ روى بفخر غير خفي ما نعرفه ونراه على الأرض في السنوات الأخيرة، في ظل التجاهل والاستخفاف من جانب السلطات، وحتى من جانب رئيس الوزراء، وأوضح أن الأمر لا يتعلق بمجموعة صغيرة، بل بآلاف كثيرة مدعومة من المستوطنات ورؤساء المجالس المحلية، وأن المزارع والبؤر الاستيطانية تحصل على التمويل والمعدّات، بما في ذلك الأسلحة، مباشرة من مكاتب الحكومة والجيش، كما شرح كيف أن “الاحتكاك” الذي نراه يومياً هو احتكاك متعمد هدفه إنشاء مبرر لإطلاق النار وقتل الفلسطينيين، وقد سمّى الإرهاب اليهودي القاتل “دفاعاً ذاتياً وقائياً”، وكرر ما نراه ونسمعه: تعريف كل عربي بأنه “عدو” والتعامل معه وفقاً لذلك. أمَّا نحن الذين نقف في الطريق، فننال جزءاً من هذا العنف لأننا اخترنا – في نظرهم – الجانب الخطأ. 

لفترة طويلة يسود إحباط كبير بين آلاف الإسرائيليات والإسرائيليين الذين يرون الواقع ويحاولون الوقوف في وجه هذا الشر والإرهاب، لكنهم ينجحون في ذلك جزئياً فقط. في السنة الأخيرة، غادرت عدة تجمعات من الرعاة المناطق التي عاشوا فيها لأعوام طويلة، ومع ذلك، وكما قال الحاخام نحمان من بريسلاف: “هناك معنى لأن ينقلب كل شيء إلى الخير”. 

ونحن نبحث عن تلك اللحظة التي يتضح فيها للإسرائيليات والإسرائيليين ما الذي يحدث في الضفة الغربية، ويتضح لهم الخطر الرهيب الذي يشكله علينا جميعاً الإرهاب اليهودي التدميري الذي يسعى للضمّ، فنقف معاً لوقف هذا الشر. وأنا أؤمن بأننا قريبون من تلك اللحظة. 

أنا أحد الإسرائيليين الذين أغمضوا عينَيهم لأعوام طويلة، حتى عندما كان لدي ما أقوله عن الاحتلال، وعن الحاجة إلى السلام، وعن الحلول المناسبة، لم أعرف الواقع، ولم أرد أن أعرفه، إلى أن أخذتُ على عاتقي قيادة منظمة من الحاخامين ترى أن التزام حقوق الإنسان واجب، داخل إسرائيل وكذلك في الأراضي المحتلة. 

وأنا أرى الخطر الواضح والمباشر، والعلاقة بين إباحة الدم وإهانة الإنسان في الضفة الغربية والقتل اليومي داخل إسرائيل، والعنف الجسدي واللفظي الموجه ضد الصحافيين والناشطين وقادة المجتمع المدني، كما أرى العلاقة بين ذلك وبين المكان الذي يُدفَع إليه كثير من شبابنا: الدعوة إلى الانتقام والابتهاج بالحرب والقتل. 

إن الكلمات التي قيلت في سفر أستير، “لا تظني في قلبك أن بيت الملك سينجو”، تبدو وكأنها موجَهة إلينا اليوم، فكل من يتخيل أنه يستطيع الهروب إلى حياة مريحة ومستقرة سيكتشف أنه وأطفاله الهدف التالي لإرهاب اليهود، وكل من يفهم ذلك عليه أن يتخذ موقفاً، لكن الأهم أن يتخذ فعلاً عملياً يصحّح ويغيّر هذا الواقع على المدى الطويل.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article