كتب خالد نزال : أوسلو 2 بالنسخة اللبنانية .. حكومة انتداب لبنانية ام حكومة اصلاح وانقاذ؟

المسار : عندما تنظر إلى لبنان، لا ترى دولة بالمعنى التقليدي. ترى نظاماً حكمه الوحيد هو “المحاصصة الطائفية” التي قسمت السلطة بين 18 طائفة، وجعلت من رئيس الجمهورية مارونياً، ورئيس الحكومة سنياً، ورئيس البرلمان شيعياً. هذا النظام، الذي خرج من رحم حرب أهلية دامية (1975-1990) أكلت 150 ألف قتيل، لم يخلق دولة وطنية قوية، بل أنتج كياناً هشاً، يرتهن قراره لتوازنات إقليمية وداخلية معقدة. اليوم، في ظل حرب مفتوحة مع إسرائيل، وضغوط أمريكية غير مسبوقة، وحراك دولي لتطبيع علني، ها هو لبنان يقف على مفترق طرق: إما أن يكون مسرحاً لـ “اتفاقية أوسلو 2.0” جديدة، تسلّم فيها المقاومة وتُفكّك تحت غطاء “الإصلاح”، أو أن ينزلق إلى حرب أهلية جديدة، أو أن يصمد في مواجهة استنزافية طويلة. السؤال الذي يطرحه اللبنانيون والعرب: هل تتكرر مأساة فلسطين في جبال الجنوب اللبناني …..؟

أولاً: نظام الحكم اللبناني.. طائفية تورث الهشاشة
• المحاصصة كدستور غير مكتوب: لكل دولة دستورها، لكن دستور لبنان غير مألوف. فالمادة 95 منه تجعل “التمثيل الطائفي” أساساً للحكم، وتوزع المقاعد البرلمانية والمناصب العليا بنسبة ثابتة بين المسيحيين والمسلمين، وداخل كل طائفة بين مذاهبها. هذا النظام، الذي صُمم في الأصل كحل مؤقت لمنع الحرب الأهلية، تحول إلى هيكل دائم.
• شلل القرار السيادي: رئيس الجمهورية الماروني لا يستطيع إصدار مرسوم دون توقيع رئيس الحكومة السني، ورئيس الحكومة لا يستطيع تشكيل حكومة دون موافقة رئيس البرلمان الشيعي، وأي قانون كبير يحتاج إلى إجماع الطوائف، وليس إلى أغلبية وطنية. هذه الآلية تجعل الدولة عاجزة عن اتخاذ أي قرار مصيري (كالحرب والسلام) دون موافقة جميع الأطراف، وهو ما يفسّر لماذا غالباً ما تكون الحكومات اللبنانية “معلقة” بين رغبات الخارج.
• الولاءات الخارجية: في أوقات الأزمات، يتشظى لبنان إلى طوائفه، ويرتبط كل زعيم طائفي بقوة خارجية: السنة بالنظام الخليجي ، والشيعة بالجمهورية الاسلامية ، والمسيحيون بفرنسا والاوربيين بشكل عام . هذه الهشاشة هي ما يجعل لبنان أرضاً خصبة للصفقات والتدخلات، وأسهل دولة عربية يمكن اختراقها وابتزازها.
ثانياً: بوادر حرب أهلية.. هل تعود الجراح القديمة؟
• خطاب تحريضي وشحن طائفي: تحت الرماد، لم تندمل جراح الحرب الأهلية. منذ أسابيع، بدأت بوادر استقطاب حاد تطل برأسها. هناك فريق لبناني (أغلبه مسيحي وسني) يرى في نزع سلاح “حزب الله” “تحريراً” للدولة من هيمنته، وفريق آخر (شيعي وحلفاؤه) يعتبر ذلك “خيانة” للمقاومة وتسليماً لإسرائيل بجنوب لبنان. السياسيون يتحدثون علناً عن “حل عسكري” و”صدام وشيك” وعن “أيام صعبة”.
