المسار : كتب اسماعيل الريماوي: في زمن تتسارع فيه التحولات الدولية وتتراجع فيه قواعد النظام العالمي القديم، لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين مجرد تنافس اقتصادي أو خلافات سياسية عابرة، بل أصبحت صراعاً مفتوحاً على قيادة العالم وتحديد شكل المرحلة القادمة، القمة التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس الصيني شي جين بينغ تكشف حجم القلق المتبادل بين القوتين، كما تعكس إدراكاً عميقاً بأن العالم يقف على حافة مواجهة كبرى قد تبدأ بحرب تجارية وتنتهي بصدام سياسي وعسكري واسع.
ورغم لغة الدبلوماسية التي تغلف اللقاءات الرسمية، فإن الحقيقة الأعمق تكمن في أن الطرفين لا يلتقيان من موقع الثقة، بل من موقع الضرورة، فالولايات المتحدة التي اعتادت لعقود على قيادة النظام العالمي منفردة، تجد نفسها اليوم أمام قوة صاعدة تمتلك اقتصاداً هائلاً، ونفوذاً متزايداً، وقدرة على تهديد الهيمنة الأمريكية في أكثر من ساحة، أما الصين فهي تدرك أن واشنطن لن تسمح بسهولة بانتقال مركز القوة العالمي نحو الشرق، ولذلك تتعامل مع كل تفاهم باعتباره محطة مؤقتة في صراع طويل لا يزال في بدايته.
الحرب التجارية التي اندلعت بين الطرفين خلال السنوات الماضية لم تكن مجرد خلاف حول الرسوم الجمركية أو العجز التجاري، بل كانت تعبيراً واضحاً عن خوف أمريكي من الصعود الصيني المتسارع، فالصين لم تعد مجرد مصنع للبضائع الرخيصة، بل تحولت إلى منافس خطير في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والصناعات المتقدمة، وهذا ما جعل واشنطن ترى في بكين تهديداً استراتيجياً يتجاوز الاقتصاد إلى الأمن والسياسة والنفوذ العالمي.
في المقابل، تدرك الصين أن الصدام المباشر مع الولايات المتحدة ليس خياراً سهلاً، خاصة في ظل الترابط العميق بين الاقتصادين وتأثير أي مواجهة شاملة على الأسواق العالمية، لذلك تسعى بكين إلى إدارة الصراع بحذر، مع الاستمرار في توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي عبر مشاريع كبرى تربط آسيا وإفريقيا وأوروبا بالمصالح الصينية، في محاولة لإعادة تشكيل موازين القوة الدولية بعيداً عن الهيمنة الأمريكية التقليدية.
قضية تايوان تبقى واحدة من أخطر نقاط التوتر بين الجانبين، فبالنسبة للصين، تعتبر الجزيرة جزءاً من سيادتها الوطنية، بينما تنظر إليها الولايات المتحدة باعتبارها ورقة استراتيجية أساسية لاحتواء النفوذ الصيني في آسيا، ولهذا فإن أي تصعيد في هذا الملف قد يدفع المنطقة والعالم نحو أزمة غير مسبوقة، خصوصاً مع تزايد الحشود العسكرية والتوترات السياسية في بحر الصين الجنوبي.
كما أن الملفات الدولية الأخرى، من إيران إلى أوكرانيا والطاقة والتكنولوجيا، أصبحت ساحات إضافية للصراع غير المباشر بين واشنطن وبكين، الولايات المتحدة تحاول الحفاظ على شبكة نفوذها العالمية ومنع تشكل تحالفات تقلص دورها الدولي، بينما تعمل الصين على استثمار حالة الفوضى الدولية والتعب العالمي من السياسات الأمريكية لبناء صورة قوة أكثر استقراراً وقدرة على تقديم بدائل اقتصادية وسياسية.
ورغم الحديث عن التعاون والحوار وتجنب التصعيد، إلا أن الواقع يشير إلى أن العالم دخل بالفعل مرحلة حرب باردة جديدة، تختلف في أدواتها عن صراعات القرن الماضي، لكنها لا تقل خطورة عنها، فالمعركة اليوم ليست فقط على الحدود والجيوش، بل على الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والإعلام والتحالفات الدولية.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو القمم بين واشنطن وبكين أشبه بمحاولات لتأجيل الانفجار أكثر من كونها خطوات لحل جذور الأزمة، فالصراع بين القوتين أكبر من خلافات مؤقتة، لأنه يتعلق بمن سيقود العالم في العقود القادمة، وبين خوف أمريكي من أفول الهيمنة، وطموح صيني يتقدم بثبات نحو مركز القوة العالمية، يبقى العالم بأسره رهينة لهذا التنافس الذي قد يعيد رسم الخريطة السياسية والاقتصادية الدولية من جديد.
فما يجري اليوم ليس مجرد تفاهمات عابرة بين دولتين كبيرتين، بل معركة تاريخية على شكل العالم القادم، وعلى من يملك القرار والنفوذ والقدرة على فرض قواعد اللعبة الدولية في القرن الجديد.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار

