العراق في لحظة التحوّل: سقوط الهيمنة الأميركية وصعود معادلة المقاومة

المسار : في ظل تصاعد عمليات المقاومة العراقية وتنامي الغطاء الشعبي، تتبلور معادلة استنزاف تدريجي تفرض كلفة متزايدة على الوجود الأميركي في العراق، وتفتح الباب أمام إعادة صياغة المشهد بالكامل.

بعدما شكّل العراق منذ عام 2003 محوراً أساسياً في الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، يجد نفسه اليوم أمام مخاض مرحلة جديدة، تتجاوز في أبعادها الداخل العراقي لتلامس الوجود الاستراتيجي للمنطقة ككل، خصوصاً أنه لم يخرج من احتلال عام 2003، بل انتقل إلى شكلٍ أكثر تعقيداً من الهيمنة، يمزج بين الوجود العسكري والتحكم المالي والتأثير السياسي.

فمع اتساع رقعة الاشتباك وتصاعد العدوان (الأميركي-الإسرائيلي) المشترك على شعوب المنطقة، وفي ظل المواجهة المفتوحة التي يخوضها محور المقاومة الممتد من طهران إلى بيروت وصنعاء، يستعيد العراق تموضعه الطبيعي في قلب هذه الملحمة، في نتيجة طبيعية لموقعه الجيوسياسي الفريد، كبلدٍ تتقاطع فوق أرضه خطوط الطاقة، وتتلاقى فيه الجغرافيا السياسية مع صراع الإرادات الدولية، ويظهر مجدداً كخيارين: إمّا ساحة اختبار لاستقلال المنطقة، أو بوابة وهدف لإعادة إخضاعها.

وبعد التحولات التي شهدتها الساحة السورية في السنتين الأخيرتين، من سقوط النظام السوري السابق والحليف للمقاومة، ارتفعت قيمة العراق استراتيجيًا لأسباب عدة، أبرزها موقعه كحلقة وصل جغرافية بين إيران وبلاد الشام، احتضانه لفصائل مقاومة تمتلك خبرة قتالية وتكنولوجيا متقدمة، وجود قواعد أميركية وأجنبية على أراضيه، امتلاكه موارد نفطية تُعد من الأكبر عالمياً.

الهيمنة الأميركية في العراق: من الاحتلال المباشر إلى “السيطرة المركّبة”

لم تلبث القوات الأميركية أن انسحبت من العراق عام 2011، حتى عادت وتموضعت تكتيكياً عام 2014، تحت عباءة “التحالف الدولي” عام 2014، لتعيد واشنطن تثبيت نفوذها عبر أدوات بنيوية أكثر تعقيداً وخطورة. فباتت نظاماً متكاملاً من “السيطرة المركّبة” تستند إلى خمس ركائز استراتيجية، والتي يعمل العراق على مواجهتها سياسياً:

1- الارتهان المالي والسيادة المخطوفة: تُعد السيطرة المالية الأداة الأكثر فتكاً في يد واشنطن، حيث تُودع عائدات النفط العراقي مباشرة في حسابات البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. الأمر الذي يجعل شريان الحياة الاقتصادي للدولة العراقية رهيناً للإرادة الأميركية، ويمنح واشنطن قدرة تقنية على خنق الدولة مالياً في أي لحظة تتعارض فيها توجهات بغداد مع أجندة البيت الأبيض.

في المقابل، يتزايد داخل بغداد النقاش حول ضرورة إعادة النظر في آلية إدارة العائدات النفطية وطرح خيارات لتنويع القنوات المالية وتقليل الاعتماد على الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، في إطار مساعٍ لتعزيز الاستقلال المالي.

2- “سلاح الدولار” كأداة تأديب سياسي: مع عبور أكثر من 90% من التحويلات المالية العراقية عبر النظام المصرفي الأميركي، تحوّل “الدولار” من عملة تبادل إلى سلاح هجومي. تستخدم واشنطن هذا النفوذ لفرض العقوبات الانتقائية، وتقييد عمل المصارف الوطنية، وتعطيل التحويلات الخارجية، ما يحوّل النظام المالي العراقي إلى ساحة ضغط وابتزاز سياسي دائم.

وبحسب بيانات صادرة عن البنك المركزي العراقي وتقارير إعلامية اقتصادية، اتخذت بغداد خلال عامَي 2024 و2025 إجراءات للحد من المضاربات على الدولار، وبدأت خطوات تنظيمية لإعادة هيكلة نافذة بيع العملة، بالتوازي مع نقاشات حول الانفتاح على عملات بديلة في التبادل التجاري، في محاولة لتخفيف أثر القيود الأميركية على النظام المالي.

3- التغلغل الأمني والتبعية العسكرية: تحت شعارات “التدريب والاستشارة”، تحاول الولايات المتحدة فرض نفوذها داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية. فعلى سبيل المثال، وجود القواعد والتحكم في سلاسل توريد قطع الغيار والذخيرة للسلاح الأميركي (مثل طائرات F-16) يهدف بالدرجة الأولى إلى منع بناء عقيدة عسكرية عراقية مستقلة تماماً عن المظلة الأميركية.

