الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

 افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

المؤسسة الاسرائيلية للسياسات الاقليمية الخارجية “ميتفيم” 21/5/2026 

إعادة إعمار غزة كأداة للتغيير السياسي

بقلم: نوعا شوسترمان دفير 

في حين يواجه قطاع غزة دمارًا غير مسبوق، مع تقدير تكاليف إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار، فإننا نُدرك أن عملية إعادة الإعمار ليست مجرد استجابة إنسانية، بل تُمثل نقطة تحول استراتيجية لبناء بديل حكم لحماس، وهو ما قد يُعيد تشكيل الساحة الفلسطينية بأكملها.

في قلب هذه العملية تقف اللجنة التكنوقراطية (NCAG)، التي تعمل تحت سلطة “مجلس السلام” المُحدد في خطة النقاط العشرين والمُعتمدة بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803. تهدف اللجنة إلى تحقيق استقرار الحكم في غزة، مع وضع أفق لانتقال السلطة مستقبلًا إلى سلطة فلسطينية مُصلحة، وربط الضفة الغربية بقطاع غزة.

رغم أن نجاح اللجنة المحتمل قد يُؤثر إيجابًا على الساحة الفلسطينية برمتها وعلى الديناميكيات الإقليمية، إلا أنه من المتوقع أن تواجه اللجنة، على المستوى الجيوسياسي، مجموعة من التحديات، منها:

التوتر مع السلطة الفلسطينية، التي تقع في “فخ استراتيجي”: قد يُبرز نجاح اللجنة عدم أهمية رام الله، بينما سيحول فشلها دون عودة السلطة إلى غزة مستقبلًا.

الغموض الإقليمي: يُعقّد تحكم إسرائيل في المعابر والمجال الأمني ​​(الخط الأصفر) إرساء سيادة فلسطينية مستقلة، ويُؤخر تدفق الموارد الدولية.

طموحات حماس: ستسعى الحركة إلى محاكاة “نموذج حزب الله”، حيث تحافظ حماس على قوتها العسكرية تحت غطاء الهدوء المدني.

في ورقة بحثية جديدة صادرة عن معهد ميتفيم، تؤكد نوعا شوسترمان دفير، مديرة برنامج “الفلسطينيون والمنطقة” في منظمة “مايند إسرائيل”، على ضرورة أن تُستخدم عملية إعادة الإعمار كأداة لإضعاف مراكز قوة حماس، وذلك من خلال خلق تبعية اقتصادية ودبلوماسية للسكان على الغرب ودول الخليج. والهدف هو تحويل غزة من “جيب للمقاومة” يُهدد إسرائيل إلى كيان سياسي فاعل مُندمج في رؤية الاستقرار الإقليمي.

 أهم النقاط الواردة في الورقة البحثية:

نموذج “جزر إعادة الإعمار”: إنشاء مناطق “حكم كامل” وإعادة إعمار مكثفة (مثل رفح) لتكون نموذجًا ناجحًا، ولخلق ضغط شعبي لتبنيه في باقي أنحاء القطاع.

رقمنة الحكم: إنشاء نظام هوية بيومترية أو رقمية لتوزيع المساعدات، لتجاوز آليات الرشوة والنهب التي تمارسها حماس، وبناء صلة مباشرة بين الجمهور واللجنة.

إعادة الإعمار الداعمة لنزع السلاح: توفير حوافز للمقاتلين السابقين لنزع سلاحهم والاندماج في المجتمع، مع ربط ميزانيات إعادة الإعمار بالأمن والاستقرار المجتمعي.

إنشاء “بنك إعادة إعمار غزة”: هيئة مالية مستقلة تحت إشراف دولي، تُمكّن من مراقبة المواد ذات الاستخدام المزدوج بدقة، ومنع تحويل الأموال إلى حماس.

أُعدّت هذه الورقة في إطار منتدى إعادة الإعمار الاستراتيجي، وهو هيئة دولية متعددة التخصصات تضم خبراء من دبلوماسيين واقتصاديين وعاملين في مجال التنمية من إسرائيل والسلطة الفلسطينية والعالم. يعمل المنتدى على تعزيز شرعية الحكومة التكنوقراطية كبديل مدني لحماس، وعلى تصميم نماذج تمويل تدعم الأمن الإقليمي.

——————————————

معهد Mind Israel 21/5/2026 

ترامب يواجه أصعب قرار في ولايته

بقلم: اللواء عاموس يدلين والعقيد (احتياط) عودي أفنتال

إن إعلان الرئيس دونالد ترامب، بناءً على طلب دول الخليج، تأجيل الهجوم العسكري على إيران، والذي كان مقررًا ليوم الثلاثاء، لا يستبعد تجدد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، بل قد يشير إلى اقترابها. على أي حال، فإن تصريحات ترامب المتكررة بشأن الحرب، رغم تناقضها في كثير من الأحيان، تدل على الوضع المعقد الذي يجد نفسه فيه، نظرًا لفشله في انتزاع اتفاق من إيران في المجال النووي ومسألة حرية الملاحة، حتى بعد استخدام القوة بشكل غير مسبوق لمدة أربعين يومًا تقريبًا، وحصار متواصل لمضيق هرمز.

في ظلّ جمود المفاوضات مع إيران، يُجري ترامب مباحثاتٍ مستمرة مع القيادات الأمنية والعسكرية الأمريكية حول البدائل المتاحة له لزيادة الضغط على النظام في طهران، بما في ذلك تصعيدٌ مُوجّهٌ للأعمال العدائية. لكنّه في الواقع يُناور بين خياراتٍ تُعد جميعها إشكاليةً بالنسبة له. أما إسرائيل، فتعتمد على قراراته، التي لا تملك عليها نفوذاً كبيراً في الوقت الراهن، رغم أنّ نتائجها ستُؤثّر بشكلٍ كبير على مصالحها الاستراتيجية.

 بدائل ترامب

الخيار الأول – اتفاقٌ إشكالي

يبدو أنّ التوصل إلى “اتفاقٍ جيّد” غير واردٍ دون زيادةٍ كبيرةٍ في الضغط على إيران، إن وُجدت أصلاً. تشعر إيران بأنّ لديها وسيلتين للضغط – إغلاق مضيق هرمز والتهديد بتعطيل إنتاج الطاقة في الخليج – ولا تُقدّم لترامب “سُلّماً” يُتيح له إعلان إنهاء الحرب. طهران غير مستعدة للعودة إلى الوضع الراهن في مضيق هرمز، وتضع سلسلة من الشروط الصارمة بشأن الرقابة عليه ورفع العقوبات للوصول إلى مفاوضات نووية، في إشارة منها إلى عدم استعدادها لتقديم تنازلات واسعة النطاق. أي اتفاق يُبقي على تخصيب اليورانيوم الإيراني (ليس فقط بنسبة 60 في المئة، بل وبنسب أقل)، ويسمح لها بتخصيبه أو، الأسوأ من ذلك، تكديسه، دون رقابة دقيقة وشاملة على برنامجها النووي، سيكون اتفاقًا سيئًا وخطيرًا.

 الخيار الثاني – استمرار حصار الموانئ الإيرانية

يُلحق الحصار ضررًا بالغًا بالاقتصاد الإيراني، وقد يُلحق ضررًا جسيمًا بآبار النفط الإيرانية وقدرتها الإنتاجية. من جهة أخرى، فإن نظامًا مستعدًا لارتكاب مجازر جماعية ضد مواطنيه، يُمكنه بالتأكيد إثبات قدرته على الصمود على المدى الطويل، حتى على حساب وضعه الاقتصادي ورفاهيته. من جهة أخرى، فإنّ الاقتصاد العالمي يمضي قدماً، وبدون القدرة على ضخ بديل في السوق لعشرين مليون برميل من النفط التي تُصرّف يومياً عبر مضيق هرمز، ستُستنزف احتياطيات النفط العالمية، ما قد يُزعزع استقرار الاقتصاد العالمي.

 الخيار الثالث – كسر الحصار الإيراني على مضيق هرمز بالقوة والعودة إلى “مشروع الحرية”

مؤخراً، اتخذ ترامب قراراً بشأن هذه الخطوة، لكنه تراجع عنها في غضون 24 ساعة. جاء ذلك في ظل مخاوف حلفائه من أن تؤدي هذه الخطوة إلى تصعيد واسع النطاق وأزمة اقتصادية مُحتملة في الخليج، وذلك بعد تأكيدات مساعديه بأنّ عرضاً إيرانياً “جيداً” في الطريق. يكمن الخطر الكامن في عملية كسر الحصار على مضيق هرمز في هجوم إيراني على دول الخليج، وديناميكية قد تُفضي إلى حرب شاملة، وهو ما يسعى ترامب لتجنبه.

 الخيار الرابع – حرب مركزة / واسعة النطاق

قد يحاول ترامب زيادة الضغط تدريجيًا على إيران لحملها على تقديم تنازلات، من خلال توجيه ضربات تحذيرية إلى بنيتها التحتية للكهرباء والطاقة، أو شن عملية عسكرية برية واسعة النطاق ومعقدة وخطيرة لإزالة اليورانيوم المخصب الإيراني. من المتوقع أن ترد إيران، بدورها، باستهداف منشآت الطاقة في دول الخليج، وأن ترتفع أسعار النفط بشكل كبير، وأن تتحول الحرب إلى حرب طاقة واسعة النطاق. كل هذا دون أي ضمانات بأن إيران ستوافق على تقديم تنازلات جوهرية، وفي الوقت الذي يستمر فيه تراجع الدعم للحرب ولترامب عشية انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثامي، ويعود ذلك جزئيًا إلى ارتفاع أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

 الخيار الخامس  – إعلان النصر والانسحاب

كما أنهى ترامب العملية ضد الحوثيين بشكل مفاجئ العام الماضي، يمكنه إعلان نصر عسكري على إيران وسحب القوات الأمريكية من مضيق هرمز. سيُفتح المضيق، وسيتحرر الاقتصاد العالمي من قبضة نقص الطاقة. على الرغم من أن بعض المعلقين يعتقدون أن هذا الخيار هو الأرخص للولايات المتحدة في ظل هذه الظروف، إلا أن تكلفته المستقبلية قد تكون باهظة للغاية.

ستسيطر إيران فعلياً على المضيق، وستمتلك نفوذاً تهديدياً على جميع دول الخليج ودول آسيا وأوروبا، وستصبح قوة لا يستهان بها على الصعيد العالمي. سيُزعزع هذا الواقع قواعد حرية الملاحة في المياه الدولية، وقد يُشجع جهات فاعلة أخرى في الشرق الأوسط وحول العالم على فرض رسوم عبور عند “الاختناقات” البحرية، من باب المندب إلى مضيق ملقا. والأسوأ من ذلك، أن الولايات المتحدة ستفقد مكانتها التي اكتسبتها كقوة عظمى مهيمنة في الشرق الأوسط خلال العامين الماضيين، مما قد يزيد من جرأة الصين تجاه تايوان وجرأة روسيا تجاه أوروبا. كل هذا قبل حتى أن نتطرق إلى القضية النووية واحتمالية استغلال النظام الإيراني للانسحاب الأمريكي للمجازفة وامتلاك قدرة نووية عسكرية.