• انتشار السلاح غير المسبوق: الفارق المقلق بين اليوم و1975 هو أن السلاح لم يعد محصوراً في ميليشيا “حزب الله” فقط. بل أصبح منتشراً في أيدي أحزاب أخرى، وميليشيات سنية صغيرة، ومجموعات درزية، وفي الشارع نفسه. تقارير أمنية لبنانية تتحدث عن تحركات مسلحة في مناطق مختلطة (مثل خلدة، الجاهلية، وصور)، وعن استنفار طائفي غير مسبوق.
• تحذيرات من “شرارة”: المحللون يحذرون: “لبنان على بعد شرارة واحدة من حرب أهلية جديدة، وهذه المرة ستكون أكثر دموية لأن السلاح أكثر انتشاراً، ولأن الغطاء الإقليمي يشجع كل طرف على التصعيد”. وتلك الشرارة قد تكون اغتيالاً سياسياً، أو اشتباكاً حدودياً كبيراً، أو قراراً حكومياً أحادياً بحل “سلاح الحزب”.

ثالثاً: الراعي الأمريكي.. باراك وأورتاغوس يفضحان اللعبة
• توماس باراك: “دولة فاشلة” و”نحن نسلح الجيش ليقاتل شعبه”: في خطاب ألقاه بالمنامة (نوفمبر 2025)، وصف باراك لبنان بأنه “دولة فاشلة، لا كهرباء ولا بنك مركزي ولا نظام مصرفي”، ثم أضاف الجملة التي صدمت اللبنانيين: “نحن نسلح الجيش اللبناني ليقاتل شعبه، وليس ليقاتل إسرائيل”. هذا الاعتراف الأمريكي النادر هو إدانة مكشوفة بالتحريض على حرب أهلية لبنانية – لبنانية، لأنه يعني أن واشنطن لا تريد جيشاً يدافع عن السيادة بل أداة لقمع الداخل.
• مورغان أورتاغوس: لبنانية الأصل بلسان إسرائيلي: المبعوثة من أصل لبناني، لكنها تتحدث بلهجة أقرب لقادة الجيش الإسرائيلي. شكرت إسرائيل علناً على “هزيمة حزب الله”، وقالت من بيروت: “حزب الله يجب أن يُنزع سلاحه بأسرع وقت ممكن… والأمر الآن ليس كلمات، بل أفعال”. تصريحاتها أثارت غضباً عارماً في الشارع اللبناني، لأنها حملت رسالة صريحة: أمريكا تريد نزع سلاح المقاومة، ولو على حساب سيادة لبنان واستقراره، وهي تستخدم “أصولها اللبنانية” فقط لتجميد النقد.
• الرسالة الموحدة: لا إعمار، لا مساعدات، لا دعم للجيش، إلا إذا تم تفكيك قدرات “حزب الله” عسكرياً وسياسياً. هذه هي “الصفقة الكبرى” التي تقدمها واشنطن للبنان المنكوب.
رابعاً: الهدنة التي مهدت لإسرائيل ان تقصف وتحتّل
• خرق منهجي لوقف إطلاق النار: منذ نوفمبر 2024، أحصى الجيش اللبناني أكثر من 4500 خرق إسرائيلي (جوي، بحري، بري). هذه الخروقات شملت تحليقاً جوياً يومياً فوق بيروت والجنوب، وقصفاً بحرياً لقوارب صيد، وإطلاق نار باتجاه مزارعين. قُتل خلالها نحو 300 مدني وجُرح 650 آخرون في الجنوب وحده.
• احتلال بطيء وتغيير معالم: الأخطر هو التحرك البري البطيء. إسرائيل تحتل خمس تلال استراتيجية (مثل جبل روس، تلة العزية)، وكشفت خرائط “الخط الأصفر” عن خطة لضم 85 بلدة وقرية لبنانية بعمق يصل إلى 12 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية، بدءاً من الناقورة وصولاً إلى شرق الخيام. هذه المساحة تُقدَّر بنحو 3500 كيلومتر مربع، أي ما يعادل ثلث مساحة لبنان البالغة 10,452 كيلومتراً مربعاً.
