| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
يديعوت أحرونوت 12/4/2026
جميع سيناريوهات مستقبل الشرق الأوسط
بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين
ما بدأ كهجوم مفاجئ شنته حماس على إسرائيل في غزة، امتد إلى ساحات أخرى وتطور إلى الصراع الحالي غير المسبوق ضد إيران. ولا يزال الغموض يكتنف وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ قبل يومين، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان سيؤدي إلى إنهاء الصراع، أم أنه سيشكل هدوءًا مؤقتًا يتبعه استئناف، بل وربما تصعيد.
ولغرض تحليل الاتجاهات الأساسية التي تجسدها الحملة الحالية، إلى جانب تحديات المستقبل، وللتصدي للتحديات التي تواجه إسرائيل، أجرى مركز ديان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في جامعة تل أبيب “محاكاة حرب” بمشاركة نخبة من الباحثين في المنطقة والمنظومة الدولية. ومثّل المشاركون أطرافًا مختلفة، وتناولوا سيناريوهات محتملة، مثل إنهاء الحرب باتفاق أو بدونه، ومن جهة أخرى، استئناف الحملة والانزلاق إلى حرب استنزاف إقليمية طويلة الأمد.
أدار اللعبة البروفيسور عاموس نادان، رئيس مركز ديان، ووزير الخارجية، الذي “لعب” دور إسرائيل، وحضرها البروفيسور مئير ليتفاك، رئيس مركز الدراسات الإيرانية في جامعة تل أبيب، والدكتورة ليورا هاندلمان-بيفور من المركز، اللذان “لعبا” دور إيران؛ والبروفيسور إيال زيسر من مركز ديان الذي “مثّل” حزب الله والحكومة اللبنانية وسوريا؛ ودينيس سيترينوفيتش من المعهد الوطني للدراسات الأمنية – محور المقاومة (مع التركيز على الحوثيين والميليشيات في العراق)؛ والدكتورة شيرا إيفرون من معهد راند – الحكومة الأمريكية؛ والدكتور براندون فريدمان من مركز ديان – دول الخليج؛ والدكتور هاي كوهين-يانروجيك من مركز ديان – تركيا؛ وعضو الكنيست السابقة كسينيا سفيتلوفا، الرئيسة التنفيذية لمعهد روبس – روسيا وأوروبا؛ وغاليا لافي، نائبة مدير مركز سياسة إسرائيل والصين في المعهد الوطني للدراسات الأمنية – الصين؛ بالإضافة إلى الناشط السياسي الفلسطيني سامر سنجلاوي والدكتور إيدو زيلكوفيتش من جامعة حيفا، اللذين حللا النظام الفلسطيني.
بين فنزويلا وأوكرانيا
قبل بدء اللعبة، قدم المشاركون رؤى حول الحرب الدائرة، التي بدأت بـ”إطاحة” النظام الإيراني، وأثارت لاحقًا تفاؤلًا بشأن إسقاطه المتوقع، بل ورغبةً في تغيير وجه الشرق الأوسط. لكن النشوة الأولية بدأت تتلاشى أمام علامات استفهام حادة: فنادرًا ما بات أحد ما ُيتحدث عن تغيير النظام؛ وضعف حكم آيات الله، لكنه لا يزال مستقرًا نسبيًا ويشن حملة إقليمية بتمويل دولي؛ والأسوأ من ذلك كله، أن التهديدات التي وصفها نتنياهو بأنها وجودية في عملية “الأسد الصاعد” لا تزال قائمة، وليس من الواضح كيف ومتى سيتم تحييدها. بعبارة أخرى، ما كان من المفترض أن يكون عملية خاطفة كما في فنزويلا قد يتحول إلى مستنقع، مثل الصراع في أوكرانيا.
يوضح البروفيسور ليتفاك قائلاً: “لقد تحقق تغيير السلطة في طهران بالفعل، وإن لم يكن كما كان يأمل ويخطط له ترامب ونتنياهو. فقد انتهت مسيرة علي خامنئي، ولا يزال وضع خليفته مجتبى غامضاً، لكن من الواضح أن الحرس الثوري المتطرف أصبح هو المتحكم الفعلي في زمام السلطة. لقد تكبد النظام ضربات غير مسبوقة، ولكنه يحقق أيضاً إنجازات: فقد صمد، مقدماً وقف إطلاق النار على أنه نصر، مع التركيز على قضية مضيق هرمز، الذي كان مفتوحاً عشية الحرب، وأصبح ورقة رابحة في يد إيران في نهايتها.” وتضيف الدكتورة هاندلمان- بيفور: “يعاني النظام من ضائقة شديدة نتيجة لتضافر عوامل الحرب الخارجية، وأزمة القيادة، وعدم الاستقرار الاقتصادي، في ظل احتجاجات شعبية واسعة النطاق قُمعت لكنها لم تختفِ.”
مع ذلك، فإنّ مزيج تجربة الاستنزاف (خاصةً في الحرب العراقية التي استمرت ثماني سنوات) والتعصب الأيديولوجي لكبار المسؤولين الحكوميين قد أتاح فرصةً لانقلابٍ عنيدٍ أطال أمد الحرب. وبهذا الشعور، يدخل الإيرانيون في مفاوضاتٍ تبدأ اليوم، لكن من غير الواضح ما إذا كانت ستُفضي إلى اتفاق. فالفجوات بين الطرفين عميقةٌ حاليًا (لا سيما مطلب إيران بمواصلة تخصيب اليورانيوم، إلى جانب الحصول على تعويضاتٍ عن أضرار الحرب وضماناتٍ بعدم تعرضها لهجومٍ آخر)، وهناك مخاوف (مبررة) في طهران من أن تكون هذه المرة أيضًا خدعةً مُقنّعةً بخطةٍ لضرب النظام على حين غرة.
وفي لبنان، الجبهة الثانية في هذه الحرب، تتبلور معضلةٌ مُؤلمة: فليس من الواضح في الوقت الراهن ما إذا كان إنهاء الصراع في إيران سيؤدي بالضرورة إلى إنهاء القتال في الشمال أيضًا. يوضح البروفيسور زيسر قائلاً: “فاجأ حزب الله الجميع بشدة انخراطه في الحملة. فهو لا يسعى فقط للثأر لاغتيال خامنئي، بل يسعى أيضاً لتغيير المعادلة القائمة منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، والتي بموجبها تتحرك إسرائيل باستمرار ضده دون أن يرد. لا يكترث الحزب بالدمار والتهجير الجماعي وقتل المئات من عناصره، ولا بغضب الحكومة اللبنانية والشعب. فهو يرى نفسه يخوض حملة تاريخية تتطلب تضحيات، وهدفه هو أن تتراجع إسرائيل أولاً وتوافق على تسوية تصب في مصلحته”. ويضيف زيسر: “إن إلحاق الضرر بدولة لبنان، كما حدث مع جسور الليطاني، ضروري لإلحاق الضرر بحزب الله نفسه، الذي يعتمد عليها، ولكن يجدر التخلي عن وهم أن هذا سيدفع الحكومة إلى التحرك ضد الحزب. فقد ثبت هذه المرة أيضاً أن دولة لبنان غير موجودة على أرض الواقع”.
يوضح سيترينوفيتش قائلاً: “يُنظر إلى الصراع الحالي على أنه وجودي في نظر النظام في طهران وفي نظر محور المقاومة بأكمله. يحاول أعضاء المحور، من بين أمور أخرى، التغطية على إخفاقاتهم منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول: إظهار التنسيق (بشكل رئيسي بين إيران وحزب الله)، والفعالية (ولو كانت محدودة)، وخاصة البقاء ومنع تحقيق نصر حاسم للعدو، وهي مبادئ أساسية في عقيدة المقاومة. لم يمت المحور ولا الفكرة رغم الضربات القاسية، وهناك أمل بين أعضاء المعسكر بأن يُمثل الصراع الحالي نقطة تحول.”
أما اللاعب الأكثر تأثيراً، وإن كان غير متوقع، فهو ترامب بلا شك. يوضح الدكتور إيفرون: “لم يشهد التاريخ الأمريكي رئيساً مثل ترامب، يتجاوز نزواته، فيُضعف الكوادر المهنية التي تتمثل مهمتها في صياغة عقائد منظمة.” فرغم التهديدات الخطيرة بتدمير الحضارة الإيرانية وفتح أبواب الجحيم، فقد لجأ في النهاية إلى المفاوضات. في الخلفية، برزت مخاوف متزايدة من تراكم الأضرار، لا سيما ارتفاع أسعار النفط وتراجع التأييد الشعبي. يُضاف إلى ذلك تحفظات نائبه، فانس، الذي يتطلع بالفعل إلى خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، وروبيو، وزير الخارجية، الذي يطمح إلى أن يكون نائبه، إلى جانب الخوف من الإضرار بانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، والتي قد يخسر الجمهوريون على إثرها مجلس النواب، وربما مجلس الشيوخ أيضًا.
الصدمة والقلق والإحباط هي المشاعر السائدة في دول الخليج. يوضح الدكتور فريدمان: “لقد انهار المفهوم الذي رسخوه لسنوات، والذي كان يقوم على أساسه حماية أنفسهم من إيران من خلال الانفراج الدولي”. توجد اختلافات بين الدول: فقد كانت السعودية والإمارات تأملان في تغيير النظام الإيراني؛ بينما تسعى قطر لإنهاء الحرب نهائياً (ويُعدّ انهيار هذا المفهوم أكثر حدةً بالنسبة لها نظراً لاعتقادها بقدرتها على احتواء العناصر المتطرفة والتفاوض معها، لتجد نفسها فجأةً في خندق واحد مع خصومها التقليديين، وعلى رأسهم السعودية)؛ أما عُمان فتسعى للحفاظ على حيادها. ويبدو على جميع هذه الدول شعورٌ بالارتياح إزاء وقف إطلاق النار، إلى جانب قلقٍ من بقاء النظام في طهران، واحتمالية ازدياد تطرفه ورغبته في الانتقام.
“لا ترغب أنقرة في تغيير النظام في طهران، الذي ترى أنه سيستمر حتى بعد انسحاب الأمريكيين “المحرَّضين” من إسرائيل، التي يعتبرها أردوغان العدو الرئيسي الساعي إلى بسط هيمنته الإقليمية. لتركيا مصلحة في الحفاظ على نظام إيراني ضعيف، لكنه قادر على تحدي إسرائيل. كما يخشى الأتراك من تنامي قوة الأكراد بعد التقارير التي تفيد بمحاولة الأمريكيين وإسرائيل استخدامهم للإطاحة بالنظام في إيران، في الوقت الذي يبدو فيه أنهم تحت السيطرة في تركيا وسوريا، فضلاً عن تدفق اللاجئين الذين سيغمرون البلاد، كما حدث عقب الحرب الأهلية في سوريا.
