| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس 6/4/2026
من دول الخليج التي تتعرض للقصف يمكن الطيران، لماذا الإسرائيليون محاصرون منذ 5 أسابيع؟
بقلم: حجاي عميت وبافات رؤوفين
على الرغم من أن أكثر من 80% من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية وُجّهت إلى دول الخليج، فإنه لا توجد مشكلة في الحصول على تذاكر طيران من الدوحة ودبي إلى باريس ونيويورك. أمّا في إسرائيل، فذلك الذي لم ينجح كلٌّ من حماس وحزب الله في تحقيقه خلال حرب 7 أكتوبر، نجحت إيران في تحقيقه: إغلاق بوابتها الرئيسية إلى العالم.
أكثر من 80% من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أطلقتها إيران منذ بداية الحرب وُجّهت إلى دول الخليج – السعودية، الإمارات العربية المتحدة، قطر، عُمان، البحرين والكويت. في حين أُطلق نحو ألف تهديد من هذا النوع باتجاه إسرائيل من إيران، واجهت الإمارات العربية المتحدة وحدها نحو 2200 صاروخ وطائرة مسيّرة. هذه المعطيات وردت في تحليل أجراه موقع الشرق الأوسط في نهاية شهر مارس.
هذه المقارنة لا تشمل تعامل الإسرائيليين مع القصف الكثيف من لبنان، كما أنها تتجاهل في الأساس حقيقة أنه بينما يطلق الإيرانيون النار مباشرة نحو الجبهة الداخلية الإسرائيلية، فإنهم في دول الخليج يركزون على أهداف أمريكية، وغالباً ما يجنبون المدنيين.
ومع ذلك، هناك زاوية أخرى لهذه المقارنة: فرغم أن دول الخليج تتعرض لقصف كثيف من إيران، فإن من يبحث هذه الأيام عن تذكرة طيران من دبي أو قطر أو إحدى دول الخليج الأخرى إلى وجهات مثل باريس أو لندن أو مانهاتن، لن يجد صعوبة في الحصول على واحدة حتى من اليوم إلى الغد.
عدد هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية حسب الدولة، منذ بداية الحرب وحتى 26 مارس
السعر في بعض الحالات سيكون أعلى من السعر الذي اعتاد عليه الإسرائيليون، نظراً لأن هذه الدول تقع شرق إسرائيل، لكن ليس دائماً: فمثلاً تبلغ تكلفة رحلة ذهاب وعودة من دبي إلى باريس نحو 900 دولار. أما رحلة ذهاب وعودة من الدوحة إلى نيويورك فتبلغ نحو 1600 دولار.
شركات الطيران الإماراتية والاتحاد وفلاي دبي قلّصت نشاطها بالفعل، لكنها لا تزال تسيّر رحلات أكثر بكثير من شركات الطيران الإسرائيلية. فشركة إمارات تسير رحلات إلى 127 وجهة، والاتحاد إلى 80 وجهة، وفلاي دبي إلى أكثر من 100 وجهة. وخلال فترة العيد نشرت الخطوط الجوية القطرية جدول رحلات محدثاً حتى مايو 2026 إلى 120 وجهة حول العالم، وأعلنت أن “جميع الرحلات إلى الدوحة ومنها مستمرة بالعمل عبر ممرات طيران مخصصة أُنشئت بتنسيق وثيق مع هيئة الطيران المدني في قطر”.
في المقابل، وبعد أكثر من شهر على بدء الهجوم الحالي، يجد الإسرائيليون أنفسهم ما زالوا محاصرين داخل بلادهم، مضطرين للتنافس على عدد قليل من الرحلات التي تغادر مطار بن غوريون، أو السفر براً إلى العقبة أو طابا للصعود إلى طائرة. ويعود السبب في ذلك إلى أنه بينما تسمح إيران باستمرار عمل المطارات في الخليج، فإن مطار بن غوريون يُعد بالنسبة لها هدفاً مركزياً.
وبحسب الخريطة التي تلخص عدد الإنذارات في بلدات إسرائيل منذ اندلاع عملية “زئير الأسد”، فإن البلدات الواقعة قرب مطار بن غوريون تأتي في صدارة القائمة. فبعد صاحبة أكبر عدد من الإنذارات، ريشون لتسيون، تأتي بلدتا غنوت ومشمار هشِفعا القريبتان من المطار. كما تظهر لاحقاً بلدات بني عطاروت وحمد وتسفريا المحيطة بالمطار والقريبة من القمة.
في هذا الجانب، تُعد الجولة الحالية من المواجهة فريدة. فطوال حرب 7 أكتوبر لم تكن هناك فترة طويلة إلى هذا الحد كانت فيها حركة الطيران في مطار بن غوريون محدودة بهذا الشكل. بل على العكس، فقد كان أحد أسباب الفخر والشعور بالصلابة في إسرائيل خلال تلك الفترة هو القدرة على إبقاء بوابة الخروج الجوية مفتوحة حتى في أصعب الأوقات.
وبناءً على ذلك، تحتفل وسائل إعلام إيرانية هذه الأيام بما تزعم أنها إصابات لحقت بمطار بن غوريون، وفي المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يدركون أن إغلاق المطار يشكّل بالنسبة للإيرانيين رمزاً وإنجازاً مهماً.
مدة إلغاء الرحلات المتوقعة إلى إسرائيل لدى شركات الطيران الأجنبية
- توس وبلو بيرد (اليونان) – حتى 11 أبريل
- الخطوط الجوية الإثيوبية (إثيوبيا) – حتى 16 أبريل
- الاتحاد للطيران (الإمارات) – حتى 16 أبريل
- إير فرانس (فرنسا) – حتى 19 أبريل
- ويز إير (المجر) – حتى 20 أبريل
- فلاي دبي (الإمارات) – حتى 30 أبريل
- إير سيشل – حتى 1 مايو
- إيطاليا إيرويز (إيطاليا) – حتى 1 مايو
- إيجيان (اليونان) – حتى 1 مايو
- إير إنديا (الهند) – حتى 3 مايو
- إير أوروبا (إسبانيا) – حتى 3 مايو
• KLM (هولندا) – حتى 17 مايو
- لوفتهانزا، سويس، الخطوط الجوية النمساوية، بروكسل إيرلاينز، يورووينغز – حتى 31 مايو
- لوت (بولندا) – حتى 31 مايو
- بريتيش إيرويز (بريطانيا) – حتى 31 مايو
- إير بالتيك (لاتفيا) – حتى 31 مايو
- إيبيريا (إسبانيا) – حتى 31 مايو
- أميركان إيرلاينز (الولايات المتحدة) – حتى 3 يوليو
- دلتا إيرلاينز (الولايات المتحدة) – حتى 5 سبتمبر
- يونايتد إيرلاينز (الولايات المتحدة) – حتى 7 سبتمبر
- إير كندا (كندا) – حتى 8 سبتمبر
- إيزي جيت (بريطانيا) – لا يوجد موعد متوقع لاستئناف الرحلات
الجهات الأمنية مقابل شركات الطيران
هناك سببان رئيسيان لحجم النشاط المحدود لرحلات الركاب في مطار بن غوريون — وكلاهما مرتبط بالحرب.
