المسار : من الغرابة بمكان أن تُعرض هذه النتائج، غير المعقولة، في ظل مرحلة شهدت أشد حملات سياسات الإقصاء والتهميش وإفراغ ما تبقى من محتوى لمواطنة “العرب” الخاوية أصلًا، والتي شملت مختلف ميادين العمل والحياة وضربت معاقل كانت تعتبر “حصينة” سابقًا…
من الغريب أن تطل علينا معاهد “التعايش العربي” الزائف والمضلل، التي غابت خلال حرب الإبادة وما رافقها من حالة بطش بالحريات وقمع للنشاط السياسي، هي أشبه بـ”حكم عسكري متجدد بلباس مدني”، ما انفك يطوّق ويحاصر الهامش الديمقراطي الذي كان سائدًا قبل السابع من أكتوبر، أطلت هذه المعاهد ربما لتحصد ثمار حرب الإبادة وتداعياتها على الداخل الفلسطيني، ولاستكمال أهداف آلات الحرب والقمع التي ما زالت مسلطة على شعبنا باختلاف مواقعه وتجمعاته بوسائل أخرى.
نقول ذلك لمناسبة الإعلان عن نتائج استطلاع برنامج “كونراد أديناور” للعمل اليهودي العربي المشترك، التابع لمعهد موشيه ديان في جامعة تل أبيب، والذي زعم أن 75.8% من العرب في إسرائيل يؤيدون الخدمة المدنية الإسرائيلية، بينما ارتفعت هذه النسبة بين النساء العربيات إلى 77.2%.
البحث/ الاستطلاع أجري بقيادة د. أريك رودنتسكي، وريث إيلي ريخس ومدير البرنامج المذكور، الذي عُرف سابقًا بـ”مشروع دراسة السياسة العربية في إسرائيل”، وشكّل أحد رؤوس مثلث صناعة التعايش الموهوم، إلى جانب مدرسة سامي سموحة في جامعة حيفا ومدرسة “جفعات حبيبة”، وذلك عبر “أبحاث” و”دراسات” و”استطلاعات” عمادها التضليل والتعويم وصناعة رأي عام متساوق مع أسرلة جماهيرنا وتذويب هويتها الوطنية.
وغني عن البيان أن هذه المدارس هي جزء من شبكة واسعة تضم عشرات وربما مئات الجمعيات والمؤسسات والصناديق الداعمة، إسرائيلية ودولية، منها برنامج كونراد المذكور، والتي يُغدق عليها ملايين الدولارات، وهي تمثل إحدى أدوات القوة الناعمة لإسرائيل وللحركة الصهيونية العربية لتطويع فلسطينيي الداخل وكسر شوكتهم، وتعمل بتناغم وتكامل تام مع القوة الخشنة المتمثلة بالقمع والاضطهاد السياسي.
منظرو هذه المدارس وضعوا ورسخوا، على مدى سنوات دراستهم الطويلة لحالة “العرب في إسرائيل” وما أسموه بـ”تركيب هويتهم”، قواعد ثابتة نجحوا بإقناعنا بها، والتي تفيد بأن المركب الفلسطيني في هويتنا يتعاظم مع حالة المد النضالي الفلسطيني العام، ويتراجع مع انتكاسة هذا النضال وتراجعه، علمًا أن تمدد وتراجع هذا النضال لا يحدث بمشيئة الله أو قدرة الطبيعة، بل بفعل القوة الخشنة الإسرائيلية التي تتمظهر على شكل عمليات عسكرية واسعة وحروب مدمرة على لبنان وغزة والضفة الغربية، آخرها حرب الإبادة التي ما زالت جارية في قطاع غزة.
من هنا، وفي ظل تراجع النضال الفلسطيني بفعل حرب الإبادة على غزة، سيبدو منطقيًا، وفق هذه المعادلة، أن تتراجع، ما تُعرف بلغة هؤلاء، بالنزعة الفلسطينية، لتنخفض نسبة من يعرفون أنفسهم فلسطينيين إلى 13.5% فقط، مقابل 27.7% يعتبرون أن هويتهم إسرائيلية، و33.3% يعرفون أنفسهم عربًا، و24.5% يعتدون بهويتهم الدينية.