وتظهر معضلات حادة أيضاً بين القوى العالمية. توضح سفيتلوفا قائلة: “تهدف روسيا إلى بقاء النظام الإسلامي، الذي يساعدها في الحرب في أوكرانيا (بشكل رئيسي من خلال تزويدها بالطائرات المسيّرة)، مع تحييده عن التهديد النووي”. وتشرح قائلة “لم تُفاجأ روسيا بالحملة، بل بالشراكة الوثيقة بين واشنطن وإسرائيل. موسكو مستعدة لتقديم المساعدة الاستخباراتية للإيرانيين، لكنها ليست في عجلة من أمرها لتقديم أي مساعدة إضافية، ناهيك عن التدخل عسكريًا في النزاع”.
يبرز خلاف حاد بين ترامب وحلفائه الأوروبيين. فقد تحوّل الاستياء والريبة اللذان نشآ عشية الحرب، في ضوء موقف ترامب من قضايا غرينلاند والتعريفات الجمركية وأوكرانيا، إلى خلاف حقيقي في ظل معارضة معظم الدول الأوروبية للحرب، ورفضها السماح للطائرات الأمريكية التي تحمل معدات عسكرية لإسرائيل بالمرور عبر أراضيها. صرّح رئيس الوزراء الإسباني قائلاً: “بعد 23 عامًا من جرّ واشنطن لنا إلى حرب العراق دون العثور على أسلحة دمار شامل، لن نُجرّ مرة أخرى”، وأكد رئيس الوزراء البريطاني أن “هذه ليست حربنا”، الأمر الذي دفع ترامب إلى وصف “الناتو بأنه نمر من ورق”. ولن تختفي التداعيات الصعبة، حتى بعد انتهاء الصراع في إيران.
توضح غاليا لافي قائلةً: “على الرغم من كونها ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، إلا أن الصين تكاد تكون غائبة عن هذا الحدث. فهي قلقة بشأن التهديد الذي يواجه سوق الطاقة (مع أنها غير متأثرة به حاليًا، نظرًا لأن النفط الإيراني لا يمثل سوى 7 في المئة من إجمالي وارداتها النفطية، فضلًا عن التطور الواسع النطاق للطاقات البديلة)، بالإضافة إلى التوتر القائم بين شركائها التجاريين الرئيسيين – إيران من جهة، والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من جهة أخرى. ولذلك، تسعى الصين جاهدةً لحل هذه المعضلة في أسرع وقت ممكن.” لا مجال للحديث عن تدخل عسكري في الصراع من وجهة النظر الصينية، التي تتساءل حاليًا بشكل رئيسي عما إذا كانت زيارة ترامب، المقرر إجراؤها في الرابع عشر من الشهر، ستتم بالفعل.
ويوضح سنجلاوي والدكتور زيلكوفيتش أن الفلسطينيين قد تم تهميشهم في الحرب الحالية، لكن لا يمكن تجاهلهم، وسيعودون إلى ان يشغلوا إسرائيل بعد انتهاء الصراع. ويأمل الفلسطينيون بوضوح أن ينتهي الصراع كما انتهت حرب الخليج الأولى عام 1991، أي بإرساء “السلام الأمريكي” في الشرق الأوسط، والذي في إطاره تكون إسرائيل مدينة لواشنطن وملزمة بقبول إملاءاتها. ويتمثل الأمل الرئيسي للفلسطينيين في تعزيز الترتيب القائم على حكومة تكنوقراطية وقوة متعددة الجنسيات في غزة، دون نزع سلاح حماس، على غرار نموذج حزب الله في لبنان.
ويبدي سنجلاوي تفاؤلاً في هذا الصدد، موضحًا أن “حماس، التي تبلغ ديونها ستة مليارات دولار ولم تدفع رواتب جنودها، تواجه تحديات كبيرة”. بعد خمسة أشهر من وجود 45 ألف مسؤول في غزة، قررت التخلي عن السلطة، وتدرس أيضاً تسليم معظم أسلحتها (المر الذي نفته المنظمة علناً هذا الأسبوع).
هذه حرب تعكس غياباً عميقاً للتفاهم المتبادل بين جميع الأطراف، وهو ما يُنذر عادةً بتعقيدات: فقد فوجئت إيران (مرتين) باكتشافها أن المفاوضات معها كانت غطاءً لهجمات مفاجئة؛ وتواجه إسرائيل فشل التجربة التاريخية التي سعت إلى الترويج لها، والمتمثلة في تشجيع الاحتجاجات الداخلية عبر الضغط الخارجي؛ ويواجه ترامب حملة انتخابية أطول وأكثر تعقيداً مما توقع، مصحوبة بمفاجآت، أبرزها تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز؛ وفوجئت دول الخليج بانهيار سياسة الاسترضاء مع إيران؛ واندهشت روسيا والصين من عمق الشراكة بين القدس وواشنطن.
الوحل الإيراني
نهاية الحرب لا تقل تعقيداً عن استمرارها. في السيناريو المتفائل، سينتزع ترامب اتفاقاً من الإيرانيين يتضمن التخلي عن البرنامج النووي وفرض قيود على الصواريخ. ترسانة أسلحة مقابل إنهاء القتال ورفع العقوبات (وهي عناصر موجودة في مبادرة الوساطة التي تروج لها باكستان). في السيناريو الأكثر خطورة، تنفجر المفاوضات، لكن ترامب لا يعود إلى القتال، بل يقرر إنهاءها دون اتفاقات، وخاصة دون تحييد التهديدات النووية والصاروخية.
يوضح الدكتور إيفرون: “السيناريو الأخطر بالنسبة لإسرائيل هو أن يعلن ترامب النصر من جانب واحد خوفًا من الدخول في مستنقعات وظهوره بمظهر الخاسر”. ويمكن تلمس بوادر ذلك في تصريحاته الأسبوع الماضي، والتي قال فيها: “لقد تغير النظام في طهران”، و”من المحتمل أن يكون كبار مسؤولي الإدارة الحالية، بقيادة كليباف، رئيس البرلمان، معتدلين”، و”سيتم حل أزمة هرمز”، و”لا داعي للقلق بشأن الملف النووي، إذ يمكن مراقبة ما يحدث على الأرض باستخدام الأقمار الصناعية”.
“هناك قلق متزايد في دول الخليج من أن ترامب قد خلق فعليًا بؤرة توتر إقليمية، وقد يتخلى عنها، تاركًا إياها تواجه مصيرها في أماكن أخرى”. يزعم إيفرون: “إنها كلماتٌ تُشير إلى نظامٍ أكثر تطرفًا من سابقه، سيسعى للانتقام من كل من يعتبره متعاونًا مع أعدائه”.
ويُعدّ إنهاء الحرب دون اتفاق أو قيود إنجازًا للنظام في طهران، الذي واجه أكبر تهديداته التاريخية دون حلّ. ويقول ليتفاك: “ستكون القضية النووية محور هذا السيناريو. ستكون هناك عناصر في طهران ستستنتج أن الأسلحة النووية هي سبيل ضمان البقاء (باستخدام 430 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، والذي يُزعم أنه مدفون في الأرض – م.م.). طالما كان خامنئي على قيد الحياة، كان هناك نقاش داخلي حول هذا الموضوع، وكانت فتواه التي تحظر حيازة الأسلحة النووية سارية المفعول. وبوفاته، أُلغيت الفتوى تلقائيًا”. إن هيمنة الحرس الثوري تعزز احتمالية التوجه نحو امتلاك الأسلحة النووية، ما لم يتم وضع آلية تضمن تفكيك البرنامج النووي. ويضيف سيترينوفيتش: “إن خطر الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية يتزايد بالفعل اليوم، ومن المحتمل أن يتحقق ذلك بعد الحرب”.
يُتيح وقف الحرب من جانب واحد، ظاهريًا، المجال لاستمرار القتال ضد إيران وفق نموذج “الجولات”، ولكنه في الوقت نفسه يسمح لها باتخاذ خطوات عدائية. فإلى جانب التهديد النووي وإمكانية إعادة بناء ترسانتها الصاروخية، قد يواصل الإيرانيون التهديد بتعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، ودعم العمليات الإرهابية ضد دول المنطقة، وإعادة بناء محور المقاومة.
ثمة علامة استفهام أخرى جدية تُطرح على الساحة الداخلية. ويضيف ليتفاك: “في أوقات الحرب، تكون فرصة اندلاع احتجاجات جديدة ضئيلة، ويعود ذلك أساسًا إلى خوف الرأي العام من رد فعل أكثر عدائية من ذي قبل”. مع ذلك، ونظرًا للاحتمال المعقول بأن يكون الوضع الاقتصادي أسوأ مما كان عليه في بداية العام، فمن المرجح أن تندلع الاحتجاجات مجددًا، ولكن هذه المرة لن يكون خامنئي هو من سيقف في وجهها، رغم تطرفه الذي روّج أحيانًا لخطوات تخفيفية، بل الحرس الثوري. لا يزال قادتهم يتذكرون كيف روّج غورباتشوف للانفتاح الذي تحوّل إلى التفكك السريع للاتحاد السوفيتي، وهم لا يريدون تكرار الخطأ نفسه.
وتضيف الدكتورة هاندلمان- بابوفر: “إذا انتهت الحملة، فمن المرجح أن يسعى النظام إلى إعادة توجيه الموارد لصالح مشاريع أيديولوجية مثل تصدير الثورة ومشاريع عسكرية باهظة التكاليف، بما في ذلك المشاريع النووية، الأمر الذي سيزيد من تدهور وضع البلاد. في هذا السياق، من المرجح أنه في حال توقيع اتفاق، سيركز النظام بشكل أساسي على رفع العقوبات، التي يرى أنها ستضمن بقاءه”.
ولا يتطلب إنهاء الحملة في إيران بالضرورة إنهاء الصراع في الشمال، الذي أعلنته باكستان بالفعل، لكن إسرائيل والولايات المتحدة لم تعلناه بعد. في حال التوصل إلى اتفاق، قد تسعى طهران إلى إنهاء القتال في لبنان بما يخدم مصالح حزب الله، ويشمل ذلك الموافقة على تقليص الوجود العسكري في جنوب البلاد، دون نزع السلاح الكامل الذي تطالب به إسرائيل. وقد يعزز الأمريكيون دورهم في صياغة اتفاق بشأن لبنان، في محاولة محتملة لإرساء “واقع إقليمي جديد” في مرحلة ما بعد الحرب. أما في حال إنهاء القتال دون اتفاق، فقد يواصل حزب الله حملته، مبرراً ذلك بوجود الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان.