 ماذا بعد؟

على الرغم من تردد ترامب، وما يبدو أنه ضغطٌ عليه من حلفائه الخليجيين للالتزام بالدبلوماسية في الوقت الراهن، تُشير تحليلات السيناريوهات إلى أنه إذا استمرت إيران في التمسك بمواقفها المتشددة في المفاوضات – كما يتضح من مسودة الاتفاق الأخيرة التي أرسلتها إلى الولايات المتحدة، والتي رفضها ترامب باعتبارها غير كافية – فإن احتمالات تجدد الحرب تتزايد عاجلاً أم آجلاً. وقد أفادت وسائل الإعلام الأمريكية بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تُحضّران بالفعل، منذ وقف إطلاق النار، على نحوٍ غير مسبوق، لاستئنافه هذا الأسبوع، وقد أطلع قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) ترامب على الخطط العملياتية الأمريكية، والتي وُصفت بأنها حملة قصيرة وقوية تهدف إلى زعزعة التقييم الإيراني للوضع.

لقد أصبحت أزمة السيطرة على مضيق هرمز أكثر إلحاحاً، على الأقل على المدى المتوسط، من القضية النووية، التي دخلت الولايات المتحدة الحرب من أجلها تحديداً. وهذا يُعدّ إخفاقاً لإدارة ترامب، التي فوجئت ولم تستعد مسبقاً لمنع إيران من إغلاق مضيق هرمز. سعت إيران، من جانبها، إلى استخدام مضيق هرمز لإنهاء الحرب دون تقديم أي تنازلات جوهرية بشأن برنامجها النووي، وأنظمة صواريخها، ووكلائها في المنطقة. إلا أنه “مع الأكل تاتي الشهية”، والنظام الإيراني الآن غير مستعد للتراجع والسماح بحرية الملاحة في المضيق. وبذلك، تُقيّد إيران ترامب فعلياً بالأزمة، وتمنعه ​​من الانسحاب منها بشكل منفرد.

في ظل هذه الظروف، ومع اقتراب كأس العالم في الولايات المتحدة (الذي سيبدأ في 11 حزيران)، من المحتمل أن يختار ترامب في نهاية المطاف، على المدى القريب، الاستمرار في الحصار المفروض على إيران، أملاً في أن تُؤتي الضغوط الاقتصادية المتزايدة على النظام ثمارها، وأن يُحفّز التهديد الذي يُواجه الاقتصاد العالمي النظام الدولي، ولا سيما الصين، على تشكيل جبهة موحدة ضد إيران.

لا تملك الولايات المتحدة، بطبيعة الحال، أي ضمان لنجاح سياسة الحصار، وقد يضطر ترامب، في مرحلة ما، في ضوء تفاقم تأثيرها على الاقتصاد العالمي، إلى كسر الحصار الإيراني على المضيق بالقوة، ساعيًا إلى الحصول على دعم تحالف دولي واسع. ولعل الدعم الذي أبدته الصين لفتح المضيق، خلال زيارة ترامب إلى بكين، مؤشرٌ على ذلك. من جهة أخرى، تُعدّ سياسة حافة الهاوية التي تنتهجها إيران مثابة “لعب بالنار”، والتي قد تتطور إلى حرب على البنية التحتية للطاقة، وتُلحق أضرارًا ستستغرق سنوات للتعافي منها.

أما من وجهة نظر إسرائيل، فإن أسوأ ما قد يحدث هو التوصل إلى “اتفاق سيئ” مع إيران، حتى وإن جاء بعد جولة أخرى من القتال، والتي قد تكون الأخيرة في ولاية ترامب. إن اتفاقًا على غرار الاتفاق النووي السابق (خطة العمل الشاملة المشتركة) لن يحل المشكلة النووية، وسيسمح للنظام الإيراني بالتعافي من الضربات التي تلقاها، وقد يؤدي إلى انسحاب أحادي الجانب للولايات المتحدة من الخليج، الأمر الذي سيضر بشدة برؤية التطبيع والاندماج في المنطقة.

تتركز مصالح إسرائيل على التهديد النووي، الذي يمثل تهديدًا وجوديًا لها، بينما للولايات المتحدة (والصين)، كالمعتاد، مصالح أوسع كقوى عظمى تتعلق بتدفق الطاقة والاقتصاد العالمي. وعلى النقيض من دورها المحوري في الحرب النشطة مع إيران، فإن نفوذ إسرائيل محدود على المفاوضات بين واشنطن وطهران، ولذلك يتعين عليها حشد شراكتها الاستراتيجية وعلاقاتها الأمنية والدبلوماسية الواسعة مع الولايات المتحدة لإقناع واشنطن بأن الاستقرار طويل الأمد في الشرق الأوسط، والذي سيؤثر على الاقتصاد العالمي، لن يتحقق دون حل للتهديد النووي الإيراني. كما يجب على إسرائيل حشد دول الخليج لتتبنى مواقفها بشأن هذه القضية في مواجهة إدارة ترامب، ولتحقيق هذه الغاية، عليها تعديل سياستها في ساحات أخرى – في غزة ولبنان وسوريا – من أجل تعرض مع دول الخليج جبهة إقليمية موحدة قدر الإمكان في مواجهة واشنطن.

*عودي افنتال خبير في التخطيط الاستراتيجي والسياسي، وعضو في منظمة “مايند إسرائيل”.

——————————————

هآرتس 21/5/2026

إسرائيل تترقب استئناف القتال في ايران فيما هي غارقة في الوحل اللبناني

بقلم: عاموس هرئيلِ 

الحياة تشبه تكرار ممل. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يؤجل باستمرار موعد الحرب، لكن الأمور بقيت على حالها منذ بداية شهر نيسان. ترامب غير متحمس للعودة الى حرب شاملة مع ايران، والنظام في طهران يعرف ذلك. لذلك هو يمتنع عن تقديم تنازلات في المفاوضات غير المباشرة التي تجرى عبر باكستان، وقد يؤدي الجمود المستمر في المحادثات في نهاية المطاف الى استئناف الحرب، خلافا لرغبة الرئيس. إسرائيل، التي ترغب حكومتها في استئناف الحرب وتريد المشاركة فيها، تتصرف وكأن القرار اتخذ بالفعل وسيتم تنفيذه في القريب.

في مساء يوم الاثنين بتوقيت إسرائيل اعلن ترامب بانه وافق على طلب زعماء كل من السعودية وقطر والامارات – الدول التي تخشى كلها من هجمات إيرانية انتقامية – وانه مستعد لتمديد مهلة إيجاد حل سلمي للنزاع، ولكن لبضعة أيام فقط. وفي اليوم السابق، أضاف ترامب بان الطائرات الامريكية كانت على بعد ساعة واحدة من اصدار الامر لشن هجوم على ايران. وتؤكد مصادر في إسرائيل على رواية الرئيس بشكل عام. ويبدو ان الوقت المتبقي لاتخاذ القرار النهائي أصبح ضيق. في غضون ذلك صرح امس بانه غير مستعجل، وان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو سيفعل ما يريد ترامب منه فعله.

سيؤثر قرار الرئيس على الجبهة الداخلية في إسرائيل. ايران تهدد بالرد بقوة اذا تعرضت لهجوم. من الواضح ان قدرتها على اطلاق الصواريخ البالستية اقل مما كانت عليه في حزيران الماضي، عشية الحرب الأولى بين الدولتين، لكنها ما زالت قادرة على احداث فوضى مستمرة في الداخل ودفع الملايين من الإسرائيليين الى الملاجيء والغرف الامنة في العيد.

من وجهة نظر إسرائيلية تبدو تصريحات ترامب الأخيرة مجرد تأجيل تكتيكي. ويقولون بان الرئيس يعتزم شن هجوم، نظرا لما يعتبره انعدام للخيارات الأخرى. ويأمل ان ينتهي الامر في هذه المرة بشكل مختلف عن الهجوم السابق. عمليا، لم تؤد خمسة أسابيع ونصف من الضربات العسكرية الامريكية والإسرائيلية الى انهيار ايران. هذا الفشل هو الذي ردع ترامب حتى الان عن استئناف القتال.

لم يظهر المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، وكبار قادة الحرس الثوري المحيطين به، مرونة كافية بشان القضايا الجوهرية – التي يرى ترامب انها مستقبل المشروع النووي وفتح مضيق هرمز – بما يسمح بوقف اطلاق نار اكثر استقرارا وبدء مفاوضات جادة للتوصل الى اتفاق. أيضا لم تسفر زيارة ترامب في بيجين والتقائه بالرئيس الصيني، حسب معرفتنا، عن أي انفراجة. بين حين وآخر يجوز لنا العودة الى تشخيص البرت اينشتاين، حتى لو اصبح مبتذل: الجنون هو تكرار الفعل نفسه مرارا وتكرارا مع توقع نتيجة مختلفة.

من جهة أخرى الوقت يمر بسرعة: لم يبق الا ثلاثة أسابيع تقريبا على انطلاق بطولة كاس العالم لكرة القدم، التي تعتبر الولايات المتحدة احدى الدول الثلاثة المضيفة لها. من الواضح ان ترامب الذي يعاني من تراجع شعبيته وارتفاع التضخم في بلاده، يخشى خوض حرب عبثية في الخليج، بينما يأمل تحقيق مكاسب سياسية داخلية.

نشرت “نيويورك تايمز” امس نبأ آخر كان يعتبر في السابق ضرب من الجنون، ويستقبل الان بتجاهل تام. وحسب الصحيفة ناقشت أمريكا وإسرائيل في بداية الحرب تعيين محمود احمدي نجاد، الرئيس الإيراني السابق (2005 – 2013)، كحاكم جديد في طهران. احمدي نجاد الذي يتم ذكره في إسرائيل في المقام الأول كمنكر صريح للكارثة، سئم من الخلافات المتكررة مع عائلة خامنئي وانصارها على مر السنين، لكنه ما زال يتمتع بشعبية معينة بين بعض شرائح الشعب الإيراني. مع ذلك، تبدو فكرة تعيينه بالقوة، فكرة خيالية.

مع مرور الوقت يتضح ان الحرب الحالية في ايران هي مقامرة أمريكية – إسرائيلية متطرفة، مبنية على خطط عملياتية غير مكتملة، وعلى آمال لا أساس لها. في العام 2018 ضغط رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على ترامب للانسحاب احادي الجانب من الاتفاق النووي. وكانت النتيجة، عند عودة ترامب الى البيت الأبيض في كانون الثاني 2025، تسارع في سعي ايران لامتلاك السلاح النووي وتكديس اليورانيوم المخصب الذي يمكن ان ينتج 11 أو 12 قنبلة، اذا تم تخصيبه بعد ذلك الى مستوى عسكري.

أدى الهجوم الإسرائيلي في حزيران الماضي، بمساعدة أمريكا في قصف منشأة فوردو، الى اضعاف النظام وتاخير المشروع النووي الى حد ما. ولكن الحرب لم تحقق النتائج الحاسمة التي وعد بها ترامب ونتنياهو قبل سنة تقريبا. فقد أدى تسارع مشروع ايران للصواريخ البالستية، وحسب بعض الادعاءات استئناف التقدم في المشروع النووي، الى قرار شن هجوم جديد في شباط الماضي، الذي حفزه أيضا قمع الاحتجاجات في كانون الثاني الماضي. مع ذلك لم تتم ترجمة التفوق العسكري الذي اظهرته الولايات المتحدة وإسرائيل الى قرار حاسم في الحرب، ويبدو الان ان ترامب يفكر في تصعيد الموقف. في الوقت الحالي، بينما يروج صحافيون يؤيدون نتنياهو سيناريوهات مخيفة حول عمليات للكوماندو، ما زالت الحرب في ايران تعتبر فشل استراتيجي.