وكان قد أعلن العراق في 17 كانون الثاني/يناير 2026 استلام قاعدة “عين الأسد” الجوية من القوات الأميركية، وفي ظل مسار بدأ منذ أيلول/سبتمبر 2024 للانتقال من إطار “التحالف الدولي” إلى صيغة ثنائية مختلفة في إدارة العلاقة مع واشنطن.

4- الهندسة السياسية والتوازنات الهشة: تمارس واشنطن تأثيراً غير مباشر عبر دعم قوى سياسية معينة والتدخل في مسارات إعادة هيكلة مؤسسات الدولة. وذلك بهدف ضمان بقاء التوازنات الداخلية ضمن حدود المسموح به أميركياً، ومنع وصول قوى المقاومة إلى مفاصل القرار السيادي التي قد تهدد المصالح الغربية.

وتشير مواقف قوى سياسية عراقية بارزة، وبيانات صادرة عن كتل داخل البرلمان، إلى تصاعد الخطاب الداعي إلى حصر القرار السيادي داخل المؤسسات العراقية، ورفض أي تدخل خارجي في تشكيل الحكومات أو رسم السياسات العامة، في ظل نقاشات مستمرة منذ انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2025 حول مستقبل العلاقة مع واشنطن.

5- الاستعمار الطاقوي والتحكم بالموارد: من خلال العقود الاحتكارية لشركات الطاقة الكبرى وشروط الاستثمار المجحفة، تم ربط قطاع النفط والغاز العراقي بمنظومة المصالح الأميركية لضمان بقاء الطاقة العراقية ورقة ضغط ضد القوى الإقليمية والدولية الصاعدة.

وبحسب بيانات وزارة النفط العراقية وتصريحات حكومية خلال عام 2025، تبرز محاولات لإعادة تنظيم عقود الطاقة وتعزيز دور الحكومة المركزية في إدارة الموارد، خصوصاً في ما يتعلق بالاتفاقيات المبرمة خارج الإطار الاتحادي، مع تأكيد رسمي على أن الموارد الطبيعية هي ملك لجميع العراقيين، وأن إدارتها يجب أن تتم وفق رؤية سيادية موحّدة.

المقاومة العراقية تتحرّك والقواعد الأميركية تحت النار:

بدأت المقاومة الإسلامية في العراق، منذ مطلع آذار/مارس الجاري، نمطاً عملياتياً أكثر كثافة واستمرارية، من خلال وضع القواعد الأميركية مجدداً ضمن دائرة الاستهداف المباشر. فمنذ بداية الشهر، تشير المعطيات الميدانية وبيانات الفصائل إلى تنفيذ عشرات العمليات التي توزّعت بين ضربات صاروخية وهجمات بطائرات مسيّرة واستهدافات لمواقع لوجستية وتحركات عسكرية، شملت مناطق واسعة من الأنبار غرباً وصولًا إلى أربيل شمالاً.

وتزامن هذا التصعيد مع قرار المجلس الوزاري للأمن الوطني الذي خوّل الحشد الشعبي العمل بمبدأ حق الرد، في أعقاب الضربات التي استهدفت مواقع له خلال الشهر نفسه، ما أضفى على العمليات بعداً يتجاوز الردود المحدودة، نحو مسار ميداني يهدف إلى رفع كلفة الوجود الأميركي بشكل تدريجي.

وتركّزت العمليات العراقية على استهداف البنية التشغيلية للقواعد، وإرباك خطوط الإمداد، والضغط على المنشآت اللوجستية، بدل الانخراط في مواجهة مباشرة، ما أدى، إلى إجبار القوات الأميركية على إعادة التموضع في بعض المواقع، وتقليص نشاطها العملياتي، وتشديد إجراءاتها الدفاعية داخل عدد من القواعد. كما ترافقت هذه العمليات مع حالة ضغط أوسع انعكست على الوجود الأجنبي في العراق، حيث شهدت بعض البعثات تحركات احترازية وتقليصًا في النشاط، على وقع التصعيد الميداني.

ورغم تعرّض فصائل المقاومة خلال الفترة نفسها لعدوان أميركي-إسرائيلي طال قيادات وعناصر ميدانيين، في محاولة واضحة لكبح التصعيد ومنع تحوّله إلى مواجهة مفتوحة، لم تتوقف العمليات، التي استمرت بوتيرة متصاعدة، بحيث أظهرت قدرة الفصائل على امتصاص الضربات والحفاظ على استمرارية العمل الميداني عبر بنية تنظيمية مرنة وتكتيكات متكيّفة مع طبيعة الاستهداف.

بات الوجود الأميركي في العراق، يواجه نمطاً من الاستنزاف الميداني المستمر، قائماً على الضربات المتكررة والضغط اللوجستي وتوسيع نطاق التهديد، ما يضعه ضمن معادلة جديدة تفرضها المقاومة على الأرض، عنوانها: الوجود العسكري لم يعد بلا كلفة، بل أصبح جزءاً من مواجهة مفتوحة تُدار على إيقاع التصعيد التدريجي والاستنزاف طويل الأمد، إلى حين طرد القوات الأميركية من البلاد.

