المسار :مع اتساع رقعة الحرب في المنطقة عقب المواجهة مع إيران، تحوّلت بوصلة الاهتمام الدولي والإعلامي سريعًا نحو ساحات الصراع الجديدة، لتتراجع غزة مرة أخرى إلى الهامش ، لم تتوقف الحرب على القطاع، ولم تتغير قسوة الواقع الإنساني فيه، لكن ما تغيّر هو موقعه في سلّم الأولويات العالمية ، فالأحداث في الإقليم غالبًا ما تبتلع ما دونها من أزمات، حتى وإن كانت تلك الأزمات تمس حياة ملايين البشر الذين يعيشون تحت الحصار والقصف.
لقد ألقت الحرب على إيران بظلالها الثقيلة على المشهد السياسي والإعلامي، فباتت غزة حاضرة في ذيل نشرات الأخبار بعد أن كانت ولو مؤقتًا في قلب الاهتمام العالمي، هذا التحول لم يكن مجرد مسألة إعلامية، بل انعكس عمليًا على مستوى الضغط الدولي وعلى حجم التفاعل مع الكارثة الإنسانية المتفاقمة في القطاع، فحين ينشغل المجتمع الدولي بملفات الحرب الإقليمية ، تتراجع قدرة غزة على استقطاب الاهتمام والدعم العاجل، وكأن مأساة سكانها يمكن أن تنتظر حتى تهدأ العواصف في المنطقة.
ورغم هذا التراجع في الاهتمام، لم تتوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في القطاع فما تزال الغارات الجوية والاعتداءات المتكررة تضرب مناطق مختلفة من غزة، وتبقي السكان في حالة توتر دائم، حيث يعيش الناس بين الخوف من القصف والخشية من المستقبل المجهول ، ان واقع الحرب المستمرة في ظل غياب ضغط دولي فعال، يمنح إسرائيل مساحة أوسع لمواصلة عملياتها دون أن تواجه القدر نفسه من التدقيق أو المساءلة.
إلى جانب ذلك، يتفاقم الوضع الإنساني نتيجة القيود المتزايدة على دخول المساعدات فقد شهدت الأيام الأخيرة تصاعدًا في التضييق على وصول الإغاثة الإنسانية، خاصة بعد إغلاق المعابر المؤدية إلى القطاع، وهو ما ضاعف من صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية للسكان الذين يعتمدون بشكل شبه كامل على هذه المساعدات، وقد أعلنت إسرائيل إغلاق جميع المعابر المؤدية إلى غزة لأسباب أمنية، بما في ذلك معبر رفح الحدودي مع مصر، قبل أن تعيد لاحقًا فتح معبر كرم أبو سالم بشكل محدود للسماح بدخول كميات تدريجية من المساعدات، وهي كميات لا تزال بعيدة عن تلبية الاحتياجات الفعلية للسكان.
هذا الواقع انعكس بوضوح على الحياة اليومية داخل القطاع. فالنقص الحاد في المواد الأساسية بات ملموسًا في الأسواق، حيث أصبحت السلع محدودة الكمية، بينما ترتفع أسعارها بشكل متواصل، ما يزيد من معاناة السكان الذين يعيشون أصلًا تحت ضغط الفقر والبطالة والدمار، ومع حلول شهر رمضان واقتراب عيد الفطر، تتضاعف قسوة المشهد، إذ يجد كثير من العائلات نفسها عاجزة عن توفير أبسط متطلبات الحياة، في وقت يفترض أن يكون موسمًا للتكافل والطمأنينة.
سياسيًا، تكشف هذه اللحظة عن معضلة أعمق تتعلق بطبيعة الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، فغزة تبدو مرة أخرى، رهينة لتقلبات المشهد الإقليمي؛ فإذا اشتعلت حرب أكبر في المنطقة، تراجعت معاناتها إلى الخلف، وإذا هدأت الجبهات الأخرى عادت لتتصدر المشهد مؤقتًا، هذا النمط يعكس خللًا بنيويًا في التعامل الدولي مع القضية الفلسطينية، حيث تتحول الكارثة الإنسانية إلى ملف موسمي يتقدم أو يتراجع وفقًا لأولويات القوى الكبرى وليس وفقًا لحجم المأساة على الأرض.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو غزة وكأنها تدفع ثمن صراعات تتجاوز حدودها الجغرافية، فبينما تنشغل العواصم الكبرى بحسابات الحرب مع إيران وتداعياتها الاستراتيجية، يستمر القطاع في مواجهة حربه الخاصة: حرب القصف والحصار والجوع، إنها حرب أقل حضورًا في العناوين، لكنها لا تقل قسوة على الأرض.
وهكذا، تقف غزة اليوم على هامش حرب لا تدور على أرضها، لكنها تدفع جزءًا من كلفتها، فحين تتجه أنظار العالم إلى جبهة أخرى، تتسع مساحة الصمت حول القطاع، ويصبح الألم الفلسطيني خبرًا ثانويًا في زمن الحروب المتلاحقة، غير أن الحقيقة التي لا يمكن تغييبها تبقى واضحة: ان غزة ما تزال تحت النار، وقد تنشغل العواصم العالم بحروبها وحساباتها الاستراتيجية، وقد تنتقل عدسات الإعلام من جبهة إلى أخرى، لكن الحقيقة التي لا يمكن تغييبها أن غزة ما تزال هناك، حيث القصف والحصار والجوع، فبينما تتصارع القوى الإقليمية والدولية على النفوذ والهيمنة، تعيش غزة معركة يومية من أجل البقاء.
إن أخطر ما في هذه اللحظة ليس فقط استمرار الحرب، بل اعتياد العالم على المأساة، وتحول معاناة غزة إلى خبر عابر في زمن الحروب الكبيرة ، غير أن الألم لا يصبح أقل قسوة فقط لأن الكاميرات ابتعدت، ولا تتراجع المأساة لأن العناوين تغيّرت، فغزة، رغم كل شيء، ما تزال تقف على خط النار، تذكّر العالم بأن خلف ضجيج الصراعات الكبرى شعبًا كاملًا يقاتل من أجل الحياة، وينتظر عدالة لم تأتِ بعد.
![]()