ومن الغرابة بمكان أن تُعرض هذه النتائج، غير المعقولة، في ظل مرحلة شهدت أشد حملات سياسات الإقصاء والتهميش وإفراغ ما تبقى من محتوى لمواطنة “العرب” الخاوية أصلًا، والتي شملت مختلف ميادين العمل والحياة وضربت معاقل كانت تعتبر “حصينة” سابقًا، مثل الأكاديميا والجهاز الطبي والثقافة والفن وغيرها، وطالت رموزًا كانت تحظى بالشرعية في “المينستريم” الإسرائيلي.
وتكمن لا معقولية هذه النتائج، ليس لأنها تتعارض مع الفطرة الإنسانية التي تميل إلى عودة الناس لهويتهم الأصيلة، عندما يتم استبعادهم ورفضهم من قبل الآخر وتعاظم محاولات نزع هويتهم عنهم أو اكتشافهم زيف هذه الهوية وضحالتها فقط، بل لأنها تحدث في أوج هذه الحملة ومع تواصل الحرب الممتدة واستمرار عملية الإبادة الجارية في غزة أيضًا، بمعنى أنه من المبكر رصد تأثيرات نتائجها وآثارها على الساحات المختلفة، وفيما إذا كانت ستترك حالة من الإحباط والتراجع فيها، لأن الناس ما زالت مشاعرها مشحونة بالحدث نفسه.
لكن متابعة نتائج الاستطلاع اللاحقة ربما تزيل هذا الاستغراب لأنها توضح الهدف الموضوع له والمرتبط بانتخابات الكنيست القادمة ومشاركة “العرب” في الحكومة القادمة، حيث نفاجأ بأرقام تفوق سابقاتها غرابة، على غرار أن 77.2% من “العرب” يؤيدون انضمام حزب عربي للحكومة الإسرائيلية القادمة، بينهم 43.3% يؤيدون الانضمام إلى أي حكومة و33.9% يقصرون موافقتهم على حكومة مركز-يسار.
والأغرب من ذلك هو أن تأييد مشاركة “العرب” في الحكومة هو تأييد عابر للأحزاب والمواقف، حيث تصل النسبة بين “المقاطعين” أو غير المصوتين إلى 63%، وبين أوساط مصوتي التجمع الوطني الديمقراطي 67%، بينما ترتفع بين مصوتي القائمة العربية الموحدة إلى أكثر من 90%.
ونحن لا نسوق هذه الأرقام المضخمة لنكتفي بالقول جريًا على مثلنا الشعبي “شو عرّفك بالكذبة…”، مع أنه كافٍ، بل نضيف لذلك بعض التناقضات التي تظهر في نتائج الاستطلاع ذاته زيادة في التأكيد، وأهمها المعطى الذي يشير إلى أن نسبة الذين سيشاركون في انتخابات الكنيست القادمة في الحالة العادية، أي في حال نزول ثلاث قوائم عربية، لن تتجاوز 53%، وفي أفضل حالاتها، أي نزول قائمة مشتركة، 67%، فكيف تصل نسبة من يريدون المشاركة في الحكومة إلى 77%.
المعطى الآخر هو الذي يفيد بأن 53.3% فقط من المستطلعين يشعرون بانتماء قوي للدولة، مقابل 44.5% يشعرون أن انتماءهم معطوب، فكيف يؤيد 24% ممن لا يشعرون أصلًا بانتماء كافٍ للدولة دخول حكومتها، هذا ناهيك عن التناقض القائم بين النسبة العالية لتأييد النزول بقائمة مشتركة وبين النسبة الأعلى للذين يؤيدون المشاركة في الحكومة استنادًا إلى ما يقوله “قائد البحث/ الاستطلاع” رودينتسكي، وأن التوفيق بينهما يبدو كأنه مهمة مستحيلة، يحول حتى الآن دون التوافق على مثل هذه القائمة.
المصدر … عرب ٤٨