ويُعدّ سباق التسلح النووي الإقليمي أحد النتائج الخطيرة المحتملة للحملة الحالية، لا سيما في ظلّ احتمال سعي إيران لامتلاك أسلحة نووية. تقول الدكتورة كوهين-يانروجاك: “إن القضية النووية تحتل حاليًا مركز الصدارة في الخطاب العام والسياسي التركي، ولا يزال الجميع يتذكرون كيف رد وزير الخارجية فيدان، عشية الحملة الانتخابية، بصمت مبتسم عندما سُئل في مقابلة عما إذا كانت أنقرة ستسعى للحصول على أسلحة نووية في المستقبل. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تحاول تركيا الترويج لإنشاء “حلف ناتو إسلامي”، وربما بمشاركة إيران”. وقد تتجه أنظار السعودية ومصر أيضًا نحو الخيار النووي.
ثمة تهديد آخر في اليوم التالي يتعلق بالبعد الاقتصادي. تقول سفيتلانا: “بعد انحسار القتال، من المتوقع حدوث أزمة اقتصادية في المنطقة بأسرها”. ستركز دول الخليج على إعادة الإعمار. فقد تضررت بنيتها التحتية في الحرب، وستتقلص مواردها المتاحة للاستثمار في دول أخرى بالمنطقة بشكل كبير، على عكس ما فعلته في العقود الأخيرة. وستكون مصر والأردن ولبنان وسوريا الضحايا الرئيسيين، فهي متعطشة للاستثمارات الأجنبية وتعتمد على أموال الخليج، لكن من المتوقع أن تواجه صعوبات اقتصادية متفاقمة، تُشكل تهديدًا كبيرًا لاستقرارها الداخلي.
في حال التوصل إلى اتفاق يتضمن تنازلات في المجال النووي (حتى وإن لم يكن بالضرورة في قضايا الصواريخ والوكلاء)، فقد تحقق واشنطن والقدس نصرًا في النقاط، مع أن النظام الإيراني المتبقي لن يُهزم بالضرورة. من جهة أخرى، قد يُشكل إنهاء “اللعبة” دون اتفاق، ظاهريًا بالتعادل، خسارة فادحة للولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة إذا اتجهت طهران نحو امتلاك أسلحة نووية.
البجعات السوداء
أما السيناريو الثاني الذي تم طرحه، فهو استمرار القتال، بل وتصعيده، لا سيما بعد انهيار المفاوضات: تجدد الهجمات الإيرانية على إسرائيل (باستخدام الصواريخ بشكل رئيسي)، واستمرار القتال في لبنان (مع يسيطر الجيش الإسرائيلي على المنطقة القريبة من الحدود والمعروفة باسم “خط الدبابات”، ويتزايد نشاط “الوكلاء” الإيرانيين بقيادة الحوثيين. من جانبه، يدرس ترامب إمكانية زيادة الضغط على إيران لقبول اتفاق بشروطه، وذلك عبر غزو الأراضي الإيرانية في الخليج، مع إلحاق المزيد من الضرر بالبنية التحتية للبلاد.
يوضح الدكتور إيفرون: “يسعى ترامب إلى تحقيق صورة النصر، وقد يرى في الاستيلاء على الأراضي الإيرانية، لا سيما الأراضي الغنية بالنفط مثل جزيرة خارك أو منطقة قريبة من مضيق هرمز، خطوةً تُمكّنه من إنهاء الحرب بنجاح”. ويضيف: “من الواضح أن هناك احتمالاً كبيراً لحدوث تعقيدات ستصاحبها خسائر فادحة في الأرواح، لكن من غير الواضح مدى وضوح الأمر لترامب، الذي يبدو أنه يعتقد أن تكلفة الحرب يُمكن تعويضها بالاستيلاء على الأصول النفطية (كما ألمح إلى إمكانية التحصيل المشترك للرسوم في مضيق هرمز)، وهي فكرة من المتوقع أن يرفضها النظام الإسلامي. بشكل قاطع.
ويردّ ليتفاك، الذي يجسّد شخصية إيران، قائلاً: “لا ينوي النظام الاستسلام، وبالتأكيد إذا ما غُزيت أراضينا، فسيكون الهدف النهائي هو إراقة دماء واشنطن”. ويتابع هاندلمان-بيفر: “تعاني إيران من عقدة نقص تامة في مجالها الجوي، ولكن في حال غزو أمريكي لأراضيها، سيتم اللجوء إلى عمليات عسكرية “بسيطة” كاستخدام المدفعية والطائرات المسيّرة والقوات الخاصة، ما قد يُلحق خسائر فادحة بالأمريكيين”.
ويتفق كلاهما على أن استخدام القدرات غير التقليدية (الأسلحة الكيميائية أو البيولوجية، بقدر ما تمتلكها طهران) أمرٌ مستبعد في حال استمرار القتال، ولكنه قد يُؤخذ في الاعتبار في ضوء تفكك النظام، أو إذا ما شعر باقتراب انهياره. ويُضعف تزايد الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المدنية النظام تدريجياً، ولكن كما أظهرت الأربعون يوماً من القتال، يصعب، إن لم يستحيل، التنبؤ بموعد وكيفية حدوث الانهيار.
يوضح سيترينوفيتش قائلاً: “سيُصعّد الحوثيون، الذين يرون أنفسهم شركاء لا مجرد وكلاء، هجماتهم على إسرائيل، ومن المرجح أن يبدأوا أيضاً بمهاجمة دول الخليج والأهداف الأمريكية في حال حدوث غزو للأراضي الإيرانية. وتتمثل الخطوة الفورية في إغلاق مضيق باب المندب (مما سيزيد من تفاقم الأزمة الاقتصادية في مصر، التي ناشد رئيسها السيسي ترامب علناً إنهاء القتال – م.م)، فضلاً عن البنية التحتية النفطية في السعودية والإمارات.”ستواصل الميليشيات الشيعية في العراق مهاجمة المصالح الأمريكية في المنطقة، وكذلك الأكراد ودول الخليج، لكنها ستتصرف بحذر نظراً للهجمات الشديدة التي تتعرض لها بالفعل على يد واشنطن، وتركيزها على مشاكلها الداخلية”.
أما باقي الأطراف، فتكتفي في الغالب بمراقبة التصعيد من بعيد أو بردود فعل ضعيفة. ويوضح الدكتور فريدمان: “إذا تضررت البنى التحتية الحيوية، وخاصة النفط والمياه، فإن السعودية والإمارات ستنضمان إلى القتال إلى جانب الأمريكيين، ولو بشكل رمزي”. من جانبهم، سيكثف اللاعبون الدوليون جهودهم لإنهاء الحرب. ويوضح لافي: “ستشجع الصين بناء تحالفات عالمية للتوصل إلى حل سياسي للصراع”. ويضيف: “إذا تزايدت المخاوف بشأن عواقب الحرب، فقد نشهد إشارات مثل مناورة عسكرية واسعة النطاق في بحر الصين الجنوبي، ربما بالتعاون مع روسيا، ومن المحتمل أن تلمح الصين إلى فرض عقوبات على واشنطن بشأن قضايا حيوية بالنسبة لها، ولا سيما المعادن النادرة”.
من الصعب تقييم نتائج “اللعبة” في سيناريو تصعيدي قائم على رغبة أمريكية وإسرائيلية في أن إيران، التي لم تُبدِ أي مرونة حتى الآن، لن ينهار الوضع هذه المرة تحديدًا بسبب استئناف القتال. مع ذلك، يجدر التأكيد على أن تحليل السوابق التاريخية يُظهر أن حالات الاستنزاف المطولة غالبًا ما تصب في مصلحة أعداء إسرائيل والولايات المتحدة؛ لا سيما الأعداء الحاليين الذين طوروا مفهوم المقاومة ويتصرفون في ضوءه.
إلى جانب السيناريوهين الرئيسيين، نوقشت لعبة “البجعات السوداء” التي قد تتخذ مسارات غير متوقعة. أبرز هذه السيناريوهات هو استغلال الصين لتركيز الولايات المتحدة على إيران لغزو تايوان. “هذا سيناريو مستبعد حاليًا.” توضح غاليا لافي قائلةً: “لا تمتلك الصين القوة العسكرية اللازمة لذلك، وتعتقد بكين أنها قادرة على غزو الجزيرة بوسائل مدنية، لا سيما من خلال تشديد التبعية الاقتصادية”.
ثمة سيناريو آخر، يعكس في جوهره تفاؤلاً مفرطاً لدى إسرائيل، وهو غزو سوري للبنان لمحاربة حزب الله. لكن البروفيسور زيسر يحذر من هذا السيناريو قائلاً: “إن حكم الشرع متزعزع داخلياً، ولذلك يُنظر حالياً إلى اللجوء إلى مغامرة من شأنها تقويضه أكثر على أنه مخاطرة غير ضرورية في نظر دمشق”.
قصة مفتوحة
وكما هو الحال في لبنان وغزة، حققت إسرائيل أيضاً إنجازاً عسكرياً باهراً ضد إيران يُظهر تفوقها التكنولوجي والاستخباراتي، لكنها تُجرّ تدريجياً إلى حرب مستمرة دون القدرة على حسمها، مع وجود علامة استفهام حول تحييد التهديدات الرئيسية التي تشكلها طهران. هناك حالياً ثلاثة خيارات سيئة، اثنان منها يُمكن وصفهما بالسيئين: الأول، تجديد الصراع بلا حدود زمنية (أيضاً في لبنان) على أمل القضاء على التهديدات النووية والصاروخية، وربما تقويض النظام الإسلامي، ولكن مع خطر تراكم أضرار استراتيجية في الداخل. في الخارج؛ وثانيًا – أن يُعلن ترامب إنهاء الحرب من جانب واحد، دون اتفاق يضمن القضاء على التهديدات الإيرانية.
ويبدو أن أهون الشرين، كما هو مُتوقع حاليًا، هو اتفاق لإنهاء الحرب يُبقي النظام الإسلامي سليمًا، ولكنه يُنشئ آلية خارجية تضمن تحييد القدرات النووية والصاروخية الإيرانية. “يكمن التهديد الرئيسي من وجهة نظر إسرائيل في أن تنتهي الحرب بحكومة إيرانية أكثر تطرفًا تسعى جاهدة لاستعادة قوتها العسكرية ومحور المقاومة، وخاصةً التسرع في امتلاك الأسلحة النووية.” في مثل هذا السيناريو، قد يكون الوضع الاستراتيجي لإسرائيل أسوأ مما كان عليه عشية الحملة الانتخابية، كما يوضح البروفيسور زيسر.