• المبرر الإسرائيلي المعلن: “تأمين مستوطنات الشمال” و”إنشاء منطقة عازلة” تمنع أي هجوم مستقبلي. لكن على الأرض، إسرائيل تغير المعالم: تدمر المنازل، تقتلع الأشجار، تبني طرقاً عسكرية، وتجبر السكان على النزوح. بمعنى آخر: تحت غطاء الضغط على حزب الله لنزع سلاحه، كانت إسرائيل تلتهم الأرض وترسم حدوداً جديدة على حساب السيادة اللبنانية.

خامساً: حكومة “الإنقاذ” المأمورة وقرار حصر السلاح
• التشكيل في فبراير 2025: شكّل نواف سلام حكومة “الإصلاح والإنقاذ” بدعم أمريكي غير مسبوق، بعد شغور دام أشهر. حظيت بثقة 95 نائباً في فبراير، لكن سرعان ما اتضح أنها تفتقر إلى التمثيل الحقيقي للمكون الشيعي (أبرز مكونات المقاومة)، مما أثار اتهامات بأنها “حكومة انتداب”.
• قرار حصر السلاح 5 أغسطس 2025:  في خطوة وُصفت بـ “التاريخية” و”الانهزامية” في آن، أصدرت الحكومة قراراً بحصر السلاح بيد الدولة. القرار حمل بصمات أمريكية – إسرائيلية واضحة، حيث اعترف باراك لاحقاً بأنه كان مطلباً مسبقاً لأي مفاوضات. اللافت أن القرار صدر قبل أي انسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة، وقبل أي تعهد جدي بإعادة الإعمار.
• فخ الابتزاز المالي: واشنطن وعدت بمليار دولار سنوياً للجيش اللبناني، لكن هذا المليار ظل معلقاً بتنفيذ “فعلي” لنزع السلاح. في المقابل، قال مسؤولو البنك الدولي إن أي قروض أو منح جديدة ستتوقف على “تطبيق القرار 1701 بحذافيره” (أي نزع سلاح حزب الله). هكذا وقع لبنان في فخ محكم: لا نزع سلاح، لا أموال. لا أموال، انهيار كامل.
• اتهامات بالخيانة: جزء كبير من اللبنانيين (خصوصاً الشيعة وحلفاؤهم) يعتبرون هذه الحكومة “مأمورة” و”غير شرعية”، ويتهمونها بالتفاوض على حساب سيادة لبنان. هذا الاستقطاب الداخلي هو بالضبط ما تشتهيه أمريكا وإسرائيل، لأنه يبشر بورقة “أفصّل تسد” أو حرب أهلية بالوكالة.
سادساً: أوسلو.. إبداع في تفكيك المقاومة
لفهم الخطر الحقيقي، يجب أن نتوقف عند اتفاقية أوسلو (1993). لم تكن مجرد اتفاقية سلام، بل كانت نموذجاً “إبداعياً” في تفكيك المقاومة وتحويلها إلى سلطة أمينة تخدم إسرائيل. وإليك أوجه التشابه مع لبنان الحالي، موزعة على شكل نقاط متسلسلة تفسر كل وجه:
أوجه التشابه بين “أوسلو فلسطين” و”أوسلو لبنان”
• التشابه الأول (شرط نزع السلاح كمدخل في أوسلو، طُلب من منظمة التحرير الفلسطينية نزع سلاح مقاتليها والاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف وتغيير الميثاق او شطبه ، قبل أن يتم التفاوض على أي شيء جوهري (حدود، عاصمة، لاجئون). في لبنان اليوم، يُطلب من “حزب الله” نزع سلاحه كشرط مسبق لأي انسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة، ولأي مساعدات إعمار. في الحالتين، الشرط المسبق هو تفكيك القوة العسكرية للمقاومة، مع ترك “الوعد” بالسلام أو التنمية كمكافأة مؤجلة.
