| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس 20/5/2026
في الاخبار يقولون وقف نار، على ماذا يتحدثون؟: خمس شهادات لجنود في لبنان
بقلم: توم لفنسون
نداف رأى جنود وهم يقتحمون البيوت وينهبون كل ما يرونه امامهم. ايتاي كان موجودا وتجمد في مكانه. العاد شعر بالاشمئزاز من تدمير القرى وأقسم بأن لا يعود أبدا، تومر طلب من أصدقائه بأن لا يسمحوا لأي ضابط بالقاء كلمة في جنازته، أور توقف عن حمل المسدس خشية أن يؤذي نفسه.
هؤلاء خمسة جنود من خلفية مختلفة. يخدمون في القوات النظامية وقوات الاحتياط، في المشاة والمدرعات، بعضهم آباء لاولاد، وبعضهم تخرجوا قريبا من المدرسة الثانوية، بعضهم كانوا في بنت جبيل وآخرون وصلوا الى الليطاني. ولكنهم جميعا يشعرون أن وقف اطلاق النار هو مجرد وهم، وأن المنطقة الأمنية هي ندبة حفرت على أجسادهم. هكذا يبدو تواجدهم في جنوب لبنان بالنسبة لهم، وبكلماتهم.
“الروتين كان محدد. كل مساء بعد غروب الشمس كانت تصل قافلة الوحدة المتنقلة. مهمتها كانت احضار المؤن لنا: طعام، زيت وذخيرة، كل ما نحتاجه. ولكن كانت هناك مهمة أخرى غير رسمية وهي الاستيلاء على الغنائم. تفريغها في الموقع الذي يوجد فيه المقر الرئيسي، بانتظار المقاتلين عند عودتهم الى ديارهم. بالطبع، لم يكن جنود الوحدة المتنقلة اغبياء. فقد كانوا يأخذون نفس القدر منها لانفسهم. “اختاروا ما تريدون”، كانوا يقولون لهم. لم يكن هناك أي نقص فيما يمكن نهبه.
كانت القرية التي نعمل فيها مليئة بالاثرياء، مليئة بالفيلات ذات برك السباحة والسيارات الفارهة والمجوهرات. كل بيت تقريبا كان فيه أشياء ثمينة. كنا ندخل الى البيوت، نفتحها في البداية باطلاق النار بشكل عشوائي وبعد ذلك نقوم بتفتيشها. بعد التأكد من خلو المنطقة تبدأ المهمة الحقيقية – تحديد مكان الأشياء الثمينة. الامر بدأ باشياء صغيرة، ثم ازداد بالتدريج. الجنود حملوا السجاد والدراجات والكراسي والافران ومخازن كاملة على سيارات الهامر. كان يمكنك سماع جنود فوق جيل الثلاثين وهم يتجادلون: هل رأيت هذا من قبل؟”، “أنت سبق لك واخذت الكثير من البيت السابق”. ولكن درة التاج لم تكن البيوت، بل المحلات التجارية. كان الجنود يدخلون وياخذون كل البضائع، علب كاملة من الحلويات والسجائر ومواد التنظيف وحتى القرطاسية. احدهم أخذ حقيبة مدرسة لابنه، وآخر أخذ مخرطة، وحتى صابون التغسيل الموجود في المقر كان مستورد من لبنان. في أي لحظة كان يمكن رؤية الجنود وهم يتجولون في القرية ويحملون أغراض مدنية. الامر ظهر وكأن هذه هي المهمة الرئيسية.
معظم القادة الكبار لم يهتموا بهذا الامر. كان الجنود ينهبون حتى عندما كان قائد الكتيبة يزورهم، وكان يتجاهل الامر كليا، ويتظاهر بانه لا يرى أي شيء. حتى انه ذات مرة اتصل قائد الكتيبة بالهاتف وقال: أنا اذكركم، نحن في ارض العدو، يجب علينا الحفاظ على الجاهزية العملياتية. اذا دخل احد الى محل تجاري لاخذ شيء فيجب عليه فتحه بحذر كبير، يمكن ان يكون هناك أشياء قذرة (ارهابيون. الكاتب). هذا كان الموقف السائد – لا توجد مشكلة في النهب، المهم هو ان لا يتعرض أي احد للاذى. لم يحاول الجيش الكبير وقفنا، ولم يكن هناك أي وجود للشرطة العسكرية أبدا في المعابر على الحدود.
“يجب علي الاعتراف بانه في البداية لم يزعجني الامر، لكن مع مرور الوقت بدأ هذا يثير اشمئزازي. أنا جئت لضمان أمن سكان الشمال وليس للسرقة. حاولت التحدث مع الجنود والتناقش معهم، ولكن لم يكن هناك من يسمع. كان هناك من قالوا بان هذه فريضة دينية واعطوه مبرر ديني. آخرون قالوا انه في كل الحالات سيتم تدمير كل شيء، لذلك لا حاجة لترك الأغراض الثمينة هناك. وعندما حدثت احد الضباط عن ذلك تنهد وقال بان ذلك يزعجه أيضا. ولكنه قال “هناك نقص في الجنود ويصعب ان تحتج على جنود قضوا 400 يوم في الاحتياط”. الشعور هو ان الجيش الإسرائيلي اصبح مثل جيش الفايكينغ، حيث يسمحون للجنود بالنهب من اجل ارضائهم ومواصلة القتال.
“بعد انتشار الخبر في وسائل الاعلام اتصلوا بنا. قائد السرية قال “ما حدث هنا سيبقى هنا”. وبعد بضع ساعات دخل الى المخازن وبدأ بتحطيم كل شيء كي لا يجد الجنود ما ينهبونه. الجميع غضبوا وتظاهروا وكأن شيء لم يكن، وكأنهم لا يعودون دائما الى بيوتهم وصندوق السيارة مليء بالاغراض التي نهبوها. كان هناك ارائك في الموقع جلبناها من لبنان، الأدلة كانت في كل مكان، لكن الجميع افلتوا من العقاب.
“أنا أتذكر اللحظة التي عرفت فيها بانني لم اعد اتحمل. هذا حدث في البيت الذي كنت ننام فيه في بنت جبيل في نهاية شهر آذار. هطول الامطار لم يتوقف، ولم تكن تدفئة. لقد تغلغل البرد الى الداخل واختلط بالعرق على الزي العسكري، لم اتوقف عن الارتجاف، حاولت تغطية وجهي بالوشاح ولكن ذلك لم يساعد. أتذكر انني بدأت ابكي، لكن بهدوء كي لا يسمعني احد. كنت متعب ولا يمكنني التحرك، لم أتمكن من النوم. كانت الفئران في كل مكان تتسلق علينا، لم يكن لنا الكثير لنفعله.
“في الصباح طلبت من قائد السرية البقاء في الموقع وعدم الذهاب لأي نشاط، لكنه رفض وقال “هل انت غبي، لا يمكنك البقاء هنا، الكل يتقدم، توقف عن الهراء”. الآخرون ضحكوا. هذا اهانني. لم أحاول الخروج أو العودة الى البيت. كنت في ازمة.
“أصدقائي اندفعوا، أنا تجمدت في مكاني. شعرت أنني لا شيء. كل لحظة مرت وكأنها دهر. كان هناك وابل من الرصاص. شعرت كأنني افقد عقلي. وأنني لا اعرف ما يحدث حولي.
“بعد بضعة أيام دخلنا في مواجهة. اطلق علينا عدد من الإرهابيين النار. أصدقائي انقضوا واطلقوا وابل من النيران ولكني تجمدت في مكاني. وعندما كنت ابحث عن مأوى وراء جدار، سقطت احدى سدادات اذني، كان هناك وابل من الرصاص وبدأت الهث، شعرت وكأني افقد عقلي. حاول احد أصدقائي التحدث معي ولكني لم افهم ما قاله. امسكني ودفعني الى مكان آمن اكثر وراء احد المباني. بعد انتهاء الحادث عرفت ان لدينا الكثير من المصابين، ثلاثة منهم اصابتهم خطيرة. شعرت بالذنب.
“لم يكن لدينا وقت لاستيعاب ما حدث. لم يتوقفوا عن اطلاق النار علينا، قذائف وصواريخ. انفجارات كل الوقت. بعد ذلك بدأت الطائرات المسيرة. هذا اخافنا اكثر. لم أتمكن من التوقف عن النظر نحو السماء. عندما تركت البيت شعرت بشيء غريب. بعد بضع ساعات عرفت أنني لم اعد افهم معنى التجول في العالم بدون سماع دوي الانفجارات وبدون خوف.
“والديّ شعرا أن هناك شيء ما. وسألاني دائما اذا كنت بحاجة الى شيء. ولكني لم املك الشجاعة لقول ما بداخلي لهما. كانا خائفين بالفعل من أن أصاب بمكروه. أمي قالت: اذا حدث لك مكروه لا اعرف ماذا سافعل بنفسي. اختي الصغيرة قالت لي بأنها لا تتوقف عن البكاء عندما لا أكون موجود. هذا اثر بي وفطر قلبي.
“عندما عدنا الى الداخل طلبت ان اقابل ضابط الامن. ولكنهم لم يتوقفوا عن المماطلة، وقالوا ان هذا امر اشكالي وأنه يجب علي الانتظار. شعرت ان كل شيء يضيق حولي وأنني لا استطيع البقاء. بدأت اكره الجميع وشعرت بالوحدة. في نهاية المطاف اخذوني للمقابلة. هو سألني اذا كنت اريد إيذاء نفسي. وقال لي بانه يجب علي تعلم التنفس بعمق. هذا جعلني اشعر بسطحية كبيرة، وكأن هدفه الوحيد هو اعادتي الى القتال وليس معالجتي أو مساعدتي. في نهاية اللقاء قال انه يوصي ببقائي ليلة أخرى في الخارج وبعد ذلك اعود. وأوضح: من المهم الحفاظ على استمرارية الأداء. حاولت ان اشرح انني غير قادر على ذلك. ولكنه قال نحن سنلتقي مرة أخرى بعد أسبوعين وسنرى اذا كان يوجد أي تحسن. لم اكن اعرف ماذا سافعل. شعرت وكانني مضطر لايذاء نفسي كي يهتم احد بي”.
لم يتم نقل الجندي الى علاج نفسي كثيف تحت اشراف قسم الصحة النفسية في الجيش الا بعد ان قامت صحيفة “هآرتس” بالتواصل مع الجيش.