الإحباط والغضب

يؤثر الجمود في الخليج أيضا على الوضع في جنوب لبنان. ما زال الجيش الإسرائيلي ينشر ثلاث فرق هناك، لكن تحت امرتها يعمل عدد قليل نسبيا من الطواقم القتالية على مستوى لواء، التي لا تتقدم شمالا، بل تحافظ على خط من المواقع داخل الأراضي اللبنانية على بعد 10 كم شمال الحدود مع إسرائيل. وتركز القوات بشكل أساسي على مسح القرى الشيعية والمواقع التي يستخدمها حزب الله، التي توجد في المناطق تحت سيطرتها.

يواصل حزب الله اطلاق عدد كبير من المسيرات المفخخة كل يوم. وما زالت هذه الطائرات، التي تشغل عن بعد عبر الالياف الضوئية، هي السبب الرئيسي للخسائر في صفوف القوات الإسرائيلية في لبنان. ويتركز معظم النقاش العام حول تأخر إيجاد حل تقني لاسقاط هذه الطائرات، التي لا يمكن اسقاطها باستخدام الحرب الالكترونية، خلافا للمسيرات الأكبر حجما والطائرات اللاسلكية. ولكن الجانب الذي لا يحظى بالنقاش الكافي يتعلق بالانضباط العملياتي للقوات في الدفاع. وتظهر التحقيقات الأولية التي اجراها الجيش الإسرائيلي بان عدم الالتزام بالتعليمات الدفاعية الأساسية هو السبب الرئيسي للخسائر في حوادث كثيرة. ويرتبط هذا الاستنتاج بظاهرة أوسع في الجيش الإسرائيلي، التي تتمثل بعدم الانضباط والاحداث العملياتية التي كانت واضحة منذ بداية الحرب في كل الجبهات.

وقد كتب اللواء المتقاعد تمير هايمن، رئيس معهد بحوث الامن القومي والرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية، هذا الأسبوع بان “قرار عدم اخلاء المستوطنات هذه المرة (في الجليل)، إضافة الى التصريحات الحادة لشخصيات سياسية بارزة بشان نزع سلاح حزب الله كهدف للحرب، خلق واقع مستحيل. واضح ان الجيش الإسرائيلي يعجز حاليا عن احتلال لبنان وفرض نزع سلاح حزب الله. في مواجهة حماس، المنظمة الأضعف بكثير، استغرق الامر ثلاث سنوات لمعرفة ان مثل هذا النصر المطلق غير ممكن. وبالتاكيد، نزع سلاح حزب الله غير ممكن في غضون الحرب مع ايران، في حين ان لبنان يعتبر جبهة ثانوية، ورئيس الأركان يرفع “عشرة اعلام حمراء بشان حالة القوة البشرية في الجيش الإسرائيلي”.

صباح امس أصيب قائد اللواء المدرع النظامي 401، اللواء مئير فيدرمان، إصابة خطيرة بسبب غارة جوية بطائرة مسيرة. خلال زيارة في الحدود اللبنانية في منتصف شهر آذار، صرح لـ “هآرتس” بانه يعرف مهمته جيدا، حيث كان الجيش الإسرائيلي، لا سيما سلاح الجو، يركز بالكامل على الهجوم على ايران. وقال في حينه: “لسنا القوة الرئيسية، وجميعنا نعرف ذلك. أنا اتصرف بمسؤولية”. وأضاف ان قرار عدم اخلاء المستوطنات القريبة من الحدود هذه المرة اسعده، لان الجيش الإسرائيلي قادر على انجاز مهمته وحمايتها. لقد تم استدعاء فيدرمان لتولي منصب قائد اللواء في تشرين الأول 2024، بعد قتل صديقه العقيد احسان دكسا، في انفجار عبوة ناسفة في مخيم جباليا في شمال قطاع غزة.

في اليوم السابق قتل ضابط احتياط في قوات المظليين، الرائد ايتمار سفير من اريئيل، في اشتباك مع عنصر من حزب الله في جنوب لبنان. كان سفير اثناء خدمته النظامية ضابط في وحدة النخبة مغلان. الاسم الثاني لابنه اطلقه تيمنا بصديقه المقرب يفتاح يافتس، ضابط وحدة مكافحة الإرهاب الذي قتل في 7 تشرين الأول مع مقاتلين آخرين من مغلان في معركة انقاذ كيبوتس ناحل عوز. ما زالت هناك شريحة ضئيلة من الجنود تتحمل عبء الحرب وتدفع الثمن الاغلى.

ترسم المحادثات مع الضباط الذين يخدمون حاليا في لبنان ومع آبائهم صورة قاتمة ومقلقة. القادة الصغار يقولون ان مهمتهم الأساسية هي إعادة رجالهم الى البيت سالمين، الذين يتعرضون لتهديد مستمر من المسيرات المفخخة، ويجدون صعوبة في تحديد الاستراتيجية التي تتبعها القيادة العليا، ونشاطهم الرئيسي هو التدمير الكبير للبيوت في القرى بذريعة انها كانت البنية التحتية العملياتية لحزب الله. الإحباط من الخسائر في الأرواح، وحظر ترامب شبه الدائم للغارات على بيروت والبقاع، يفجر الغضب الشديد ضد القرى الموجودة شمال نهر الليطاني بدون أي امل حقيقي.

الجيش يأمل ان تؤدي المفاوضات السياسية التي تجرى برعاية أمريكية في واشنطن بين السفير الإسرائيلي والسفير اللبناني في الولايات المتحدة الى انفراجة معينة. في الوقت الحالي لا تبدو الافاق واعدة. ولكن الملفت للنظر هو الغياب التام لأي نقاش استراتيجي: يفضل نتنياهو عدم الخوض فيه، وتعاني هيئة الأركان العامة من ضغط الجناح المتطرف في الحكومة، وتخشى ان يتم تصويرها كدمية في يدها، في حين كل الجهات الأخرى التي كان من المفروض ان تساهم في النقاش أو تشرف عليه (مجلس الوزراء ووزير الدفاع ومجلس الامن القومي ولجنة الشؤون الخارجية)، محايدة وغير مبالية، حتى ان بعض المناصب العليا بقيت شاغرة لفترة طويلة. كل ذلك يراقبه سكان الجليل الغربي واصبع الجليل بغضب متزايد، وقد عادوا الى روتين القصف والخسائر اليومية، بينما يتمتع مركز البلاد وجنوبها بفترة هدوء طويلة من الحرب.

——————————————

هآرتس 21/5/2026

ضغوط على ترامب للتقدم باقتراح لإيران لا يمكنها أن ترفضه

بقلم:  تسفي برئيل 

في العام 2012 تم اجراء مقابلة مع مئير دغان، الرئيس السابق للموساد في حينه، في برنامج “60 دقيقة” على قناة “سي.بي.اس”. المذيعة سالته، ليزلي ستول، اذا كان يعتقد ان الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد هو شخص عقلاني. دغان أجاب: “نعم، ليس بالضبط عقلانيتنا، لكن أنا اعتقد بانه عقلاني”. وعندما سئل اذا كان يعتقد ان الإيرانيين “عقلانيين بما فيه الكفاية” للانسحاب من البرنامج النووي أجاب: “لا شك ان النظام في ايران قد لا يكون عقلاني تماما بالمعنى الذي اعرف فيه التفكير الغربي، لكن لا شك انهم يدرسون كل العواقب المحتملة لافعالهم”. يذكر ان مقال نشر في يوم الأربعاء في “نيويورك تايمز”، جاء فيه بان إسرائيل اقترحت على الولايات المتحدة “تنصيب احمدي نجاد كرئيس للنظام في طهران، كبديل لعلي خامنئي، جدير بالقراءة إضافة الى هذه المقابلة التي أجريت مع دغان.

هل كان الموساد يحلم بخطة لتغيير النظام في حينه؟ هل ورث دغان خطة محكمة لورثته، أو أنها كانت في الدرج بانتظار دافيد برنياع لتنفيذها؟ ربما يوجد الجواب في تصريح دغان في تلك المقابلة: “الحل الأمثل هو إزاحة آيات الله من خلال دعم الطلاب والأقليات في ايران”. وأشارت ستول الى وثيقة مسربة من وزارة الخارجية الامريكية في 2007 قال فيها دغان بانه يجب بذل المزيد من الجهود لاحداث تغيير في النظام الإيراني. وسئل دغان: هل فعلت إسرائيل أي شيء لتشجيع أو مساعدة أو دعم جماعات المعارضة الشباب التي كانت تتظاهر ضد النظام؟. فأجاب: “دعونا نتجاهل هذا السؤال”.

لماذا تسأل ستول اذا كانت إسرائيل قد عملت على تجنيد احمدي نجاد الذي كان في حينه في نهاية ولايته الرئاسية الثانية، ليكون “عميل” لها. وكان من شان هذا السؤال ان يظهر المحاورة الماهرة والمطلعة على الأمور بشكل غير مرضي. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها دغان عن احمدي نجاد بوصفه “شخصية مرغوب فيها”.

في العام 2009، عندما اندلعت مظاهرات كبيرة في ايران احتجاجا على تزوير الانتخابات، التي فاز فيها احمدي نجاد بعد حملة تزوير مخطط لها، مثل دغان امام أعضاء لجنة الخارجية والامن التابعة للكنيست، للتوضيح بان الواقع في ايران لن يتغير بعد الانتخابات – التي ترشح فيها أيضا مير حسين موسوي الذي كان يعتبر ممثل الإصلاحيين. قال دغان لاعضاء اللجنة الذين لم يكونوا مطلعين على تفاصيل السياسة في ايران: “لو ان موسوي فاز لكان سيصعب على إسرائيل تبرير موقفها في العالم. دعونا لا ننسى ان موسوي هو الذي بدأ مشروع المفاعل النووي”. وحسب ما جاء هم لم يظهروا أي مخاوف مشروعة حول سبب كون اختيار موسوي سيصعب على إسرائيل تبرير موقفها.

حتى ان دغان ذهب الى القول بأنه “حسب معلوماتي حول تزوير الانتخابات في ايران، هو لا يختلف عن التزوير في الدول الليبرالية”. ان وصف هذه الأقوال بـ “التصريح المكبوح” (التصريح الذي يصور الفكرة على نحو اضعف أو اقل مما تقتضيه الحقيقة)، هو إهانة لمصطلح “التصريح المكبوح”. لا يمكن للمرء الا الافتراض بان دغان كان يعتقد ان رئيس معادي للسامية في ايران وينكر الكارثة، استطاع تجاوز منكريها المحترفين ويؤيد بحماس المشروع النووي ويعارض المفاوضات مع الغرب ويعلن ضرورة محو إسرائيل عن وجه الأرض – سيسهل على إسرائيل تسويغ ضرورة الغاء المشروع النووي، مقارنة مع زعيم يعتبر إصلاحي ويدافع عن حقوق الانسان. زعيم مع إعلانه الالتزام بالمشروع النووي تعهد أيضا بانه برنامج للأغراض السلمية.