الحراك الشعبي في الشارع كغطاء استراتيجي

بالتوازي مع التصعيد الميداني النوعي، شهد الشارع العراقي تحولات جذرية انعكست في حراك شعبي واسع النطاق، تجاوز الأطر التقليدية للتظاهر ليتحول إلى استفتاء وطني على خيارات المقاومة، لاسيما أنّ ما حصل في اليوم الأول من العدوان على إيران استهدف مرجعية دينية كبرى لها رمزية عند شعوب العالم، لا سيما في العراق. ويمكن تلخيص أبعاد هذا التحرك في النقاط الآتية:

1- وحدة المصير الإقليمي: تمثلت في التظاهرات المليونية التي غصت بها ساحات بغداد والمحافظات، تنديداً بالعدوان (الأميركي-الإسرائيلي) المتواصل على إيران ولبنان والعراق، ما كرس مفهوماً شعبياً راسخاً بأن أمن العراق لا ينفصل عن أمن المحور.

2- الرفض الجماهيري للاحتلال المقنّع: انتقل الخطاب الشعبي من المطالبة بالإصلاحات الخدمية إلى المطالبة العلنية والحازمة بإنهاء الوجود الأميركي بأشكاله كافة، واعتبار القواعد الأجنبية “أهدافاً غير مشروعة” تنتهك السيادة الوطنية.

3- تنامي الحاضنة الشعبية للمقاومة: دعم شعبي غير مسبوق لعمليات فصائل المقاومة، إذ بات “خطاب الردع” يحظى بتأييد واسع يتجاوز الانتماءات الحزبية، ليصبح خياراً وطنياً جامعاً لمواجهة الغطرسة الأميركية.

وتكمن أهمية هذه التحركات، في أنّها أصبحت غطاءً سياسياً وشرعياً صلباً للمقاومة. فهي تمنح صانع القرار العراقي والكتل الوطنية في البرلمان القاعدة الشعبية اللازمة لاتخاذ قرارات سيادية أكثر راديكالية وتشدداً تجاه واشنطن، ما يسحب البساط من تحت أي محاولة للالتفاف على إرادة الانسحاب الكامل.

المسار القانوني: “الشرعية الدولية” والسيادة

إلى جانب الميدان والزخم الشعبي، يمتلك العراق ترسانة من الأدوات القانونية التي تُعدّ جبهة إسناد حيوية للمقاومة، ويمكن استغلالها لانتزاع الشرعية الدولية من “الوجود” الأميركي، عبر تثبيت خرق السيادة، من خلال توصيف الضربات الأميركية المتكررة كعدوان صريح ينسف المواثيق الدولية واتفاقيات الثنائية، ما يحول الوجود الأميركي من “استشاري” إلى “احتلال موصوف”.

كما يمكن تفعيل الشكاوى الرسمية في مجلس الأمن والمنظمات الدولية، لتحميل واشنطن المسؤولية الكاملة عن الأضرار البشرية والمادية الناتجة عن اعتداءاتها، وفك الارتباط الاتفاقي عبر إعادة النظر الجذري في الاتفاقات الأمنية المبرمة سابقاً، والعمل على إلغائها قانونياً لكونها باتت غطاءً للانتهاكات لا لحماية الدولة.

نحو إنهاء الاحتلال الأميركي

لا يبدو أنّ ما يجري في العراق مجرّد تصعيد عابر أو ردود فعل ظرفية، بل هو تحوّل تدريجي في طبيعة المواجهة، يتكامل فيه القانون مع الميدان، ويتقدّم فيه الشارع كعنصر حاسم في رسم الخيارات السيادية. والأهم من ذلك أن لا شرعية للاحتلال، هذا ما نصّ عليه القانون ونصّت عليه الناس، ونصّت عليه دماء الشهداء في العراق طوال الزمن.

ومع تزايد كلفة الوجود الأميركي، ميدانياً وشعبياً وقانونياً، ومع إعادة العراق صياغة الأزمة ضمن مسار طويل عنوانه تثبيت السيادة وطرد الاحتلال، تتبلور معادلة جديدة قوامها أنّ استمرار هذا الوجود لم يعد بلا ثمن، وأنّ معادلات ما بعد 2014 لم تعد قابلة للاستمرار بالصيغة ذاتها.

فالمقاومة، التي أثبتت قدرتها على الاستنزاف والتكيّف، باتت تفرض إيقاعها تدريجياً، فيما يتكفّل الحراك الشعبي بمنحها الغطاء، ويؤسس المسار القانوني لنزع شرعية هذا الوجود، ليصبح العراق ليس محلّ تغيير فحسب، بل فاعلاً يمتلك أدوات الاشتباك وتوازناته ليصنع التغيير.

 

 

Share This Article