السبب الأول هو الخشية على حياة البشر. فالصواريخ العنقودية التي تُطلق فقط باتجاه إسرائيل، والتي لا يؤدي اعتراضها إلى إزالة الخطر بالكامل بسبب القنابل الصغيرة التي تحتويها، تزيد من مستوى الخطر في المطار.
وتشمل القيود عدد الرحلات وعدد الركاب في كل رحلة. إذ تسمح وزارة المواصلات وسلطة المطارات برحلتين فقط في الساعة — رحلة واحدة تقلع وأخرى تهبط. كما يُحدد عدد الركاب في كل رحلة بـ50 راكباً عادياً إضافة إلى 20 راكباً لأسباب إنسانية، أي ما مجموعه 70 راكباً فقط.
في المقابل، يتزايد الضغط الاقتصادي من شركات الطيران التي تتكبد خسائر يومية كبيرة من أجل توسيع عدد الرحلات. فقد أعلنت شركة إل عال قبل أسبوعين للبورصة أن تقدير خسارتها التشغيلية يبلغ 4 ملايين دولار يومياً.
بن غوريون يعمل عملياً كمطار عسكري
بحسب رون تال، يعمل مطار بن غوريون حالياً بشكل كامل تقريباً كمطار عسكري أميركي-إسرائيلي. وقال: “مطار بن غوريون هو أولاً وقبل كل شيء مطار عسكري، فحوالي 80% من النشاط فيه عسكري”. وأوضح أن طائرات التزوّد بالوقود الأميركية تقف في الأماكن التي كانت مخصصة للطائرات المدنية داخل المطار.
وعلى خلاف شركات الطيران، تضغط الجهات الأمنية من أجل عدم توسيع نطاق الرحلات المحدود. فقد أدى سقوط قنابل عنقودية إيرانية على ثلاثة طائرات خاصة كانت متوقفة في بن غوريون إلى اشتعالها فوراً، ما زاد المخاوف ودفع إلى مزيد من تقليص الرحلات.
السيناريو الأسوأ الذي تخشاه الجهات الأمنية، والذي يُطرح في اجتماعات تقييم الوضع مع مسؤولي الطيران ووزارة المواصلات، هو سقوط صاروخ عنقودي على طائرة مليئة بالركاب.
وقد شرح رئيس سلطة المطارات يفتح رون تال في مقابلة مع إذاعة “كان ريشيت ب” قبل أسبوعين مدى تعقيد إقلاع طائرة ركاب من بن غوريون بسبب الوقت الذي تمضيه على المدرج. وقال: “يستغرق الأمر نحو نصف ساعة حتى تقلع طائرة متجهة إلى أوروبا”، مشيراً إلى أن الطائرة خلال هذا الوقت تكون مليئة بالوقود، ما يجعلها خطراً كبيراً على الركاب في حال تعرضت لهجوم صاروخي من إيران.
في المقابل، فإن مدة هبوط الطائرات القادمة من الخارج أقصر بكثير، إذ لا يوجد قيد على عدد الركاب في الطائرة. وعادة يستغرق الأمر بين خمس وعشر دقائق فقط حتى ينزل الركاب من الطائرة ويدخلوا إلى المطار.
حتى داخل مبنى الركاب توجد قيود، إذ يسمح بوجود 2300 شخص فقط في الوقت نفسه، بحيث يمكن إخلاؤهم إلى الملاجئ عند صدور إنذار مسبق أو إطلاق صافرات الإنذار.
مطار بن غوريون كمطار عسكري فعلياً
إلى جانب ذلك، أشار رون تال في المقابلة نفسها إلى أن المطار يعمل بكثافة كبيرة، ولكن كمطار عسكري أميركي-إسرائيلي. وقال إن معظم الطائرات الموجودة فيه حالياً هي طائرات تزوّد بالوقود أميركية متوقفة في أماكن الطائرات المدنية، مضيفاً أن عددها وصل إلى عشرات الطائرات. ومن المفترض أن يكون مطار رامون هو البديل لبن غوريون، إلا أنه عملياً لا يمكن استخدامه بسبب قيود يفرضها الجيش.
“ضربة هائلة لقطاع الشحن”
لا تقتصر قيود وزارة المواصلات على طائرات الركاب فقط، بل تشمل أيضاً عدد طائرات الشحن المسموح لها بالبقاء على الأرض في بن غوريون في أي لحظة. ومع ذلك، تعمل شركة الشحن الجوي تشالينج إيرلاينز بكثافة خلال الحرب.
وقال أودي شارون، المدير التنفيذي للشركة في إسرائيل: “كل من شركتنا الإسرائيلية وشركتنا المالطية تعظمان نشاطهما في بن غوريون. نحن ننجح في تنفيذ 4 إلى 5 دورات طيران يومياً باستخدام سبع طائرات”. وأضاف: “حتى طائرة الشحن الكبيرة لدينا، بوينغ 777، تعمل بكثافة. لكن القيود الأساسية التي نواجهها هي أنه يُطلب منا ألا يكون هناك أكثر من طائرة واحدة على الأرض في أي لحظة. ومن ناحيتنا أيضاً هذا خطر لا نريد تحمله. مثل شركات الركاب، فإن تركيزنا هو تقليص مدة بقاء الطائرات على الأرض”.
ارتفاع تكاليف التأمين
من الزوايا الاقتصادية الأخرى الناجمة عن القيود الجوية ارتفاع تكاليف التأمين على رحلات الشحن، إذ ارتفعت بعشرات آلاف الدولارات لكل رحلة خلال الحرب. وفي حال نجح الإيرانيون في إصابة طائرة بوينغ 737، فإن الأضرار قد تصل إلى عشرات ملايين الدولارات.
كما عبّر شارون عن غضبه من أن وزارة المواصلات وقّعت خلال الحرب على نظام يسمى “الحرية السابعة” — وهو امتياز استثنائي يسمح لشركة طيران بتسيير رحلات بين دولتين أجنبيتين لا تكون أي منهما بلدها الأصلي. وبموجب هذا القرار، يمكن لشركات شحن أميركية تشغيل خطوط إلى إسرائيل حتى لو لم تنطلق الرحلات من الولايات المتحدة.