اذا كان الامر كذلك فالسؤال هو: متى حدث التحول الذي جعل احمدي نجاد، ليس فقط شخص “عقلاني”، بل أيضا شخص يمكن “تنصيبه” كزعيم لإيران من قبل إسرائيل والولايات المتحدة؟. حتى الآن، بعد مراجعة التفاصيل التي نشرتها “نيويورك تايمز”، يبدو ان اختياره كبديل مفضل عن نظام خامنئي في افضل الحالات، هو خطة على شفاف الجنون.

وبغض النظر عن مسالة اختيار احمدي نجاد كمرشح، فان السؤال عن كيفية تفكير أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والمخابرات الامريكية في انزاله الى السلطة، يثير قلق كبير. فبالنسبة للشعب في ايران لا يقتصر الامر على مسؤولية احمدي نجاد عن قتل العشرات من الذين تظاهروا ضده واعتقال الآلاف، بل هو مشهور بشكل خاص بالاستيلاء على الرئاسة عن طريق التزوير والتحايل، ومسؤول عن الدمار الاقتصادي الذي الحقه بالبلاد. من جهة أخرى، يعتبر احمدي نجاد بالنسبة لكثيرين من عامة الشعب، لا سيما الفقراء الذين ازداد عددهم في السنوات الأخيرة، “بطل الفقراء” بفضل سياسته الشعبية التي وسعت نظام الدعم وقدمت تعويضات سخية لملايين المحتاجين. وقد ساهم موقفه الحازم ضد علي خامنئي في ترسيخ هذه الصورة، لا سيما عند ظهور خلاف حقيقي بينهما في أواخر ولايته الثانية، وقطيعة استمرت لبضعة أسابيع.

منذ ذلك الحين حاول احمدي نجاد الترشح للرئاسة ثلاث مرات أخرى، في 2017 و2021 و2024. ولكن لجنة حماية الدستور، المسؤولة عن فحص المرشحين، استبعدته من الترشح، ولم يتوانى عن توجيه انتقادات شديدة للنظام واتهامه بالفساد وسوء الإدارة، أيضا انتقد خامنئي نفسه بشكل ضمني. يحتمل ان الصراع على السلطة بين الشخصين واحباط احمدي نجاد من تهميشه وابعاده عن السباق الرئاسي، جعلته هدف محتمل للتجنيد. ويرجح البعض انه كان يبحث عن دعم من الخارج، وعرض نفسه كبديل جدير. وربما يتذكر البعض الرسالة المكونة من 15 صفحة التي أرسلها احمدي نجاد للرئيس جورج دبليو بوش في 2006، والتي جاء فيها مقترح لخطة تنهي النزاع النووي بين الدولتين. وهي الرسالة التي رفضها بوش وقال: “هي مثيرة للاهتمام، لكنها تتجاهل الموضوع النووي”.

هل توقع أي احد بجدية ان الشعب الإيراني، أو على الأقل معارضي النظام الذي تسبب في المظاهرات الكبيرة في كانون الأول وبآلاف القتلى، سيباركون “الزعيم الجديد” ويعتبرون انه الوعد الكبير لتغيير النظام؟ هل سيقف الحرس الثوري مكتوف الايدي ويحيي شخص كان ذات يوم من لحمهم ودمهم، وبعد ذلك اتهمهم بافساد البلاد؟ ربما كان احمدي نجاد يسوق نفسه كشخص قادر على كبح الحرس الثوري وتسخيره لـ “ثورته”، مثلما يسوق رضا بهلوي، نجل الشاه، نفسه كبديل لا يضاهى؟ مثير للاهتمام تخيل النقاشات التي جرت بين مهندسي الثورة الإيرانية الجديدة في إسرائيل وفي الولايات المتحدة حول من هو الأفضل، بهلوي أو احمدي نجاد. وخلف كل واحد منهما كما يبدو لوبي عمل على تسويقهما. من المؤسف انه لم يكن بالإمكان رؤية وجه بهلوي عندما قرأ المقال في “نيويورك تايمز” وادرك من الشخص الذي سيواجهه.

مهمة تغيير النظام في ايران

من المرجح ترك مهمة تغيير النظام في ايران، باعتبارها هدف استراتيجي لا يمكن التنازل عنه كما صرح رئيس الموساد الحالي، لوريثه. ولكن في غضون ذلك قرر دونالد ترامب بالفعل، مع التحفظ المطلوب على كل تصريحات الرئيس الأمريكي الحازمة، إمكانية عقد صفقة مع النظام القائم، الذي اطلق عليه اسم “النظام الجديد”، الذي نشأ بعد القضاء على “النظام القديم”. في مواجهة هذا النظام، الذي ما زالت آلية صنع القرار فيه غامضة بدرجة كبيرة، يجري ترامب حوار متعدد الابعاد، وقد تضاءل نفوذه فيه بعد عودته من الصين خالي الوفاض. وحسب شهادته، ترامب كان على بعد “ساعة واحدة” تقريبا من اصدار الامر بشن الهجوم، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة بناء على “طلب” من السعودية والامارات. ومثير للاهتمام أنه لم يذكر باكستان التي وافق على طلبها قبل أسبوعين تمديد وقف اطلاق النار، أو إسرائيل التي تحثه على شن الهجوم، بل قال: “نتنياهو سيفعل ما أريد منه أن يفعله”.

ان اختيار ترامب لشرح موقفه لمستمعيه يظهر بوضوح انه مقابل تهديده بـ “إبادة حضارة ايران”، هو على معرفة تامة بخيارات الرد الإيرانية، التي كل شيء فيها ممكن. تشمل هذه السيناريوهات الحاق اضرار جسيمة بمحطات تحلية المياه في دول الخليج، التي توفر حوالي 90 في المئة من استهلاك المياه، وتدمير البنى التحتية للنفط والغاز والحاق اضرار بمحطات الطاقة النووية مثل محطة بركة في دولة الامارات التي تضررت، وتعطيل المطارات، ومهاجمة ناقلات النفط الراسية في موانيء دول الخليج، والتسبب باضرار بيئية غير مسبوقة، ستتقزم الاضرار الناتجة عن الحرب بين ايران والعراق مقارنة معها، وتنشيط الحوثيين في ممر البحر الأحمر الملاحي وشن هجمات تتجاوز حدود المنطقة.

وقد اثبتت السعودية وجيرانها بالفعل العجز عن تقديم ضمانات لسلوك ايران او التزامها بتعهداتها. فهي نفسها دول مستهدفة، ضحايا حرب، زجت بها إسرائيل، الولايات المتحدة والمنطقة. وفي ظل غياب أداة ضغط ناجعة على ايران، هي تسعى الان بجهد للحد من الاضرار المتوقعة من استئناف الحرب، وبالنسبة لهم لا يوجد الا عامل واحد من اجل الضغط عليه، أي الرئيس الأمريكي.

يقول ترامب، الذي مدد من جديد مهلة الحرب “يومين أو ثلاثة أيام”، بانه يملك الوقت الكافي، وأنه “لا شيء مستعجل”، رغم ان دول الخليج أوضحت له بان الوقت بالنسبة لها هو الأهم، وأن ايران غير مستعجلة. ورغم ان الحصار البحري يتسبب بخسائر كبيرة لها، الا انه ما زال غير قادر على شل البلاد. وتتراوح التقديرات حول مدته بين 3 – 10 اشهر واكثر. في ظل هذه الظروف سيتعين على ترامب التقرير اذا كان الهجوم سيهيء ظروف افضل للمفاوضات. أو انه من الأفضل تقليل الخسائر وتقديم عرض يصعب على ايران رفضه.

——————————————

اسرائيل اليوم 21/5/2026 

فخ ترامب: هكذا ستبدو الحرب القادمة مع إيران

بقلم: يوآف ليمور

يبدو أن الأمر قد حُسم. لم يعد السؤال “هل ستندلع؟” بل “متى ستندلع؟”. الرئيس ترامب، بعد ترددات وصراعات، وبعد زيارته للصين، اتخذ أخيرًا قرارًا باستئناف القتال. وكما هو الحال دائمًا مع ترامب، يجب أن نضع علامة استفهام هذه المرة: ما لم تبدأ الحرب، فهي لا تُعتبر حربًا حقيقية. لكن من خلال تصريحاته، يبدو أنه أدرك أنه لن يتمكن من تحريك الإيرانيين (مجددًا) دون ضربهم.

من الصعب تجاهل الإحباط الثلاثي الذي يعاني منه الرئيس الأمريكي. فللمرة الأولى، لم تُترجم إنجازات الحرب – والتي كانت كثيرة – إلى نتيجة ملموسة في المفاوضات. فبدلاً من أن تصل الولايات المتحدة منتصرة وإيران خاضعة، يتصرف الإيرانيون وكأنهم هم من يملون الشروط، والولايات المتحدة هي من يجب عليها الامتثال.

أما الإحباط الثاني، فهو أن ترامب لا يزال منشغلاً بإيران بدلاً من الانتقال إلى قضايا أخرى. في هذه المرحلة، كان يرغب بالفعل في التواجد في كوبا وغرينلاند، لتوزيع العوائد الاقتصادية (أي توقيع العقود) التي كان من المفترض أن تكون جزءًا من تقسيم غنائم الحرب، وخاصة الاستعداد لكأس العالم الذي سيبدأ بعد ثلاثة أسابيع في الولايات المتحدة (وكذلك في كندا والمكسيك). كان من المفترض أن تكون هذه بطولة كأس العالم “الخاصة به”، والتي ستحتفل خلالها الولايات المتحدة أيضًا بمرور 250 عامًا على استقلالها. لكنه عالق الآن في إيران.

ومن أسباب الإحباط الأخرى أنه لا يملك خطة محكمة. فجنرالاته لا يعرفون كيف يضمنون له تحقيق إنجاز سريع وحاسم، ويخشى أن ينتهي به الأمر إلى التخبط والتردد بدلًا من اتخاذ قرار، مما سيزيد الأزمة تعقيدًا، ويؤدي في الوقت نفسه إلى تراجع شعبيته إلى أدنى مستوياتها.

لقد كان يحلم بأن يكون نسخة عصرية من يوليوس قيصر، الذي سيقول: “أتيت، رأيت، انتصرت”. لكنه قد يُذكر الآن كشخص حكم على بلاده، وعلى الغرب بأسره، بهزيمة استراتيجية.

هذه الجملة الأخيرة تحتاج إلى توضيح. فبالنسبة لترامب (وإسرائيل)، يعني النصر على الأقل حلًا واضحًا للقضية النووية وفتح مضيق هرمز دون شروط. إذا سقط النظام أيضًا، فسيكون ذلك مكسبًا كبيرًا يُسرّع من وتيرة التطورات الإيجابية في إيران، ما سيكون له تداعيات على المنطقة بأسرها (والعالم). وأي نتيجة أقل من ذلك ستُعدّ نصرًا لإيران.