وفي ميادين أخرى، يُنصح أيضاً بتبني نهج واقعي تجاه الأوهام التي تسببت ولا تزال تتسبب في أضرار منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول: في لبنان – تحويل هدف “نزع سلاح حزب الله” إلى السعي لتطهير المنطقة جنوب نهر الليطاني من التهديدات العسكرية والحفاظ على حرية العمل ضد التنظيم في جميع أنحاء البلاد، كما كان الحال منذ نهاية عام 2024؛ وفي غزة – التخلي عن شعارات “تدمير حماس” ونزع التطرف عن الفلسطينيين، والتي تتطلب احتلالاً كاملاً ومطولاً لغزة (وهو أمر من غير المرجح أن يسمح به ترامب لإسرائيل بعد انتهاء الحرب مع إيران)، ولكن ضمان عدم وجود حشد عسكري، مع الحفاظ على حرية العمل في هذا القطاع أيضاً.
يجمع البروفيسور نادان كل هذه الرؤى حول اللعبة في تطبيقات عملية، ويسلط الضوء على تحدٍ آخر متوقع في اليوم التالي: “في إسرائيل، يسود الاعتقاد بأنه في مواجهة المشترك في ظل التهديد الإيراني، تتطور شراكة مع العالم العربي، ستتعزز أكثر بعد الحرب. هذا دون إدراك أن الصراع يثير مخاوف العرب من ترسيخ الهيمنة الإسرائيلية، وأن التطبيع الشامل لن يتحقق قريبًا. على إسرائيل أن تدرك أنها لن تنجح في إحداث تغييرات جذرية من خلال الانتصارات العسكرية وحدها، بل من الضروري أيضًا بناء عمل سياسي متكامل. لقد تعلمنا في عام 1967 أن الإنجاز العسكري وحده لا يُحدث تغييرًا استراتيجيًا، وأنه بدون جهد سياسي، ستحدث صدمات بالغة كصدمة عام 1973.
يضيف الدكتور فريدمان: “لا تُتيح الحرب بالضرورة فرصةً لبناء هيكل إقليمي جديد يتمحور حول الشراكة الإسرائيلية العربية، نظرًا لقلق دول الخليج إزاء استعراض إسرائيل للقوة. ويُوصى بأن يتم أي تعاون يُروَّج له في الخفاء، بعيدًا عن أي إعلان علني ضار”. ويُطرح تحدٍّ خطير آخر من واشنطن تحديدًا. فوجود إدارة ترامب بحد ذاته يُعدّ ركيزةً أساسيةً لأمن إسرائيل وسلوكها السياسي اليوم. ويُعتبر التعاون بين البلدين غير مسبوق، وكذلك حرية العمل التي تتمتع بها إسرائيل. ومع ذلك، من الضروري إدراك أن ترامب قد يُغيّر آراءه (ويميل إلى ذلك)، وأن التغييرات ستطرأ عند تولي رئيس أو إدارة جديدة مهامها، حتى لو كانوا من الجمهوريين.
ويوضح الدكتور إيفرون: “تتركز العلاقة الوثيقة مع إسرائيل اليوم على الحكومة والمؤسسة الأمنية، وتتناقض مع النأي العام الذي يُبديه عامة الناس تجاه إسرائيل”. إن الشعور بأن الحرب أطول وأكثر تعقيدًا مما قدّره نتنياهو أو روّج له لترامب قد يضر بشعبية الرئيس الأمريكي، بل ويؤثر سلبًا على مستوى الدعم الشعبي لإسرائيل، الذي بدأت تظهر عليه بالفعل مؤشرات مقلقة، لا سيما بين جيل الشباب. في مثل هذه الحالة، قد يُنظر إلى إسرائيل على أنها جرّت واشنطن إلى مغامرة، وأنها تُشكّل عبئًا أكثر منها رصيدًا استراتيجيًا.
وكلمة أخيرة لا بدّ منها حول الخطاب الداخلي في إسرائيل. إن النظام الإيراني الذي لم ينهار، مثل حزب الله الذي لم يتلاشَ وحماس التي لم تُدمّر، يجب أن يكون بمثابة جرس إنذار ضد الخلط الواسع النطاق بين التمني والتحليل الرصين. هذه الخلطات تتكرر باستمرار وتتجلى أيضًا في الحملة الحالية: بدءًا من تحديد مؤشرات “انهيار العدو الوشيك” ونجاحه في تحقيق هدفه الطموح بتغيير النظام؛ والاعتماد المفرط على الحسابات الرياضية (عدد منصات الإطلاق الصالحة للاستخدام في إيران يُذكّر بعدد كتائب حماس التي تم حلّها)؛ والادعاءات بقطع خطوط إمداد العدو. الأمل في أن تُفضي عمليات “قطع الرؤوس” والهزائم إلى اتخاذ قرار؛ وبدء مغامرات تعتمد على جماعات مهمشة (العشائر في غزة، والأكراد في إيران حاليًا). هذا هو المناخ الذي وُلدت فيه فكرة “النصر الكامل”، التي لم تتحقق في أي ساحة، مما أدى إلى إحباط جماعي وتزايد انعدام الثقة بين الشعب والقيادة. يجب على القيادة تحويل الشعارات الجوفاء إلى شرح واضح ودقيق للجمهور حول ضرورة حملة طويلة الأمد، مع إظهار فهم عميق لطبيعة الأنظمة والأعداء الذين لا يختفون بسرعة.
——————————————
هآرتس 12/4/2026
ايران نالت شرعية وستتحدى مجال المناورة الأمريكي لتحقق إنجازات استراتيجية
بقلم: تسفي برئيل
تجاوزت المحادثات التي بدأت يوم أمس السبت بين الوفدين الايراني والامريكي عقبة اجراءات هامة على الاقل. فهي ليست مباشرة فقط، بل تجرى ايضا بدلا من اتباع الصيغة المالوفة لـ “محادثات التقارب” التي تتطلب من الوسيط الانتقال بين غرف منفصلة، أيضا هي تعقد رغم الشرط المسبق الذي وضعه رئيس الوفد الايراني محمد باقر قاليباف، الذي طالب بوقف اطلاق النار في لبنان والافراج عن اموال ايران المجمدة قبل البدء في المحادثات. وما زال من غير الواضح اذا كانت ايران راضية عن توجيهات دونالد ترامب لاسرائيل حول تقليص نطاق هجماتها في لبنان، أو اذا كان هناك التزام امريكي حازم اكثر بوقف اطلاق النار. ولكن يبدو في الوقت الراهن ان ايران تهتم اكثر بالمحادثات التي ستبدأ في هذا الاسبوع بين اسرائيل ولبنان من اهتمامها باستمرار اطلاق النار. وفيما يتعلق بمسالة الاموال التي تبلغ اكثر من 100 مليار دولار لم يصدر أي اعلان امريكي رسمي حتى الان بشان استعداد الولايات المتحدة للافراج عنها. ولكن يبدو ان مستقبلها اصبح شرطا اساسيا مسبقا كجزء من المفاوضات.
في جولات المحادثات التي جرت قبل بدء الحرب اعلن الطرفان عن احراز “تقدم حقيقي” والاتفاق على عدة مباديء يمكن على اساسها صياغة الاتفاق. مع ذلك، عند بداية الحرب طرأت عدة تغييرات جوهرية، وضعت الولايات المتحدة وايران عند نقطة انطلاق جديدة معقدة اكثر. ورغم الاضرار الكبيرة التي لحقت بالبنى التحتية العسكرية الايرانية وقتل كبار قادة النظام وقيادته العسكرية وتدمير البنى التحتية المدنية، الا ان النظام صمد، بل واظهر مرونة، ولم تندلع انتفاضة شعبية اخرى، وشكلت ايران تهديدا استراتيجيا قوي عندما قامت باغلاق مضيق هرمز وعرقلت حركة الملاحة في الخليج العربي ونفذت تهديدها بالاضرار بدول الخليج. النتيجة حتى الان هي ان النظام في ايران، ببنيته وسلطاته وسيطرته بقي على حاله. وبفضل وجود المفاوضات معه فقد اكتسب شرعية امريكية، وبالتالي، شرعية عالمية.
ترى ايران ان هذه هي اهم ميزة توجد لها في المفاوضات. والسؤال هو كيف تتم ترجمة هذه الميزة الى انجازات عملية. اهم هذه الانجازات رفع العقوبات الامريكية والدولية، الى جانب التطلع الى الاعتراف بسيادة ايران على مضيق هرمز وتخصيب اليورانيوم على اراضيها ومواصلة تطوير برنامج الصواريخ. في المسالتين الاخيرتين لم تغير ايران، على الاقل علنا، موقفها المبدئي في جميع جولات المفاوضات السابقة، ومشكوك فيه أن تغيره الان. وقد تعود ايران وتقترح “حلول بديلة” لهذه الالغام المتفجرة، مثل تخفيف تركيز الـ 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة الى النسبة التي تم تحديدها في الاتفاق النووي الاصلي، أو تجميد تخصيب اليورانيوم لفترة معينة. هناك خيار آخر يتمثل في استعداد ايران للمشاركة في اتحاد اقليمي لتخصيب اليورانيوم، ضمن اطار رقابة اكثر دقة وصرامة، ولكنها كانت تشترط في السابق، حتى في ظل هذا الترتيب، ان يتم التخصيب على اراضيها، على اعتبار ان ذلك “حق سيادي” اعطي لها بصفتها دولة موقعة على اتفاقية عدم انتشار السلاح النووي.
وقد رفضت ايران مناقشة برنامجها الصاروخي بحجة ان منظومات الصواريخ مخصصة للدفاع عن نفسها، وانها لم تدرج في الاتفاق النووي الذي وقع عليه في 2015، وانه لا يحق لأي دولة التدخل في برامجها الدفاعية التقليدية. مع ذلك طرحت في السابق افكار حول هذه المسالة ايضا للحد من مدى وعدد الصواريخ، لكنها لم تترجم الى نقاشات عملية. في هذا السياق يجب الاشارة الى ان ترامب لم يتطرق في تصريحاته الاخيرة الى مسالة الصواريخ على الاطلاق، أو الى قطع العلاقات بين ايران وحلفائها رغم ذكر هذه المسائل في خطته التي تتكون من 15 بند (التي رفضتها ايران). يواصل ترامب تركيز طلباته على قضية واحدة وهي أن “ايران لن تمتلك السلاح النووي ابدا”. ولا يضيف الا نادرا بأن “ايران لن تتمكن من تخصيب اليورانيوم”.