وقال شارون: “إنه قرار غريب، ففي هذه الفترة يسمحون للأميركيين بالطيران بحرية من الشرق إلى إسرائيل. احتفلوا بما سموه ‘اختراقاً تاريخياً’ خلال الحرب، وتسببوا لنا بضرر هائل في قطاع الشحن. إسرائيل لا تحتاج إلى ذلك. إنها حاجة أميركية بسبب انخفاض الواردات من الشرق إلى الولايات المتحدة”.
الضرر الأكبر في حركة المسافرين
ورغم أن شركة “تشالينج” تحافظ على رحلات الشحن إلى إسرائيل، فإن الضرر في التجارة الإسرائيلية — التي يتم معظمها أصلاً عبر البحر — يبقى محدوداً. أما الضرر الرئيسي فيكمن في حركة المسافرين المحدودة من إسرائيل وإليها. ومن المرجح أن يستمر هذا الضرر طالما تواصل إيران إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل بشكل يومي، وتستمر في اعتبار إغلاق مطار بن غوريون هدفاً يشكل وسيلة ضغط مهمة على الحكومة الإسرائيلية.
——————————————
N12/ معهد 6/4/2026 Mind Israel
هل أخطأ ترامب مجدداً في تقدير نوايا إيران؟
عاموس يدلين وأودي افنتال
في عيد الفصح هذا، سنعرف ما إذا كان النظام الإيراني قد أخطأ مرة أخرى في تقدير نوايا الرئيس ترامب، وما إذا كان تشديد إيران لمواقفها في المفاوضات – كما فعل فرعون مع بني إسرائيل في مصر – سيوجه لها ضربات أخرى.
بعد شهر من اندلاع الحرب، دخلت إيران والولايات المتحدة الساحة الدبلوماسية بهدف مشترك: التوصل إلى اتفاق ينهيها. إلا أن الخلافات بينهما عميقة، وسيتعين على ترامب أن يقرر ما إذا كان سيتخذ خطوة أخرى نحو التصعيد، في ظل البدائل المتنوعة المتاحة له، سواء العسكرية أو البرية.
لا ينبغي لإسرائيل، التي أصبحت لاعباً ثانوياً نسبياً في هذه الحملة، أن تستبعد مسبقاً التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، على غرار النقاط الخمس عشرة التي طرحها ترامب، والتي من شأنها معالجة التهديد النووي الوجودي والتهديد الصاروخي. في الوقت نفسه، من الأفضل لإسرائيل إنهاء الحرب دون اتفاق على الإطلاق، مع الحفاظ على أقصى قدر من الضغط على إيران، بدلاً من التوصل إلى اتفاق سيئ. في مثل هذا السيناريو، من الضروري أن ينفذ ترامب الإنذار الذي وضعه وأن يهاجم البنية التحتية الحيوية في إيران، قبل نهاية الحرب، بطريقة تردع إيران عن العودة لإغلاق مضيق هرمز أو تهديد دول الخليج في صراعات مستقبلية.
رقعتا شطرنج متوازيتان
قبل شهر، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل في حرب ضد إيران. وكانت ذريعة الحرب مزيجًا من رفض إيران التنازل والتوصل إلى اتفاق يمنعها من تطوير أسلحة نووية، وجهود حثيثة من جانب النظام في طهران لتوسيع ترسانته الصاروخية إلى آلاف الصواريخ التي من شأنها أن تشكل تهديدًا خطيرًا، بل وجوديًا، لإسرائيل. من وجهة نظر النظام في طهران، النظام الصاروخي الإيراني لا يهدف إلى بسط النفوذ وتهديد دول المنطقة فحسب، بل أيضاً، وربما بالدرجة الأولى، إلى أن يكون رادعًا يحمي إيران، التي قد تتمكن في المستقبل، من الوصول إلى قنبلة نووية، عندما تسمح لها الظروف السياسية والتكنولوجية بذلك.
وعلى مدار الشهر الماضي، دارت رحى الحرب على رقعتي شطرنج
على الصعيد العسكري التقليدي، يتكبد النظام الإيراني خسائر فادحة، في ظل تفوق إسرائيل والولايات المتحدة، اللتين تشنّان هجمات ممنهجة على منظومات إيران العسكرية، مع التركيز على الصواريخ الباليستية والأسلحة النووية والدفاع الجوي والبحرية، وعلى أسس صناعاتها العسكرية.
أما على الصعيد الاقتصادي والطاقي، الذي نجحت إيران في تحويل حملتها إليه لخلق اختلال في موازين القوى وتعويض هزيمتها العسكرية، فإنها تُعرّض الاقتصاد العالمي ودول الخليج للخطر، في محاولة منها لتحقيق توازن ردع في مواجهة الولايات المتحدة.
في نهاية الشهر، تلاشت فكرة تصوير الحرب كمحاولة لتغيير النظام في إيران -وهي فكرة غير واقعية منذ البداية في حرب تُشنّ من الجو – من عناوين الأخبار، ودخلت الولايات المتحدة المجال الدبلوماسي مع النظام الإسلامي، بقيادة نجل خامنئي هذه المرة، وبسيطرة الحرس الثوري. وتُجرى المفاوضات في ظل إنذار نهائي وجّهه ترامب، والذي مُدّد مرتين وينتهي في السادس من أبريل، يقضي بشن هجوم على البنية التحتية للكهرباء والطاقة الإيرانية إذا استمرت إيران في تبني مواقف متشددة في المحادثات.
بين الاتفاق والتصعيد
في ظل هذه الظروف، وصلت الحرب إلى مفترق طرق: بين اتفاق – الذي قد يُمدّد ترامب إنذاره مرة أخرى لتحقيقه في حال إجراء مفاوضات جادة – وتصعيد إضافي، في حال انهيار المحادثات واستمرار حصار مضيق هرمز. تجدر الإشارة إلى أن نوعاً من “التبادل للخروج” ممكن أيضاً حتى قبل هذا التقاطع، في سيناريو تسهّل فيه إيران المرور عبر المضيق ويكون ترامب راضياً عن الإنجازات العسكرية للحملة.
على أي حال، تحولت الحرب، التي بدأت بهجوم إسرائيلي أمريكي منسق غير مسبوق في تاريخ البلدين، إلى صراع أمريكي إيراني، أصبحت فيه إسرائيل طرفًا ثانويًا، تساهم في “المفاوضات تحت نيران العدو”، وتُكمل تدمير البنية التحتية العسكرية والصناعية الإيرانية، وتُساعد في الدفاع عن دول الخليج.
في ظل الواقع الراهن، إليكم السيناريوهات المحتملة، من التوصل إلى اتفاق إلى التصعيد، مع دخول الحرب شهرها الثاني:
سيناريوهات الاتفاق
يبدو التوصل إلى اتفاق شامل بين الطرفين، أثناء الحرب، أمرًا صعبًا في الوقت الراهن نظرًا للفجوات الكبيرة بين نقاط الولايات المتحدة الخمس عشرة ومطالب إيران الخمسة. مع ذلك، قد تُبرم اتفاقيات أولية قابلة للقياس ومحددة، إلى جانب بنود أكثر غموضًا لبقية الطريق، تُفضي إلى إنهاء الحرب (اتفاق على غرار “نموذج غزة”).
يمكن تحديد أربعة أنواع من الاتفاقات المحتملة: “الهدوء مقابل الهدوء”، والذي ينطوي أساسًا على فتح مضيق هرمز مقابل وقف إطلاق النار واستمرار المفاوضات بعد ذلك؛ وضمانات أمنية أمريكية بعدم تجدد الحرب مقابل تنازلات إيرانية بشأن الملف النووي؛ وتخفيف العقوبات مقابل تفاهمات بشأن الملف النووي؛ واتفاق شامل لرفع عقوبات واسعة النطاق مقابل اتفاقات جوهرية بشأن الملف النووي والصواريخ والوكلاء.
لا ينبغي لإسرائيل أن تعارض أي اتفاق مع النظام مسبقًا، لا سيما بشأن القضية الجوهرية – الملف النووي. إن اتفاقًا غير محدد المدة، يضمن عدم بقاء اليورانيوم عالي التخصيب في إيران، ويمنعها من تكديس اليورانيوم، ويتضمن آليات تفتيش صارمة، هو اتفاق جدير بالنقاش. من جهة أخرى، إذا كان الاتفاق سيئًا، فمن الأفضل إنهاء الحرب دون اتفاق على الإطلاق بدلًا من اتفاق لا يقدم حلًا للتحدي النووي، ويُبقي النظام في طهران على قيد الحياة.
إنهاء الحرب دون اتفاق، وفق نموذج “الهدوء مقابل الهدوء”، سيتيح للساحة الإقليمية والدولية مواصلة حملة الضغط القصوى على النظام الإسلامي، وسيُبقي خيار التعامل عسكرياً مع اليورانيوم المخصب إذا حاول الإيرانيون استخراجه من أعماق الأرض في المواقع النووية المدمرة.
سيناريوهات التصعيد
تواصل الولايات المتحدة حشد قواتها في الشرق الأوسط، مع التركيز على القوات البرية، مما يمنح الرئيس ترامب خيارات متعددة للتحرك. على عكس إيران، التي قد تُكرر النهج نفسه، يستطيع ترامب، إن شاء، تصعيد الموقف بعدة طرق، عسكرية وبرية، وفرض عقوبات باهظة على إيران.
الخيار الأول، وفقاً للإنذار الذي وضعه ترامب، هو إلحاق الضرر بالبنية التحتية الوطنية، ولا سيما البنية التحتية لإنتاج الكهرباء والطاقة.
ثمة بديل ثانٍ، أكثر تعقيدًا وخطورة، يتمثل في استخدام قوات برية وبحرية مشتركة لتحقيق هدف واحد أو أكثر من الأهداف الثلاثة التالية: فتح مضيق هرمز مع السيطرة على جزر استراتيجية، وربما على الساحل الإيراني؛ والاستيلاء على جزيرة خرج النفطية، التي تُصدّر منها إيران نحو 90 في المئة من نفطها، بما يُلحق الضرر بالمركز الاقتصادي للنظام وقدرته على العمل؛ وعملية لاستخراج اليورانيوم المخصب من إيران، وهو ما يدرسه ترامب، كما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال.
في ظل غياب أي تقدم دبلوماسي مع إيران، من الضروري أن يُنفّذ ترامب الإنذار الذي وجّهه بمهاجمة البنية التحتية للكهرباء والطاقة الإيرانية من الجو، بما في ذلك جزيرة خرج، قبل نهاية الحرب، أو كجزء من “اتفاق نهائي”. وهذا يهدف إلى فرض ثمن باهظ على النظام لاستخدامه أساليب غير شرعية، مثل إغلاق الممرات الملاحية الدولية، وإلحاق الضرر بدول الخليج العربي، وابتزاز نووي.
بصرف النظر عن نتيجة الحرب، يجد النظام الثوري الإيراني نفسه في أحلك لحظات تاريخه. فبعد عامين من “سقوطه” وهجومه الصاروخي على إسرائيل، لأول مرة مباشرة من إيران، بات النظام غارقًا في مشاكل جمة مع الولايات المتحدة، إثر انتفاضة غير مسبوقة ضدها، في حين أن كبار قادته، مخططي تدمير إسرائيل، قد رحلوا عن عالمنا.
يبدو أن الشعب الإيراني، الذي يُعدّ ربما أشجع شعب في العالم في نضاله ضد نظام استبدادي قاتل، لم ينطق بكلمته الأخيرة بعد. إن التوقعات بخروجهم إلى الشوارع أثناء الحرب مبالغ فيها؛ فمئات الآلاف من عناصر الأمن منتشرون هناك، مُكلّفون بإطلاق النار بقصد القتل، والقصف الأمريكي والإسرائيلي مرعب، وصدمة المجازر الجماعية في الاحتجاجات الأخيرة لا تزال حاضرة بقوة.
لكن عندما تهدأ الأمور، لن يكون بالإمكان إخفاء الضربات التي تلقاها النظام، المعزول داخليًا وإقليميًا وعالميًا بشكل غير مسبوق، والعاجز عن حلّ مشاكل إيران المزمنة والمتجذرة في الاقتصاد والبنية التحتية وغيرها. سيأتي دور الجماهير في الشوارع عاجلاً أم آجلاً، كما حدث بعد نحو ستة أشهر من حملة “الأسد الصاعد”.
——————————————
فريق معهد السياسة والاستراتيجية 2/4/2026
10 رؤى رئيسية: الحرب على إيران وحزب الله.. إلى أين؟
برئاسة البروفيسور عاموس جلعاد
مع انتهاء مهلة الإنذار، يقف الرئيس ترامب أمام مفترق طرق حاسم بشأن ما إذا كان سيُصعّد الحملة العسكرية ويُلحق الضرر بالبنية التحتية الوطنية الاستراتيجية في إيران، بهدف التوصل إلى حل وإنهاء سريع نسبياً للصراع.