لن تُجدي التفسيرات حول مدى قسوة الضربة التي تلقتها، وعمق الخسائر الاقتصادية التي تكبدتها، ومدى الضرر الذي لحق بجيشها وصناعتها العسكرية؛ ففي نظر الإيرانيين، عدم تكبد أي هزيمة هو نصر. وسيُحوّلون هذا النصر إلى قوة داخلية وإقليمية وعالمية. والأسوأ من ذلك كله: إذا فشلت الولايات المتحدة بقيادة ترامب في هزيمتهم، فمن المشكوك فيه أن تجرؤ دولة أخرى – أو رئيس آخر في واشنطن – على المحاولة مرة أخرى في المستقبل.

كل هذا مطروحٌ الآن على الطاولة، بالإضافة إلى أمورٍ أخرى عديدة يُفترض ظاهريًا عدم إقحامها في قرارات الحرب والسلام، لكنها كامنةٌ في الخلفية، وعلى رأسها السياسة الإسرائيلية الداخلية عشية الانتخابات، وإذا أردنا تلخيصها: وضع بنيامين نتنياهو، الذي يبحث بيأسٍ عن إنجازٍ باهرٍ يُغيّر مسار استطلاعات الرأي، ويُحوّل النقاش على الأقل عن فضيحة مشروع القانون التجنيد والفشل الذريع في الشمال إلى مجالاتٍ أكثر ملاءمةً له – مجالاتٍ يُمكنه من خلالها التغاضي عن كل شيء، مع التركيز على تقديم موعد الانتخابات، باسم الحجة البالية “اصمتوا، نُطلق النار”.

من المرجح أن تستمر هذه الحرب – إن اندلعت، لأن ترامب، رغم كل شيء، قد يُغير رأيه في أي لحظة – من بضعة أيام إلى بضعة أسابيع. ملاحظة: كما هو الحال دائمًا، في الحرب، تعرف كيف تبدأ، لكنك لا تعرف حقًا كيف (ومتى) تنتهي. قد يتراجع ترامب، ويندم، ويفقد صوابه. هناك العديد من الجهات الأمريكية والدولية التي تُؤثر عليه وتُعرقل مساره، بالإضافة إلى أولئك الذين يُعلنون دعمهم في اتجاه، بينما يُخفون ذلك في اتجاه آخر. في محاولة منه لتحقيق التوازن، سيبحث على الأرجح عن مخرج يُتيح له أن يقول “لقد انتصرت” ويمضي قدمًا. شيء يُبرر استئناف الحملة وإنهاءها.

من وجهة نظر إسرائيل، يجب أن يكون هذا الشيء هو السلاح النووي. إنه الكأس المقدسة التي انطلقت الحملة باسمها في المقام الأول. إن أي وضع يجعل إيران قريبة من القدرة النووية قد يكون أسوأ من الوضع عشية الحرب، بالنظر إلى حقيقة أن النظام أكثر تطرفاً وانتقاماً من سلفه، ويدرك أن السلاح النووي وحده هو الذي سيحميه من التهديدات والهجمات المماثلة في المستقبل (وفقاً لكوريا الشمالية).

دار نقاش حاد في الأسابيع الأخيرة بين خبراء الاستخبارات والأوساط الأكاديمية حول ما إذا كان المرشد الأعلى الجديد، نجل العجوز، سيغير فتوى والده التي حظرت تطوير الأسلحة النووية، مما يمهد الطريق لها. ويسود الاعتقاد بأن مجتبى أكثر تطرفًا وتدينًا، وأكثر تحررًا من والده، نظرًا لشخصيته ومعتقداته، ولأن والده (وزوجته وابنه) اغتيل، وأُصيب هو نفسه بجروح خطيرة في عملية الاغتيال. ويُستنتج من ذلك أنه إذا سُمح كانت ثغرة ما، فقد تتمكن إيران بقيادة خامنئي الابن من التغلغل عبرها نحو امتلاك القنبلة النووية. وقد عُرض هذا الاستنتاج أيضًا على ترامب. ولو كان لديه سبيل سهل لتحويله إلى نتيجة واضحة، لاختاره منذ زمن. ظاهريًا، قد يبدو الأمر بسيطًا: يأتي، يأخذ، يذهب. بل إن هناك من رددوا هذه الأفكار علنًا في إسرائيل هذا الأسبوع، دون فهم حقيقي لمعناها (ولا يسع المرء إلا التكهن بمن كان وراء نشر هذه المعلومات، والذي كان مطلعًا عليها بالكامل). الواقع، كالعادة، أكثر تعقيدًا بكثير، مع احتمالية حدوث مضاعفات تُهدد فرص النجاح.

الخلاصة واضحة: يبدو أن الأمور قد حُسمت. لم يعد السؤال “هل ستُشن الحرب؟” بل “متى ستُشن؟”. القرار النهائي سيتخذه ترامب. هذا الأسبوع صرّح بأنه كان سيُقرر الحرب يوم الثلاثاء، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة. لستُ متأكدًا من صدقه، لكن لا يهم. لأسبابٍ عديدة، فالآن هو الوقت المناسب، وإلا فمن يدري متى ستُشن، لأن منتصف تموز سيشهد كأس العالم، ثم العطلة الصيفية، ثم انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، ثم الشتاء مجددًا، وبعد ذلك، الله أكبر.

——————————————

يديعوت احرونوت 21/5/2026 

حماس وفتح، نسخة صناديق الاقتراع: الفلسطينيون أيضاً في فترة انتخابات

بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين 

حملتان انتخابيتان تتصدران الخطاب الفلسطيني حالياً. الأولى، في حماس، تُجرى سراً وتستحوذ على معظم الاهتمام، بينما الثانية، في فتح، أُجريت علناً، لكن موقف الرأي العام تجاهها يتراوح بين اللامبالاة والنفور. تهدف كلتا الحملتين الانتخابيتين إلى تحديد عناصر القوة التي ستُحدد مسار الفلسطينيين في السنوات القادمة، وتُحدد أهدافهم وعلاقاتهم مع إسرائيل.

تختلف انتخابات قيادة حماس، التي تُجرى كل أربع سنوات، هذه المرة بسبب الاضطرابات الدراماتيكية التي حدثت منذ 7 أكتوبر. وقد أُجريت حتى الآن في جبهات عمليات الحركة الأربع (غزة، والضفة الغربية، والخارج، والسجون)، وفي كل منها، تم انتخاب مكتب سياسي ومجلس شورى، ومنهما يُنتخب مكتب أعلى يضم ما بين 15 و20 عضوًا، ومجلس شورى أعلى يضم حوالي 70 عضوًا. عادةً ما تُجرى الانتخابات سرًا، إلا أن الانتخابات الأخيرة (2021) اتسمت بمزيد من العلنية، لا سيما في غزة، حيث شارك فيها 20 ألف ناشط.

السؤال المحوري هو: من سيتولى رئاسة المكتب السياسي خلفًا لهنية، الذي أُغتيل به عام 2024، والسنوار، الذي خلفه وأغتيل بعد ذلك بفترة وجيزة؟ الظروف مختلفة هذه المرة: ففي غزة، تواجه حماس صعوبة في ممارسة أنشطتها المعتادة بسبب الهجمات الإسرائيلية المستمرة؛ وفي السجون، قامت مصلحة السجون الإسرائيلية بتفكيك قيادة حماس، ما يحول دون إجراء انتخابات؛ وفي الضفة الغربية، يقبع معظم النشطاء في سجون إسرائيل، بينما يعمل ممثلو المنطقة في الخارج (ومن المتوقع إعادة انتخاب زاهر جبارين، المقيم في تركيا). وأوضح طاهر النونو، المتحدث البارز باسم حماس في الخارج: “أجبرت عمليات الاغتيال المستمرة حماس على إجراء انتخابات سرية هذه المرة”.

أوضح موسى أبو مرزوق، القيادي البارز في حركة حماس بالخارج، أن “ما يحدث اليوم في حماس ليس عملية انتخابية طبيعية وكاملة، بل هو خطوة تهدف إلى ملء الشواغر، وتحديداً منصب رئيس المكتب السياسي، في ظل معرفة أن المرشحين هما خليل الحيا (المسؤول عن الحركة في قطاع غزة، والذي شغل منصب نائب السنوار؛ وابنه الرابع، الذي كان يعمل في الجناح العسكري، قُتل هذا الشهر على يد إسرائيل) وخالد مشعل (أحد مؤسسي حماس، والذي شغل منصب رئيس المكتب السياسي لمدة 21 عاماً، حتى انتخاب هنية عام 2017)، وأضاف أن الانتخابات من المقرر إجراؤها خلال شهر أيار. وقد انتهت الجولة الأولى من المنافسة بينهما بالتعادل، ولذلك تستعد الحركة لجولة ثانية قريباً. ووفقاً لتقارير إعلامية، فقد تعادل المرشحان، وكان الصوت الوحيد الذي كان يمكنه أن يحسم النتيجة بطاقة بيضاء.

يجسد التنافس بين الحية ومشعل صراعًا طويل الأمد على السلطة قائمًا على الجغرافيا، يدور حول تحديد الساحة التي تقود الحركة: غزة، المنطقة الوحيدة التي تتمتع فيها حماس بنفوذ واسع من حيث المساحة والسكان وتمارس فيها سلطتها (والتي تنحدر منها حركة حماس)، أم الضفة الغربية، التي تمثل أهداف الحركة المستقبلية، والتي ينحدر منها مشعل. ولا يعكس هذا الصراع فجوة أيديولوجية، إذ يتشارك قادة الحركة نفس القيم والأهداف طويلة الأمد، وعلى رأسها القضاء على إسرائيل وإقامة دولة في كامل “فلسطين التاريخية”. كما لا يوجد نقاش حول القضايا الراهنة الجوهرية، والتي تتمثل أساسًا في معارضة نزع سلاح حماس. مع ذلك، يطمح كل مرشح إلى تركيز جهود حماس على الساحة الأقرب إليه: فالحية يركز على تحسين الوضع في قطاع غزة وإعادة تأهيل حماس في المنطقة، بينما يركز مشعل على تعزيز قوة قيادة حماس في الضفة الغربية، مع التركيز على التحركات المتعلقة بهذه المنطقة، مثل المصالحة مع السلطة الفلسطينية، وربما، في المستقبل، المشاركة في الانتخابات العامة.

ويوضح طارق حمود، الباحث في المركز العربي للدراسات السياسية في قطر، قائلاً: “تولي حماس أهمية بالغة للانتخابات الحالية، كوسيلة للتجديد التنظيمي ولإثبات قدرتها على إدارة مؤسساتها رغم الضربات القوية التي تلقتها”. ويضيف: “من المفترض أن تمهد الانتخابات الطريق أمام قرارات استراتيجية تواجه حماس، تتمثل أساساً في إدخال تغييرات على الهيكل التنظيمي، وإخراج القطاع من الأزمة الراهنة، والمضي قدماً بالمرحلة الثانية من اتفاق إنهاء الحرب، وإعادة العلاقات مع دول المنطقة”.

وأوضح مصدر أمني في حديثه: “هناك توترات داخلية في حملة حماس الانتخابية”. يتهم كثيرون في المنظمة قيادة غزة بدفع النظام الفلسطيني برمته إلى مغامرة خطيرة، دون نقاش معمق أو اتفاق داخلي على هذه الخطوة الجريئة. وقد تشير صعوبة السيطرة السريعة على قيادة المكتب السياسي إلى أن غزة، التي تمتعت بعقد من الهيمنة في حركة حماس (بقيادة هنية والسنوار)، تواجه الآن انتقادات ودعماً داخلياً محدودين.