العاد (28 سنة) هو جندي في لواء المشاة في الاحتياط من منطقة الشمال. “قبل بضع ساعات على دخولنا الى لبنان للمرة الأولى، جاء قائد اللواء للتحدث معنا وقال: “هذه لحظة تاريخية، سنقضي على حزب الله. ستكون هناك معارك ضارية، الارهابيون بانتظارنا. ربما بعضكم لن يعود. ولكن أخيرا سيتمكن سكان الشمال من العيش هنا بأمان وهذا بفضلكم”. الجميع هتفوا. ظهر الامر كأنه طقس وطني. أنا فقط شعرت بعدم الراحة. لقد مر علي هذا المشهد من قبل – قبل دخول غزة، قبل العملية السابقة في لبنان. دائما نفس الوعود ودائما نفس خيبة الامل.
“كان الوضع هكذا هذه المرة أيضا. لم يكن يوجد ارهابيون في القرية التي دخلنا اليها. كانت البيوت خالية. لم يكن قتال، بل عمليات لهدم البيوت. هذا هو جيش الدفاع الإسرائيلي في السنتين الأخيرتين – جيش الدفاع لهدم البيوت. الاخبار ستتحدث عن معارك ضارية وتدمير البنية التحتية للإرهابيين، لكن مهمتنا كانت واحدة وهي عدم ترك أي مبنى قائم، هدم كل شيء. في السابق كان عليك “تجريم” المبنى من اجل هدمه، وإيجاد سلاح فيه واثبات وجود إرهابيين. أما الان فهم يهدمون ببساطة، حتى المدارس والعيادات، باستثناء المقبرة.
“حتى انهم توقفوا عن استخدام العبوات الناسفة، حيث أوضح الضابط بانها مكلفة جدا واقل فاعلية. بدلا من ذلك استعانوا بمقاولين مع حفارات (حفارات عسكرية)، بعضهم يحصل على راتب يومي وبعضهم حسب عدد البيوت التي يقومون بهدمها. ليس بينهم جنود، جميعهم مدنيون، ويبدو أنهم لم يكونوا في الجيش أصلا، كان معظمهم من المستوطنين أو البدو أو الدروز. عندما سالت مقاول كيف يعقل ذلك، قال بانهم الوحيدون الذين وافقوا على فعل ذلك. ونحن؟ كانت مهمتنا حمايتهم.
“كانت كل سرية يتم تكليفها بمجمع جديد في القرية كل يوم. شعرنا كأننا في سباق مع الزمن لتدمير اكبر عدد ممكن. كان على الضباط كل مساء تقديم تقرير عن عدد البيوت التي دمرتها كل سرية. كانوا يسمون ذلك “تقييم الإنجاز”. ذات مرة صدرت لنا أوامر بالتوقف عن الهدم في الساعة الثانية ظهرا، لكن المقاول رفض وقال: “لقد وعدوني بأننا سنعمل حتى المساء. انا لن اخرج من هنا بدون هدم المزيد من البيوت”. القادة كان يجب ان يصلوا، حتى قائد الفرقة، من اجل إقناعه بالتوقف.
“بالنسبة لكثير من المتدينين الذين كانوا معي كانت هذه مهمة صعبة جدا. كان قائد الكتيبة هو الأكثر تطرفا. فقد رفض العودة الى بيته، ولم تفارق الابتسامة وجهه ابدا. كان مسرور كمشجع متعصب فاز فريقه بالبطولة بعد غياب استمر لعشرين سنة. لقد تعود على القول “ما كان لن يكون ابدا. ما سندمره لن يقوم ثانية”. وعندما كان يتحدث أي احد عن العودة الى إسرائيل كان يصححه ويقول: “هذه إسرائيل أيضا”.
“هذا ما جعلني اشمئز اكثر من أي شيء آخر. كنا ندخل الى البيوت وبعضها ما زال مليء بالمعدات وبقايا الحياة. وكأن اصحابها هربوا بدون إيجاد وقت لحزم الامتعة. كانت توجد صور على الحيطان، ملابس في الغرف واثاث. كان ذلك يفطر قلبي. شعرت بعدم الراحة. وكأنني اقتحم بيوت الناس واقتحم حياتهم. معظم الذين كانوا معي لم يهتموا. كانوا يدخلون ويبحثون عما يمكن سرقته ونهبه. أحيانا لم يأخذوا حتى الأشياء الثمينة، بل مجرد تذكار، كأس صغيرة، فنجان. آخرون استمتعوا بالتدمير والهدم، كانوا يحملون مطرقة ويحطمون، أو فقط يفتحون الخزانة وينثرون الكؤوس والصحون. لم يكن هناك أي سبب عدا الانتقام.
“بعد بضعة أسابيع قررت أنني سئمت. وقلت للقادة بأنهم يضغطون علي في مكان عملي كي ارجع وانهم يهددون بفصلي، لكن ذلك كان كذب. شعرت فقط انه يجب ان اخرج من هناك. عندما صعدت الى القافلة للمرة الأخيرة في طريق العودة، نظرت الى لبنان واقسمت بانني لن اعود ابدا وان هذه هي المرة الأخيرة”.
تومر (19 سنة) هو مقاتل في لواء جفعاتي من منطقة الشارون. “الامر مخيف. أي شخص يقول غير ذلك هو يكذب. عندما يكون اشتباك مع إرهابيين يمكنك التقدم الى الامام والاختباء. هناك غطاء جوي ودروع، يمكنك التعامل مع الامر، لكن مع المسيرات يظهر الامر وكأنه مسالة حظ. انفجرت مسيرتان قرب وحدتي، لكن لم تكن إصابات. تحدث معنا قائد السرية وقال ان هذا يعود الى الانضباط العملياتي الجيد. ولكن ذلك كان امر مخجل حقا. لو رجعنا بضعة امتار كنا سنموت أو كان الامر سينتهي بنا في مستشفى ايخيلوف بدون ساق. بعد احد الانفجارين كان طنين في اذني، ولم يسمحوا لي حتى بالذهاب لرؤية طبيب.
“يجب علينا قول الحقيقة، شعورنا الأساسي في الميدان هو العجز. يطلب منا اطاعة التعليمات وارتداء معدات الحماية وعدم خلع الخوذة. ولكن في النهاية الضباط لا يملكون حلول عملية. يقولون لنا انه يجب علينا استخدام “الكشافات”، الجنود الذين يقفون مثل الاغبياء فوق تلة وينظرون الى اعلى اذا كان هناك شيء قادم. هل هذا هو الحل الذي يقدمه الجيش الذي يمتلك مئات الطائرات القتالية وميزانيات كبيرة؟ كيف يمكن الوقوف لساعات والحفاظ على اعلى درجة تركيز؟ هذا ببساطة غير انساني. نحن نشعر بانهم لا يهتمون بنا.
“بعد بضعة أسابيع احضروا لنا منظومة لا تعمل جيدا. وحتى مع جهاز البغيون (منظار كهروبصري ذكي)، ليس دائما نصيب الهدف. يقولون لنا ان هناك محاولات كثيرة ويطلبون منا نشر شبكات، لكن من المستحيل نشرها في كل المنطقة. يقرأ احد رجال الدين فصل من المزامير كل يوم، هذا كل ما بقي لنا، الصلاة.
“نحن اهداف ثابتة في الميدان، وحزب الله يعرف ذلك وهو يستغل الوضع. بعد ذلك تقول الاخبار “وقف اطلاق نار”. ما هذا الهراء؟ هل تعرفون كم عدد المسيرات التي يرسلونها فوقنا؟ هذا العبث لا ينتهي. هل هذا ما يسمى وقف اطلاق النار؟ جميع السياسيون يتحدثون، يماطلون، وفي هذه الاثناء نحن على الأرض وايدينا مكبلة. لا سمح الله، اذا حدث لي مكروه هل سيعتذر احد لوالدي؟ لا، سيشغلون اغنية حزينة في الراديو ويقرأون اسمي في الاخبار. عندما تحدثنا مع الضباط حول هذا الامر قالوا لنا انه من الأفضل لنا ان نصاب بالاذى بدلا من المدنيين في الشمال. انا اعتقد انهم على حق، لكن مع ذلك هذا امر مخيف ومخيب للامال لانه لا يبدو انهم لا يفعلون بما فيه الكفاية لحمايتنا.
“ثلاثة رجال من وحدتي كتبوا على الأقل وصيتهم. انا كتبت رسالة وداع لوالديّ وتركتها في ملف في مكتب البريد. ذات ليلة تحدثنا عن ما سنقوله في الجنازة اذا مات احدنا. كان الامر يشبه المزاح، لكنه كان جديا بعض الشيء. سألني اكثر الجنود انكسارا، الذي يتذمر كلما كانت حاجة لفعل شيء ما: “قل لهم بأنني احب الوطن، وأنني كنت مدفعي، وأنني كنت دائما اتطوع حتى يتفاخر بي والدي”. قلت أنا افضل جنازة هادئة يتحدث فيها والديّ فقط، وربما أخي، ليس اكثر، بدون كل هذا التلقين من الضباط. أنا اكره ذلك”.
——————————————
القناة 12 العبرية 20/5/2026
لقد نجحنا لكننا لم نوقف الأسلحة النووية: نتنياهو نفسه اعترف بالحقيقة
بقلم: أفنير فيلان
مرّ وقت كافٍ منذ بدء وقف إطلاق النار مع إيران لإجراء تقييم مؤقت: لفهم موقفنا، وما هي الاحتمالات والتداعيات المستقبلية. في الأسابيع الأخيرة، قرأتُ كثيرًا، وشاركتُ في محادثات ومؤتمرات حول القضية الإيرانية. لنبدأ بالأهداف. كان لهذه الحرب ثلاثة أهداف: تغيير النظام، والردع النووي، وإلحاق الضرر بالقدرات التقليدية والاستراتيجية لإيران. لنحلل هذه الأهداف.
خضنا هذه الحرب لتغيير النظام في إيران. سواء أعلنّا ذلك صراحةً أم لا، فهذا ما يعنيه محاولة القضاء على خامنئي في الضربة الأولى. والآن، ثمة مؤشرات عديدة تدل على أن هذا كان الهدف بالفعل، على الأقل لدى بعض الأطراف الفاعلة. كان هذا جزءًا من عرض نتنياهو لترامب عند إطلاق العملية. قبل أسابيع، نشر رونين بيرغمان وناحوم برنياع خطة الموساد لإدخال قوات كردية تزحف نحو طهران، وعندما علم أردوغان بذلك، اتصل بترامب وألغى الخطة. ويتوافق هذا أيضًا مع تصريحات ترامب بأن الحرب كان من المفترض أن تنتهي في غضون ثلاثة أيام.