من جانبه، يُظهر النظام الإيراني، رغم الضربات القوية التي يتلقاها، ثقة متزايدة في قدرته على مواصلة الحرب. ويبدو أنه يمتلك أوراق ضغط قوية تتمثل في إلحاق الضرر باقتصاد الطاقة العالمي ودول الخليج، ما سيساعده على الثبات وفرض اتفاق مُرضٍ على الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.
تتمتع إسرائيل بإنجازات عسكرية مُبهرة، قد تُؤدي، بالتعاون مع الولايات المتحدة، إلى خفض كبير في حدة التهديد الإيراني. في الوقت نفسه، يتعين على إسرائيل الاستعداد لاحتمالية التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، أو لتوقف الرئيس ترامب من جانب واحد، ما قد يُضعف النظام الإيراني ولكنه يُبقيه قائماً. وهذا قد يعني أن النظام سيسعى جاهداً لاستعادة قدراته، بما في ذلك سعيه الحثيث للحصول على أسلحة نووية. وفي الوقت نفسه، ونظراً لإطلاق النار المتواصل من حزب الله، يتعين على إسرائيل مواصلة ضرب التنظيم لإضعاف قدراته، مع إدراك أن إخراج حزب الله من لبنان هدف طويل الأمد يتطلب وضع خطة عسكرية سياسية شاملة.
بعد مرور نحو خمسة أسابيع على بدء الحملة، وفي ضوء تهديد الرئيس ترامب بأنه ما لم تفتح إيران مضيق هرمز بحلول نهاية المهلة النهائية، فستُفتح “أبواب الجحيم”، نود أن نُشير إلى عشر نقاط رئيسية قد تؤثر على نتيجة الحرب:
* الإنجازات العسكرية للجيش الإسرائيلي والجيش الأمريكي مُبهرة للغاية، وتُساهم في إضعاف قدرات إيران المتعددة الأبعاد وقدرات وكلائها في جميع أنحاء الشرق الأوسط. في الوقت نفسه، من الواضح أن العمل السياسي ضروري لتحويل النجاحات العسكرية إلى إنجازات استراتيجية، مما يرسخ أسس واقع أمني سياسي أكثر ملاءمة لدولة إسرائيل.
* التعاون العملياتي العميق بين إسرائيل والولايات المتحدة يعكس استكمالاً لعملية “الأسد الصاعد”، وعمق التحالف الاستراتيجي والعلاقة الخاصة بين البلدين. ومع ذلك، فإن قرار استمرار العملية أو إنهائها بيد الرئيس ترامب. علاوة على ذلك، من الواضح وجود فجوات فيما يتعلق بالأهداف النهائية، ولا سيما فيما يتعلق بمستقبل النظام.
* على الرغم من التقارير التي تتحدث عن انقسامات داخلية، من الواضح أن النظام الإيراني، بقيادة الحرس الثوري، يُظهر ثقة عالية بالنفس وقدرة كبيرة على البقاء. ومن هذا، يمكن استنتاج أن النظام مستعد لمواصلة المواجهة، بما في ذلك اتخاذ إجراءات مضادة قاسية ضد إسرائيل ودول الخليج، لضمان بقاء الجمهورية الإسلامية.
* يرى النظام الإيراني أنه ينجح في تنفيذ استراتيجية منع حرية الملاحة في مضيق هرمز، مُلحقًا أضرارًا جسيمة بدول الخليج، بهدف أحداث فوضى وأزمة طاقة عالمية.
* تهديد حزب الله المستمر لدولة إسرائيل يمثل ضرورةً لإخراجه من لبنان على المدى البعيد. وقد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن الحكومة اللبنانية عاجزة عن فرض إرادتها على حزب الله وسيادتها على لبنان. وهذا يعني ضرورة إيجاد حل جذري، يضعف قدرات النظام الإيراني بشكل كبير، ووضع خطة سياسية عسكرية تهدف إلى إخراج حزب الله وتمكين الحكومة اللبنانية من ممارسة سيادتها في البلاد. وفي الوقت نفسه، يجب الأخذ في الاعتبار أنه في حال انتهاء الحرب باتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، فمن المرجح أن تُطالب الأخيرة بتطبيق وقف إطلاق النار على الجبهة الشمالية أيضاً لضمان بقاء حزب الله.
* دول الخليج تعجز عن تشكيل جبهة عمل موحدة، بل وتتردد في استخدام القوة ضد إيران، رغم ما تملكه من قوة عسكرية. وهذا يعني أن إسرائيل والولايات المتحدة تجدان نفسيهما وحيدتين في الحملة الهجومية ضد إيران.
* يتفاقم هذا الواقع بسبب اتساع الخلافات بين الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. ويعود ذلك إلى تردد هذه الدول في المشاركة في جهود فتح مضيق هرمز، رغم اعتمادها على إمدادات النفط والغاز من الخليج. علاوة على ذلك، تتبنى بعض الدول الأوروبية سياسة فعّالة لمنع الولايات المتحدة من استخدام أراضيها في عمليات هجومية ضد إيران. وقد يكون لهذا الأمر تداعيات بعيدة المدى على منظومة العلاقات الأمنية الاستراتيجية بين أوروبا وواشنطن، وعلى طبيعة إنهاء الحرب في أوكرانيا، وعلى العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، التي قد تجد نفسها المستفيد الأكبر من الأزمة. ومن دلائل ذلك سماح الولايات المتحدة لروسيا بتصدير النفط لفترة محدودة، بما في ذلك إلى كوبا.
* تتيح الحرب لإسرائيل فرصةً لتعزيز اتفاقيات أبراهام. إلى جانب ذلك، يجب الأخذ بعين الاعتبار أن الرئيس ترامب قد يُبدي، بعد الحرب، استعدادًا متزايدًا لمنح دول الخليج قدرات عسكرية متقدمة، حتى أكثر مما وافق عليه حتى الآن، بما يُهدد التفوق النوعي للجيش الإسرائيلي.
* من الأهداف المركزية الأخرى، التي يجب أن تبقى قائمةً، وضع خطة شاملة لإخراج حماس من غزة وتشكيل حكومة بديلة، بالتعاون مع الولايات المتحدة والدول العربية.