***

في غضون ذلك، في غزة، لم يختلف اليوم التالي لمقتل عز الدين الحداد (أبو صهيب) – الذي تم القضاء عليه قبل أسبوع – عن اليوم السابق. لا يزال الجناح العسكري يُدار من قبل كبار القادة الذين نجوا، وعلى رأسهم محمد عودة (أبو عمرو)، رئيس جهاز المخابرات في الجناح العسكري، والذي عُيّن، بحسب التقارير، خلفًا للحداد، ويعمل معه منذ ستة أشهر لإعادة بناء التنظيم، لا سيما على الصعيد العسكري (بحسب تقارير إعلامية، عُرض عليه منصب رئيس الجناح بعد مقتل محمد السنوار عام 2025، لكنه رفض).

ومثل العديد من قادة حماس، يُعد عودة، المولود في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، لاجئًا. كان عودة والحداد ورعد سعد (نائب الحداد الذي قُضي عليه في نهاية عام 2025)، وهم من سكان مدينة غزة، يُعتبرون قادة “المعسكر الشمالي” في حركة حماس، والذي كان على خلاف مع “المعسكر الجنوبي” بقيادة الأخوين السنوار.

انضم عودة إلى حماس فور تأسيسها عام 1987. في بداية مسيرته، عمل في جهاز “مجد” الذي كان يُعنى بتحديد مواقع المتعاونين والقضاء عليهم (وكان يحيى السنوار أحد أوائل قادته)، ثم شغل لاحقًا منصب قائد في الجناح العسكري (حتى عام 2019، شغل منصب قائد كتيبة جباليا الغربية). يُعد عودة شخصية غامضة لا تحظى بشهرة واسعة، ولا يعرفه معظم سكان غزة، على عكس شخصيات مثل السنوار والضيف وحتى الحداد. بحكم منصبه، انصبّ تركيزه على جمع المعلومات عن الجيش الإسرائيلي، وكان مسؤولاً عن الجهود الاستخباراتية التي تقف وراء هجوم 7 أكتوبر (وهو أحد آخر الناجين من المجموعة الصغيرة التي خططت للغارة). على مرّ السنين، بُذلت عدة محاولات لاغتياله، وخلال الحرب، قُصف منزله وقُتل ابنه البكر.

يوضح عدي روتم، المسؤول السابق في جهاز الأمن العام (الشاباك) وعضو فريق التفاوض خلال الحرب، في حديث له: “يُعدّ رحيل الحداد إنجازًا تكتيكيًا هامًا، كونه آخر قادة الألوية الذين ترأسوا الجناح في 7 أكتوبر، ولكنه ليس إنجازًا استراتيجيًا: فلن يتزعزع وضع حماس ولن تتغير مواقفها. مع ذلك، من المحتمل أن يُعزز هذا الاغتيال، الذي يُضاف إلى اختفاء شخصيات بارزة أخرى من قيادة غزة، مثل الأخوين السنوار وإسماعيل هنية، القيادات في الخارج والضفة الغربية على رأس التنظيم”. أضاف مصدر أمني في حديث هذا الأسبوع: “عوده خبير، لكنه ليس في مستوى الحداد. فالحداد من بين مجموعة القادة الذين حوّلوا الجناح العسكري إلى جيش على مدى العقدين الماضيين، وكان يُعتبر قائداً ويحظى بإعجاب عناصر الجناح. في الوقت الراهن، لا يزال مصير تعيين عودة على رأس الجناح غامضاً. وحتى لو تمّ ذلك، فليس من المؤكد أن عناصر الجناح سيقبلون بسلطته كما فعلوا مع الحداد”. مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن شخصيات غامضة، يُزعم أنها تولّت مناصب رفيعة خلفاً لأسلافها الذين تمّت تصفيتهم، قد فاجأت الجميع في السنوات الأخيرة، وكان آخرهم نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله.

 إلى جانب عودة، توجد مجموعة من القادة الذين كانوا في رتب متوسطة في بداية القتال، وترقّوا نتيجةً لعمليات التصفية، وعلى رأسهم مهند رجب، قائد لواء غزة، ونافذ صبيح (أبو جلال)، قائد لواء شمال غزة، وعماد عقل، رئيس جهاز الجبهة الداخلية. ويتولى علي العمودي، عضو المكتب السياسي، قيادة أنشطة المسؤولين الحكوميين وتعزيز أنشطة المنظمة المدنية والسياسية، وهو على اتصال دائم بقيادة غزة العاملة حاليًا في قطر، برئاسة الحية، ويرافقه شخصيات بارزة في المكتب مثل كمال أبو عون، ونزار عوض الله، وسهيل الهندي.

إن اغتيال الحداد يُلحق ضرراً بالغاً، وظيفياً ورمزياً، بحماس، لكن حتى هذا الاغتيال، كاغتيال نصر الله وخامنئي، لا يُفضي إلى انهيار فكرة المقاومة. كما أن إزاحة حداد لا تُزيل عقبة أمام التوصل إلى اتفاقيات بشأن نزع السلاح، إذ إن خلفاءه متشددون أيضاً في هذا الشأن، تماماً كما لم يكن خلفاء الأخوين السنوار مرنين كسابقيهم فيما يتعلق بصفقة الرهائن، على عكس بعض العناصر في إسرائيل التي كانت تأمل في تحقيق انفراجة عقب اغتيالهما.

في الوقت نفسه، اختُتمت هذا الأسبوع انتخابات قيادة فتح (التي جرت بشكل رئيسي في الضفة الغربية، وكذلك في غزة – بموافقة حماس – وفي الخارج)، وذلك ضمن فعاليات المؤتمر العام الثامن للحركة، والذي انتُخب فيه 18 عضواً في لجنتها المركزية. تُظهر قائمة المنتخبين سبب عدم اهتمام الرأي العام الفلسطيني بهذا الحدث: فمع أن مروان البرغوثي، ذو الشعبية الواسعة، يتصدر القائمة، إلا أنه يأتي بعده مقربون من أبو مازن، البالغ من العمر 90 عامًا، يتقدمهم حسين الشيخ وماجد فرج، وممثلون عن الجيل الأكبر سنًا مثل محمود العالول وتوفيق الطيراوي، وياسر نجل أبو مازن، إلى جانب ممثلين رمزيين عن جيل الشباب، مثل زكريا الزبيدي، أحد قادة كتائب شهداء الأقصى في جنين، والذي أُفرج عنه من السجن قبل عام ونصف، وعدنان غيث، محافظ منطقة القدس في السلطة الفلسطينية.

“هذا حدث هامشي من وجهة نظر العامة. صورة حركة فتح سيئة، وليس من قبيل المصادفة أن تُظهر معظم استطلاعات الرأي الفلسطينية أن حماس تحظى بشعبية أكبر في الضفة الغربية”، يوضح البروفيسور كوبي ميخائيل في حديثه، مضيفًا: “يُعدّ المؤتمر إلى حد كبير من البقايا التي عفى عليها الزمن، مما يُبيّن أنه إذا لم تُجرِ حركة فتح تغييرًا جذريًا من خلال ضخ دماء جديدة ومعالجة الانقسامات بين الأجنحة المتنافسة، فستصبح الحركة مجرد ذكرى تاريخية بعيدة. وفي الوقت نفسه، لا يزال الرأي العام ينظر إلى أبو مازن على أنه عبء، وخليفته المُختار، الشيخ، أقل شعبية منه”. يؤكد ياسر أبو بكر، أحد مندوبي المؤتمر، هذا الادعاء قائلاً: “كانت ثلاث ليالٍ مرهقة من نقاشات لا تنتهي، عكست قوة الحركة، وإن كانت منهكة ومشتتة. لم تُناقش القضايا الجوهرية في القاعة، بل في الممرات، ولم يُسمع النقد علنًا، بل همسات في الزوايا، وكان موضوع النقاش الرئيسي هو “الكراسي”.

لا تحمل الانتخابات في الساحة الفلسطينية أخبارًا جديدة، لا سيما في سياق العلاقات الإسرائيلية. ومع ذلك، لا ينبغي أن يُرضي الإحباط العميق الذي يعيشه الفلسطينيون الإسرائيليين، فمصير الشعبين متشابك. من المستحسن تحويل الفرح إلى حزن من خلال نقاش جاد ورصين حول المستقبل. في هذا السياق، بات من الأهمية بمكان أكثر من أي وقت مضى ترديد كلمات زئيف شيف وإيهود يعاري في كتابهما “الانتفاضة” (1990): “لقد تم تهميش القضية الفلسطينية من وعي الرأي العام الإسرائيلي […] ونشأ مفهوم مفاده أن الفلسطينيين ليسوا عاملاً مؤثراً، وأن الرأي العام الإسرائيلي لا يعلم كيف يعيشون وما هي مشاكلهم […] لقد غذّى القادة أنفسهم بمعلومات شوّهت تقييماتهم، ويجدون صعوبة في التخلص من الشعارات القديمة المتعلقة بالقضية الإسرائيلية الفلسطينية”. لقد تحوّل هذا التهميش الدائم في عام 1987 إلى مفاجأة مريرة، وفي السابع من أكتوبر إلى كارثة كبرى، وإذا استمرت إسرائيل على النهج نفسه، فلن يكون المستقبل مختلفاً.

 ——————————————

إسرائيل اليوم 21/5/2026 

خطة يئير غولان السياسية تكشف انها تشبه رابين أكثر مما تشبه ميرتس

بقلم: داني زاكن

ما هي الرؤية السياسية والأيديولوجية لحزب الديمقراطيين؟ كان اللواء (احتياط) يئير غولان، رئيس هذا الاتحاد بين حزبي العمل وميرتس، معروفًا بنهجه الهجومي، وبكونه، حين كان نائبًا للقائد العام لهيئة الأركان العامة، “يحدد العمليات”، لكن تصريحاته لم تكشف عن نهج القائمة التي يرأسها.

والآن، تكشف صحيفة “إسرائيل اليوم” عن خطة تُحاك في أروقة الحزب. يعمل على هذه الخطة رئيس قسم التخطيط السابق، اللواء (احتياط) نمرود شيفر، وفريق من الخبراء. عُرضت الخطة على مجموعة من أعضاء الحزب الأسبوع الماضي، ومن المتوقع أن تُشكّل أساسا لبرنامج الحزب بعد حصولها على موافقة المؤسسات المختصة. وقد تعامل شيفر، خلال خدمته العسكرية السابقة، مع قضايا تتعلق بالحفاظ على السلام مع مصر والأردن، بالإضافة إلى إعداد الخطط والسيناريوهات اللازمة للتوصل إلى اتفاق سياسي مع الفلسطينيين.

 دولة فلسطينية

يتحدث المستند عن حل طويل الأمد يتمثل في إقامة كيان فلسطيني في معظم أراضي الضفة الغربية، وهو أقرب بكثير إلى توجهات المؤسسة الأمنية الرابينية في حزب العمل، منها لأيديولوجية حزب ميرتس الشريك. ومع ذلك، فإن تأثير صدمة 7 أكتوبر واضح، وهناك حذر شديد تجاه القضية الفلسطينية. يظهر مصطلح “الدولة الفلسطينية”، الذي أصبح مبتذلاً في نظر معظم الرأي العام الإسرائيلي، في الخطة عدة مرات، دون التعريف المألوف “دولتان لشعبين”، ومع تحفظ يتعلق بتجريد الدولة الفلسطينية.