في المرحلة الاولى يتوقع ان يبحث الطرفين ما اذا كان هناك قاسم مشترك ومجال للمناورة يسمح بصياغة مباديء لاجراء المفاوضات. وفي حالة الاتفاق على هذه المباديء سيتم تحديد جدول زمني لاستكمالها. وقد يشير تكوين الوفد الايراني الكبير الذي يضم 71 عضو، الى ان ايران مستعدة لـ “ابرام اتفاق” بدون الحاجة الى “مشاورات” داخلية تسببت في السابق في تاخيرات ونزاعات وتغييرات في المواقف. رسميا، أي قرار مبدئي يتخذه الوفد، فضلا عن مسودة اتفاق، يحتاج الى موافقة المرشد الاعلى مجتبى خامنئي. مع ذلك اعطي قاليباف صلاحية كاملة للتوصل الى اتفاق “يحفظ كرامة ايران ومصالحها”، أي اتفاق لا يقتصر على تحقيق الامن العسكري والاقتصادي لايران والحفاظ على مكان النظام، بل يراعي ايضا التوجه الايديولوجي، فلا يضع خامنئي الابن في بؤرة انتقادات مراكز القوة قبل أن يرسخ نفوذه. وبناء على هذا التفسير سيتعين على قاليباف التعامل مع الكثير من الشخصيات النافذة ومواجهتها، التي يسعى بالفعل الى تحييد معارضتها بدعوتها للمشاركة في الوفد.
على سبيل المثال، عارض قاليباف طلب قائد الحرس الثوري احمد وحيدي، ضم الامين العام للمجلس الاعلى للامن القومي محمد باقر ذو القادر، الذي حل محل علي لاريجاني، الذي اغتالته اسرائيل، للوفد. ولكنه وافق في نفس الوقت على ضم عضوين من المجلس. لقد ضمت قائمة المدعوين النائب البارز محمد نبويان، نائب رئيس لجنة الامن القومي، وهو عالم دين اسلامي متشدد، يعتبر من اشد منتقدي الاتفاق النووي ومعارضي المفاوضات مع الولايات المتحدة. وضمت القائمة ايضا عبد الناصر الحماتي، محافظ بنك اسرائيل الذي ينتمي للحركة الاصلاحية التي انتقدت الحرس الثوري علنا وطالبت باصلاحات اقتصادية تقلص من سيطرة الحرس على اقتصاد الدولة. عندما ترشح حماتي للرئاسة في 2021 تعهد بتعيين خمس نساء في حكومته وتشكيل لجنة تحقيق في قتل المتظاهرين في 2019. الى جانب تاييده للاتفاق النووي يرى حماتي ان المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها ايران تنبع من سياسة عزلتها عن العالم، لا سيما عن الغرب.
تجدر الاشارة ايضا الى ان قاليباف لم يقم بدعوة سعيد جاليلي، احد المقربين من مجتبى خامنئي والذي شغل منصب الامين العام لمجلس الامن القومي في عهد الرئيس احمدي نجاد، في حين كان جاليلي يترأس طاقم التفاوض بشان الاتفاق النووي فقد عرقل النقاشات بشكل متعمد وممنهج.
هكذا، بالتوازي مع التكوين المهني للوفد، الذي يضم مسؤولين كبار في مجال الاقتصاد والطاقة النووية والسياسة، شكل قاليباف، المقرب جدا من خامنئي الابن، ما يشبه تحالف سياسي. لن يقتصر دور هذا التحالف على تقديم الاستشارة وصياغة مباديء المفاوضات، بل سيتجاوزه الى تسويق أي اتفاق على اعتبار انه انجاز، والتغلب على المعارضة في الداخل، لا سيما التي تتوقع من قائد الحرس الثوري وممثلي التيار الراديكالي في البرلمان. هذه التركيبة تشير ايضا الى ان افتراض ان سياسة ايران تدار حصريا من قبل الحرس الثوري أو آيات الله اصحاب النزعة المتطرفة، لا يعكس بدقة تعقيد السياسة الايرانية.
مع ذلك لن تقتصر العوامل المؤثرة على مسار الوفد التفاوض ومصيره على الصراعات الداخلية على السلطة فقط. فقد ألف قاليباف، الحاصل على الدكتوراة في الجغرافيا السياسية، عدة دراسات حول الموقف الاستراتيجي لايران وقوتها بفضل موقعها الجغرافي. ففي الدراسة التي نشرها في 2008 تحدث عن ضرورة تبني استراتيجية تنافسية تراعي مصالح الدول والجهات الفاعلة الاخرى في المنطقة، بدلا من استراتيجية صراع تسعى الى احباط طموحات هذه الجهات وسحقها من خلال مواجهتها باستمرار. ويؤكد قاليباف بان السيطرة على مضيق هرمز وموقع ايران بين بحر قزوين والمحيط الهندي وقربها من دول الخليج، كل ذلك ركائز اساسية يجب ان تبني عليها ايران استراتيجيتها التي تهدف الى تحويل الدولة الى قوة اقليمية. ويرى الان ان ايران ستتمكن من تنفيذ هذه الاستراتيجية بالتحديد في ظل امريكي مثل ترامب “سيد الصفقات”.
——————————————
يديعوت احرونوت 12/4/2026
لدى ترامب وإيران مصلحةٌ قويةٌ في الحفاظ على وقف إطلاق النار الهش
بقلم: رون بن يشاي
لقد بدأت المفاوضات في إسلام آباد بدايةً موفقة من وجهة نظر أمريكية: فقد اجتمع ممثلون إيرانيون رفيعو المستوى من النظام في طهران أمس (السبت) في إسلام آباد لإجراء محادثات مباشرة مع ممثلين رفيعي المستوى من الإدارة الأمريكية، على الرغم من تهديدهم بعدم القيام بذلك، طالما لم تستوفِ الولايات المتحدة، كما يزعمون، الشروط الأساسية لاتفاق وقف إطلاق النار. وكخطوة إضافية من التحدي والتهديد، واصل الإيرانيون أيضًا إغلاق مضيق هرمز في انتهاك لبنود اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس ترامب.
لكن يبدو أن كلا الجانبين لديه مصلحة قوية في الحفاظ على وقف إطلاق النار الهش في الحرب في إيران، ومصلحة أقوى في إطلاق المفاوضات – وهذه المصلحة هي التي رجّحت الكفة مؤقتًا وسمحت بعقد الجولة الأولى من المحادثات المباشرة. اتخذ كلا الجانبين خطواتٍ محدودة استجابت جزئيًا لمطالب الطرف الآخر: فقد طالب الإيرانيون بوقف إطلاق نار كامل في لبنان، بينما اكتفت واشنطن بمطالبة إسرائيل بتقليص هجماتها في لبنان، وهو ما استجابت له إسرائيل. ولم يشنّ سلاح الجو الإسرائيلي هجمات على شمال بيروت والضاحية إلا في وقت متأخر من مساء السبت، خلافًا لتهديدات المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية.
وقد ارتضى الإيرانيون هذا الرد الجزئي من إسرائيل على مطالب ترامب، لا سيما مع استمرار حزب الله في شنّ هجمات عشوائية على الجليل، الأمر الذي أضعف المزاعم الإيرانية. كما أبدى الإيرانيون مرونةً بشأن حرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي كان أحد الشروط الرئيسية لوقف إطلاق النار، وأحد أبرز موضوعين في محادثات الأمس في إسلام آباد. وبعد ظهر أمس، عبرت مدمرتان مزودتان بصواريخ موجهة تابعتان لقوة حاملة الطائرات “لينكولن” المضيق ذهابًا وإيابًا دون أي حوادث. ولم يقم الإيرانيون بأي إجراءات لمنع مرورهما، رغم قدرتهم على ذلك بوسائل مختلفة
لا شك أن هذا كان حدثًا تاريخيًا فريدًا من نوعه، لم يشهد مثله منذ لقاء الرئيس الأمريكي جيمي كارتر مع شاه إيران، محمد رضا بهلوي، قبل 49 عامًا (أي قبل أقل من عامين من الثورة الإسلامية عام 1979). وقد التقى نائب الرئيس الأمريكي جيه. دي. فانس برئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، الذي يُعتقد أنه ثاني أعلى شخصية سياسية في نظام آية الله. لكن من المرجح أن هذا اللقاء الأول لم يناقش – على الأقل ليس بتفصيل أو عمق – قضايا جوهرية كالأسلحة النووية والصواريخ ودعم الجماعات الإرهابية. ويبدو أن القضايا الرئيسية على جدول الأعمال كانت فتح مضيق هرمز وكيفية استئناف المفاوضات.
يطالب الأمريكيون بفتح مضيق هرمز للملاحة الحرة دون قيود أو رسوم عبور، كما كان الحال قبل الحرب. يطالب الإيرانيون بترتيب يجعلهم المالكين الفعليين لمضيق هرمز، بما يمنحهم ليس فقط نفوذاً استراتيجياً يمكّنهم من السيطرة على الممر الحيوي الذي يمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية، بل أيضاً عائدات مالية ضخمة. ويطالبون بترتيب يُلزم السفن بالحصول على إذن من الحرس الثوري للمرور، وأن تدفع ناقلات النفط رسوم عبور بناءً على قيمة حمولتها.
وبالطبع، يرفض الأمريكيون وجميع حلفائهم هذا الترتيب، لكنهم على استعداد تام للاستماع إلى مطالب الإيرانيين مقابل موافقتهم على العودة إلى ترتيبات الشحن الأصلية. فعلى سبيل المثال، يطالب الإيرانيون بالإفراج عن مبلغ 6 مليارات دولار مُجمّد في بنوك قطر. وكان من المُفترض، وفقاً للإدارة السابقة في واشنطن، أن تُستخدم هذه الأموال لشراء الأدوية والغذاء والاحتياجات الإنسانية للشعب الإيراني، إلا أن الرئيس جو بايدن، الذي أفرج عنها في البداية، جمّدها مجدداً بعد مجزرة 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ثمة مسألة أخرى تتعلق بأمن الملاحة الحرة، تبدأ بإزالة الألغام البحرية التي تزعم إيران زرعها في الممرات الملاحية في مضيق هرمز، بالإضافة إلى تأمين السفن من المضايقات والهجمات من قبل جهات إيرانية أو غيرها. وبدون تلبية هذه الشروط، لن توافق شركات التأمين الدولية على تأمين ناقلات النفط العملاقة التي تبلغ قيمة حمولتها مئات الملايين من الدولارات. وفي هذا الصدد، يُعدّ مرور المدمرتين الأمريكيتين ذهابًا وإيابًا في مضيق هرمز دليلًا على أن الممرين الملاحيين الرئيسيين في المضيق ليسا بالخطورة والانتشار العشوائي للألغام كما تدّعي إيران، وأن تطهير المضيق من الألغام لن يكون بالتعقيد والطول اللذين كانتا تخشيانهما (إذ توجد الآن غواصات حديثة تعمل عن بُعد قادرة على إنجاز المهمة في غضون أسبوع أو أسبوعين. لكن المشكلة تكمن في أنها مصنّعة في بلجيكا وتخدم بالفعل في البحرية الفرنسية، التي لا ترغب في المشاركة في عملية الإخلاء حتى انتهاء الحرب).