* تُبرز الحرب مع إيران، بشكلٍ استثنائي، قدرات الجيش الإسرائيلي المذهلة وأجهزة الاستخبارات والصناعات الدفاعية. ويرتبط كل ذلك بنظام تعليمي عالي الجودة، وكون إسرائيل دولةً يهوديةً ديمقراطيةً ليبرالية. إن الإضرار بهذه الأصول يُعدّ تهديداً لإضعاف قوة إسرائيل الاستراتيجية الشاملة.
——————————————
هآرتس 6/4/2026
“فيلم رعب إسرائيلي”: السماح لأي تجمع عدا الاحتجاجات ضد الحرب.. “مخالفة للتعليمات!”
بقلم: عاموس هرئيل
عند توثيق تدهور الديمقراطية في إسرائيل سيتم تخصيص مساحة لأحداث الأيام القليلة الأخيرة التي أحاطت بالاحتجاجات ضد الحكومة. إن دور الجيش في هذه القضية مؤسف جداً؛ فقد وقعت الشرطة منذ فترة طويلة في قبضة سياسي مناهض للديمقراطية، ويبدو أن الجيش الإسرائيلي يسير على دربها الآن.
السبت، 28 آذار، فرقت الشرطة بالقوة مظاهرة مناهضة للحرب في ساحة “هبيما” في تل أبيب. جاء ذلك على أساس أن هذا التجمع مخالف لتعليمات الطوارئ الصادرة عن قيادة الجبهة الداخلية، التي تسمح بتجمع أشخاص لا يتجاوز خمسين شخصاً قرب ملجأ. الأربعاء، قدم المنظمون التماساً للمحكمة العليا طالبوا فيه بالسماح لهم بممارسة حقهم الأساسي في التظاهر حتى في زمن الحرب.
في ردها على المحكمة العليا، تمسكت قيادة الجبهة الداخلية بما وصفته بموقفها المهني لأسباب أمنية، من دون مراعاة وضع الحق في التظاهر في نظام ديمقراطي، وتجاهلت حقيقة أن الشرطة تطبق التوجيهات بشكل انتقائي. فهي لا تطبق حظر التجمع على الشواطئ وفي المجمعات التجارية وفي المهرجانات، حيث يتجمع مئات، وربما آلاف، الأشخاص أحياناً، رغم تهديد الصواريخ. كما تظهر القيادة أيضاً مرونة في التعامل مع الاحتياجات الأخرى كما تشاء. فعشية عيد الفصح، قررت السماح بسفر السيارات كالعادة رغم التقييم الذي تحقق بالفعل حول وجود خطر كبير لإطلاق كثيف للصواريخ من إيران. والآن، يناقشون تغيير الخطة في مطار بن غوريون للسماح بسفر 100 مسافر في الساعة بدلاً من 50 مسافراً.
الجمعة، استمعت المحكمة العليا للالتماس وأمرت القيادة بعرض خطة بديلة. وبناء على طلب من القيادة، أعطيت مهلة حتى ظهر السبت (ما أتاح لمؤيدي الحكومة ذريعة للاستياء من خرق حرمة يوم السبت). وقد وافقت القيادة على رفع الحد الأقصى للمشاركين إلى 150 شخصاً. وافق رئيس المحكمة العليا إسحق عميت، على رفع العدد إلى 600 على الأقل، ولم يقتنع بالوثائق السرية التي قدمها له ممثلو الدولة. صحيح أن الساحة مهددة، لكنها أيضاً من أكثر الأماكن المحمية في البلاد (القناة 12 توثق نزول المدنيين إلى موقف السيارات هناك منذ بداية الحرب). إضافة إلى ذلك، ففي أي لحظة، يتواجد مئات من المواطنين في مقاهي الساحة أو يتجولون فيها.
مساء السبت، عندما قالت الشرطة إنها أحصت 800 متظاهر في الساحة، قامت بتفريق المظاهرة بالقوة. وفي الوقت نفسه، تم إطلاق إنذار استجابة للتحذير من إطلاق نار من اليمن. والخميس، ستنظر المحكمة العليا من جديد في التماس تمهيداً لمظاهرة أخرى تقرر إجراؤها السبت القادم.
لم يعد هناك أي أمل من الشرطة السياسية التي أقامها بن غفير لنفسه. ولكن ما يثير القلق والتساؤل هنا هو الجانب الإشكالي للجيش. يدير الجيش الإسرائيلي من خلال قيادة الجبهة الداخلية شؤون البلاد اليومية أثناء الحرب، مع الإعلان بأن هدفه هو الحفاظ على أمن المواطنين. الصلاحيات المعطاة له شبه مطلقة. في عهد وزير الدفاع يسرائيل كاتس، تجري عملية تهدف إلى ضبط الجيش. واللامبالاة التي أظهرها رئيس الأركان (الذي اكتفى بنشر بيان يؤيد فيه مرؤوسيه) والطريقة التي يلقي فيها المدعي العام الجديد محاضرات على من عينوه، تثير تساؤلات محزنة حول دور الجيش الإسرائيلي في تقويض نظام الديمقراطية هنا. لم ينته الأمر هنا؛ فليست هذه سوى مقدمة لقمع حرية الاحتجاج والتعبير خلال الحملة الانتخابية القادمة بذريعة حالة الطوارئ في الجبهة الداخلية، وهي ذريعة جاهزة دائماً.
إن الجيش الذي يتصرف بهذه الطريقة سيفقد المصداقية بسرعة أمام المحكمة العليا، مثلما حدث للشرطة قبل ثلاث سنوات. أمس، انضم لاعب آخر مألوف للاحتفال، وهو وزير العدل ياريف لفين، أحد من تسببوا بهذه الكارثة. وطالب بعرض قرار على مجلس الوزراء للموافقة عليه، يلزم الشرطة بتنفيذ توجيهات قيادة الجبهة الداخلية حرفياً، مع تجاهل أحكام المحكمة العليا. وبرر لفين ذلك بطبيعة الحال بتجاوز المحكمة لصلاحياتها وتدخلها في الاعتبارات الأمنية.
——————————————
هآرتس 6/4/2026
الشرق الأوسط يتغير والفلسطينيون خارج اللعبة ومسؤول: إسرائيل تلتهم غزة والضفة
بقلم: جاكي خوري
في خضم الحملة الإقليمية المستمرة ضد إيران، التي ستشكل نتائجها ملامح الشرق الأوسط لسنوات قادمة، يجري صراع من نوع آخر في الساحة الفلسطينية، صراع من أجل مكان على طاولة المفاوضات حول التسويات المستقبلية. ليس على الحدود أو على الاتفاقات، بل صراع وجودي؛ صراع ليكون الفلسطينيون جزءاً من النقاش حول الشرق الأوسط الجديد، وليس مجرد عامل هامشي فيه. يبدو أن الفلسطينيين وصلوا إلى لحظة الحسم الإقليمية وهم في موقف ضعف واضح.