• التشابه الثاني (استئثار طرف واحد بالقرار): تم توقيع أوسلو بمعزل تام عن باقي الفصائل الفلسطينية (حماس، الجهاد الإسلامي، الجبهة الشعبية). حركة “فتح” بزعامة ياسر عرفات استأثرت بالقرار، لأن أمريكا أرادت “شريكاً واحداً” يمكن التعامل معه، وأقصت الفصائل الأخرى. في لبنان اليوم، حكومة “الإصلاح والإنقاذ” (التي تفتقر إلى تمثيل حقيقي للمكون الشيعي) هي التي تتفاوض وتتخذ القرارات حول مصير سلاح الحزب، وكأنها تمثل كل اللبنانيين وهي لا تفعل. هذا الاستئثار يكرر سيناريو إقصاء الأطراف الأخرى، مما يخلق شرعية ناقصة للاتفاق ويولد معارضة داخلية شرسة.
• التشابه الثالث (دعم الأنظمة العربية أو صمتها) في أوسلو، ضغطت مصر، الأردن، السعودية، والجامعة العربية بقوة على عرفات لقبول الاتفاقية، معتبرة إياها “الفرصة الأخيرة”. هذا الدعم العربي شرّع الاتفاقية دولياً، وعزل الفصائل الرافضة، وجعلها تبدو “متطرفة” و”معطلة للسلام”. في لبنان اليوم، الأنظمة العربية (السعودية، مصر، الإمارات، الأردن) تلتزم الصمت المطبق على ما يجري. الجامعة العربية لم تعقد اجتماعاً طارئاً واحداً لبحث احتلال ثلث لبنان. بل هناك تسريبات عن استعداد سعودي – قطري للاستثمار في جنوب لبنان، ولكن بشرط “نزع السلاح أولاً”. هذا الصمت أو الدعم الضمني هو أقرب إلى موقف “أوسلو” منه إلى الحياد. إنه تطبيع بالوكالة، ورسالة لإسرائيل مفادها: “نحن لا نمانع في تفكيك المقاومة اللبنانية”.
• التشابه الرابع (تجاهل الخروقات الإسرائيلية أثناء المفاوضات) أثناء مفاوضات أوسلو (1993-2000)، واصلت إسرائيل بناء المستوطنات في الضفة الغربية وغزة وشرعنتها ، وتوسع الاستيطان بشكل غير مسبوق. المفاوضون الفلسطينيون احتجوا… لكنهم استمروا في المفاوضات في لبنان اليوم، بينما تُجبر الحكومة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله، تواصل إسرائيل قصف الجنوب وارتكاب الخروقات وبناء مواقع عسكرية داخل الأراضي اللبنانية واحتلال التلال. في الحالتين، الجاني يُكافأ على جرائمه بينما يُطلب من الضحية نزع سلاحه.
• التشابه الخامس (تحويل المقاومة إلى “عبء” و”عائق أمام السلام”) نجحت أوسلو في تحويل المقاومة الفلسطينية في الوعي الغربي والعربي من “حركة تحرر وطني” إلى “إرهاب” و”عدو للسلام”. نفس الحملة تشن اليوم على حزب الله: يتم تصويره على أنه “السبب في تدمير لبنان” و”ذراع إيران” و”عائق أمام الاستثمارات”. بهذه الطريقة، يُجرد المقاوم من شرعيته الأخلاقية والسياسية قبل أن يُجرد من سلاحه.
• التشابه السادس (الانقسام الداخلي وتوظيفه للضغط) أدت أوسلو إلى انقسام فلسطيني حاد بلغ ذروته عام 2007 عندما انقسم الفلسطينيون إلى سلطة في الضفة الغربية (فتح) وحكومة في غزة (حماس). هذا الانقسام استخدمته إسرائيل وأمريكا لتبرير الحصار على غزة ومنع قيام دولة فلسطينية موحدة. في لبنان اليوم، بوادر انقسام مماثل تطل برأسها: هناك فريق يدعم حكومة “الإنقاذ” (سني – مسيحي بدعم غربي)، وفريق يعارضها ويعتبر شرعيتها منقوصة (شيعي وحلفاؤه). أي اتفاق “أوسلوي” يتم توقيعه اليوم سيعمق هذا الانقسام، وقد يُستخدم لاحقاً لتبرير تدخل أجنبي “لحماية” طرف على حساب آخر، أو لتمرير تقسيم فعلي للبلاد.
