المسار: تُقرع أجراس القلوب في هذا اليوم من كل عام حين تعود الذاكرةُ إلى مجازر راح ضحيتها أجدادنا ودمرت فيها المنزل ومسحت القرى عن وجه الأرض، وحين ودّع الفلسطيني أرضه ووطنه، وأقفل باب منزله واحتفظ بمفتاحه وكوشانه، وألقى تحيةً حزينة على أحواض النرجس والنعناع ، وسار في رحلة لم تكن في الحسبان، لكنه رفض أن ينهيها إلا منتصرا أو شهيدا بالرغم من شدة المعاناة وعمقِ الجراح وضخامةِ التضحيات، وسار يكمل خط تاريخه ويرفع هويته راية، وينسج حكايات (لن ننسى )مادةً يتحسسُها أصحابَ الضمير ويراها أصحابُ البصيرة ويصدحُ بها عالياً من لا يخاف في الله لومة لائم.
كان احياء ذكرى النكبة ردة فعل نفسية ومجتمعية على مشاعرِ الخوفِ والتشردِ والفقدِ والبؤس، بعد حياة الغنى والاستقرار والترف التي فقدها الشعب الفلسطيني. إن هذا التضاد الصارخ دفعهم للتمسك بذاتكرتهم الجمعية وفردوسهم المفقود، وأرضهم وحضارتهم وهوية ميزتهم. وهو اثباتاً لوجود تاريخي لهم، حاول العدو طمسه وسلبه بقوة السلاح واعمال آلته العسكرية ورفع راية استقلاله على أشلاء أجساد أصحاب الأرض وحطام القرى والبلدات الفلسطينية. وتصحيحاً للمصطلحات المضللة والسرديات المختلقة. وتحديداً لانحراف تاريخي أدى إلى تغير مجالات الحياة بأشكالها السياسية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والعلمية والترفيهية والاقتصادية والبشرية والصحية، بهدف محو الهوية الفلسطينية.
تعد النكبة رمزا من الرموز الشعبية الفلسطينية وهي دلالة على انقطاع مجرى الحياة الطبيعية على الجغرافيا الفلسطينية في التاريخ الفلسطيني ليصبح الفلسطيني بلا مأوى وأمان واستقرار.
نسج الفلسطينيون حضورهم الحضاري والثقافي في التاريخ عادات وتقاليد وأداب وعمارة وحرف يدوية ورقصات وأغاني وفنون مختلفة ومتعددة وأثٌّروا بجيرانهم وتأثروا بهم، فبنى الكنعانيون مدنهم الأولى المتميزة بأسايبها المعمارية، وركب الفنيقيون البحر ونقلوا عبره منتجاتهم، نافست حيفا ويافا الموانئ العالمية في العصور الحديثة حتى فترة ما قبل النكبة، وصدّرت فلسطين الكثير من المحاصيل كالقمح والزيتون والبرتقال والموز والبطيخ وكانت الأراضي الزراعية حتى 1948م تدار بأياد فلسطينية وملاّكها فلسطينيين. تأسس في القدس البنك العربي وكان أكبر مؤسسة مصرفية في العالم العربي 1930م، وكان عدد الصحف التي تصدر في فلسطين قبل النكبة من 45 إلى 50 صحيفة أدبية فلسطينية إضافة إلى مجلات أخرى لاختصاصات علمية، وفيها عدة مسارح ودور السينما المنتشرة في المدن الكبرى. نشطت المرأة الفلسطينية في المجالات كلها فأنشأت اتحاد نسائي عام 1921م، وجمعية النهضة النسائية عام 1924م، وساهم مئات الفلسطينيين من مدرسين وأطباء وممرضين في بناء الدول الناشئة في الخليج.
وفي المجالات الرياضية حصل فريق كرة القدم الفلسطيني عام 1929م على عضوية الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا، وشارك الفريق في نهائيات كأس العالم في إيطاليا عام 1943م .