ما المشكلة؟ أن أحدًا لم يُحدد هذا الهدف بوضوح. بدلًا من ذلك، كان هناك تعريف غامض لـ “تهيئة الظروف لتغيير النظام”. لا أفهم ما يعنيه ذلك. بالنسبة لي، توجد بالفعل ظروف لتغيير النظام في إيران أيضًا، وفي العديد من دول المنطقة. ولكن ما فائدة ذلك بالنسبة لي؟ كانت هناك أيضًا منظمات داخل النظام تتعامل مع الأمر بجدية، ومنظمات أخرى، في كل من إسرائيل والولايات المتحدة، قالت لنفسها: لنبدأ ونرى ما سيحدث، وعلى أي حال، كم سيكون ممتعًا أن نقصف معًا، أليس كذلك؟
ماذا يعني هذا؟ دخلنا الحملة عندما لم يكن هدفها الرئيسي واضحًا، ولم يُصاغ بشجاعة، وكان غامضًا بما يكفي ليُقحم فيه كل شخص رؤيته الخاصة للعالم. وبالتأكيد لم يُترجم إلى خطة عملياتية شاملة. وماذا كانت النتيجة؟ حوالي 72 ساعة من الفوضى في بداية الحرب. بعد ذلك، في الوقت الذي انتُخب فيه مجتبى خلفًا لوالده، استقر النظام الإيراني وبدأ في العمل.
أين نحن بعد مرور ثلاثة أشهر تقريبًا؟ هناك تغيير في النظام في إيران. من دولة دينية ثيوقراطية، أصبحت إيران ديكتاتورية عسكرية يحكمها الحرس الثوري. إنهم حاليًا في وضع البقاء، يُعيدون ضبط موازين القوى الداخلية تباعًا، ولكن على الأقل في الوقت الراهن، لا يبدو أن هناك خطرًا حقيقيًا يهدد استقرار النظام من الداخل، وهم يُحسنون استغلال أوراقهم. كما أن أوهام تكرار أحداث يناير، ورؤية حشود غفيرة في الشوارع، تتلاشى حاليًا. أدرك ترامب ونتنياهو ذلك بعد يوم أو يومين، وغيّرا دعوتهما من “اخرجوا وتحكموا بمصيركم” إلى “اخرجوا، ولكن فقط عندما نأمركم بذلك”. لا يبدو أن أحدًا يُخطط لمواجهتهم في أي وقت قريب.
في غضون ذلك، يبدو أن النظام يُحافظ على قواته القمعية، ويبدو أن الهجوم الخارجي قد عزز ولاءهم. يحظى النظام بدعم يتراوح بين 15 في المئة و20 في المئة على الأقل داخل إيران. وهذا يكفي للاحتفاظ بحوالي مليوني عنصر من الباسيج. إنهم ليسوا “متطوعين” بالمعنى الحقيقي، بل هم أولئك الذين ينبع دعمهم للنظام من دوافع أيديولوجية، وبالنسبة لمعظمهم، من مكاسب مالية نتيجة قربهم من النظام. يدرك الجميع أنهم يقاتلون من أجل البقاء، حرفيًا، وإذا سقط النظام، سيسقطون معه.
النظام: ابحثوا فيما حدث في دول أخرى. لم يسقط الاتحاد السوفيتي بسبب الوضع الاقتصادي فحسب، بل سقط لأن غورباتشوف لم يكن مستعدًا لاستخدام قواته القمعية لارتكاب مجازر بحق المدنيين، بل اختار التنحي. الوضع في إيران مختلف. لقد حصلنا على الإجابة في كانون الثاني. لذلك، سيستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن يستجمع المواطنون شجاعتهم للنزول إلى الشوارع مجددًا، إن فعلوا ذلك أصلًا. ولن يفعلوا ذلك إلا إذا اعتقدوا أن لديهم فرصة للفوز وأنهم يحظون بدعم حقيقي، أي أن هناك من سيرد على قوات الحرس الثوري والباسيج.
صحيح أن الاقتصاد الإيراني قد تلقى ضربة قاسية، ولا يزال يعاني من الحصار المزدوج لمضيق هرمز، لكن من المهم إدراك أن انهيار الاقتصاد الإيراني لن يؤدي بالضرورة إلى انهيار النظام. يميل الناس إلى الخلط بين الأمرين، لكنهما ليسا متطابقين. سينهار النظام، على أقل تقدير، عندما يعجز عن دفع رواتب مؤيديه. لكن حتى ذلك قد لا يكون كافيًا، لأنهم يدركون أنه لا بديل أمامهم. لذلك، ووفقًا لجميع التقديرات التي اطلعت عليها، وكما هو الحال مع جميع التقييمات الاقتصادية الكلية، يجب التعامل معها بحذر. يستطيع النظام الإيراني تحمل الضغوط الاقتصادية لفترة طويلة جدًا إذا أراد ذلك.
نعم، سيعاني المواطنون. لكن هذا لا يعني أنهم سيتمكنون من النزول إلى الشوارع وهزيمة قوى القمع التي ستنتظرهم بأسلحتها. هذا لا يعني أن الضغط الاقتصادي غير ذي أهمية. قد يكون هدفه إعادة الإيرانيين إلى طاولة المفاوضات وخلق رغبة لديهم في تقديم بعض التنازلات. لكنه لن يُسقط النظام.
لا تزال قدرة طهران على الوصول إلى أول منشأة نووية قائمة
لننتقل إلى الهدف التالي: الطاقة النووية. في الحملة الحالية، وعلى عكس هجوم حزيران الماضي الذي أوقف التقدم المتهور والخطير في نطنز وفوردو، لم تتعرض أي مواقع نووية تقريبًا للهجوم. أما المواقع التي تعرضت للهجوم فكانت ضئيلة للغاية. لم يتبق لدى إيران سوى 450 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، وكمية لا بأس بها من اليورانيوم منخفض التخصيب. لديها أجهزة طرد مركزي لم تتضرر، والمعرفة اللازمة لتشغيل مرافق التخصيب، وموقع محمي لا يمكن قصفه جوًا وهو في مراحل متقدمة من الإنشاء، والدافع الأقوى للحصول على أسلحة نووية.
في هذا السياق، يجدر بنا التوقف عند جملة من مقابلة نتنياهو مع برنامج “60 دقيقة” هذا الأسبوع، والتي نقلها صديقي يواف روزنبرغ: “هذا لا يعني أنهم لا يستطيعون إنتاج قنبلة، ولكنه يعني أنه إذا كانوا قد خططوا لترسانة القنابل الذرية التي كانوا يعتقدون أنهم سيمتلكونها الآن، فقد تبدد هذا الأمل”. بمعنى آخر، حتى نتنياهو نفسه يُقرّ بأننا ربما منعنا إيران من امتلاك ترسانة نووية، لكننا أبقينا على إمكانية الوصول إلى سلاح أو منشأة نووية أولى. سأمتنع عن التساؤل عن سبب انسحابنا من الاتفاق النووي عام 2018، فهذا موضوعٌ طواه النسيان، لكنني شرحتُ بالتفصيل قبل أسابيع لماذا يُعدّ حتى مجرد القدرة على صنع قنبلة نووية أساسية كارثةً، ولماذا يُدخل انفجار منشأة نووية إيرانية إيران في منطقة حصانة عميقة، ويُدخل الشرق الأوسط بأكمله في سباق تسلح نووي. في جوهر الأمر، هذا اعترافٌ بفشل السياسة برمتها التي بدأت عام 2018. نحن عاجزون عن منع إيران من إنتاج قنبلة، والآن منحناها الدافع الأقوى.
الحل الأمثل الذي نأمله هو اتفاقٌ يُزيل اليورانيوم المخصب، ويُحدّ من التخصيب، ويُطبّق عمليات تفتيش دقيقة. ألا يبدو هذا مألوفًا؟ أؤكد مجددًا – لم يتغير شيءٌ جوهري في المجال النووي منذ نهاية حرب الأيام الاثني عشر في حزيران الماضي. لكن إذا كان التهديد الوشيك بحرب إسرائيلية أمريكية مشتركة، والذي ربما ردع الإيرانيين عن المضي قدمًا، قد ظهر بعد انتهاء الحملة السابقة، فإنهم الآن يدركون قدرتهم على الصمود أمام مثل هذا الهجوم. ليس لدى الإيرانيين أي مصلحة حاليًا في عدم محاولة إنتاج أسلحة نووية. أراهن أنهم سيحاولون. ربما ليس غدًا صباحًا، ربما سيُهدئوننا قليلًا، ربما يُفضلون الانتظار حتى عام 2028 حين يكون هناك رئيس آخر في البيت الأبيض، لكن الأمر سيحدث. ما لم يتوصلوا إلى اتفاق، وهو ما يبدو الآن بعيد المنال، فمن المرجح أن يبقى البرنامج النووي الإيراني مهمة لأجهزة المخابرات في الولايات المتحدة وإسرائيل لسنوات عديدة قادمة.
الفشل في مضيق هرمز
إلى الأمام. كان الهدف الثالث هو تدمير قدرات إيران الصاروخية الباليستية، ووكلائها، وغيرها من القدرات التقليدية. كانت هناك خطة عملياتية مُحكمة، تتضمن قوائم بعشرات الآلاف من الأهداف لهجوم مشترك على مدى أربعة إلى ستة أسابيع. قصفنا كل ما نعرفه، تقريبًا. نُفذت هذه الخطة بالكامل بطريقة مُبهرة ومذهلة، مُظهرةً القوة العسكرية والتفوق من قِبل سلاح الجو الإسرائيلي والقيادة المركزية الأمريكية. طموحٌ يُحتذى به.
لكن عند النظر إلى نتائج الاختبار، يصبح الجواب أقل وضوحًا. أفاد الطيارون بتحقيق نتائج أولية، لكن الإنجاز الاستراتيجي لا يُقيّم إلا بالمتوسط. وفقًا لتقارير الأسبوعين الماضيين، عادت معظم الصواريخ وقاذفاتها إلى الخدمة. صحيح أننا ألحقنا أضرارًا بأنظمة إنتاجها، ولن تتمكن من تنفيذ خطة التعزيز التي خططت لها، أو على الأقل سيستغرق إصلاحها وقتًا أطول بكثير.