مسؤولون فلسطينيون رفيعو المستوى يقولون في لقاءات مغلقة بأن القيادة الفلسطينية قد استنتجت بعد أحداث 7 أكتوبر والنتائج الوخيمة في قطاع غزة، بأن العالم سيظهر اهتماماً متجدداً بالقضية الفلسطينية، وسيحاول إطلاق تحرك سياسي، ولو بالتدريج، لإعادة حل الدولتين إلى طاولة المفاوضات. ولكن في السنة الماضية، لا سيما في إدارة ترامب، اختفت هذه التوقعات. يبدو أن النقاش حول أي تحرك سياسي جوهري هو اليوم أبعد من أي وقت مضى، رغم المبادرات والمؤتمرات والأفكار المطروحة لإعادة الإعمار في قطاع غزة أو عقد ترتيبات إقليمية واسعة النطاق.
قال مسؤول فلسطيني رفيع لـ “هآرتس”: “إدارة ترامب لا تعطينا أي اهتمام. وإسرائيل تسعى إلى احتلال بعيد المدى لأجزاء في قطاع غزة وضم الضفة الغربية بالفعل. وإذا كان هناك قدر من الضغط الدولي قبل الحرب مع إيران، فلا أحد الآن مهتم بنا، وإسرائيل تواصل سيرها”.
في هذا السياق، يجب فهم تحركات الوفود الفلسطينية في الفترة الأخيرة؛ فقد انتقل وفد من كبار مسؤولي السلطة الفلسطينية، بمن فيهم نائب الرئيس حسين الشيخ ورئيس المخابرات ماجد فرج، بين الرياض وأنقرة. وفي الوقت نفسه، يواصل وفد لحماس جولاته من اللقاءات وينتقل بين القاهرة والعاصمة التركية. ظاهرياً، يعمل الجانبان من أجل المصالح الوطنية الفلسطينية، أما في الحقيقة فهذا صراع على البقاء السياسي؛ فكل طرف يعمل على ترسيخ مكانته بعد انتهاء الحرب.
في العالم الذي تدار فيه الأمور حسب مبدأ القوة والمال والمصالح، تصل السلطة الفلسطينية إلى هذه اللحظة الحاسمة وهي في وضع ضعيف؛ فهي تعاني من أزمة اقتصادية شديدة، ومن تآكل شرعيتها سياسياً، أما تأثيرها على ما يحدث على أرض الواقع في الضفة الغربية وقطاع غزة، فيكاد يكون معدوماً.
لذلك، يركز جزء كبير من جهود الدبلوماسية الفلسطينية على محاولة تجنيد السعودية وتركيا من أجل إعادة القضية الفلسطينية إلى الأجندة الدولية والإقليمية. حسب السلطة الفلسطينية، تعدّ السعودية لاعبة رئيسية، بسبب مكانتها في العالم العربي وعلاقاتها مع واشنطن. وفي رام الله يأملون أن تعود الرياض وتجعل مبادرة السلام العربية من العام 2002 شرطاً رئيسياً في أي تطبيع مع إسرائيل. أما تركيا فينظر إليها على أنها تستطيع التأثير على حماس بشكل أساسي. ويعتقد أن أنقرة تعمل على تسويق صيغة تسمح بدمج حماس في النظام السياسي الفلسطيني كحركة سياسية. يأتي هذا مقابل إحراز تقدم في قضية نزع السلاح أو على الأقل إخضاعها لإطار فلسطيني متفق عليه. وتعدّ هذه القضية حساسة جداً في الخطاب الفلسطيني الداخلي والإقليمي.
رام الله تخشى من تهميش القضية الفلسطينية على خلفية التطورات الإقليمية – اتفاقات أمنية مستقبلية ومحاور إقليمية جديدة وتفاهمات بين الدول العظمى.
في الوقت نفسه، تخوض حماس صراعها المستمر من أجل البقاء في قطاع غزة بعد الحرب. وتؤكد قيادة حماس، ظاهرياً، أن المحادثات في القاهرة وأنقرة تهدف إلى استكمال اتفاق وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات وإعادة إعمار القطاع وإنشاء آلية مؤقتة للإدارة. ولكن الضغط الرئيسي المستخدم على الحركة يدور عملياً حول قضية تسليم السلاح وتفكيك الذراع العسكري والتنازل عن السيطرة الأمنية في القطاع.
الاقتراحات المطروحة تتحدث عن عملية تدريجية: نزع السلاح، تفكيك الانفاق، نقل السيطرة الأمنية إلى جهة أخرى، ربما فلسطينية أو عربية. هذا على أمل أن اختتام المسار بانسحاب إسرائيلي بشكل كامل من القطاع. ولكن العملية كلها تبدو متوقفة في هذه المرحلة. وتستمر النقاشات وتُعقد اللقاءات، لكن الواقع على الأرض تحدده إسرائيل، التي تسيطر على الأمن في مناطق واسعة في القطاع وتفرض واقعاً جديداً.
مع ذلك، وسط الدمار الكبير الذي لحق بالقطاع، تواصل حماس العمل، ليس فقط كمنظمة عسكرية، بل أيضاً كهيئة حاكمة بحكم الأمر الواقع. وتصف مصادر في القطاع استمرار شرطة حماس وأمنها الداخلي وآلية تأمين قوافل المساعدات في العمل، رغم تهديد إسرائيلي مستمر بالاغتيال. وحسب رأي السكان المدنيين الذين بقوا في القطاع، فالسؤال لا يكمن في الأيديولوجيا، بل في الواقع العملياتي: من الذي يسيطر، ومن الذي يوزع المساعدات، ومن هو المسؤول عن النظام العام. في ظل غياب حكومة بديلة واضحة، فحماس هي التي تملأ الفراغ.
في الوقت نفسه، حسب مصادر في القطاع، بدأت حماس بجمع سلاح كل من لا يخضع لها، أحياناً بالقوة وأحياناً من خلال المحفزات المالية، وأحياناً من خلال الاتفاق مع العشائر. الهدف هو تركيز السلاح في يد الحركة وإظهار السيطرة ومنع ظهور فصائل منافسة في المناطق التي ما زالت تسيطر عليها. القضية المهمة لحماس هي القضية المدنية: مستقبل عشرات آلاف المسؤولين الحكوميين وضباط الشرطة ورجال الأمن في قطاع غزة. وأي ترتيب مستقبلي يجب أن يجيب عن سؤال بسيط ولكنه مهم جداً: من سيدفع رواتبهم؟ هل سيتم دمجهم في آلية حكومية جديدة أو سيتم إبعادهم عنها؟ هذا سؤال سياسي بقدر ما هو سؤال اقتصادي، لأنه يتعلق في جوهره بمستقبل السيطرة في قطاع غزة.