• النتيجة النهائية المشتركة: بعد أوسلو، لم تقم دولة فلسطينية بعد اكثر من 30سنة على توقيعها . بدلاً من ذلك، تضاعف عدد المستوطنين ثلاثة أضعاف، وتحولت السلطة الفلسطينية إلى جهاز أمني إسرائيلي يُلاحق المقاومة. في لبنان، إذا طُبقت “أوسلو 2.0″، (قياسا على ما سبق ) نزع سلاح المقاومة، بقاء الاحتلال الإسرائيلي لجزء من الجنوب أو كله، تحول الجيش اللبناني إلى جهاز أمن ضد حزب الله والممانعين، وانقسام داخلي قد يتحول إلى نزاع مفتوح. في الحالتين، المستفيد الأكبر هو إسرائيل التي تحصل على أمن حدودها دون تقديم أي تنازلات حقيقية.
سابعاً:
موقف إيران وتركيا وحيداً: إيران هي الداعم الرئيسي لحزب الله، وتعلن بوضوح رفضها لنزع السلاح. تركيا تنتقد إسرائيل لفظياً لكنها لا تتحرك عملياً. بقية العالم العربي صامت أو داعم ضمنياً. هذا العزل هو ما يمنح واشنطن الجرأة لتمرير “أوسلو بنسخة لبنانية”
ثامناً: حزب الله.. هل فاجأ إسرائيل وأمريكا؟ وهل لا يزال يمتلك قدرة ردعية؟
لا يمكن فهم الصفقة دون فهم الوضع العسكري الحقيقي لحزب الله بعد حرب 2023-2024.
أولاً: المفاجأة في دخول الحرب للمرة الثانية (مارس 2026)
• تقديرات إسرائيلية خاطئة: بعد حرب 2023-2024، ظن الجيش الإسرائيلي والبيت الأبيض أن حزب الله قد “انهار” عسكرياً ومعنوياً؛ فقُدِّر أنه فقد أكثر من 4000 مقاتل، وتم اغتيال أمينيه العامين السيد حسن نصر الله ثم السيد هاشم صفي الدين، وتدمير نحو 85% من ترسانته الصاروخية. لكن عندما دخل الحرب مجدداً في 2 مارس 2026، فاجأ الجميع.
• معدلات إطلاق نار عالية: بدلاً من أن يظهر منهكاً، أطلق الحزب نحو 100 صاروخ وطائرة مسيرة يومياً في المتوسط، وبلغت الذروة 200 صاروخ في يوم واحد. اعترف الجيش الإسرائيلي بأنه فوجئ بهذه الوتيرة، وأن خطته لتدمير القدرات المتبقية فشلت في تحقيق أهدافها.
• تكتيكات جديدة (المُحلقات الانتحارية) الأكثر إدهاشاً كان استخدام المُحلِّقات الانتحارية (الطائرات المسيرة الصغيرة التي تحمل متفجرات وتُقاد عن بُعد) بطريقة غيرت قواعد الاشتباك هذه الطائرات أثبتت فعالية كبيرة ضد القوات البرية الإسرائيلية، وأجبرت الدبابات والجنود على التحرك بحذر دائم، مما أبطأ التقدم البري وكبّد إسرائيل خسائر.