إذا تم التوصل إلى اتفاقات، ولو من حيث المبدأ، بشأن قضية مضيق هرمز، فمن الممكن توقع استمرار المفاوضات. وإلا، سيُفشل الأمريكيون المفاوضات. وإذا استمرت، فمن الضروري تحديد كيفية ووقت ومستوى المفاوضات. على سبيل المثال، متى ستُعقد اجتماعات الخبراء بعد التوصل إلى اتفاقات مبدئية على المستوى السياسي، وما إلى ذلك. هذا الأمر يستغرق وقتًا، وسيستلزم بالتأكيد تمديد وقف إطلاق النار.
من وجهة نظر إسرائيل، في كل ما يتعلق بالحرب مع إيران، لا يزال من السابق لأوانه تقييم نتائج المفاوضات، سواءً بالإيجاب أو السلب. لكن من المعقول افتراض أن ترامب سيطالب، خلال أيام، بوقف إطلاق نار كامل في لبنان، وسنضطر للموافقة عليه. من المرجح أن حزب الله يتوقع حدوث ذلك أيضًا، ولذلك، كعادته، سيحاول تكثيف عمليات إطلاق النار باتجاه الشمال ومقاتلينا في جنوب لبنان خلال الأيام القادمة. لكن الجيش الإسرائيلي سيواصل الهجوم الناري والمناورة لتطهير المنطقة التي تتواجد فيها خمس فرق عسكرية جنوب الليطاني، وأبرزها حصار بلدة بنت جبيل، حيث لا يزال عشرات من عناصر حزب الله متحصنين.
على أي حال، يبذل كلا الجانبين جهودًا جبارة، وسيواصلان بذلها، لإثبات أنهما لم يستسلما لمطالب الطرف الآخر. هذا يُفضي إلى حالة من الغموض والترقب في جميع المسائل المتعلقة بالحقائق، مما يُبقي مواطني جميع الدول المعنية في حالة من عدم اليقين. ليس الإيرانيون وحدهم من يُصدرون بياناتٍ ويُسرّبون معلوماتٍ لا صلة لها بالواقع، ويُطلقون تهديداتٍ لا نيةَ لتنفيذها؛ بل يُصدر كلٌ من الرئيس ترامب ورئيس الوزراء نتنياهو تصريحاتٍ بصيغة المضارع، وكأنهم يصفون وضعًا قائمًا بالفعل على أرض الواقع، بينما في الحقيقة لا يُعبّرون إلا عن رغباتهم الشخصية. نصيحةٌ مني: عندما تسمعون اسم قاليباف أو عراقجي، وتُميّزون بين ترامب ونتنياهو، فلا تُعلّقوا آمالًا كبيرة، ولكن لا تُصابوا بخيبة أملٍ أيضًا.
——————————————
هآرتس 12/4/2026
المفاوضات تعزز الانقسام في لبنان، ومشكوك أن تفي حكومته بالتعهدات
بقلم: جاكي خوري
على خلفية الاتصالات لعقد المحادثات المباشرة بين اسرائيل ولبنان في هذا الاسبوع، يتصاعد الجدل الداخلي في لبنان حول مباديء هذه المفاوضات وشروطها واهدافها. ففي بيروت يفهمون أن ميزان القوة يميل بوضوح لصالح اسرائيل، لا سيما ان المحادثات سيتم اجراءها برعاية امريكية كاملة، بدون تدخل أي طرف دولي أو عربي آخر يمكنه تحقيق التوازن في المصالح. ويزداد القلق لدى حزب الله وانصاره من التوصل الى اتفاق يتم تفسيره على انه استسلام بدون انسحاب اسرائيل الكامل من جنوب لبنان، وبدون اعادة اعمار القرى المدمرة وبدون ضمان عودة النازحين.
مصدر مقرب من حزب الله قال لـ “هآرتس” بان التقييم السائد هو ان اسرائيل ستسعى الى تطبيق نموذج يشبه نموذج غزة في لبنان: وقف اطلاق النار بدون ضمانات سياسية أو امنية ملزمة. وحسب قول هذا المصدر فانه لا يوجد أي التزام اسرائيلي بعدم تجميد الهجمات في المستقبل أو احترام المجال الجوي اللبناني، أو عدم التصميم على احتلال جزء من الاراضي أو السيطرة على منطقة واسعة في جنوب لبنان. وقد عبر الامين العام لحزب الله نعيم قاسم عن هذا الموقف علنا، واكد في بيان له في يوم الثلاثاء بان الحزب يعارض أي تنازل غير مشروط، واضاف بان حزب الله لن يوافق على العودة الى الوضع الذي كان سائدا قبل القتال، حيث واصلت اسرائيل مهاجمة اهداف الحزب بدون قيود.
من ناحيته هاجم حسن فضل الله، عضو البرلمان من الحزب، الحكومة بشدة، ورفض الموافقة على اجراء المفاوضات في ظل الظروف الراهنة وقال: “ما لم يحققه العدو في ساحة المعركة لن يحققه من خلال المفاوضات مع حكومة تعجز عن حماية شعبها”. بل ان هناك مطالبات في داخل الحزب لاجراء المحادثات في اطار بديل، مثل ان تعقد في اسلام اباد برعاية دولية وبمشاركة ايران، بدلا من القنوات المباشرة في واشنطن. في غضون ذلك نظم الحزب مسيرات احتجاج امام مبنى الحكومة في بيروت في نهاية الاسبوع شملت هتافات مناهضة لاسرائيل وأي عملية تطبيع معها. ويأتي هذا بالتزامن مع حملة يقودها الحزب ضد الحكومة ورئيسها نواف سلام.
من جهة اخرى، يرى القصر الرئاسي وشخصيات في الحكومة المفاوضات فرصة لوقف هجمات اسرائيل، ويعتبرون في ضوء الواقع على الارض انه من الافضل التوصل الى وقف لاطلاق النار في اسرع وقت ممكن وبعد ذلك الانطلاق الى نقاش اوسع حول القضايا السياسية والامنية.
واوضحت مصادر رسمية في لبنان ان الحكومة تعتزم وضع شروط اساسية للمشاركة في المفاوضات، البارز من بينها وقف اطلاق النار. واكد بيان للقصر الرئاسي في يوم الثلاثاء ان المحادثات في واشنطن ستتناول في المقدمة اعلان وقف اطلاق النار وتحديد جدول زمني لاستئناف العملية السياسية.
مع ذلك، اشار مصدر لبناني مقرب من الحكومة الى ان التصريحات الحالية في هذه المرحلة لا تعدو كونها “اختبار نوايا”، وليس عملية متبلورة. وحسب قوله يفتقر لبنان حاليا رؤية سياسية منظمة تحدد اهداف واضحة حول قضايا الامن والحدود وطبيعة العلاقات المستقبلية مع اسرائيل. وقال المصدر لـ “هآرتس”: “لا احد يمكنه ادعاء وجود ملف تفاوض منظم وواضح، حتى مع وجود تاييد مبدئي لتعزيز سياسة الدولة، الا انه لا يمكن في هذه المرحلة السعي الى اتفاق سلام. الظروف غير مناسبة: يصعب تخيل أي اتفاق بدون انسحاب اسرائيل بشكل كامل واعادة اعمار المناطق المدمرة في الجنوب وعودة النازحين وتعزيز كبير للجيش اللبناني من اجل تمكينه من ممارسة سيادته الكاملة، بما في ذلك على الحدود مع اسرائيل. هذه عملية طويلة، وفي ظل الوضع السياسي الراهن في اسرائيل يبدو أنها غير قابلة للتحقيق”. ورغم هذه الثغرات يتفق من يؤيدون ومن يعارضون هذه الخطوة على ان المفاوضات اصبحت القضية الاساسية في الخطاب العام اللبناني. وفي هذا السياق وصل الانقسام السياسي في الدولة الى الذروة، وقد يتطور الى اتجاهات خطيرة.
وقد حذرت باحثة اجتماعية في لبنان تحدثت لـ “هآرتس” من ان الانقسام يتجاوز بالفعل الانتماء الطائفي. وبحسبها، يروج المحور الشيعي، وحزب الله بالذات، لرواية تفيد بان هذه المفاوضات تهدف الى التطبيع مع اسرائيل. ويرى هذا الرأي ان هذا يعتبر اهانة وطنية وتنازل عن المجتمع الشيعي. ويرافق هذا الخطاب اتهامات شديدة واستخدام مصطلحات رمزية مثل “بيع دماء الشهداء”، مع تصوير هذه الخطوة السياسية على انها خيانة.
يزعم حزب الله وانصاره بان موقف الدولة، التي تصمم على امتلاكها السلطة الحصرية لاجراء المفاوضات، مع تجاهل الحزب ومكونات اخرى في المجتمع اللبناني، شجع اسرائيل على مواصلة موقفها العدائي. ويحمل قادة المحور الشيعي وحلفاءهم قيادة الدولة المسؤولية عن الهجمات المستمرة، ويعود هذا جزئيا الى رفضها قبول أي اطار بديل لاجراء المحادثات، بما في ذلك مبادرة اجراء هذه المحادثات ضمن المحادثات الامريكية – الايرانية التي تجري في باكستان. من جهة اخرى، تقول الباحثة الاجتماعية بان هناك تاييد شعبي واسع لموقف الدولة، لا سيما رئيس الوزراء سلام. وياتي هذا التاييد ردا على حملة نزع الشرعية التي تشن ضده، وانطلاقا من مبدأ ان الدولة هي الجهة الوحيدة المخولة باتخاذ القرارات السياسية والتوقيع على الاتفاقيات.