انزعجتُ بشدة عندما سمعتُ كلاً من ترامب وكوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، يتباهيان بالقضاء على القوات الجوية والبحرية الإيرانية. فهذه تهديدات لم تُزعج أحدًا. إنها طائرات وقوارب قديمة وغير فعّالة، بينما التهديدات الحقيقية التي أعدتها إيران – صواريخ مضادة للطائرات وطائرات مُسيّرة في الجو، وألغام وزوارق هجومية تابعة للحرس الثوري في البحر – لم يتم التصدي لها إلا جزئيًا. الحقيقة هي أنه بعد كل هذه الجولة، لا يزال بإمكان إيران، إن أرادت، تهديد البنية التحتية للطاقة في الخليج والسفن العابرة لمضيق هرمز. لذا، من بين الأهداف الثلاثة، فشل اثنان منها حتى الآن. أما الهدف الثالث، فسأكون أكثر تواضعًا وأقول إن النتيجة بالكاد مقبولة.
يمكننا أيضًا إضافة إنجازات غير ملموسة. فقد شاهد العالم بأسره، في دهشة، القدرات المشتركة لإسرائيل والولايات المتحدة. وكان ذلك بمثابة تدريب جيد لحروب أوسع قد يخوضها الجيش الأمريكي في العقود القادمة. المنافسة مع الصين قائمة بالفعل، وإذا تطورت إلى بُعد عسكري، فستكون الدروس المستفادة من هذه الحرب قيّمة للغاية. من جانبهم، رأى الصينيون القوة الأمريكية، وأعتقد أنهم لن يسارعوا إلى الدخول في صراع عسكري معها في أي وقت قريب. وقد حصل الطالب على تقدير لمشاركته في الدرس.
كلمة عن دول المنطقة. باستثناء الإمارات، التي تقف صفًا واحدًا مع الولايات المتحدة، لم تحسم الدول الأخرى موقفها بشكل كامل بعد. السعودية تنسحب، وقطر تتعثر، وتركيا وباكستان تتحركان. الجميع مترددون، ينتظرون لمعرفة كيف ستنتهي القصة، وما زالوا يخشون إغضاب الإيرانيين أكثر من اللازم، الذين من المرجح أن يبقوا هنا حتى بعد رحيل الأمريكيين.
بالطبع، لا يمكن إنهاء صورة الوضع دون التطرق إلى الأمر الأكثر وضوحًا: إغلاق إيران لمضيق هرمز. من يقول إنه لم يتوقع إغلاق الإيرانيين للمضيق فهو إما كاذب أو أحمق. في كل مناورة حرب تحاكي الحرب مع إيران، تكون خطوتهم الثانية أو الثالثة هي إغلاق المضيق. يمر عبر هرمز نحو ربع نفط العالم. بل يتجاوز ذلك، إذ يمر عبره أيضًا عشرات بالمئة من الغاز المسال، واليوريا الزراعية، والهيليوم المستخدم في صناعة الرقائق الإلكترونية. إغلاقه أمر مزعج للغاية، والأهم من ذلك كله، أن يكون الإيرانيون في وضع يسمح لهم باستغلاله لمضايقتنا أمر لا يُصدق. الآن يمكننا توجيه أصابع الاتهام. ما كان ينبغي أن يحدث هذا. إن خوض هذه الحرب دون حل عسكري عملي لمضيق هرمز هو عملٌ هاوٍ وإهمال. إن قدرة إيران على إغلاق المضيق اليوم دليلٌ على فشلها. بل إنهم يريدون حتى تحصيل الأموال من كل من يمر عبره. جوائز أم لا؟
لكن من جهة أخرى، لا ينبغي لنا تضخيم الأمر. ففي الفترة بين عامي 2011 و2014، وكذلك في عام 2022، تجاوز سعر برميل النفط 100 دولار، ولم ينهار الاقتصاد العالمي. كانت جائحة كورونا أزمةً أكبر بكثير مما يحدث الآن. لذا، نعم، لإغلاق مضيق هرمز تأثير، وقد يتسبب في ركود عالمي، ويجب التعامل معه بجدية. ولكن حتى لو بقي مغلقًا لعدة أشهر، سينجو الاقتصاد العالمي. الأمر المهم هنا هو سابقة إغلاق ممر اقتصادي حيوي من قبل الدول التي تسيطر عليه (مثل مضيق ملقا)، وكذلك التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على التجارة العالمية الحرة وبسط نفوذها. سيكون من المثير للاهتمام معرفة الموقف الصيني، وما إذا كان قد تم التوصل إلى أي نتائج في اجتماع ترامب وشي هذا الأسبوع.
لا أستهين بتحرك إيران. فقد تمكنت من تعزيز موقفها التفاوضي، وبات بإمكانها الآن تقديم مطالبها. يرى ترامب أسعار البنزين في محطات الوقود ويدرك تأثيرها على انتخابات التجديد النصفي القادمة. لكن بصفته مقامرًا قد راهن بكل شيء، قد لا يكون أمامه خيار كبير، وقد يضطر إلى منح الركود المزدوج وقتًا كافيًا ليؤثر.
لن تسارع إيران إلى تقديم تنازلات في المفاوضات
باختصار، هناك ثلاثة عوامل تؤثر على وضعنا الحالي. أولها العامل النووي: متى ستسعى إيران لامتلاك قنبلة نووية، وهل ستنجح في ذلك؟ امتلاك إيران لسلاح نووي، حتى لو كان مجرد جهاز واحد ينفجر في الصحراء، سيغير قواعد اللعبة الإقليمية برمتها. العامل الثاني هو الوضع الداخلي الإيراني: إلى أي مدى يمكن للضغوط الداخلية أن تدفعها للتراجع عن موقفها. إنه مزيج من الضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية. لن يعود النظام إلى مفاوضات حقيقية ولن يكون مستعدًا لتقديم تنازلات إلا إذا خاف على بقائه، واعتقد أن التوصل إلى اتفاق يزيد من فرص بقائه.
في الوقت الراهن، إيران في حالة من العزم والمقاومة التامة. فهي واثقة من قدرتها على الصمود واستنزاف الولايات المتحدة من جهة، لكنها لا تثق بها في المفاوضات من جهة أخرى. بالمناسبة، هم على حق. لقد أثبت الأمريكيون مرارًا وتكرارًا أنهم لا يُمكن الوثوق بهم. لا أعتقد أن عمق أزمة الثقة لدى الجانب الإيراني قد تم إدراكه بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي.
خلال المفاوضات على الاتفاق بين عامي 2013 و2015، كانت إيران متشككة للغاية بشأن إمكانية الوثوق بالأمريكيين ومدى التزامهم بتعهداتهم. شنّ روحاني وظريف حملة إقناع واسعة النطاق مع خامنئي، وكادوا أن يُجبروه على إبداء مرونة كبيرة والتوقيع، حتى وافق أخيرًا على مضض. بعد ثلاث سنوات، جاء ترامب، وانسحب من الاتفاق، مُثبتًا لخامنئي صحة حدسه. كما تخلّى الإيرانيون عن المواد التي كانت بحوزتهم، وجمّدوا التخصيب، ولم يحصلوا على المكاسب الاقتصادية التي وُعدوا بها عند رفع العقوبات. إن كان ثمة بصيص أمل متبقٍ من الثقة، فقد اهتزّ بشدة في حزيران 2025 وبداية 2026، عندما شنّت إسرائيل والولايات المتحدة هجومًا أثناء سير المفاوضات. لذا، سيحضر الإيرانيون الاجتماعات، ولا يجدون غضاضة في إجراء مناقشات. لكن ما زلتُ بعيدًا عن رؤيتهم يُقدّمون تنازلات جوهرية.
يُؤثّر الضغط الاقتصادي للحصار المزدوج، الذي تفرضه الولايات المتحدة على إيران في مضيق هرمز، تأثيرًا بالغًا. تخسر إيران مئات الملايين من الدولارات يوميًا. هناك ضغط على إنتاجها النفطي، والبضائع لا تصلها. لكنهم في الوقت الراهن لا يُبدون أي استسلام. متى سيأتي الوقت الذي يكونون فيه مستعدين للتوصل إلى اتفاق؟ أعتقد أننا ما زلنا بعيدين عن ذلك، وليس من المؤكد أن يحدث أصلًا. بإمكانهم التمسك باقتصاد المقاومة لسنوات.
أما العامل الثالث فهو صبر ترامب: إلى متى سيستمر في الضغط؟ لديه انتخابات التجديد النصفي القادمة، حيث تنخفض شعبيته إلى أدنى مستوياتها. إذا خسر ترامب أغلبية مقاعد مجلسي الكونغرس، فستكون قدرته على مواصلة تنفيذ سياساته محدودة للغاية. قد نشهد قريباً تراجعاً مماثلاً لما حدث يوم الثلاثاء (لغير المتابعين – ترامب دائماً ما يتراجع في اللحظات الأخيرة، لكن لا تخبروه بذلك وجهاً لوجه لأن العواقب ستكون وخيمة)، وربما يُصعّد الموقف، لكن على أي حال، سيتوقف هذا الأمر عند عام 2028 حين يغادر البيت الأبيض. قد يبدو هذا وقتاً طويلاً اليوم، لكن عامين ونصف مدة يمكن للإيرانيين أن يطمحوا إليها لخفض ضغوطهم، على أمل أن يكون الرئيس القادم شخصاً لا يُعطي الأولوية لإيران، ولن يكون قادراً على الحفاظ على نفس مستوى الضغط.
السيناريوهات المطروحة بعد وقف إطلاق النار
حتى الآن، هذه مجرد لمحة سريعة. ماذا بعد؟ ما الخطوة التالية؟ إليكم بعض السيناريوهات المحتملة:
السيناريو الأول – اتفاق طويل الأمد. في الوقت الراهن، الاحتمالات ضئيلة. المفاوضات متوقفة، والفجوات كبيرة، ويبدو أن الإيرانيين لا يتراجعون. لا بد من حدوث شيء ما ليتحركوا، وفي هذه الأثناء، من مصلحتهم الاستمرار على هذا المنوال. كما أنه ليس من الواضح من الجانب الأمريكي أن مثل هذا الاتفاق سيُقبل بسهولة. وبغض النظر عن التكهنات، فإن أفضل اتفاق يُمكن التطلع إليه هو الذي سيتناول القضية النووية فقط، بطريقة تُذكّر بالاتفاق النووي، ولن يشمل الاتفاق النووي ووكلائه، وسيمنح إيران تخفيفًا كبيرًا للعقوبات. الشعب الإيراني، الذي وعده ترامب بتقديم المساعدة، سيُلقي به في غياهب النسيان. هل هذا شيء ستقبله واشنطن، بل وستعتبره إنجازًا؟
السيناريو الثاني هو العودة إلى القتال. يواجه كلا الجانبين تصعيدًا محتملاً آخر. قد يضرب الأمريكيون مواقع الطاقة والبنية التحتية الوطنية والجسور. وقد يضرب الإيرانيون منشآت الطاقة في الخليج ويُحفّزون الحوثيين لإغلاق مضيق باب المندب. في الوقت الراهن، لا يزال كلا الجانبين يكبح جماحه، لكن وقف إطلاق النار هش، وإذا رأى أحد الجانبين أن من الأفضل تعزيز موقفه بجولة أخرى من القتال، فسيفعل ذلك.