 الخطة العامة لقطاع غزة

فيما يتعلق بقطاع غزة، فإن التحفظ أكثر أهمية. وفقًا لخطة شيفر، لن تدخل السلطة الفلسطينية القطاع إلا بعد استقرار الوضع في أراضيها. وتنص الوثيقة على أن “المسؤولية المدنية ستُنقل تدريجيًا إلى السلطة الفلسطينية، رهناً باستكمال الإصلاحات والإشراف الدقيق”. إذا بدا هذا مألوفًا لك، فليس ذلك من قبيل الصدفة: فالصياغة قريبة جدًا من بنود ترامب العشرين – الخطة التي وقّعها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في واشنطن. ورغم اعتماده على خطة ترامب، ينتقد شيفر إسرائيل التي “تُجرّ” إلى هذه العملية ولا تبادر بالتحرك. وتنص الوثيقة على أن “إسرائيل ستقود آلية تؤدي إلى تفكيك حماس ونزع سلاح قطاع غزة، وستضم قوة الاستقرار الدولية جنودًا من دول ملتزمة بتفكيك حماس”. وستبقى المسؤولية الأمنية على عاتق إسرائيل، مع حرية كاملة في التصرف في مواجهة أي تهديد.

 لا لضم أجزاء من الضفة الغربية

يكمن الاختلاف الجوهري في النهج المتبع تجاه الضفة الغربية. فخطة شيفر تعارض “خطوات الضم” التي تقوم بها الحكومة الحالية. ووفقًا للوثيقة، ينبغي تخصيص الموارد لوقف الإرهاب اليهودي، وإخلاء البؤر الاستيطانية غير القانونية، وإعادة الصلاحيات إلى الجيش الإسرائيلي، وإرساء “سيطرة أمنية احترافية بدلًا من السيطرة السياسية ذات النزعة المسيحانية”.

وبحسب شيفر، كان أحد الأسباب الرئيسية لكارثة 7 أكتوبر هو “محاولة بنيامين نتنياهو السافرة للترويج لاتفاقيات مع الدول العربية مع تجاهل الفلسطينيين وإهمالهم”.

إضافةً إلى ذلك، “سيتم وقف فائض الميزانية المخصصة للمستوطنات، ووقف التوسع الاستيطاني، ووقف بناء مستوطنات جديدة في مناطق لا يُفترض أن تكون ضمن حدود دولة إسرائيل المستقبلية”.

 “اتفاق إقليمي واسع”

بحسب شيفر، تتمثل الرؤية في الإبقاء على الكتل الاستيطانية التي يسكنها معظم سكان الضفة الغربية – حوالي 400 ألف نسمة – داخل إسرائيل، وليس نسبة الـ 4 في المئة التي كانت ضمن خطة أولمرت وباراك، والتي رفضها عرفات. واستنادًا إلى خبرته السابقة كرئيس شعبة التخطيط في الجيش في المفاوضات مع الأمريكيين والفلسطينيين، يقول شيفر: “إذا قررت إسرائيل التعايش مع كيان فلسطيني، فإنها ستعرف كيف توفر الأمن لمواطنيها، وسيكون الواقع الأمني ​​أفضل”. ينص البند المركزي في الخطة على ما يلي:

“سيكون حل الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني في إطار اتفاق إقليمي مستقر، يشمل التطبيع وإقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، بشكل تدريجي وتحت إشراف، تعيش بسلام إلى جانب إسرائيل.”

وتقترح الوثيقة إشراك دول عربية إضافية في العملية السياسية مع الفلسطينيين، بدلاً من الحوار الثنائي المباشر معهم. ووفقًا لشيفر، فإن أحد الأسباب الرئيسية لكارثة عيد فرحة التوراة هو “محاولة نتنياهو الصارخة لترويج اتفاقيات مع الدول العربية مع تجاهل الفلسطينيين وإهمالهم”. هذه الفكرة تلاشت في السابع من أكتوبر، وبات عدم معالجة القضية الفلسطينية يُشكل تهديدًا للاستقرار في المنطقة بأسرها.

 وتتسم الخطة برمتها بانتقادات لاذعة لسياسة نتنياهو على مر السنين في “إدارة الصراع” دون السعي إلى اتفاقات سياسية، والرفض السياسي، ومفهوم “حماس مكسب”، وإضعاف السلطة الفلسطينية، والاعتماد حصريًا على “الردع”. يقول شيفر لصحيفة “إسرائيل اليوم”: “نتنياهو لا يُروّج للاتفاقيات فعلياً”. ويضرب مثالاً بالمفاوضات مع لبنان، التي يقودها سفير الولايات المتحدة لدى واشنطن يحيئيل لايتر، الذي يفتقر إلى الخبرة السياسية، ولا يضم فريقاً دبلوماسياً استراتيجياً رفيع المستوى. ويضيف: “لا يريد نتنياهو حلاً شاملاً. فعلى سبيل المثال، وقّع على النقاط العشرين، لكنه لا يُروّج لها. وهذا ينطبق على جميع المجالات”.

ويتابع: “نحن نُبادر ونقود، بدلاً من الرفض السياسي والاحتجاج على تحركات الآخرين. ففي سوريا، على سبيل المثال، كان ينبغي الإسراع في إبرام اتفاق مع الرئيس الشرع قبل أن يُسيطر الأتراك سيطرة كاملة على المنطقة”. ووفقاً لشيفر، ينبغي القيام بذلك “حتى لو كان ذلك على حساب إخلاء مواقع الجيش الإسرائيلي في الأراضي السورية”. كما يُعارض بقاء الجيش الإسرائيلي في المنطقة الأمنية جنوب لبنان، “لأن ذلك لا يحمي من الصواريخ التي تُطلق من الشمال، ويجعل الجنود في وضعٍ حرج”. الحل الأمثل هو تفكيك حزب الله عبر اتفاق ومشاركة دولية.

 التحالف مع الديمقراطيات

يقول شيفر إن سياسة نتنياهو أدت إلى فقدان مزايا استراتيجية، مثل نفوذ إسرائيل في واشنطن، وبرأيه فان إقتناع ترامب بمهاجمة إيران مع اسرائيل لا يتعارض مع ذلك. تسعى الخطة، من خلال الحل السياسي للصراع، إلى “تجديد التحالف مع العالم الديمقراطي”، بما في ذلك “إزالة إسرائيل من القوائم السوداء لمؤسسات القانون الدولي”.

يتضمن البرنامج أيضًا: إعادة تأهيل وتعزيز الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) والشرطة بعد استخلاص العبر من أحداث 7 أكتوبر، من خلال لجنة تحقيق رسمية؛ ووضع خطة جديدة للتجنيد في الجيش الإسرائيلي، تقوم على مبدأ المساواة في العبء وتتوافق مع احتياجات الجيش؛ والإشارة إلى “معالجة الفساد المهني والأخلاقي في الشرطة والجيش والشاباك، وتعيين كفاءات جديرة” – في إشارة واضحة إلى عمليات التطهير التي تحدث عنها غولان، وقادة أحزاب معارضة آخرون مثل بينيت.

——————————————

هآرتس 21/5/2026 

نحن الذين نحقق رؤية حركة كاخ، لكننا لا نهتم برؤية ذلك

بقلم: تاليا ساسون 

أنا لم اسافر الى الضفة الغربية منذ سنوات، ربما كي لا أرى ما يحدث هناك. ولكني لم أتمكن من رفض طلب اللواء المتقاعد ماندي اور لمرافقته في “رحلة” هناك، كما وصفها. فذهبت. في 2005 قدمت للحكومة التي كانت برئاسة اريئيل شارون، بناء على طلب منه، تقرير عن البؤر الاستيطانية غير القانونية التي أقيمت في الضفة الغربية. في تلك السنوات كانوا ما زالوا يعتقدون انه عندما سيتم كشف حقيقة أن “مشروع” البؤر الاستيطانية هو غير قانوني حسب القانون الإسرائيلي، فانه لن يشك احد في ضرورة ازالتها. أيضا كما طلب الرئيس الأمريكي في حينه جورج بوش. اثناء هذه الرحلة عرفت ماذا أصاب إسرائيل منذ ذلك الحين، وهو امر يقلق كل مواطن إسرائيلي يهتم بمستقبل الدولة.

عندما عبرنا الخط الأخضر، رحمه الله، استقبلتنا اعلام إسرائيل التي تغطي الآلاف منها ارجاء الضفة الغربية، منتشرة على كل حجر وشجرة صغيرة. والى جانبها ترفرف لافتات كتب عليها المسيح، وهذه الكتابة مكتوبة أيضا على الحواجز الإسرائيلية. كل نقطة تفتيش تحمل نجمة داود وشكل ارض إسرائيل الكاملة، وكأن خط حدود إسرائيل ابتلع الضفة الغربية وهضبة الجولان. شاهدنا ملصقات كثيرة على طول الطريق تدعو للاستيطان في كل الضفة الغربية، بما في ذلك المناطق أ وب (بصورة تخالف اتفاق أوسلو). أو تدعو الى إعادة الاستيطان في قطاع غزة.

كل خيمة يعيش فيها بدو أو مجموعة بيوت فلسطينية على اطراف قرية أو مدينة، محاطة ببؤر استيطانية أو “مزارع” أو كرفانات مجهولة، مزروعة على قمم الجبال المحيطة بها. كل بيت فلسطيني محاط بسياج محكم حتى لو كان يفصله عن حقل الزيتون الذي يملكه. بعض هذه الاسوار أقامها مستوطنون “رفعوا” حولها اعلام إسرائيل، ويمنعون عبورها، والا سيأتون على الفور في مجموعات، يركبون سيارات دفع رباعي فاخرة اشتروها باموالنا، ويمنعون الفلسطيني من الخروج. اذا تجرأ على الكلام فسيفتعلون استفزاز ينتهي بالضرب (على الأقل)، بعد ذلك اعتقاله على يد الجيش الإسرائيلي. هو لا يملك الا مشاهدة من بعيد زيتونه، وهو اغلى ما يملكه، وهي تنهب.

الفكرة الأساسية واضحة: محاصرة الفلسطينيين في أماكن اقامتهم وتقييد حركتهم وجعل حياتهم لا تطاق. لا حماية شخصية لهم. لا مياه. لا كهرباء. وحتى تتم سرقة اعلاف الحيوانات. كل ذلك من اجل اجبارهم على الرحيل. وحتى ذلك الحين يتعرضون أيضا للاعتداءات الجنسية بين حين وآخر، ويتم ضرب الفتيات الصغيرات والأمهات. ويتم نهب ممتلكاتهم القليلة ويقتل بعضهم.

في أماكن كثيرة تشاهد اكوام القمامة أو الحجارة. وقد شرح فلسطيني كبير في السن، خرج من هناك فجأة، بان هذا المكان كان قبل شهر مدرسة أو بيت أو عدة خيام وروضة أطفال. لقد هرب السكان. في وسط المجمع ما زال علم إسرائيلي ممزق. المشهد يتكرر في عشرات الأماكن. مرة تلو الأخرى التقينا مع رعاة وقطعانهم على جبل قفر، ينظرون حولهم بخوف كي يروا من اين سيأتي المستوطن في هذه المرة وهو يحمل العصا.