• إلحاق خسائر برية في العمليات البرية، كبّد الحزب إسرائيل خسائر مؤكدة، حيث أعلن تدمير أو تعطيل 20 دبابة “ميركافا” وقتل عدد من الجنود (أرقام إسرائيلية رسمية أقل من ذلك، لكن مصادر مستقلة تؤكد أن الخسائر كانت أكبر مما أُعلن). هذه الخسائر، رغم كونها ليست هائلة مقارنة بقدرات إسرائيل، أعادت إحياء فكرة أن “الجيش الإسرائيلي ليس بلا أسنان”.
ثانياً: هل لا يزال يمتلك “قدرة ردعية”؟
• انتهاء الردع الكلاسيكي: القدرة الردعية الكلاسيكية لحزب الله كانت تعني أن أي اعتداء إسرائيلي واسع سيقابل بقصف صاروخي مدمر على تل أبيب والبنية التحتية الحيوية، مما يردع إسرائيل عن شن الحرب. هذا المفهوم انتهى عملياً. إسرائيل اليوم تغتال قيادات الحزب في وضح النهار في بيروت (كما حدث مع نصر الله)، وتخترق أجواء لبنان بحرية، والحزب لا يستطيع منع ذلك أو الرد على نحو مكافئ الاغتيالات تستمر يومياً، والرد الإسرائيلي على أي عملية للحزب يكون فورياً وقاسياً.
• الانتقال إلى “الاستنزاف”: محللون عسكريون يؤكدون أن ما تبقى لحزب الله هو “الانتقال من الردع إلى الاستنزاف”. أي أن الحزب لم يعد قادراً على ردع إسرائيل عن بدء الحرب، لكنه قادر على جعل كلفة الحرب عليها عالية جداً: خسائر بشرية في صفوف جنودها، استنزاف اقتصادي من خلال تكلفة القصف الجوي المستمر وصواريخ الاعتراض، وإرباك حياة المستوطنين في الشمال الذين أصبحوا في حالة نزوح شبه دائم. هذا ليس ردعاً، لكنه شكل جديد من المواجهة الطويلة، حيث لا منتصر واضح ولا منهزم كامل.
ثالثاً: هل دمرت إسرائيل كل ترسانته؟ وهل لا تزال لديه ترسانة مؤثرة ومتجددة؟
• الترسانة المتبقية لا تزال ضخمة: بحسب اعترافات الجيش الإسرائيلي نفسه (التي نادراً ما تصدر)، لا يزال بحوزة حزب الله ما بين 10 آلاف و23 ألف صاروخ، بينها نحو ألف صاروخ دقيق التوجيه بعيد المدى (يصل إلى تل أبيب والمنشآت الحيوية). هذه الترسانة “المتبقية” وحدها أكبر من قدرات معظم جيوش المنطقة، وتكفي لإشعال جبهة واسعة.
• قدرة على إعادة التصنيع محلياً (المفاجأة الكبرى) الأهم من العدد هو أن حزب الله أظهر قدرة على تجديد ترسانته محلياً. فقد كشف الجيش اللبناني في منتصف عام 2025 عن وجود مصانع سرية داخل لبنان (في البقاع والضاحية الجنوبية) تضم مخارط كبيرة لتطويع الصواريخ (تحويل صواريخ أرض – جو إلى صواريخ أرض – أرض دقيقة)، بالإضافة إلى خطوط إنتاج كاملة للطائرات المسيرة بمختلف الأحجام. هذا يعني أن ترسانة الحزب لم تعد تعتمد فقط على التهريب من إيران عبر سوريا (وهو طريق تعطل بشكل كبير بسبب القصف الإسرائيلي المستمر)، بل أصبحت “صناعة محلية” قادرة على التجدد بشكل مستمر. تقارير إسرائيلية حذرت من أن الحزب سيعيد بناء قوته خلال سنوات قليلة، وليس عقوداً.