مع هذا التقدم والحضارة إلا أن فلسطين كانت على مر السنين تعاني من الاحتلال والاعتداءات وتعرض أهلها للاضطهاد ونهب الأراضي التي دافع عنها أهلها رافضين الاحتلال والذل ناضل مدافعين عن حقوقهم فشاركوا بحركات ثورية ونفذوا عمليات عسكرية فكانت ثورة القدس عام 1920م وثورة يافا عام 1921 وثورة البراق عام 1929م إضافة إلى الثورة الكبرى عام 1936م ضد العدو
إلا أن يوم 14 مايو كان الأكثر دموية والأكبر فاجعة والأضخم اجراما حين أعلن الكيان الإسرائيلي قيام دولته على أرض فلسطين وروجت أنها أرض خاوية بلا شعب وأنهم بجهودهم استطاعوا أن يحولوها إلى فردوس الشرق الأوسط بسياستهم القائمة على الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان
ولطمس معالم المجازر التي أقاموها ومحو أثر السكان الأصليين شكل العدو لجان لتغير أسماء الشوارع والحارات والقرى والمدن والجبال والأودية والمدارس واستبدالها بأسماء تلمودية ورموز محاربين صهاينة ليتوافق مع سرديتهم الصهيونية. إضافة لتدمير وسرقة عشرات المكتبات بما تحويه من كتب ومخطوطات ومصادرة الأرشيف الفلسطيني ونقل مسروقاته إلى المكتبة الوطنية الاسرائلية
لم تنتهي أحداث النكبة في هذا العام، فما زالت عملية الإصرار على الإبادة عاملة وما تزال مشاريع التهجير القصري والتضيق والسرقة وهدم البيوت والقرى قائمة ومسنودة بقوانين عنصرية وضرائب، بدليل ما يجري اليوم في القدس ومجازر غزة المستمرة منذ عامين وما يجري ضمن المخيمات الفلسطينية على الأراضي الفلسطينية.
عبرت النكبة عما حدث للفلسطينين من نفي في (نونها)، وتشتيت وكوارث في (كافها) حلت بالشعب الفلسطيني، وبلاء في (بائها) من قتل وأسر وتشريد وفقر، وهدم في (هائها) للمنازل والقرى والحواكير، لكن الشعب الفلسطيني بوعيه وادراكه وحبه لأرضه ومقاومته حوّل معاني الكلمة بأحرفها نفسها إلى نضال الشعب الفلسطيني بنونها، وكفاحه ضد العدو والاحتلال الغاشم بكافها، وبطولاته وتضحياته من أجل التحرير والعودة ببائها، وهدم نظريات العدو ومخططاته بهائها في محو الهوية الفلسطينية وإعادة تشكيل هويته مكانها.
استطاع الشعب الفلسطيني تعميق الوعي بالقضية الفلسطينية وأهمية التراث وحفظه وحمايته من خلال كتابة الذكريات والأحداث والمقالات والقصائد وحتى الخواطر وتوثيق القصص وتكرارها بعدة أساليب، وتطويع عجينة الذاكرة الحية التي حملها معهم الأجداد من أرضهم ونقلوها إلى أجيال سمعت عن وطنها ورسمته في خيالها. وحين حملت النساء جمال بيوتهن ودفئها وعكسنها على جدران الخيم والمنافي، وحين ترجم الفلسطينيون فلسفة الأرض صمودا وتشبثا بالهوية وحرصا على نقل قصصهم للأجيال ليزرعوا الوطن نبتة في أرواحهم وخيالهم، سُقيت بالأحداث والقصص واختلاف نغمات لهجاتهتهم وبأحلامهم وآلامهم وحنينهم.
كما استطاعت الأغنية الشعبية التي انتقلت مع أصحاب الأرض إلى مدن الشتات أن تنقل فلسطين بأفيائها وأشجارها وأحداثها وأفراحها وأحزانها، حين تحدثت عن العلاقات الاجتماعية والاعمال المنزلية والحرف والزراعة وجد الزيتون ورعي الغنم. فدونو روح الأرض وجغرافيتها وبثوا لواعج قلوبهم في المعني والشروقي والميجنا والدلعونا.
وحين تتشابك الأيدي وترتفع الرؤوس وتصفّ الأقدام على مسافة واحدة، لتدك الأرض دكة حضور وغضب وثورة، يحضر فيها الوطن وتطير الفراشات من الأثواب المطرزة بالحكايات
فأكمل الجيل الجديد تطويرها وتطويعها ونشرها لتحكي عنه كما تحدثت عن آبائه وأجداده وبالرغم من أنها غنّت للأرض إلا أنها نقلت مشاعر البؤس والشتات والظلم والضياع ،
عكست الأمثال الشعبية أحوال أصحاب الأرض حسب الفترات التاريخية عن الحياة اليومية والعمل والمطر والمواسم والمرأة والعلاقات الاجتماعية والإنسانية،
وبالرغم من أنها عكست حالة من الاستكانة والرضا بالأمر الواقع في الفترة العثمانية والانتداب (حط راسك بين الروس وقول يا قطاع الروس)، (اللي بتجوز امي بقول له عمي)، (ابعد عن الشر وغني له)، (اذا كان لك عند الكلب حاجه قول له ياسيدي)، إلا أنها ناقضت بعضها في مواقع أخرى دلالة على التنوع الفكري وتباينات في مستوى التفكير وأسلوبه.