متى سيحدث هذا؟ إذا أراد الإيرانيون إشعال فتيل الأزمة، فكل ما عليهم فعله هو إطلاق صاروخ صغير على تل أبيب، وسيقوم تيشلر بترتيب زيارة ميدانية لهم. حاليًا، يتوخون الحذر ويحصرون الصراعات في الخليج وحزب الله في الشمال. أما بالنسبة لترامب، فلديه الآن أقل من أربعة أسابيع قبل انطلاق كأس العالم في الولايات المتحدة. قواته متمركزة هناك بالفعل، ويمكنه القيام بجولة قصيرة أخرى. إذا حدث ذلك، أتوقع أن يحدث قريبًا. ليس من المؤكد أننا سنقيم استعراض الجرارات التقليدي يوم الخميس.
على أي حال، يصعب عليّ تصور أن مثل هذه الجولة، إن حدثت، ستغير الوضع جذريًا. لا أرى أنها ستؤثر على الإيرانيين، لكنها قد تزيد الضغط الاقتصادي قبيل الصيف المقبل. لن يكون الوضع مريحًا في طهران مع حرارة تصل إلى 50 درجة مئوية بدون كهرباء، وبالتالي قد يُسرّع ذلك من انهيار النظام أو التوصل إلى اتفاق.
السيناريو التالي هو ببساطة استمرار الحصار المزدوج. لا أحد يعبر مضيق هرمز، والجميع على أهبة الاستعداد، لكن لا أحد يوجه ضربات قوية في الوقت الراهن. يعتقد كلا الجانبين أن الوقت سيصب في مصلحته. سيستغل الأمريكيون انهيار النظام أو ضعفه بشكل كبير، بينما سينتظر الإيرانيون حتى يملّ ترامب. من المحتمل أن يكون كلا الجانبين على صواب.
السيناريو الرابع هو “اتفاق جزئي” – هرمز مقابل هرمز. إنهاءٌ مُعلن للقتال، لكن دون رفع العقوبات. قد يكون هذا حلاً أفضل، ربما لكلا الجانبين، من الحصار المزدوج. هناك أيضاً أصوات في إيران تطالب بحل يسمح لهم ببدء إعادة الإعمار، ويحتاج ترامب أيضاً إلى التخلي عن موقفه المتعالي وإيجاد حل مستدام. لقد عرف كيف يصوّر هذا كنوع من النصر، ويحذر إيران من التفكير في امتلاك أسلحة نووية، ويحافظ على الضغط الاقتصادي، ويأمل في سقوط النظام بطريقة أو بأخرى. ستنخفض أسعار الوقود، وسيكون حراً في القيام بأمور أخرى.
والسيناريو الخامس، الذي قد يحدث بالتزامن مع أي من السيناريوهات السابقة، هو قنبلة إيرانية. أصدقائي، لم يعد هذا مجرد كلام نظري، ولا احتمال. لديهم النوايا، ولديهم المقومات اللازمة. هذا لا يعني أنهم سينفذون ذلك غدًا صباحًا. لا يزال هناك عنصر ردع، فهم لا يريدون أن يُقبض عليهم في طريقهم. لدينا معلومات استخباراتية ممتازة عن إيران، ولن ندعهم يتقدمون إذا ما قبضنا عليهم. لكن الخطر اليوم هو الأعلى منذ أن بدأت إيران العمل على الأسلحة النووية. علينا أن نبقى على أهبة الاستعداد.
ولكي نختم بفكرة جيدة، هناك أيضًا سيناريو سادس متفائل، وهو سقوط النظام. كيف سيحدث ذلك؟ لا أدري. ولا أحد يعلم. لم أسمع عن أي خطة عملياتية جادة تضمن حدوث ذلك، ولذلك، للأسف، من المستحيل البناء على هذا السيناريو في الوقت الراهن. لكن هذا لا يعني أنه مستحيل. نتحدث دائمًا عن إدارة المخاطر، وعلينا أيضًا أن نترك مجالًا لإدارة الفرص.
هذا النظام فاسد، فاشل، واقتصاده منهار. وللإيرانيين تاريخ طويل من الثورات والانقلابات. أعتقد أننا كنا قريبين من ذلك في كانون الثاني الماضي، وقرار النظام استخدام القوة وارتكاب مجازر بحق هذا العدد الكبير من المدنيين جعله في موقف حرج. لم تُقوِّه الحرب الأخيرة. إن استمرار الضغط الاقتصادي، والدعم العملياتي للشعب الإيراني، حتى إذا حانت اللحظة، ستأتي بقوة، قد يُمكّنه من النجاح في المرة القادمة. لا يمكنك تحديد موعد حدوث ذلك. أنصح بعدم محاولة تسريع الخلاص ودفع النهاية، ولكن يمكنك المساعدة بأمور صغيرة كثيرة. عندما يحين الوقت، سيأتي.
*مسؤول سابق رفيع المستوى في المؤسسة الأمنية، وخبير في البرنامج النووي الإيراني
——————————————
هآرتس 20/5/2026
إسرائيل غير مستعدة لـ “سيناريو ترامب”، الأكثر أهمية واكثر تهديدا وحسما
بقلم: تسفي برئيل
لقد مرت سنتين منذ دوى زئير الأسد في البلاد، وهو الزئير الذي ملأنا تفاخرا وقوة وايمانا بالنصر المطلق. “اذا اضطررنا الى الوقوف لوحدنا، فسنقف لوحدنا. لقد قلت في السابق بأننا سنقاتل حتى آخر رمق اذا لزم الامر. ولكن لدينا ما هو اكثر من ذلك بكثير. وبهذه القوة الروحية، بعون الله، سننتصر معا”، هكذا صرخ بنيامين نتنياهو في وجه الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي هدد بوقف ارساليات السلاح لإسرائيل اذا قامت باحتلال رفح.
تم احتلال رفح، ونصف غزة تحت سيطرتنا، وتجري إقامة شريط امني متين في لبنان، وتم إقامة منطقة عازلة رائعة في سوريا، لكن مواطني اقوى دولة في الشرق الأوسط ما زالوا يعيشون في خوف. وماذا بشأن اظافرهم؟. كل ما يمكننا فعله هو التذمر والامل بأن يفتح الرئيس الأمريكي باب جهنم على ايران. لانه تبين أنه لا يمكننا فعل الكثير لوحدنا.
لقد ادركت إسرائيل بالفعل ان خارطة التهديدات لم تعد هي التي ترسمها، وأن جيشها لن يتمكن من القتال الا في المكان الذي يسمح له فيه بفعل ذلك. لان نفوذ إسرائيل على الإدارة الامريكية تقلص بشكل اصبح يشكل تهديد استراتيجي بحد ذاته. عندما يبرر ترامب قرار تأجيل الهجوم على ايران بناء على طلب من السعودية والامارات وقطر، وعندما عين نفسه المدير العام للمفاوضات بين إسرائيل ولبنان، وقبل ذلك رئيسا لقطاع غزة؛ وعندما يكون الرئيس السوري حليفه الذي “يقوم بعمل رائع”، واردوغان صديقه، فلا يهم عدد طائرات التزويد بالوقود الامريكية العمودية في إسرائيل، وعدد الصواريخ الامريكية المخزنة في مخازن الطوارئ هناك. قد تكون إسرائيل مستعدة لكل سيناريو – وهذا مفهوم تم دحضه قبل 7 أكتوبر وخلاله وبعده أيضا – لكنها ما زالت غير مستعدة لـ “سيناريو ترامب”، السيناريو الأكثر أهمية و”تهديدا” وحسما على الاطلاق.
في نظر إسرائيل يمثل ترامب تهديد، لان تصميمه على التوصل الى اتفاق وعقد صفقة يناقض كليا تصور إسرائيل، الذي يعتبر كل اتفاق بداية لحرب جديدة. تقوم استراتيجية إسرائيل على حرب دائمة، تتخللها إنجازات تكتيكية ولكنها بلا نهاية. اغتيال مسؤول كبير في حماس، أو عالم ذرة، أو زعيم إيراني، او توسيع رقعة الأرض المحتلة في غزة بنسبة 5 في المئة أخرى أو تدمير عشرات القرى في لبنان، أو إقامة بؤر استيطانية على تلال السامرة، كل ذلك يعتبر نصر في نظرها. صحيح ان ترامب عندما يتحدث بزهو عن تدمير زوارق ايران السريعة، أو القضاء على 80 في المئة من ترسانة ايران الصاروخية، يشبه نتنياهو في أسلوبه، لكن الفرق بينهما يكمن في ان ترامب ينظر الى الإنجازات التكتيكية كخطوة نحو الإنجاز المامول، وهو اتفاق استراتيجي مع ايران.
عندما ادرك ترامب بان اسقاط النظام في ايران لم يكن الا خدعة مغلفة بغلاف إسرائيلي، وان اغتيال خامنئي كان نجاح تكتيكي مشكوك فيه، اعتبر النظام “الجديد” شريك يمكن التعاون معه. وعندما كانت هناك حاجة سمح لمساعديه بالتحدث مباشرة مع قادة حماس. أيضا توصل هو نفسه الى اتفاق منفصل مع الحوثيين، ورحب الرئيس السوري “الإرهابي الجهادي”، كأخ له. في إسرائيل أصبحت كلمة “شريك” كلمة مهددة، وقد تم استبعادها من قاموس المصطلحات والحبل على الجرار.
ترامب خطير، لكنه يحاول ان يشرح لإسرائيل بان عهد حروبها الخاصة انقضى، وأن غزة ولبنان وسوريا ليست تحت سيطرتها الحصرية. اذا كانت إسرائيل بحاجة الى درس آخر، حرب صغيرة أخرى، فلتفعل ذلك “بمخالبها” على حساب احتياطها من الخسائر، وقبل ذلك يجب عليها الحصول على ترخيص منه. هو الذي سيقرر ما هو الاتفاق الجيد وما الذي يجب على إسرائيل الالتزم به. في الواقع هو يحاول تعليم إسرائيل معنى مفهوم الاستراتيجية، وهذا امر صعب على دولة اقنعت نفسها بأنها قادرة على “تغيير وجه الشرق الأوسط”، وهي الان عالقة في غرفة الانتظار في الخلف.
