في قصفها لقاعدة “دييغو غارسيا”  الأميركية – البريطانية ،إيران تسقط أسطورة المسافات الأمنة لواشنطن وحلفائها

المسار: في تطوّر دراماتيكي كسر قواعد الاشتباك المعهودة وأسقط رهانات “المسافات الآمنة”، أطلقت إيران صاروخين باليستيين بعيدي المدى اليوم السبت باتجاه قاعدة “دييغو غارسيا”  الأميركية – البريطانية المشتركة في قلب المحيط الهندي.

تلك القاعدة “الجاثمة” فوق الشُعب المرجانية المعزولة، والتي طالما اعتبرتها واشنطن ولندن “حصناً عصياً” ومرتكزاً آمناً لشنّ عملياتهما العسكرية ضدّ آسيا وغيرها، تقف اليوم وجهاً لوجه أمام الصواريخ المنطلقة من الهضبة الإيرانية.

فبعد انخراط القاعدة المباشر في العدوان الأميركي-الإسرائيلي الأخير على إيران، تحوّلت “دييغو غارسيا” إلى عنوان لرسالة إيرانية تتجاوز حدود الجغرافيا المألوفة للصراع

تجاوز الـ4000 كيلومتر: حين يسقط حاجز المسافة

لم تكن المحاولة الإيرانية لاستهداف “دييغو غارسيا” مجرّد تجربة صاروخية عابرة بل هي “صدمة جغرافية” هزّت أروقة القرار في واشنطن ولندن وفق الصحف الأميركية؛ فالمسافة التي تفصل السواحل الإيرانية عن هذه القاعدة الاستراتيجية تتجاوز الـ4000 كيلومتر، ما يعني أنّ طهران قرّرت رسمياً إدخال “العمق الاستراتيجي” لجهات العدوان ضدّها في دائرة النار.

وذكرت صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية أنّ عملية الإطلاق الصاروخي من إيران تعتبر “تصعيداً حادّاً في القدرات والنيّات”، كونها واحدة من أطول وأجرأ الضربات التي حاولت طهران تنفيذها في تاريخها المعاصر.

وعلى الرغم من أنّ صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية نقلت عن عدّة مسؤولين أميركيين أنّ الصواريخ الإيرانية لم تصب أهدافها في قاعدة “دييغو غارسيا” بزعم تعطّل صاروخ واعتراض الآخر عبر مدمّرة أميركية باستخدام صاروخ  من نوع “SM-3” إلا أنّ القلق الحقيقي في البنتاغون لا ينبع من “دقة الإصابة”، بل من جرأة “المحاولة” ذاتها.

إنّ المفارقة هنا تكمن في كسر “السقف المعلن من قبل واشنطن”، إذ يشير مكتب مدير المخابرات الوطنية الأميركية (وفق رويترز) إلى امتلاك طهران أضخم مخزون صاروخي في المنطقة، رابض – بحسب الادعاءات الغربية – في أحشاء الهضبة الإيرانية المحصّنة بسلاسل جبال (زاغروس وألبرز)، بمدى مُعلن يبلغ 2000 كيلومتر، وهو المدى الذي كانت طهران تعتبره كافياً للردع والوصول إلى العمق الإسرائيلي عبر صواريخ مثل “سجيل”، “عماد”، “قدر”، و”خرمشهر”.

ومع كشف النقاب عن تفاصيل المحاولة، يتجه الاعتقاد لدى المسؤولين الأميركيين إلى أنّ الصواريخ المستخدمة كانت على الأرجح من طراز “خرمشهر-4″، وهو الصاروخ الذي طالما قدّر محللون استراتيجيون أنّ مداه المحتمل قد يتجاوز عتبة الـ 2000 كيلومتر ويحمل رأساً حربياً ما بين 1500 إلى 1800 كيلوغرام.
ونقلت “وول ستريت جورنال” عن مسؤولين إسرائيليين أنّ “حملة القصف على إيران أضرّت بقدراتها الهجومية إلّا أنّ الصواريخ بعيدة المدى على قاعدة دييغو غارسيا تُظهر أنّ هذه القدرات لا تزال سليمة”.

لكنّ بلوغ الصواريخ الإيرانية مشارف “دييغو غارسيا” يعني أنّ تلك “المدن الصاروخية” الرابضة تحت الأرض في كرمانشاه وسمنان والخليج، قد أخرجت من أحشائها جيلاً جديداً من الصواريخ العابرة للمحيطات.

وعلى الرغم من صبغتها البريطانية، تقع تحت سيطرة أميركية شبه كاملة، وبما أنّ واشنطن هي من تقود الحرب، فإنّ القاعدة تُعدّ “هدفاً مشروعاً تماماً” من منظور طهران، خاصة وأنّها المنصة التي تنطلق منها العمليات العدوانية ضدّها.

إن ما تمثّله “دييغو غارسيا” في العقيدة العسكرية الأميركية فهي ليست مجرّد قاعدة في أقاصي المحيط، بل هي “حاملة الطائرات التي لا تغرق”. فمنذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، تحوّلت الجزيرة إلى أكبر ورشة توسّع عسكري أميركي منذ حرب فيتنام (1970)، لتصبح “الذراع الطولى” التي تمنح واشنطن نفوذاً حاسماً في أزمات “الشرق الأوسط” وآسيا وأفريقيا.

وتكتسب القاعدة خصوصيتها من كونها منصّة الانطلاق المفضّلة للقاذفات الاستراتيجية الثقيلة مثل “بي-52″ و”بي-2” (الشبح). من مدارجها انطلقت الغارات التي استهدفت العراق في حرب الخليج الثانية (1991) وغزو (2003)، ومنها أُديرت العمليات في أفغانستان، ومنها انطلقت لضرب اليمن.

Share This Article