وامتلكت قوة تحريضية لاستعادة الحق (المنايا ولا الدنايا) (المنيّة ولا الدنيّة)
كما عبرت عن الصمود والتشبث بالوطن والدفاع عن الأرض والعرض لأنهما رمز الكرامة والعزة (الأرض مثل العرض) (اللي ماعنده عطن (أرض) ماله وطن) ( الأرض بالشبر قالوا: لا الأرض بالظفر) وأكدت على ضرورة البقاء ونددت وحذرت من ترك الديار (الحجر في مطرحه قنطار وإذا تحرك يصير وقية) ( من طلع من داره قل مقداره) (من طين بلادك لطّ (ادهن) خدادك وفي قول أخر حنّي خدادك)
-لقد أفصحت الأمثال الشعبية عن ايمان لا يتزعزع ( الحق مثل الفلين لا يغرق) ( شو بال عكا من هدير البحر) (يا جبل ما يهزك ريح) (الرحم بالطوب ولا الهروب) ( الرحم بالطوب ولا الهروب) ( ما يضيع حق وراه مطالب)
أكملت المرأة الفلسطينية سرد روايتها الحريرية وتوثيق تاريخها وطبيعة أرضها وبيئتها التي عكستها على ثوبها زخارف ورموز كالنجوم والنباتات والحيوانات والزهور وما استخدمت من أدوات كالمشط والبقجة والحجاب، فضلا عن أن الثوب نفسه حمل اسم قريتها أو بلدتها التي محيت عن الأرض وبقي الثوب الذي يحمل اسمها.
فسردت نكبتها في عروق ثوبها ووثقت طرق تهجيرها وأسماء مدنها وقراها فطرزت، شبابيك عكا، قمر بيت لحم مفتاح الجليل، طريق حيفا، طريق التبان، طريق النبي صالح، طريق يافا، طريق القدس،
ان أحاديث الكبار والمعمرين ممن عاشوا التهجير وكانوا شهودا على المجازر والممارسات الاجرامية يلعب دورا هاما في ترسيخ الهوية والتعريف بالتراث بأسلوب ملئ بالحنين وكلمات تقطعها الغصات. فقد استعانت الروايات والسينما والمسرح الفلسطيني بتلك الأحاديث عن النكبة وسجلتها وساهمت في حفظها خاصة ممن عاصروها وذاقوا ويلاتها ووثقت السينما بأفلامها الدرامية والمسرح العادات والتقاليد والأغاني والأهازيج والدبكات والمأكولات والممارسات اليومية وسجلت الأفلام الوثائقية شهادات وقصص ولهجات وأحداث سياسية هامة مثل وعد بلفور وثورات مثل ثورة 1936م وانتصارات مثل معركة الكرامة، وأحداث التهجير واللجوء والمخيمات التي جمعت أهل المدن والقرى والبدو في مكان واحد، ما شكل خطرا على الهوية الخاصة لهم، فمن الطبيعي أن تنصهر العادات والتقاليد وتميّع الاحتفالات وتختلط المعتقدات، ليتشكل عنصرا جديدا في الهوية الفلسطينية وهو عنصر المخيمات الذي شكل في كل وحدة منه فلسطين كاملة بمدنها وقراها وحاراتها وحافظت على خصوصية العادات والتقاليد ونقلها للأجيال، ضمن حارات المخيم البسيط المتعب بقلة موارده وتآكل جدرانه وضيق حاراته وخلوها من الرفاهيات، التي ساهمت بتطوير هويته فكان الوطن البديل وصورة لبيت واسع وحاكورة وأشجار الزيتون واللوز وكوفية الجد وثوب الجدة.
وباستمرار النكبة الفلسطينية إلى اليوم وتطور أحداثها واتساع جغرافيتها بانتشار الفلسطينين وشتاتهم منذ 1948م، برزت أهمية الذاكرة الجمعية لحفظ التاريخ والأحداث واختلاف مساراتها واختلاف الرؤية للحدث ذاته واختلاف الأسلوب في نقل الحدث من شخص لآخر ومن جيل عاش حياة الاستقرار ثم التهجير إلى جيل عاش بؤس اللجوء في المخيمات وبطاقات الأنروا ومساعداتها، ومدارسها نهارا والسعي للعمل مساء، ثم جيل قادر على الحديث عن مواقف نضالية وبنادق واختراقات للحدود والأسلاك الشائكة وخطف طائرات وفصائل ومعتقدات سياسية ونضالية، وجيل آخر عاش تهجيرا جديدا ومجازر حديثة في مدن الشتات واللجوء والمخيمات، لينتقل لمنفى مؤقت جديد يعيد فيه تهذيب روحة وصياغة هويته الفلسطينية وحمايتها من السطو وحفظها من عمليات التشويه وتطويرها بما يحفظ له حقوقه بأرضه وعودته.