——————————————
هآرتس 20/5/2026
إسرائيل تطالب بنزع سلاح اعدائها، لكنها ترفض دفع الثمن اللازم في كل الحالات
بقلم: جاكي خوري
تطالب إسرائيل بنزع سلاح حزب الله وحماس، وتفكيك قدرة ايران النووية وخفض قدرتها الصاروخية البالستية الى الحد الأدنى، وهي تعمل باستمرار على منع أي تعزيز استراتيجي لأي دولة أو أي قوة أخرى في المنطقة. رسالة إسرائيل واضحة: طلب التفوق العسكري المطلق على أي طرف آخر في الشرق الأوسط، سواء بذاتها أو بكونها اقرب حليفة استراتيجية للولايات المتحدة.
من وجهة نظر إسرائيل فان الحجة سهلة، بل ومشروعة. فالدولة تسعى لحماية مواطنيها ومنع أي تهديد لامنها، والعيش في بيئة لا تهدد وجودها. بعد سنوات من الحروب والهجمات والصراعات، يصعب إيجاد إسرائيل لا يفهم هذه الرغبة. ولكن المشكلة تبدأ بمطالبة إسرائيل بنزع سلاح حزب الله واخضاعه واضعافه، في حين ترفض بناء بديل مستقر وفاعل وذي سيادة.
يبرز هذا التناقض بوضوح في الساحة اللبنانية. فإسرائيل تطالب بنزع سلاح حزب الله ونشر الجيش اللبناني في الجنوب. ولكن في نفس الوقت هي تعارض أي تعزيز كبير للجيش اللبناني خشية من ان تستخدم هذه القدرات ضدها في المستقبل. وهذا يخلق وضع متناقض: إسرائيل تريد زوال حزب الله، لكنها في نفس الوقت غير مستعدة للسماح لقوة بديلة بأن تكون قوية بما فيه الكفاية لملء الفراغ.
ويقر لبنان أيضا بان المهمة معقدة اكثر بكثير مما تظهره الشعارات. وتوضح مصادر في الجيش اللبناني ان الجيش يعمل “بشكل يفوق طاقته”، وان المساعدة التي يحصل عليها تكفي على الاغلب لادارة النشاطات اليومية. وحسب هذه المصادر، هناك خطة لنشر الجيش في الجنوب، لكنها معطلة بسبب الضغط والدمار الكبير في جنوب لبنان، ناهيك عن ان عشرات القرى ما زالت غير صالحة لعودة سكانها، وما زالت مسألة السلاح في شمال الليطاني غامضة بدون وجود آلية تنفيذ حقيقية.
بكلمات أخرى، تطالب إسرائيل بواقع امني جديد بدون تهيئة الظروف السياسية والاقتصادية والعسكرية المطلوبة لتحقيق ذلك. ويظهر هذا الامر بشكل مضاعف في الساحة الفلسطينية. تسعى إسرائيل الى التفكيك والاسقاط والكسر والاخضاع والسيطرة. هذه هي المصطلحات التي تسيطر على الخطاب السياسي والعسكري في إسرائيل. ولكن السؤال المهم ليس فقط كيفية تفكيك السلاح، بل ما الذي سيأتي بعد ذلك. فما هو الواقع السياسي الذي سيبنى مكان هذا السلاح؟ ما هو الأفق الذي سيعرض على الطرف الآخر؟ وهل هذه الخطوة ستؤدي الى تسوية مستقرة أو الى تعميق السيطرة والاحتلال؟.
تجدر الإشارة الى ان التفكيك ونزع السلاح ليس فكرة نظرية، فقد جرب بالفعل في نماذج رئيسية. الأول، وهو النموذج الناجح، كان في سيناء بموجب اتفاق السلام مع مصر. فقد اخليت شبه جزيرة سيناء من وجود عسكري كبير، لكن في المقابل انسحبت إسرائيل بالكامل، ووقعت على معاهدة سلام، وتم انشاء آلية امنية مشتركة، وزال خطر الحرب المباشرة بين إسرائيل واكبر دولة عربية في المنطقة. هذا كان بمثابة انعطافة في اطار اتفاق سياسي شامل.
أما النموذج الثاني فهو نموذج م.ت.ف والسلطة الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو. لقد وافقت القيادة الفلسطينية على السير في مسار سياسي وتفكيك جزء كبير من بنيتها التسليحية. ولكن بدلا من تعزيز السلطة واعطاءها افق سياسي حقيقي، حولتها إسرائيل بالتدريج الى مجرد مقاول امني. لقد اضعفت إسرائيل موقفها العام ووسعت المستوطنات واضرت بالتواصل الجغرافي وقضت بالفعل على أي إمكانية لتسوية سياسية، بل بدرجة معينة، قوت خصومها وعلى رأسهم حماس.
ان الوضع في الضفة الغربية الآن هو الدليل الواضح على ان نزع السلاح وحده لا يحل النزاع. ان التعاون بين إسرائيل والأجهزة الأمنية الفلسطينية يوفر أمن مؤقت، لكنه في نفس الوقت يعمق الشعور بالقمع والاحتلال والاهانة لدى الفلسطينيين.
في لبنان وفي الضفة الغربية وفي قطاع غزة تتصرف إسرائيل أحيانا كقوة متسلطة، تسعى الى اخضاع الجميع. أمس فقط كرر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش دعوته لاسقاط السلطة الفلسطينية وهدم الخان الأحمر. واعرب وزير الامن الوطني ايتمار بن غفير عن دعم فكرة الاستيطان الإسرائيلي في جنوب لبنان، واعترف مجلس السلام الذي اسسه ترامب بفشله امام الأمم المتحدة.
كل من يرغب وبحق في تفكيك حزب الله أو حماس أو التهديد الإيراني ان يعرف بان التفكيك وحده ليس استراتيجية. لا يكفي مجرد اضعاف الخصم. فبهذا النهج ستستبدل كل منظمة تسقط بمنظمة متطرفة اكثر، وسيملأ كل فراغ بالغضب واليأس والتطرف.
——————————————
معهد Mind Israel 20/5/2026
إسرائيل مُطالبة بتوقيع اتفاقية جديدة مع الولايات المتحدة قبل فوات الأوان
بقلم: عاموس يدلين و د. أفنر غولوب
زرنا واشنطن الأسبوع الماضي. على الرغم من انشغال الولايات المتحدة بالحرب مع إيران، إلا أن اهتمامًا كبيرًا في العاصمة الأمريكية انصبّ على الاستعدادات لاجتماع الرئيس دونالد ترامب مع نظيره الصيني شي جين بينغ، وهو اجتماعٌ يُجسّد التنافس الاستراتيجي على الهيمنة العالمية في القرن الحادي والعشرين بين واشنطن وبكين، والذي يتمحور حول العلاقات التجارية والتنافس التكنولوجي بين البلدين. ومن القضايا الأخرى التي طُرحت في محادثات واشنطن مع حلفاء إسرائيل المقربين: تفاقم أزمة الموقف الشعبي الأمريكي تجاه إسرائيل. فهذه جبهة معادية لإسرائيل تجمع بين اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي والمعسكر الانفصالي في الحزب الجمهوري. وكلما اتجهنا نحو الفئات العمرية الأصغر، اتسع نطاق هذه الظاهرة لتشمل بعض المعتدلين في الحزبين. وتزداد هذه الظاهرة حدةً في ضوء التعاون الأمني غير المسبوق بين البلدين في الحرب ضد إيران، والمساهمة الإسرائيلية الكبيرة والمؤثرة في العمليات القتالية المشتركة.
لا تقف هذه التطورات الثلاثة بمعزل عن بعضها، بل تُشير إلى حاجة ماسة وعاجلة إلى خطوة استراتيجية جديدة: تطوير وتغيير نموذج العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة. يمثل هذا تحولاً من نموذج الرعاية – دولة راعية للأمن تتلقى مساعدات – إلى نموذج شراكة تكنولوجية عميقة من شأنها تعزيز وتعميق وتحصين العلاقة من خلال المساهمات الإسرائيلية للولايات المتحدة في صراعها ضد الصين. ولهذا السبب، أطلقنا مبادرة في واشنطن، بالتعاون مع أكثر من 50 مسؤولاً رفيع المستوى من إسرائيل والولايات المتحدة، لإقامة تحالف تكنولوجي بين البلدين، من شأنه أن يوفر استجابة للتحدي الإسرائيلي ويرتقي بالعلاقات مع أهم شريك لإسرائيل.
لعقود، استند التحالف بين البلدين إلى المبادئ التالية: تقدم الولايات المتحدة لإسرائيل مساعدات اقتصادية وأمنية لتقويتها في مواجهة مختلف التهديدات المحيطة بها، ولتمكينها من خوض المخاطر في إطار العمليات الدبلوماسية. في العقود الأخيرة، اختُزل هذا النموذج بالكامل تقريباً إلى مساعدات أمنية بقيمة 3.3 مليار دولار سنوياً، ودعم أمريكي في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. كان هذا نموذجاً مناسباً لزمن كانت فيه إسرائيل دولة محاطة بالأعداء، وتواجه صعوبة في تحمل العبء الاقتصادي والأمني بمفردها.
لقد أظهرت الحرب ضد إيران بوضوح أهمية القدس كحليف أمني لواشنطن: فقد قدمت إسرائيل قدرات استخباراتية وعملياتية وتكنولوجية جعلتها شريكًا استراتيجيًا يقاتل، مُظهرًا أداءً مذهلاً، إلى جانب أقوى قوة في العالم لتحقيق أهداف الحرب. تساوت مشاركة القوات الإسرائيلية والأمريكية في الهجوم والدفاع، وكانت مساهمة إسرائيل في إنقاذ الجنود الأمريكيين مساوية لمساهمة الولايات المتحدة في حماية سكان إسرائيل. لم نلتقِ بمسؤول واحد إلا وأبدى تقديره للمساهمة الإسرائيلية في الحرب، وردد تعريف البنتاغون لإسرائيل: “حليف يُحتذى به”.
لكن خارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس ترامب، تتشكل جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين في الولايات المتحدة، تُصوّر إسرائيل على أنها جرّت الرئيس الأمريكي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية. حتى المسؤولون الأمريكيون الذين يُدركون أن هذا الادعاء لا أساس له من الصحة، يُقرّون بأن هذه حملة فعّالة للغاية، خاصة بين الشباب من كلا الحزبين.
