المسار: على الرغم من العلم اليقيني بعدم وجود ما يحول دون حضور للعديد من الزملاء المحامين لجلسات المحاكمة، إلا أن الواقع العام احياناً يتيح المجال لبعض الأساتذة المحامين ممارسات لا تنسجم تماماً مع ما تقتضيه رسالة المحاماة من التزام كامل بالحضور والمتابعة وعليه فإن للأسف سلوك كهذا يتحول إلى وسيلة لإنتقاء حضور الملفات وفقاً لموقع الموكل من الدعوى أو أهميتها، وهو ما ينعكس سلباً على صورة المهنة ورسالتها السامية التي تقوم على الجدية والمسؤولية واحترام إجراءات التقاضي بما يحقق العدالة.
إن مهنة المحاماة ليست مجرد تمثيل قانوني شكلي، بل هي رسالة أخلاقية ومهنية تقتضي الالتزام بأعلى درجات الانضباط، لما لذلك من أثر مباشر على حقوق المتقاضين وحسن سير العدالة، من هذا المنطلق فإن أي إخلال بهذا الالتزام حتى وإن كان بدافع الظروف العملية، ينبغي أن يبقى في أضيق نطاق، والإ يتحول إلى سلوك معتاد أو نهج متكرر.
وفي سياق متصل، لا يمكن إغفال طبيعة الظروف العامة التي تحيط بالعمل في ظل الواقع المعاش، حيث إن صعوبات تنقل القضاة والمحامين والمتقاضين بين المحافظات، وما يرافق ذلك من تحديات، يشكل جزءاً من واقع قائم منذ سنوات طويلة، علماً أن هذه الظروف التي يعيشها شعبنا ليست وليدة اللحظة، بل تمثل حالة ممتدة منذ عقود، الأمر الذي يفرض على كافة قطاعات شعبنا ومنظومة العدالة التكيف معها بروح المسؤولية والتحدي، بما يضمن استمرار العمل وخاصة مرفق العدالة دون تعطيل لصيانة الحقوق وضمان الإستقرار المجتمعي.
ولا ينفك عن هذا الواقع نقاش المحامين على الملأ في ما يتصل بملفات التنفيذ والشكاوى الجزائية المرتبطة بالأوراق التجارية، التي لم تعد تفرق أحياناً بين دور المحامي كوكيل وطبيعة التوكيل وماهو موكل به، والإجراءات القانونية التي تُملي على المحامي القيام بها بما فيها حبس المدين.
وانطلاقاً من هذا التوازن بين مقتضيات الالتزام المهني والواقع العملي، يبرز ضرورة التفكير بحلول تنظيمية أكثر فاعلية، ومن ذلك اقتراح إجازة المحاكمة وإتخاذ الإجراء القانوني ضمن نطاق كل محافظة أصولاً، بما ينسجم مع أماكن تواجد المحامين المسجلة والمؤرشفة لدى النقابة، ويعزز من الإلتزام بحضور الجلسات دون ذرائع.
ومن شأن هذا التوجه أن يسهم في الحد من مظاهر التغيب أو الانتقائية، كما يعزز انتظام العمل القضائي ويساعد في تسريع الفصل في القضايا، الإلتزام من طرف الأساتذة المحامين دون الإخلال برسالتهم بوضمانات المحاكمة العادلة.
ولا يخفى أن الظروف التي نعيشها في الحالة الفلسطينية، والتي باتت واقعاً يومياً يطال جميع فئات المجتمع من عمال وموظفين ومهنيين، تفرض اعتماد حلول مرنة وعملية تراعي هذا الواقع، وتكفل في الوقت ذاته مواجهة التحديات وسير مرافق الحياة بشكل عام وحسن سير العدالة واستمراريتها، بشكل خاص.
وبناءً على ما تقدم، فإن هذا المقترح يهدف إلى فتح الأمور على مصرعيها دون قيود بقدر ما يهدف إلى تنظيم وتفعيل العمل لإعتماد المحامين في معيشتهم على عملهم في هذه المجالات من ناحية، ومن ناحية أخرى حاجة الموكلين لإحقاق حقوقهم سواء دائنين أو مدينيين وهذا يعزز من هيبة مهنة المحاماة ورسالتها، ويحقق مصلحة العدالة، ويُسهم في الإبقاء على ثقة الموكلين بالمحامين وترسيخها بإعتبارها الأساس الذي تقوم عليه هذه المهنة واستمرارها.
ورغم ذلك، فإن الالتزام بقرارات النقابة المهنية يبقى واجباً لا حياد عنه، لما تمثله من مظلة تنظيمية تحمي المهنة وتصون كرامتها، من هنا فإن احترام هذه القرارات قد يقتضي أحياناً تقديم الاعتبارات المهنية العامة على الاعتبارات الفردية، تحقيقاً للمصلحة العليا للمهنة.
محامي ومحاضر جامعي
5/4/2026