لقد جسدت رحلة الفلسطيني في الماضي والحاضر وما أنجزه من علاقات مع المكان الذي عاش به وعادات وتقاليد تثبت أن الفلسطيني ليس طارئا وليس نبتا شيطانيا بل له جذوره التاريخية المتأصلة، وأثبتت قدرة التراث على توحيد الصف الفلسطيني كما لا تستطيع أي قوة سياسية أو عسكرية، لأنه يحمل بين طياته معاناتهم وأحلامهم وشتاتهم وتصنيفاتهم، ومنه استقى الفلسطينيون رموزهم الشعبية كدلالات على هويتهم ورسخوها ونشروها للتعريف بأنفسهم وللحديث عن قضيتهم وروياتهم ضمن النشاطات الثقافية والمعارض التشكيلية والمتاحف الفلسطينية والمهرجانات التراثية، حيث عرضوا الأثواب والأزياء واعتبروها رموزا لهم والمأكولات الشعبية التي استخدموا فيها نباتات الأرض الفلسطينية ولحومها، مؤكدين من خلالها أن التراث ليس قطعة مادية فقط انما هي خليط بين العادات والتقاليد والأغاني والدبكات والبيوت وأنها نسيج متكامل وتاريخ طويل وحاضر أليم.
من تلك الرموز نذكر:
العلم الفلسطيني
الكوفية
خارطة فلسطين
البندقية
حنظلة
أسماء القرى والمدن الفلسطينية المهجرة والمدمرة
المفتاح والكوشان
المرأة الفلسطينية
الثوب الفلسطيني
البرتقال
تقف تلك الرموز الثقافية الإنسانية التي تحمل في ثناياها السلام والبقاء والاستمرار والصمود في وجه العنجهية الصهيونية والآلة العسكرية وانحياز العالم الغربي وصمت العالم العربي تجاه محنته ونكبته التي حولها بوعيه فبدلاً من أن تكون النكبة عاملاً لمحو الهوية الثقافية كما أريد لها، طورتها وحفظتها وبدلا من أن تنفي وجوده أثبتته وبدلا من أن تحرمهم حقوقهم أخذوها بحكم القانون الدولي والمحاكم الدولية وقرارات الأمم المتحدة.
ان ذكرى النكبة ليس يوما استعراضيا لأرقام وتواريخ وحقائق بقدر ما هو تعميق للوعي والذاكرة الفلسطينية لتكون أداة فعالة في تكريس الهوية والوجود الفلسطيني والحفاظ على الإرث التاريخي الحامل للطابع النضالي والمساهمة في ضحد الرواية الصهيونية التي روج لها العدو عن فردوس الشرق الأوسط الجديد، وتبنيهم للتراث الفلسطيني والترويج عالميا له باسمهم واعتباره جزءا من الحضارة التي يزعمونها، وكشف الجرائم والممارسات الدموية التي أريد منها إبادة الشعب الفلسطيني واحلال شعب آخر مكانه.
إن الخطر الذي يواجه الفلسطيني اليوم ليس خطر الإبادة الجسدية ولا خطر ضياع الأرض وتهويدها، انما هو خطر انحلال الهوية وذوبانها بالقضاء على التراث بفرعيه المادي واللامادي، لأنه القاسم المشترك الأعظم بين الفلسطينيين، وهو القوة التي تجمعهم بكل تقسيماتهم التي تعرضوا لها سواء التقسيمات الفصائلية أو الجغرافية أو الطبقية أو القبلية أو الأيديولوجية أو الحركية النضالية.
فالمعركة اليوم معلنة ولم تعد خفية والسلاح ما يزال بأيدنا لكنه بحاجة للدعم عن طريق اعلان العمل في حفظه وتوثيقه وتنميته، وإعادة التركيز على الرواية الفلسطينية ونشرها بحكمة ووضوح وتعمق وتوريثها للأجيال في أصقاع الشتات، فتترسب في بوتقة الثقافة الإنسانية أحداثا وأغاني ولوحات ورقصات وعادات وتقاليد وفنون، لشعب متعدد النكبات يخضع في كل مكان حلّ به وزمان عاشه لممارسة عنصرية مبتكرة واضطهاد وتضيق لإجباره على التخلي عما بقي له من ذاكرة تربطه بأرضه