• الخلاصة العسكرية حزب الله اليوم ليس حزب ما قبل 2023. لقد خسر الكثير، وفقد قدرته على الردع الكلاسيكي، ولم يعد قادراً على فرض شروطه. لكنه في الوقت نفسه ليس منهكاً بالدرجة التي تسمح بتفكيكه بسهولة. لا يزال يمتلك ترسانة مؤثرة، وقدرة على إلحاق خسائر، والأهم قدرة على إعادة البناء. هذا هو “الجمود الاستراتيجي” الذي يجعل الصفقة الأمريكية – الإسرائيلية معلقة، ويجعل حرب الاستنزاف الخيار الأكثر ترجيحاً في المستقبل القريب.
تاسعاً: ماذا يعني كل هذا للقارئ العربي؟
بالنسبة للقارئ العادي الذي يتابع الأخبار بتعقيداتها، يمكن تلخيص المشهد في النقاط العشر التالية:
1. لبنان ليس دولة طبيعية، بل نظام طائفي هش يجعل أي قرار سيادي رهينة بتوازنات داخلية وخارجية، وهذا ما يفسر لماذا تقبل حكومته بشروط نزع السلاح تحت الضغط.
2. أمريكا تمارس ابتزازاً مكشوفاً تحت شعار “الإصلاح”: لا مساعدات، لا إعمار، لا دعم للجيش إلا بعد تفكيك حزب الله عسكرياً.
3. إسرائيل تستغل هذا الضغط لتوسيع احتلالها جنوباً وتغيير المعالم، وقد سيطرت فعلياً على ثلث مساحة لبنان (3500 كلم مربع) تحت ذريعة “الأمن”.
4. حكومة لبنان الحالية (الإصلاح والإنقاذ) تفتقر إلى التمثيل الشيعي الحقيقي، ويُنظر إليها على أنها “مأمورة” لتمرير صفقة نزع السلاح.
5. الأنظمة العربية تصمت، والجامعة العربية لم تعقد أي اجتماع طارئ. هذا الصمت أو الدعم الضمني هو العامل الأكبر الذي يشجع أمريكا وإسرائيل على المضي قدماً.
6. أوسلو 2.0 هي الخطر الحقيقي: تكرار سيناريو تفكيك المقاومة، وتحويل الدولة إلى حارس أمن إسرائيلي، وإغراق البلاد في انقسام داخلي (ربما حرب أهلية).
7. حزب الله فاجأ إسرائيل وأمريكا في دخوله الحرب للمرة الثانية (مارس 2026) بقدرته على إطلاق مئات الصواريخ يومياً واستخدام تكتيكات جديدة (المسيرات الانتحارية)، مما ألحق خسائر برية.
8. لكن قدرته الردعية الكلاسيكية انتهت؛ فهو لم يعد قادراً على ردع إسرائيل عن شن الحرب أو منع الاغتيالات اليومية. تحول إلى “قوة استنزاف” ترفع كلفة الحرب دون أن تمنعها.
9. لا تزال لديه ترسانة مؤثرة (10-23  ألف صاروخ، بينها آلاف الدقيقة)، والأهم أنه يمتلك مصانع محلية لإعادة التصنيع، مما يعني أن قدرته على التجدد أكبر مما كان يعتقد.
10. لبنان أمام ثلاثة خيارات ، والخيار الأسوأ هو تكرار أوسلو، لأنه سيفقد لبنان سلاحه وسيادته ووحدته دون أن يكسب سلاماً أو إعماراً حقيقياً.

عاشراً: خيارات لبنان الثلاثة
لبنان اليوم يقف على مفترق طرق، وكل طريق محفوف بمخاطر:
الخيار الأول: أوسلو 2.0 (الاستسلام المُفكِّك)
• ماذا يعني؟ قبول نزع سلاح حزب الله، إما قسراً أو عبر مساومات، وقبول الاحتلال الإسرائيلي لجزء من الجنوب كأمر واقع، وتحويل الجيش اللبناني إلى جهاز أمني لحماية إسرائيل من المقاومة. في المقابل، تحصل لبنان على وعود بإعمار وقروض من البنك الدولي والدول الاخرى .