في هذه المرحلة يتجلى رد حزب الله بشكل اساسي في حشد الشارع، لكن بطريقة منضبطة نسبيا. مع ذلك، اشار مصدر لبناني عرف نفسه بانه محايد، الى خطر آخر وهو تفاقم التوتر بين الطوائف. وبحسبه لا يعتبر حزب الله نفسه مهزوم، بل ان الصراع الحالي ابرز امتلاكه قدرة عسكرية كبيرة. واضاف بان الحزب ما زال قوة مهيمنة على الصعيد الداخلي. وقال هذا المصدر لـ “هآرتس”: “يثير الواقع السياسي والامني تساؤلات جوهرية حول قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها في المستقبل. المفاوضات الفعالة تحتاج الى مركز مستقر لصنع القرار، ويستطيع تطبيق الاتفاقات، وهذا شرط مشكوك فيه بسبب الثقل السياسي والعسكري لحزب الله، الذي يعمل بدرجة كبيرة خارج اطار الدولة. والمفاوضات تحتاج الى شريك يمكنه تنفيذ التزاماته، الامر الذي يلقي يظلال الشك على فعالية العملية، طالما لم يكن هدفها الرئيسي هو تحقيق هدوء مؤقت وتقديم ضمانات للتحرك نحو الانسحاب الكامل واعادة الاعمار، الامر الذي قد يعزز رواية الحكومة. ولكن المفاوضات التي تعطي الشرعية لاستمرار التواجد الاسرائيلي في الميدان، التي يكون هدفها الوحيد هو تفكيك حزب الله، لن تؤدي الا الى تعزيز رواية الحزب واضعاف الحكومة”.
باختصار، يواجه لبنان مسار تفاوض معقد محفوف بالمخاطر. فبين المطالبة بوقف اطلاق النار والتصعيد على الارض، والانقسام الداخلي، وغياب استراتيجية واضحة، فانه يتشكل واقع هش يصعب فيه التوصل الى حل بسرعة. ويعتمد أي تقدم حقيقي على ثلاثة عوامل رئيسية: تحقيق هدوء مستقر على الارض، صياغة موقف لبناني موحد ووجود ضمانات دولية تمكن من ترجمة أي اتفاق في المستقبل الى واقع قابل للتنفيذ.
——————————————
هآرتس 12/4/2026
يكرهون أنفسهم ويتهمون الآخرين بـ “اللاسامية”.. ماذا وراء “دولة القمع الإقليمي”؟
بقلم: جدعون ليفي
مشكوك فيه أن يعرف معظم الإسرائيليين مستوى توسع حملة النبذ والتشهير بدولتهم، التي تجري حالياً في أرجاء العالم، حملة غير مسبوقة. لو ظهر أجنبيان في مكان ما في العالم الآن، إيراني وإسرائيلي، لكان الإسرائيلي أكثر إثارة للاشمئزاز من الإيراني. اليوم، يعتقد كثيرون أن إيران تشكل تهديداً أقل من إسرائيل على السلام العالمي. ليس هذا محض لاسامية، أيها الغبي، فإسرائيل هي التي تكره نفسها أكثر من غيرها. ملايين النازحين ينتقلون ويتجولون في الشرق الأوسط بسببها، والكل يلومها. معظم الإيرانيين غير متهمين بجرائم نظامهم، بل يعارضونه. من جهة أخرى، يُنظر إلى أي يهودي إسرائيلي وبحق، بأنه شريك للنظام. الغالبية الساحقة تؤيد أي حرب وأي هجوم وحشي دون معارضة من أحد، والنتيجة: الكراهية.
ذات يوم، عندما يحاسب المسؤولون عن تدهور إسرائيل، سيكون للمعارضة دور رئيسي. يئير لبيد، الذي ينشئ “غرفة عمليات دعائية” للحرب، يعلن للعالم بأن “الحروب تُشن باسمنا جميعاً، كلنا نؤيدها، كلنا نؤيد الحرب في إيران والقصف في لبنان وحرب الإبادة في قطاع غزة. المعارضة غير موجودة إلا في إيران. هكذا يحرض لبيد وأمثاله على الكراهية. وبسببهم، يعرف العالم بأن كل إسرائيل مذنبة. لو عرف العالم عن وجود معسكر سلام كبير هنا يدعم حقوق الإنسان، لصعب عليه الانقلاب ضدنا.
انضم كثير من اليهود، لا سيما الشباب، إلى حملة الكراهية الحالية. المؤسسة الأمنية في إسرائيل التي تصف أي انتقاد بأنه لاسامية، تشعر بالحرج
لقد انضم كثير من اليهود، لا سيما الشباب، إلى حملة الكراهية الحالية. المؤسسة الأمنية في إسرائيل التي تصف أي انتقاد بأنه لاسامية، تشعر بالحرج. لا يمكن تطبيق هذا الوصف على اليهود، فهم في أفضل الحالات “يكرهون أنفسهم”، الطلاب اليهود في جامعة هارفارد يدركون معنى الإبادة الجماعية ومعنى إثارة الحروب. وقد شاهدوا بعيونهم كيف تنفذ الدولة، التي تريد ضمهم كرعايا لها، هذه الإبادة. هم يريدون قطع الصلة بينهم وبين الدولة التي تتماهى معهم. لذلك، يجب إيجاد طريقة أخرى للدفاع عن النفس ضد اليهود أصحاب الضمائر، الذين يستاؤون من دولتهم الأم.
صديقي موران شارير، وجد التفسير: اليهود الذين يكرهون إسرائيل يفعلون ذلك لإرضاء الأغيار. لم تنشر “هآرتس” منذ زمن مقالاً من منظار المغتربين مثل المقال الذي نشر في “ملحق هآرتس”، عقب المقابلة مع أريئيلا إنجل (“ملحق هآرتس”، 27 آذار)، محررة مجلة “جويش كيورنس”، وهي يهودية معارضة للصهيونية.
يقر شارير بأنه يتفق مع معظم ادعاءاتها ضد إسرائيل، التي يصفها بأنها “مكان مريض”. لذلك، لا يملك خياراً سوى التشكيك في دوافعها. وكتب: “إنجل لا تفكر إلا في نفسها”. وهكذا، فقد تبنى الاستراتيجية التي ينتهجها رجال الدعاية الإسرائيليين الذين يتهمون كل منتقد باللاسامية: اللوم يقع على من ينتقدون، وليس على موضوع النقد. إنجل وأمثالها لا يعبرون عن مواقفهم إلا لإنقاذ أنفسهم. ويؤكد شارير أنهم لن ينجحوا أبداً. وحتى وولتر رتناو قتل.
يرى شارير، أننا في العام 1922، وأن المكان هو ألمانيا، وأن النازيين في طريقهم للسلطة. تغيرنا منذ ذلك الحين، يا شارير. هل سمعت عن دولة إسرائيل؟ يمكنني تقبل بعض ادعاءاتك حول المبالغة في أبعاد الكراهية وتجاهل أحداث 7 أكتوبر. ولكنه رد فعل صاخب بعد أن تدربت أجيال من اليهود، لا سيما في أمريكا، على التعبير عن دعم شامل وصريح لكل خطوة هستيرية تقوم بها إسرائيل. هذا هو رد الفعل على حظر انتقادها دون أن يجد المرء نفسه في قفص الاتهام اليهودي.
يجوز حتى معارضة الصهيونية بعد إدراك ما وصلت إليه إسرائيل والشرق الأوسط واليهود. يمكن، يا شارير، تناول هذا النقاش دون التشكيك بأن صاحبه يسعى إلى إرضاء الآخرين. ما هو حجم الشتات المطلوب لتبني نمط التفكير هذا؟ هل نعود للتحدث عن اليهودي والدولة الصهيونية؟ لكن الدولة الصهيونية الآن هي إسرائيل، وهي قوة إقليمية ودولة قمع، وقد ينفجر المرء غضباً عليها أحياناً. بل يجوز الشعور بالخجل منها. حتى إن موسيقى الجاز يسمح للإسرائيليين بالتنصل منها دون عقاب.
هل يجوز الاعتقاد بأن تجربة الصهيونية فشلت؟ هل يجوز ذلك؟ أحياناً ينبغي ذلك.
——————————————
هآرتس 12/4/2026
أيها القضاة: لماذا رضيتم بالمهزلة.. هو المتهم لا أنتم
بقلم: أسرة التحرير
دون ذرة خجل، طلب نتنياهو مرة أخرى من المحكمة المركزية في القدس ألا يشهد في محاكمته في الأسبوعين القريبين القادمين على الأقل. في رسالة بعث بها إلى القضاة، علل محامي نتنياهو الطلب بـ “اعتبارات أمنية وسياسية سرية” ترتبط بالحرب. يصعب على المرء تجاهل حقيقة أن “الأحداث الدراماتيكية” التي رفع طلبه باسمها إنما هي ثمار يد امرئ هو ذاته من تقدم بالطلب. لئن كانت الحرب تشكل لنتنياهو ذريعة لتأجيل محاكمته فلا ينبغي له أن يعجب حين يقال إن خطواته الأمنية والسياسية تحركها مصالح غريبة. هكذا يناور نتنياهو على المحكمة مراراً: بيد واحدة يحدث “أحداثاً دراماتيكية” بالجملة، وباليد الأخرى يشير إليها ويقول إن الحديث يدور عن مبرر عظيم يمنعه من الشهادة في محاكمته و”يثبت براءته”.
لكن حتى لو لم تتعلق الظروف به، ففي تأجيلاته المتكررة يؤكد نتنياهو المنطق الذي هو من خلف الالتماس، الذي طالب محكمة العدل العليا باستبعاده عن التنافس في الانتخابات بسبب محاكمته: ثمة تضارب مصالح بنيوي بين كونه رئيس وزراء وكونه متهماً جنائياً. تلك الالتماسات ردت بفضل تصريح نتنياهو أن بإمكانه أن يقدم إلى المحاكمة ويكون رئيس وزراء في آن معاً. لكنها كانت “حقيقة لحظية”. على المحكمة أن توضح لنتنياهو بأنه إذا كان يسعى للمناورة بين قبعتيه، فعليه الاستقالة من رئاسة الوزراء. لا ترف للمتهمين في إسرائيل بالاستقالة من “وظيفة” المتهم لأنهم مشغولون جداً.
سلوك نتنياهو ووكلائه بمثابة مهزلة تهزأ بالمحكمة وبمبدأ المساواة أمام القانون
إن سلوك نتنياهو ووكلائه بمثابة مهزلة تهزأ بالمحكمة وبمبدأ المساواة أمام القانون. لكنها مهزلة يتحمل مسؤوليتها القضاة الذين يسمحون لنتنياهو بخداعهم وكأنهم هم وليس هو من يقدمون إلى المحاكمة. يصدر نتنياهو مرة كل بضعة أيام طلباً سخيفاً وتلاعبياً آخر لتأجيل المداولات في محاكمته. والقضاة، لشدة الخجل، يستسلمون لكل إملاء ونزوة. بعد القضاة، تقع مسؤولية عدم إدارة المحاكمة أيضاً على الادعاء العام.