دبلوماسي عربي يشارك في المحادثات قال لـ “هآرتس” بأن المشكلة الأساسية تكمن في أن الجميع موجودون في حلقة مفرغة دون مخرج. “لا ينحصر السؤال فيما إذا كانت حماس ستوافق على نزع سلاحها، بل ما الذي سيحدث في اليوم التالي، وما هي قدرة السلطة الفلسطينية”، قال. وحسب رأيه، ما دامت إسرائيل ترفض أي تسوية سياسية شاملة، وما لم يكن هناك ضغط أمريكي ودولي كبير للانسحاب من قطاع غزة، فإنه يصعب تحقيق أي انعطافة. ومن ناحية إسرائيل، لا ضرورة ملحة لتغيير الوضع الراهن في ظل غياب هذا الضغط.
لذلك، في الوقت الذي يشاهد فيه الشرق الأوسط تحولات جذرية، يواجه الفلسطينيون، سواء السلطة الفلسطينية وحماس، صعوبة كبيرة في استخدام نفوذهم؛ يتنقلون بين الرياض وأنقرة والقاهرة، ويعقدون لقاءات ويجرون مفاوضات، لكنهم في نهاية المطاف لا يجلسون على طاولة صنع القرار. هدفهم الآن ليس النضال على شروط أي تسوية، بل الحفاظ على بقائهم.
——————————————
هآرتس 6/4/2026
قوانين أبرتهايد منذ 1970.. “جمعيات يمينية” ترتكب مذابح في القدس: من يحمي الفلسطينيين؟
بقلم: آيلانا هيمرمان
تشهد سلوان في شرقي القدس مذبحة هذه الأيام. مرتكبوها ليسوا من “شبيبة التلال”، بل جهات حكومية رسمية مثل بلدية القدس، المسلحة بأوامر قضائية وجرافات، بمرافقة حراسة مشددة من قبل الشرطة وحرس الحدود الذين يقومون بدوريات يومية في القرية.
هذه الجهات تضع نفسها دائماً في خدمة جمعيات يهودية فاشية، جمعية “عطيرت كوهانيم” وجمعية “العاد”، التي تعمل مثل المزارع والبؤر الاستيطانية على تنفيذ عملية التطهير العرقي في الضفة الغربية وغور الأردن وجنوب جبل الخليل، وذلك لتنفيذ نفس المهمة في القدس، وهي “تهويد” الأحياء المحيطة بالبلدة القديمة.
الضحايا الحاليون هم التجمعات التي تعيش منذ ستينيات القرن الماضي – أي حتى قبل احتلال شرقي القدس – في بطن الهوى وفي حي البستان في قرية سلوان، الواقعة على سفح جبل شديد الانحدار شرقي القدس. وثمة مقالات نشرتها “هآرتس” عرضت المأساة القانونية الطويلة لهذه التجمعات، التي يبلغ عدد سكانها 234 عائلة، 2200 رجل وامرأة وطفل.
الأمر المؤسف، بل والجوهري، أن ليس هذا هو السبب الحقيقي للتدمير والتهجير التي تدمر الحياة هناك؛ فقوانين دولة إسرائيل التي تم سن الكثير منها لهذا الغرض بالذات، حددت مسبقاً وما زالت، مصير أراضي كل الفلسطينيين الذين يعيشون تحت حكم إسرائيل، مواطنيها العرب ورعايا حكمها العسكري على حد سواء.
إن أثر هذه القوانين التي تحكم بها المحاكم، يحدد مصير القرى البدوية “غير المعترف بها” في النقب. فهي الأخرى يتم تدميرها وتخصيص أراضيها لليهود (أم الحيران) و(العراقيب)، وهكذا دواليك.
أما مصير ملكية بيوت الفلسطينيين في بعض أحياء شرقي القدس، الذي تم ضمه للشطر الغربي، فيحدده قانون تم سنه في 1970 لتهجيرهم من بيوتهم وتسليمها لليهود. وهذا القانون الذي يسمى “قانون الترتيبات القانونية والإدارة” يشمل مادة تحدد آلية تسمح “لليهود (أو ورثتهم) بمطالبة القيّم العام على الأراضي بالإفراج عن ممتلكاتهم في شرقي القدس، التي كانت بملكيتهم قبل العام 1948، والتي تم نقل إدارتها إلى القيّم الأردني على أملاك العدو أثناء الحكم الأردني”.
هذه المادة حسمت المعركة القانونية المعقدة لعائلات الشيخ جراح، ضدهم بالطبع، وبحسبها صدرت أوامر أيضاً لإخلاء عشرات العائلات من حي بطن الهوى.
أما ما حسم مصير هدم بيوت حي البستان كلها فهو عدم وجود “رخص بناء”، وهو ما استغلته جمعية “العاد” في تحقيق رغبتها في إقامة حديقة زوار على الأرض التي تسمى “حديقة الملك”. هذه الجمعية، مثل جمعية “عطيرت كوهانيم”، تعمل على “تهويد” القدس الشرقية. (نعم!)، من نفس عائلة المصطلحات العنصرية التي استخدمها النازيون، ها هي بلدية القدس توفر الأساس القانوني لهذه العملية القانونية المعروفة نهايتها مسبقاً. وأي انحراف مؤقت عنها ليس سوى سراب. كل البيوت التي يبنيها السكان الفلسطينيون بين حين وآخر مقدر لها الهدم أيضاً لعدم وجود رخص بناء، التي كانت مخصصة فقط للمستوطنين اليهود. ويتم هدمها أمام عين من يرغب في المشاهدة. عدد قليل من اليهود في القدس يرغبون في ذلك.
حسب رأيي، هؤلاء الذين شاهدوا أكوام الأنقاض في حي البستان، وشاهدوا صور الجرافات وهي تهدم بحماية الشرطة والشرطة العسكرية، والطرد الوحشي للأولاد وعائلاتهم من بيوتهم في بطن الهوى، وشاهدوا المستوطنين الذين دخلوا إلى الشقق والحراس المسلحين الذين يرافقونهم بتمويل سخي من بلدية القدس… يعتبرون ما يحدث مذبحة بكل الأشكال، وتتطلب وجود “حماية” أيضاً. ولكن هذا غير موجود.
—————-انتهت النشرة—————–