• النتائج المتوقعة:
o انقسام داخلي حاد بين من يؤيد ومن يعارض، قد يتحول إلى حرب أهلية طائفية.
o بقاء الاحتلال الإسرائيلي (بدلاً من الانسحاب الكامل) لأن إسرائيل ستعلن إن “الأمن لم يتحقق بعد”.
o تبخر وعود الإعمار كما تبخرت وعود أوسلو بدولة فلسطينية.
o خسارة لبنان لسلاح المقاومة، وسيادته على أرضه، ووحدته الوطنية.
o تكرار المأساة الفلسطينية: دولة منقوصة السيادة وخادمة للمحتل، وشعب منقسم.
الخيار الثاني: الحرب الأهلية (الانفجار الداخلي)
• ماذا يعني؟ في حال رفض حزب الله نزع السلاح، وقررت بعض القوى اللبنانية (بدعم أمريكي – خليجي) فرض الأمر واقعاً، قد تنزلق البلاد إلى اشتباكات مسلحة بين أحياء بيروت والمناطق المختلطة. السلاح منتشر، والخطاب الطائفي متصاعد، و”الشرارة” ممكنة في أي لحظة.
• النتائج المتوقعة:
o حرب أهلية مدمرة أكثر من 1975، لأن السلاح متوافروأكثر فتكاً.
o تدخل إقليمي مكشوف (ربما جوي أمريكي أو إسرائيلي) لدعم طرف على حساب آخر.
o تقسيم فعلي للبنان إلى كانتونات طائفية (منطقة شيعية في الجنوب والبقاع، منطقة سنية في الشمال، منطقة درزية في الشوف، مناطق مسيحية في جبل لبنان).
o انتهاء أي أمل في دولة لبنانية موحدة.
الخيار الثالث: الاستنزاف والصمود (الخيار الثالث غير المعلن)
• ماذا يعني؟ أن يبقى حزب الله على حاله: ترسانة متواضعة لكنها مؤثرة، مقاوماً بالوكالة، مُستنزفاً لإسرائيل دون قدرة على ردعها، مع تحمل لبنان حصاراً وقصفاً وانهياراً اقتصادياً. هذا يعني عدم توقيع أي اتفاق “أوسلوي”، وعدم القيام بحرب أهلية، والبقاء في حالة “لا حرب ولا سلام” شبيهة بما كان قائماً بين 2006 و2023، لكن بتكلفة إنسانية واقتصادية أعلى.
• النتائج المتوقعة:
o استمرار القصف والاغتيالات والخروقات اليومية.
o استمرار نزوح سكان الجنوب، وانهيار اقتصادي متسارع.
o بقاء حزب الله كقوة عسكرية “صغرى” لكنها مزعجة لإسرائيل.
o عدم حسم الصراع لصالح أي طرف، واستمرار المعاناة اللبنانية.
o هذا هو الخيار “الأقل سوءاً” بالنسبة لحزب الله، لكنه الأكثر ألماً بالنسبة للشعب اللبناني الذي يدفع الثمن يومياً.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً
هل ستنتصر “عبقرية أوسلو” مرة أخرى، أم أن لبنان سيكون مختلفاً؟ الأيام المقبلة، والأسابيع القادمة، كفيلة بالإجابة. لكن بوادر الخطر مرسومة اليوم على جدران القرى المدمرة في الجنوب، وعلى خطاب المبعوثين الأمريكيين باراك وأورتاغوس، وعلى صمت الجامعة العربية. هل سنشهد قريباً توقيع “إعلان بعبدا” أو “اتفاقات الروضة” كنسخة جديدة من أوسلو؟ أم أن المقاومة اللبنانية ستكتب فصلاً مختلفاً، يثبت فيه حزب الله أنه لا يزال قادراً على الصمود رغم كل شيء، وأن “الردع” قد يتحول إلى “استنزاف” طويل الأمد قد يكون في صالح لبنان على المدى البعيد؟ الجواب ليس في أيدي اللبنانيين وحدهم، بل في أيدي كل العرب الذين يراقبون صامتين، أو يدعمون بصمت .

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار

Share This Article