كتب مرزوق حلبي… عن عرب 48
المسار: طرح الليكود قانون تقديم موعد الانتخابات هو محصّلة حاصل تطوّر الأشهر الأخيرة التي شهدت تعمّق الانسداد في السياسة الإسرائيليّة العليا ـ الاستراتيجيّة. فكل ما حصل منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، من حروب وعُنف بمبادرة هذه السياسة، إلّا أنّها ظلّت عالقة تتضرّج بلغتها التي زادت دمويّة وعُنفًا. أمّا النشر المتزايد لنتائج استطلاعات الرأي في كلّ نهاية أسبوع أو مع كلّ اصطفاف جديد، والانتخابات الداخليّة في الأحزاب، فلا تبشّر بأي انفراج، بل العكس؛ فإنها كلّها تُشير إلى أنّ السياسة الإسرائيلية ذاهبة إلى انسداد جديد. فالمعسكران، ذاك المتحالف مع نتنياهو وذاك المناهض له، يقفان على خطّ التعادل، خاصّة أنّه تمّ إخراج الناخبين الفلسطينيين من المعادلة. ومهما يكن أمر التنافس بينهما، فإن الانسداد باقٍ يُحيط بـ”الثكنة”.
إذا نظرنا إلى سلسلة التصريحات التي يُطلقها أقطاب المعسكر المناهض لنتنياهو، سنجد أنهم يجدّون في الالتفاف عليه من اليمين فيما يتعلّق بحالة الحروب التي كرّسها تحالف نتنياهو. فهم أكثر تشدّدًا في خطابهم في التعامل مع الجبهات الثلاث ـ غزة ولبنان وإيران. وهم أكثر اعتمادًا على الحسم العسكريّ في هذه المواقع. أمّا الحديث الذي نسمعه منهم عن ضرورة الدمج بين الحروب وبين الدبلوماسيّة، فهو يكشف أنّ العقيدة الإسرائيليّة هي هي ـ استثمار القدرات العسكريّة لتحقيق مكاسب سياسيّة وفرض حقائق ناجزة على الأرض. صحيح أنّ نتنياهو يُريد الأمر ذاته، لكنه ـ خلافًا لهم ـ يُحاول أن يحفظ الأمور سائلة قابلة للاستثمار بالحدّ الأقصى من وجهة نظره، مع تحقيق النصر النهائيّ على كلّ الجبهات. العقيدة الاستراتيجيّة لإسرائيل للمدى المنظور على الأقلّ هي ذاتها لكل أطراف السياسة الإسرائيليّة. وأمكننا الاستدلال على ذلك من طبيعة الائتلافات والتحالفات في العقدين الأخيرين، ومن تلك التحالفات الممكنة داخل المعسكرين أو بين أطراف فيهما.
جميع الأحزاب والشخصيات تتحرّك ضمن رؤية ضيّقة تحسب الأمور بين معنا ـ مع إسرائيل ـ وضدّنا ـ ضدّ إسرائيل. أما هوامش الاختلاف فهي محدودة للغاية. فالإجماع في هذه المرحلة واضح ـ البقاء ضمن محور ترامب واليمين العالميّ، مواصلة السعي إلى ترسيخ “سلام إبراهيم” على حساب فلسطين وتصفية قضيّة شعبها، تكريس حصار غزّة المدمّرة وشعبها، رفض تهمة ارتكاب جريمة الإبادة في كل محفل وإطار، إدارة الظهر للشرعية والأمم المتحدة، مواصلة قضم الضفّة الغربية وتدمير مقوّمات الشعب الفلسطينيّ، مواصلة دكّ لبنان والفتك بحاضرته وشعبه، مواصلة التعبئة والتحشيد ضد إيران والاستعداد لاستئناف العدوان في كلّ حين، الإبقاء على حلم الإمبراطورية الإسرائيلية والهيمنة على الإقليم برمّته. أمّا بالنسبة للفلسطينيين في إسرائيل، فالتوجّه الحاليّ هو العمل على إبقائهم خارج السياسة كلاعبين غير شرعيين أو مجموعة مشتبه بها لا يصحّ إشراكها في أي ائتلاف حكومي.
مثل هذا الإجماع سيُفضي بعد الانتخابات ـ مهما تكن نتائجها ـ إلى مواصلة دوران “قبيلة إسرائيل” حول طوطمها، مِن يسارها أو مِن يمينها، بينما النتائج واحدة: الانسداد. فالخيار المعتمد هو ذاته، الاعتماد على خيار واحد وحيد، وهو الحسم العسكريّ المرّ الذي أوصل إلى الإبادة في غزة واستئناف الاقتلاع والتهجير في فلسطين الجبل والنقب. ولو فرضنا أنّ حكومة المناهضين لنتنياهو قامت بعد الانتخابات، فهل ستتغيّر الأجندة ضمن انسداد الأفق؟ أو هل سيمنح اليمين المندفع الآن في التهجير والاقتلاع والإبادة مثل هذه الحكومة أيّ فرصة لتطرح أجندة أخرى؟ ويصير السؤال أصعب بكثير إذا ما افترضنا أنّ الجيش الإسرائيلي في السنوات الأخيرة يخضع لتحوّلات هائلة، ومنها انقسامه وفق الخارطة السياسيّة، وانضمام قطاعات منه إلى هذا اليمين وتحالفها معه وتأمين ما يقوم به في الضفّة الغربيّة وفي فلسطين وجنوب لبنان. فالسيولة في العلاقة بين فئات المجتمع والسياسة، وبين المجتمع والدولة، وفي حدود الدولة وبين المؤسّسات والدولة والسياسة، تؤكّد أننا لسنا في حالة انضباط للسياسة والأعراف والقوانين، بقدر ما نحن في حالة “تكسير قواعد اللعبة” خلال اللعبة نفسها. وهو ما يفتح الباب على مزيد مما رأيناه منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. المزيد من العنف قد يبدأ بالاقتلاع وينتهي بإبادة جديدة في ربوع فلسطين، وقد يبدأ بحرب على لبنان وتمتد إلى سورية، وقد يبدأ بعدوان جديد على إيران وينتهي بحرب إقليمية أوسع. للقول، إن الانتخابات في إسرائيل لن تُحدث أيّ اختراق في الانسداد بقدر ما قد تغيّر هويّة الحكومة التي ستُدير الحروب القادمة، أو الإبادة القادمة!