عندما وصلنا (برفقة ثلاثة جنرالات احتياط في الجيش وثلاثة ضباط كبار متقاعدين من الشباك واثنين من أعضاء الكنيست السابقين) الى التلة التي تطل على موقع عسكري، ظهرت بعد خمس دقائق سيارة عسكرية إسرائيلية كبيرة، نزل منها عدد من الجنود الملثمين. قالوا ان هناك امر منطقة عسكرية مغلقة، وطلبوا منا ترك المكان على الفور. سألنا لماذا؟ لم يعرفوا كيف يردوا. يبدو ان لا احد يطرح الأسئلة في هذا المكان، وبالتاكيد لا يعطون إجابات، خاصة لشخص لا يبدو أنه من اشد المؤيدين للاستيطان. احد الموجودين سال جندي عن سبب ارتداء القناع. فأجاب بانه يحمي نفسه هكذا حتى لا يتم اعتقاله بعد الخدمة في الجيش عندما يسافر الى البرازيل. كان على حق. من ناحيته هو فقط ينفذ الأوامر.

يبدو ان هناك خطة محكمة، وراءها عقل مدبر، شخص ما يجلس امام خارطة وصور جوية، يحدد المناطق ويخطط لمواقع البناء. المزارع والمواقع الاستيطانية وأماكن نقل السيارات المخصصة للطرق الوعرة التي ستتسلق الجبال والصخور. وهناك من هو مسؤول عن الاتصال مع الجيش، الذي يخضع لاوامرهم تماما. “الجيش”، الذي يضم فرق طواريء في المستوطنات وضباط ومسؤولون عن الامن الجاري، بعضهم بالزي العسكري، يعرف متى يظهر ومتى لا يأتي.

لسبب ما، عندما يتعرض الفلسطينيون للضرب، لا يصل الدعم عادة الا بعد انتهاء الحادث. واذا وصل الجنود عند وقوع الحادث فانهم يتجاهلونه، بل سمعت انهم أحيانا يندمجون في السلوك العام القائم على رؤية ان كل فلسطيني هو عدو. تهدف الخطة الى اخراج الفلسطينيين من أوسع مساحة ممكنة ودفعهم الى المدن الفلسطينية المكتظة. يجب ان تكون مناطق الضفة الغربية حسب رأيهم “خالية من العرب”، وفقا لافضل أفكار مئير كهانا. هذا ما يسمى بالتطهير العرقي، وهو جريمة حرب. ان الاعمال التي ترتكب ضد الفلسطينيين هي جرائم حرب واضحة، وبعضها جرائم ضد الإنسانية، التي هي اشد خطرا.

لا يمكن القول بان هذه أفعال لاقلية. لا. كل من يعيش في المستوطنات، ويعرف بالضرورة ما يحدث على الأرض ويصمت، هو شريك كامل في النشاط الاجرامي. كل مستوطن “طبيعي” يستيقظ في الصباح للعمل في القدس ويعود في المساء، هو شريك في الأفعال الفظيعة التي ترتكب هناك. هو يمر بجانبها كل يوم.

قادة الجيش الإسرائيلي، من رئيس الأركان الى آخر القادة في الضفة الغربية، شركاء فيما يرتكب. التقاعس والاستسلام والصمت والتعاون الكامل، كل ذلك مسؤوليتهم. كل هذا يتناقض مع دورهم ويقوض أسس الجيش. رئيس الأركان والقادة شركاء عن علم فيما يرتكب بحق أولادنا. كيف يوافق رئيس الأركان على وضع يتجول فيه الجنود وهم ملثمون ويعرفون، وهو يعرف أيضا، بانهم يرتكبون جرائم حرب، وبالتالي، عليهم الاختباء، ولماذا يسمح بذلك من الأساس.

سيسال احد ما: أين الشرطة؟ اذاً استوعبوا هذا جيدا: اختفت شرطة إسرائيل من المناطق المحتلة، ومكان وجودها مجهول فيما يتعلق بنشاطات المستوطنين ضد الفلسطينيين. أما جهاز الشباك فقد وجد أيضا مراكز احتلال أخرى. لا يتم اصدار أوامر اعتقال إدارية بحق اليهود بناء على طلب وزير الدفاع. هذا يعني انه حتى لو توفرت معلومات استخبارية عن عمل إرهابي يخطط له مستوطن ضد الفلسطينيين، فلن يتخذ أي اجراء لمنعه من تنفيذه، ربما فقط بعد حدوثه. وعندها، يفترض ان تتحرك الشرطة ضده. ووفقا للتقارير، يعتقد رئيس الشباك دافيد زيني ان اعمال الإرهاب التي ينفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين ليست الا “احتكاك”، وليس إرهاب.

هذه هي دولة يهودا. أقيمت هذه الدولة باموالنا، والجنود الذين يخدمون فيها هم ابناؤنا، يتم تلقينهم بايديولوجيا تفيد بان كل الفلسطينيين أعداء لنا، وان الأرض هي ملكنا، واننا عرق متفوق. وتؤدي تعاليم الحاخام كوك والحاخام تاو وغيرهما الى نفس الهدف: دولة تحكمها الشريعة اليهودية، وتسيطر على جيش من العلمانيين “الاغبياء” المملوئين بالدافعية للخدمة في الجيش والدفاع عن الدولة. هؤلاء العلمانيون قصيري النظر الى درجة أنهم لا يعرفون ان الدولة هي دولة يهودا وأن الجيش هو “جيش الله”. هم يستغلون مواردنا وقوانيننا (قانون التجنيد الالزامي) وايماننا الاعمى جميعا بوجوب الدفاع عن إسرائيل، ونحن نرفض ان نفهم باننا اليد التي تطرد شعب آخر من ارضه لتوريث الضفة الغربية لـ “الشعب اليهودي”. نحن من نحقق رؤية حركة كاخ.

لكن الرأي العام العلماني في إسرائيل لا يرغب في رؤية ذلك. ومن الجدير اعلامهم بانهم سلبوا دولتهم بالفعل. لن تشبع دولة يهودا أبدا وستبتلعنا كلنا. الواقع في الضفة الغربية هو رؤيتهم لإسرائيل بعد سنوات قليلة. اذهبوا وشاهدوا، ولن تناموا بهدوء بعد ذلك.

دولة يهودا هي دولة معادية للديمقراطية، دينية (لليهود فقط)، مع نزعة مسيحانية، منغلقة ومنبوذة دوليا، وتشجع على الجهل والفقر والفساد، وتفرض مواقفها على العرب واليساريين، وبالطبع على النساء. الطريقة الوحيدة لمواجهة رؤية يهودا هي سياسية في المقام الأول، النضال من اجل الديمقراطية، من اجل التعاون الكامل مع الجمهور العربي. الادراك بان النضال الحازم الان، قبل الانتخابات، هو وحده الكفيل بانقاذ إسرائيل من الدمار. اذا لم ننجح الآن فلن تقوم قيامة لدولة إسرائيل برؤية وثيقة الاستقلال.

——————————————

هآرتس 21/5/2026

لإشباع رغباته والتنكيل بهم.. بن غفير يطلب من نتنياهو تسليمه محتجزي الأسطول العالمي لمدة أطول

بقلم: أسرة التحرير

أمس، وصل الوزيران بن غفير وميري ريغف إلى ميناء أسدود لتُلتقط لهما صور على خلفية مذلة مئات معتقلي أسطول المساعدات الإنسانية إلى غزة. المعتقلون كُبلوا وأجبروا على الانحناء على مكبرات الصوت وهي تنشد “هتكفا” المرة تلو الأخرى. وعندما صرخت إحداهن نحو الوزير بن غفير، اعتدى عليها أحد أفراد الشرطة وألقاها أرضاً بقوة. بن غفير، بدوره، صور شريطاً دعا فيه نتنياهو “لإعطائه إياهم لزمن طويل”. وأفاد رئيس الوزراء بأن “تصرف الوزير بن غفير مع نشطاء الأسطول لا ينسجم مع القيم وأنماط السلوك الإسرائيلية”.

لعل بن غفير أكثر فظاظة من الآخرين، لكن سلوكه منسجم مع أنماط سلوك إسرائيل الحالية. فتعنيف النشطاء وإهانتهم أمام الكاميرات وبحضور وزراء عار ما كان يمكن إخفاؤهما. دولة ديمقراطية لا تنكل ولا تهين معتقلين أو سجناء. إن أي حديث يدور عن نشطاء حقوق إنسان، مواطني دول صديقة، برقابة أعضاء حكومة، أمر يزيد من الخطورة.

إن الصور التي التقطت في ميناء أسدود هي ذروة حملة تحريض كاذبة ضد الأسطول إلى غزة. صحيح أن قوارب الأسطول لم تحوِ غذاء أو مساعدة، إذ كان واضحاً للنشطاء بأنهم سيعتقلون، وكان الأسطول بمثابة مظاهرة وجهد لاجتذاب الاهتمام العالمي لوضع إنساني في غزة. بهذا المفهوم فقد أدى مهمته. إسرائيل الرسمية، بمساعدة واضحة من صحافيين مجندين، حاولت طبع هذا الأسطول كـ “أسطول الإرهاب” أو كـ “الأسطول التركي”. هذه أكاذيب.

قبل أسبوعين، اضطرت إسرائيل لإطلاق سراح اثنين من زعماء الأسطول، سيف أبو كشك وتياغو أبيلا، اللذين اعتقلا في عملية لسلاح البحرية قبل ثلاثة أسابيع. مدد اعتقالهما مرتين، وصرحت الشرطة بأن في نيتها تقديمهما إلى المحاكمة بتهمة خطيرة تتمثل بـ “مساعدة العدو في زمن الحرب”، لكنها اضطرت لإطلاق سراحهما لانعدام الأدلة.

“سألوا السؤال ذاته مراراً على أمل أن أقول نعم في إحدى المرات. يريدون إدانة حركة التضامن كي يقولوا إننا إرهابيون ولسنا نشطاء حقوق إنسان، لكنهم لم يفلحوا في ذلك؛ فلم يكن لي ما أخفيه”، قال أبو كشك لـ “هآرتس”. هذه المرة أيضاً، رغم إلقاء القبض على أكثر من 50 قارباً وأجرى فيها تفتيشاً، لم يعثر على أسلحة أو أدلة ما للربط بمنظمات الإرهاب.

اعتبر الأسطول في العالم كاحتجاج شرعي وشجاع في مواجهة الأزمة الإنسانية التي أوقعتها إسرائيل على غزة. فإذا لم يكن لإسرائيل ما تخفيه أو تخجل منه، فلماذا لا تسمح لنشطاء الأسطول مواصلة طريقهم والدخول إلى غزة؟ أي ضرر كان سيلحق؟ بالعكس، بدلاً من تحقيق الذات كدولة يبحث وزراؤها عن إعجابات على حساب معتقلين مكبلين ومهانين كانت ستتخذ صورة الدولة التي تميز بين الجمهور في غزة وبين منظمات الإرهاب.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article