لهذا السبب تحديدًا، يجب على إسرائيل أن تُقدّم للولايات المتحدة رواية جديدة. لا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساسًا على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين. تحتاج القدس إلى تعزيز نموذج جديد للعلاقة – إسرائيل والولايات المتحدة 2.0: لا يقتصر على تلقي المساعدات بل يشمل الشراكة؛ لا يقتصر على الأمن فحسب، بل يشمل التكنولوجيا؛ لا يقتصر على الدبابات والطائرات، بل يشمل أيضًا الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، والمواد الحيوية، والتقارب الحيوي (مزيج من الهندسة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي مع علم الأحياء).
الفرصة سانحة لتحقيق ذلك. من المتوقع أن تنتهي مذكرة التفاهم الحالية بشأن المساعدات الأمريكية في عام 2028. وقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سابقًا – وكرر ذلك هذا الأسبوع – أن على إسرائيل أن تُقلل اعتمادها على المساعدات الأمنية، وقد يكون هذا هو الهدف الصحيح على المدى البعيد. لكن بعد الحرب ضد إيران، وبالتأكيد إذا اختارت الولايات المتحدة في المستقبل تقليص وجودها في الشرق الأوسط أو التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران، فمن المنطقي الإبقاء على المساعدات العسكرية لعقد آخر، ليس فقط لمساهمتها في ميزانية الجيش الإسرائيلي، بل لأنها أصبحت رمزًا لالتزام أمريكا بأمننا. ويمكن تفسير أي توقف مفاجئ لها في المنطقة على أنه تقويض لهذا الالتزام.
لقد رأت المؤسسة الأمنية الأمريكية وإدارة ترامب مساهمة مباشرة في المصلحة الأمنية العليا للولايات المتحدة عندما خاضت طائرات إف-35 وإف-15، التي تم شراؤها بأموال المساعدات، معارك جوية مثيرة للإعجاب، جنبًا إلى جنب مع القوات الجوية والبحرية ومشاة البحرية الأمريكية. ولكن بعيدًا عن الاستراتيجية الأمنية، ووفقًا لتقديراتنا في “مايند إسرائيل”، فإن المساهمة المباشرة للمساعدات الأمنية في الاقتصاد الأمريكي تفوق قيمة المساعدات نفسها بأربعة أضعاف على الأقل. في الواقع، حتى في النموذج الحالي، لا يتعلق الأمر كثيرًا بـ”مساعدة إسرائيل” بقدر ما يتعلق بالاستثمار الأمريكي في منظومة أمنية تكنولوجية مشتركة.
لهذا السبب أطلقنا هذا الأسبوع في واشنطن مبادرة مشتركة مع معهد أبحاث SCSP، الذي أسسه الراحل هنري كيسنجر والرئيس التنفيذي السابق لشركة جوجل، إريك شميدت. تدعو المبادرة إلى بناء عملية ذات شقين: خفض تدريجي للمساعدات المباشرة لإسرائيل، بالتزامن مع بناء شراكة تكنولوجية واسعة النطاق. أما على الصعيد الأمني، فيعني ذلك استثمارًا مشتركًا في تقنيات الدفاع المستقبلية، ودمج إسرائيل في برنامج “القبة الذهبية” الدفاعي الأمريكي.
على الصعيد المدني، يتضمن ذلك تخصيص موارد متساوية لصندوق مشترك، بقيمة مليار دولار سنويًا لمدة عشر سنوات، يركز على تطوير أهم التقنيات الاستراتيجية للمستقبل. هذا ليس مجرد نفقة، بل استثمارٌ سيجذب رؤوس أموال خاصة ضخمة، ويعزز التفوق التكنولوجي للبلدين، ويحقق عائدًا استراتيجيًا واقتصاديًا كبيرًا، يتجاوز بكثير العائد الحالي للمساعدات الأمنية وحدها.
تشمل المشاريع الرئيسية التي برزت خلال المناقشات بين الفريقين الإسرائيلي والأمريكي: إنشاء مصنع للرقائق الإلكترونية المتقدمة، الموجود حاليًا في تايوان فقط؛ وتطوير قدرات البلدين في مجال الأمن السيبراني من خلال الذكاء الاصطناعي؛ وجهود مشتركة لإنتاج ومعالجة المواد الحيوية التي يستخدمها قطاع التكنولوجيا وتسيطر عليها الصين بشكل رئيسي؛ وتطوير الريادة في الحوسبة الكمومية وتطوير تقنيات الاندماج النووي لإنتاج الطاقة، وهي قدرات تضمن الاستقلال الاستراتيجي للبلدين ونفوذًا كبيرًا على الساحة العالمية.
كما يضطلع اليهود الأمريكيون بدور محوري في هذه الخطوة. يتجاوز الأمر مجرد الاستثمار في مشروع يعود بالنفع على كلا البلدين، فهو يتعلق بخلق رؤية مشتركة جديدة لليهود الإسرائيليين والأمريكيين، رؤية “إصلاح العالم” من خلال الابتكار والتكنولوجيا الإسرائيلية. لم يعد الخطاب مقتصراً على التهديدات والحروب فحسب، بل يشمل أيضاً الإبداع والعلوم وبناء مستقبل مشترك.
تناولت مذكرة التفاهم الموقعة عام 2006 موضوع الطائرات. أما مذكرة التفاهم التالية، فينبغي أن تتناول الذكاء الاصطناعي. هذه الخطوة كفيلة بإعادة ترسيخ المصالح المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، ووضع القدس إلى جانب واشنطن في الصراع التكنولوجي مع الصين، وفتح آفاق جديدة للتعاون بين الحكومات والأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص والمجتمع المدني. هذا ليس مجرد تكيف مع تحديات القرن الحادي والعشرين، بل هو تكيف مع مكانة إسرائيل في هذا القرن.
*د. أفنر غولوب، المسؤول السابق عن ملف الولايات المتحدة في جهاز المخابرات الوطنية
——————————————
إسرائيل اليوم 20/5/2026
نقطة الحسم تتلخص في السيطرة في مضيق هرمز
بقلم: اللواء احتياط اليعيزر (تشايني) مروم
علقت الحرب في ايران في طريق مسدود. فبعد اكثر من 40 يوما من القتال اعلن الرئيس ترامب في 8 نيسان عن وقف نار وعن بدء جولة محادثات تفاوض مع ايران، استمرت دون أي تقدم حقيقي على مدى كل الفترة. يكثر الطرفان من اتهام وتهديد الواحد للاخر، ويبدو أنهما يشعران بالنصر وليسا مستعدين للتنازل.
الإيرانيون، الذين اغلقوا مضيق هرمز، يشعرون انهم يمسكون بالاقتصاد العالمي من عنقه، وان أسعار النفط التي ترتفع ستؤدي في نهاية الامر للضغط على الرئيس ترامب، فيضطر للتنازل. اما الامريكيون، الذين اعلنوا عن فرض حصار على موانيء ايران يشعرون انه بعد تدمير منظومات الجيش والحرس الثوري الإيرانيين، فانهم يخنقون الاقتصاد الإيراني وفي نهاية الامر سيتنازل الإيرانيون.
لقد صرح الرئيس ترامب يوم الاثنين بانه يؤجل قراره الهجوم على ايران، في ضوء طلب ثلاثة من دول الخليج، وانه يعطي فرصة أخرى للمفاوضات مع ايران. اما الإيرانيون من جهتهم فبعثوا بمسودة مقترح إضافي ليس فيها أي تنازل، وهي لا تدفع قدما لانهاء الحرب.
الطرفان ليسا معنيين باستئناف الحرب، كل واحد لاسبابه. الضرر الهائل في ايران والاقتصاد المتعثر لا يعملان في صالح نظام آيات الله وضرر إضافي من شأنه أن يؤدي الى صدمة تمس بالحكم. بالمقابل، أسعار الوقود المرتفعة في الولايات المتحدة تجلب الضغط على إدارة ترامب، وانتخابات منتصف الولاية التي تقترب من شأنها أن تمس بالسنتين الأخيرتين من ولايته اذا ما خسر الأغلبية في المجلسين.
عند توجه ترامب لحسم المواقف تكون امامه الإمكانيات التالية: مواصلة الحصار على الموانىء وخنق الاقتصاد الإيراني. في هذه الحالة ليس واضحا على الاطلاق كم من الوقت يمكن لنظام ايات الله ان يصمد، ومتى سينكسر احد الطرفين. الامكانية الثانية هي العودة الى قتال قوي، لا يوجد يقين لان يؤدي الى النتيجة المرجوة.
نار تستجاب بالاصابة
مع ذلك، توجد إمكانية أخرى كفيلة بان تحقق إنجازا للولايات المتحدة. على ترامب ان يعلن من جديد عن حملة “مشروع الحرية” الذي يعني فتح مضيق هرمز بالقوة وحماية الاسطول الأمريكي للسفن التي ترغب في عبوره. في المرة السابقة التي اعلن فيها ترامب عن هذه الحملة نجحت قيادة المنطقة الوسطى الامريكية في أن تمرر عبر المضيق ثلاث مدمرات، واضافة الى ذلك سفينتين تجاريتين رفعتا علم الولايات المتحدة. كان هذا نجاحا عظيما ودليلا عن قدرة مبهرة. فالايراني لم ينجح في أن يضرب أي سفينة القى الامريكيون حمايتهم عليها. اطلق الإيرانيون النار نحو بضعة اهداف لاتحاد الامارات وبعد يوم أوقف ترامب الحملة بناء على طلب السعودية.
ان استئناف حملة “مشروع الحرية” وتمرير السفن في مضيق هرمز تحت حماية الاسطول الأمريكي، دون ان ينجح الإيرانيون في اصابتها، سيكون إنجازا هائلا. أسعار النفط في العالم ستخفض بشكل فوري تقريبا. بالتوازي على الولايات المتحدة ان تهدد وتوضح بان كل نار إيرانية نحو اهداف في الخليج او نحو سفن ستستجاب بضرب واحدة من منشآت البنى التحتية في ايران. خطوة من هذا النوع، ليست عودة لحرب شاملة، كفيلة بان تجلب الإيرانيين الى طاولة المفاوضات وتسمح بالوصول الى اتفاق يتضمن أيضا مسألة النووي والصواريخ الباليستية وبذلك تؤدي الى انهاء الحرب.
——————————————
هآرتس 20/5/2026
إيجاد بيت لمصوتي الصهيونية الدينية
بقلم: رفيت هيخت
يعتبر التيار الصهيوني الديني القطاع الأكثر تشتتا وتجاهلا في هذه الحملة الانتخابية، سواء من جهة الائتلاف أو من جهة تيار التغيير. ويقدر عدد مقاعد هذا التيار الانتخابي بـ 15 مقعد، بدءا من الحزب الكهاني وانتهاء باليسار (حتى لو كانت نسبته اقل بكثير من اليمين).
يعاني حزب الصهيونية الدينية برئاسة بتسلئيل سموتريتش منذ فترة طويلة في الاستطلاعات، ويتأرجح حول عتبة الفوز – بعيدا جدا عن الإمكانات الانتخابية الكامنة في اسمه. ويعود ذلك جزئيا الى تطرفه السياسي – الديني، الذي يصعب على المتدينين الليبراليين قبوله. ولكن السبب الرئيسي هو الاستياء من تعاون الائتلاف مع تهرب الحريديين من الخدمة العسكرية. هناك كثيرون ينتمون للصهيونية الدينية، بما في ذلك اليمينيين الذين يجدون صعوبة في قبول الموافقة على قانون الاعفاء من الخدمة، حتى مقابل حرية التصرف في الضفة الغربية والدعم غير المسبوق للاستيطان.
يمكن الافتراض بانه، خلافا لكتلة التغيير التي سنتناولها فيما بعد، لن يبقى هذا الوضع عصي على الحل في الائتلاف. فكتلة الائتلاف يوجد لها مدير واحد، وقد اثبت بالفعل القدرة على حشد أصوات غير مألوفة (مثل آفي معوز)، وصهيونية دينية تقليدية (سموتريتش قبل حادثة التهرب من الخدمة)، والكهانيين (مثل ايتمار بن غفير). ان حل المشكلة الجديدة في هذا الائتلاف – الصراع بين الصهيونية الدينية والحريديين حول التجنيد – غير معقد جدا. فقد يخصص نتنياهو مقاعد لبتسلئيل سموتريتش في الليكود، أو حتى أن يستقطب اليه الناخبين.
ولكن الحل الأمثل يكمن في الاستخدام الأمثل لسلطة عوفر فنتر الجديدة، الذي لا يحمل وصمة شرعية التهرب من التجنيد. وسواء أطاح فنتر بسموتريتش – وهذا حدث يحتاج الى جهود قيادية حاسمة من نتنياهو – أو ترشح بشكل مستقل، قد يحدث فنتر الفرق. فهو لن يتردد في خوض الانتخابات برسائل تفيد بان هذه المرة ستكون مختلفة، وان ائتلاف بمشاركته لن يسمح للحريديين بتحقيق هدفهم (أما ما سيحدث بعد الانتخابات فهو شيء آخر). إضافة الى ذلك معظم الصهيونية الدينية هي يمينية، وبالتالي، يمكن الافتراض بان معظم المترددين اليمينيين سيعودون، بشكل أو بآخر، الى كتلة نتنياهو في الوقت اللازم.
أما في كتلة المعارضة فان الفوضى تلوح في الأفق. فحسب الاستطلاعات هناك من بين الـ 18 مرشح يعتبرون انفسهم “صهاينة متدينون”، يقول ثلاثة على الأقل بأنهم لم يحسموا امرهم بعد. بكلمات أخرى، لا يُضمن لهم الانضمام لكتلة الائتلاف تلقائيا. أيضا نسبة كبيرة منهم لا ترغب في استمرار نتنياهو في الحكم. تشكل هذه القاعدة الانتخابية قاعدة حاسمة لكتلة التغيير، من اجل تحقيق تحول جذري، لكن يبدو ان عملية استقطابهم وحشد تأييدهم لصالح الكتلة لا تتم ادارتها بشكل ناجع في الوقت الحالي.
لقد أدى تحالف نفتالي بينيت ويئير لبيد الى حركة إيجابية وحيوية، وخفف من شدة التوتر داخل الكتلة، لكنه زاد من نفور الناخبين الصهاينة المتدينين منها. بعضهم، الذين يرغبون في الإطاحة بنتنياهو، يخافون من الانضمام لتيار “فقط ليس بيبي” الكلاسيكي، وذلك لاسباب تتعلق بالهوية والانتماء القبلي، وأيضا لاعتقادهم ان تيار “فقط ليس بيبي” مؤهل لتقديم تنازلات لقطاع الحريديين (أو، لا سمح الله، الجلوس مع الأحزاب العربية)، مقابل ضمان إزاحة نتنياهو عن الحكم. الشخصيات التي قد تقدم رد على هؤلاء تتجول الآن بشكل غير منظم في فضاء التغيير: حيلي تروفر، اييلت شكيد، إضافة الى شخصيات في الائتلاف مثل يولي ادلشتاين واوفير سوفر.
الحل الممكن هو تجميع هذه الشخصيات أو بعضها في حزب واحد. هذه خطوة محفوفة بالمخاطر، لان شخصية مثل اييلت شكيد تعرف سيناريوهات قد تتحول فيها اغلبية المقاعد في الاستطلاعات الى صفر في النتائج. حل آخر هو الانضمام الى شخصية فاعلة في المعسكر مثل غادي ايزنكوت أو افيغدور ليبرمان. ايزنكوت، الذي حشد حوله يورام كوهين ومتان كهانا، هو شخص محبوب في الصهيونية الدينية. يمكنه توفير بيئة داعمة لهذه الشخصيات، باستثناء اييلت شكيد التي قد تكون علاقتها مع ليبرمان طبيعية وعضوية. في الحالتين يجب على معسكر التغيير ان لا يتجاهل إمكانيات الصهيونية الدينية. فبدلا من تبديد كل موارده على الصراع بين نفتالي بينيت وغادي ايزنكوت، هناك مجال للبدء في التخطيط لاستقطاب الأصوات المحتملة من هذا القطاع.
——————————————
يديعوت أحرونوت 20/5/2026
إسرائيليون: هل سنعود للركض نحو الملاجئ 5 مرات كل ليلة؟
بقلم: أرئيلا رنغل هوفمان
بالأمس، وللمرة التي لا تُحصى، نظفنا الملجأ مجددًا. ثمة ملجأ في “الموشاف” الذي أعيش فيه. بالنسبة للمحظوظين، مثلنا، يقع الملجأ في الفناء الخلفي للمنزل. أما الآخرون فيضطرون للركض إلى الملجأ العام. إنه أمر شاق. دون الخوض في التفاصيل، دعوني أقول إننا نعيش في مكان قريب من أحد الأهداف المفضلة لدى الإيرانيين، لذا فقد اضطررنا في كثير من الأحيان، بل مرات عديدة، للركض خمس مرات في الليلة.
والآن، في مواجهة هذا التكهن القديم الجديد، نعم ولا، ستندلع حرب أخرى، نعم ولا، سيهدر الأسد أو يزمجر أو يطير من عرينه، ذهبنا لتنظيفه. مرة أخرى لإخراج الصناديق الكبيرة التي تُستخدم للتخزين من بطانيات، وجبات خفيفة، كتب، ألعاب، ماء، إسعافات أولية، إسعافات ثانوية، إسعافات ثالثة، وإن وُجدت إسعافات رابعة – وميزتها الكبرى أنها قابلة للجلوس عليها. ليست مريحة للغاية، لكن الأمر أصعب بكثير في الشمال والجنوب. كل عملية تنظيف كهذه تُعيد الذكريات وتُعيدنا إلى أصدقاء قدامى. فتح أحدهم بسكوت “أوريو”، وأكل منه قليلًا ولم يُغلقه، زجاجة ماء نصف مفتوحة، رقائق بطاطس منتهية الصلاحية، مصاصات، والكثير من الأشياء التافهة التي كانت تهدف أساسًا إلى تهدئة نوح، كلبنا. أخرجنا كل شيء، ورتبناه، وجددناه، وكنسناه، ومسحناه، ونفضنا أغطية الصناديق، وأعدنا كل شيء إلى مكانه
والآن ننتظر. بلدٌ بأكمله ينتظر. قرأنا جميع المقالات التحليلية، واستمعنا إلى جميع الخبراء على الراديو، وشاهدنا جميع الخبراء على التلفاز، وتأرجحنا بين الأمل والهلع، تبعًا لآخر من استمعنا إليه. قلنا لأنفسنا: “أفضل ما يمكن حدوثه أن: نلعن أبو أبوهم ونقضي عليهم نهائيًا”. ثمانون مليون شخص بلا كهرباء؟ ممتاز. بلا ماء؟ أفضل. إغلاق المستشفيات؟ في غاية اللطف. ثم قلنا لأنفسنا: “لا يُعقل أن نكون قد جننا. من المستحيل أن يعتقد أحد أن هذا ممكن، أو مسموح به. دولة طبيعية ستفعل ذلك”. وبشكل عام، يا له من وجهٍ سنواجهه بعد ثلاث سنوات تقريبًا من حربٍ متعددة الجبهات – كم أحب أن أكتب “متعددة الجبهات”، فهي تبدو خطيرة – نلحق فيها دمارًا لا يُصدق في كل مكان.
“هل تعلمين كم عائلة دمرناها؟” سألتني يارا عندما التقينا قبل يومين. “على الأقل، خلافًا لما يُكتب في صحيفة نيويورك تايمز،” أجبتها، “نحن لا نغتصب الفتيات ولا نحرق الأطفال”. وفي هذه الأثناء، وبين أعمال التنظيف، ذهبت أنا وأودي إلى المطعم في “بيغ غليلوت”، وقلنا كم كنا محظوظين بالعثور على طاولة، فقد كان المطعم مكتظًا. ثم، في المساء، شاهدنا على التلفاز كيف مُنع إخراج الأطفال الصغار إلى ساحة رياض الأطفال في الشمال، فانفطرت قلوبنا، ورأينا أيضاً كيف تابعت الكاميرا المشهد لدقائق طويلة. طائرة مسيّرة متفجرة، لا أحد يعلم على من ستنفجر. المؤكد أنها ستنفجر. وسألنا للمرة الألف: ماذا عن الليزر؟ هل يعلم أحد ما حدث له؟ لماذا لا يخبروننا؟ لا شيء؟ وماذا سيحدث لقانون التهرب من الخدمة؟ وماذا عن استدعاء الاحتياط للمرة الألف؟
نظفنا الملجأ تحسبًا لأي مشكلة قد تحدث، أو ربما لا. وجددنا المؤن، واشترينا كمية كبيرة من الجبن لصنع كعكات عيد الأسابيع (شافوعوت)، ولا نعلم إن كنا سنخبزها أم لا. وسألنا أصدقاءنا: ما رأيكم؟ هل ستندلع حرب؟ ليلة أخرى؟ غدًا؟ في نهاية الأسبوع؟ في بداية الأسبوع؟ ربما اتفاق؟
—————-انتهت النشرة———