لقد سبقت “الأحداث الدراماتيكية” في الآونة الأخيرة جملة أحداث أخرى تضمنت كل أنواع المشاعر والأمراض، الزيارات الرسمية لشخصيات مهمة بهذا القدر أو ذاك وباقي المعاذير. فما هو كل ذلك إن لم يكن روتين رئيس وزراء في إسرائيل. إذا كان يتعذر عليه الشهادة بسببها، فبالفعل لا يمكن أن يكون رئيس وزراء في زمن المحاكمة.
إن موقف نتنياهو الحقيقي من محاكمته تكشف النقاب عن محاولاته البائسة لتجنيد ترامب، زعيم دولة أجنبية، ليحث (بالشتائم والتهديدات) رئيس الدولة إسحق هرتسوغ على إصدار العفو عنه حتى قبل أن يدان؛ بمعنى أن يلغي المحاكمة. حتى الآن، تصرف القضاة مع نتنياهو بقفازات من حرير، لكن عليهم وضع حد لهذه المهزلة والمضي بتصميم هذه المحاكمة التي لا تنتهي. حذار أن يسمحوا بتمديد الوقت بسبب غرور واستخفاف رجل يعيش منذ زمن بعيد فوق قانون.
——————————————
خناجر الغدر في خاصرة الصمود… كيف أسقطت عشائر غزة مؤامرة «روابط القرى» الجديدة؟
بهاء طباسي
غزة – «القدس العربي»: في أزقة غزة التي تعانق رائحةُ البارود فيها عبقَ الزعتر البري، وحيث تشبثت الجدران المهدمة بأسماء ساكنيها الذين ارتقوا، تولد حكاية غدر لا تَقِلُّ قسوة عن قذائف الطائرات. هناك، خلف غبار الدمار في حي الشجاعية الصامد، لم تكن الرصاصات التي اخترقت أجساد الأخوين فهمي وصائب قدوم آتية من فوهة دبابة إسرائيلية فحسب، بل كانت بنكهة الخيانة المرة، أطلقتها فئة مارقة ارتضت أن تكون ذراعًا مسمومة للمحتل الإسرائيلي في قلب الحاضنة الشعبية.
إنها حكايةٌ عن صراع الإرادات؛ حيث يحاول الاحتلال كسر شوكة شعب أذاقه الويل، لا عبر القصف الجوي فحسب، بل عبر «مصفوفة اجتماعية» خبيثة تهدف إلى إحلال الفوضى محل النظام، والخيانة محل الوفاء، والميليشيا محل المقاومة. في هذه السطور، تسبر «القدس العربي» أغوار المخطط الذي أراد لغزة أن تأكل أبناءها، وكيف وقف الوجهاء والمخاتير حائطَ صدٍّ منيعًا أمام رياح الفتنة المسمومة، محطمين أحلام ملادينوف ومن خلفه في تحويل العشيرة إلى «شرطي مرور» يحمي أمن المحتل.
ليلة الغدر في الشجاعية.. تشريح الجريمة ميدانيًّا
تبدأ فصول الجريمة في ليلة معتمة، وتحديدًا في السابع والعشرين من اذار/مارس لعام 2026. يروي منير قدوم، ابن عم الشهيدين، تفاصيل اللحظات الغادرة بنبرة تختنق بالقهر، واصفًا مشهدًا يعيد للأذهان عصابات «الهاغاناه» ومذبحة صبرا وشاتيلا: «في منتصف الليل، وتحديدًا عند الساعة الرابعة فجرًا، داهمت فئة ضالة تقطن شرق غزة منزل أبنائنا. لم يكونوا وحدهم، بل كانت طائرات الاحتلال تحلق فوقهم وتؤمن حركتهم. لقد قتلوا فهمي وصائب بدم بارد، بأسلحة حصلوا عليها من العدو ليطعنوا بها إخوانهم».
هذا التنسيق الميداني العالي بين الميليشيا والطيران المروحي، يثبت أننا لسنا أمام خلاف عائلي أو نزاع جنائي، بل أمام وحدة كوماندوز «بديلة» تعمل بالوكالة.
ويضيف المختار سائد جندية، أحد وجهاء الشجاعية، بمرارة: «تخرج علينا فئة مارقة ليست من عادات شعبنا، استطاعت أن تكون أداة بدلًا من أدوات العدو، يقتلون ويبطشون في شعبهم تحت ذريعة تخليصهم من العذاب، لكنهم هم العذاب ذاته. لقد انسحب الاحتلال تقريبًا من الشجاعية، ولكنهم كانوا هم أدوات الاحتلال المتبقية في هذه المنطقة».
هنا تبرز خطورة الدور المنوط بهذه المجموعات؛ فهي تعمل كـ «جيش ظل» يتولى المهام القذرة التي يعجز الاحتلال عن تنفيذها وسط الأزقة الضيقة، مستغلين معرفتهم بالطرقات والبيوت والوشائج العائلية، ما يجعل خطرهم يتجاوز خطر الدبابة التي يسهل رصدها واستهدافها. إن مقتل الأخوين قدوم كان «بالونة اختبار» لمدى قدرة هذه المجموعات على فرض واقع أمني جديد تحت غطاء «محلي».
خطة ملادينوف وعسكرة المساعدات
لفهم أبعاد ما حدث في الشجاعية، يجب ربطه بالتحركات السياسية الدولية التي كانت تُطبخ خلف الكواليس، وتحديدًا ما يُعرف بـ «خطة ملادينوف». نيكولاي ملادينوف، المنسق الأممي السابق لعملية السلام في الشرق الأوسط، لطالما عُرف بطروحاته التي تدمج بين الجزرة الإنسانية والعصا الأمنية. وتتمحور خطته الأخيرة حول ضرورة تسليم المقاومة لسلاحها كشرط مسبق لدخول «لجنة إدارة غزة» المعينة ضمن المرحلة الثانية لاتفاق وقف إطلاق النار، للبدء في خطة إعادة الإعمار.
لقد صرح ملادينوف مؤخرًا بوضوح صادم أن «الإعمار وتدفق الأموال وإعادة الحياة إلى غزة مرهون بتفكيك البنية العسكرية للفصائل»، داعيًا إلى تشكيل لجان إدارية وأمنية تكنوقراطية تمارس عملها الإداري تحت مظلة دولية وإقليمية.
هذه التصريحات لم تكن مجرد آراء دبلوماسية، بل كانت «مانيفستو» لعمل الميليشيات على الأرض؛ حيث حاولت هذه المجموعات تصوير نفسها كـ «اللجان الإدارية» التي بشر بها ملادينوف، مدعية أنها جاءت لتنظيم المساعدات وحماية الإعمار، بينما كانت في الحقيقة قفازًا ناعمًا لليد الصهيونية الخشنة.
أبو عبد الله العماوي، رئيس وجهاء ومخاتير حي الصبرة، يربط بوضوح بين الجريمة الميدانية والمخطط السياسي: «جئنا لنبين للعالم أجمع أننا وحدة واحدة ضد هذا الاحتلال الذي يريد أن يهجرنا وينزع سلاح مقاومتنا. نحن مع المقاومة قلبًا وقالبًا، ولا يستطيع أي إنسان أن ينزع سلاحنا، وسيبقى سلاحنا مشرعًا ضد الاحتلال وضد أعوانه». إن محاولة «عسكرة المساعدات» عبر ميليشيات مسلحة كانت تهدف إلى جعل «رغيف الخبز» ثمنًا للتنازل عن السلاح، وهو ما ترفضه العشائر التي تدرك أن السلاح هو الضامن الوحيد للبقاء والكرامة.
آذار اللهيب العشائري.. مؤتمرات الحسم والرفض
شهد شهر آذار/مارس من العام الجاري 2026 ذروة المواجهة الشعبية مع هذه المخططات، حيث تحولت دواوين العشائر إلى مراكز قيادة وطنية. ففي مؤتمر صحافي حاشد بمدينة غزة في 22 آذار/مارس 2026، أعلن التجمع الوطني للقبائل والعشائر رفضه القاطع لأي طروحات دولية تسعى لتشكيل «إدارات محلية» أو «لجان تكنوقراط» كبديل عن التوافق الوطني. وأكد الوجهاء في بيانهم التاريخي أن محاولات الالتفاف على خيار الشعب الفلسطيني عبر خلق كيانات أمنية موازية لن تمر، مشددين على أن العشائر لن تكون جسرًا لتمرير «خطة ملادينوف» التي ترهن لقمة العيش بنزع السلاح، معتبرين أن أي انخراط في هذه المشاريع هو خروج صريح عن الإجماع الشعبي وخيانة لدماء الشهداء.
ومع تصاعد التحركات المشبوهة لبعض المجموعات المسلحة عند المعابر (مثل مدينة رفح وكرم أبو سالم) تحت غطاء «تأمين القوافل»، عقدت عائلات قطاع غزة مؤتمرًا صحافيًا في 28 آذار/مارس 2026، أعلنت فيه «البراءة التامة» من أي فرد يثبت تورطه في ميليشيات ممولة خارجيًا. وشدد المتحدث باسم الوجهاء على أن حماية الأمن الداخلي هي مسؤولية وطنية بامتياز، محذرًا من محاولات الاحتلال استنساخ تجارب أمنية فاشلة كـ «روابط القرى» أو «جيش لبنان الجنوبي»، مؤكدًا أن العشائر ستقف بالمرصاد لكل من يحاول العبث بالسلم الأهلي مقابل امتيازات مادية مشبوهة.
سحب الشرعية وإهدار الدم
إن الرهان الإسرائيلي التاريخي على العشيرة كبديل للوطن سقط مرة أخرى. ففي ذكرى يوم الأرض (30 آذار/مارس 2026)، توجت العشائر الفلسطينية حراكها بمؤتمر مركزي أعلنت فيه رسميًا «إهدار دم» كل من يثبت تورطه في التنسيق الأمني المباشر مع الاحتلال.
يقول د. علاء الدين العكلوك، عضو قيادة التجمع الوطني للقبائل والعشائر: «رسالتنا لأولئك الأوغاد الذين ارتموا في أحضان الاحتلال: فتحنا لكم باب التوبة ولكنكم أبيتم. قريباً سنغلق هذا الباب ونرفع الغطاء عنكم أمام الجهات الأمنية المختصة». وأمهل المؤتمر المنخرطين في هذه التشكيلات ساعات قليلة لإعلان التوبة وتسليم سلاحهم، مؤكدًا أن «الخيانة لا قبيلة لها».
ويذهب المختار أبو السعدي عطالله، مختار حي الدرج، إلى مستوى أكثر صرامة: «هؤلاء العملاء لسنا منهم وليسوا منا، ودَمُهم مهدور للعشائر والقبائل. من لم تتلطخ يده بالدماء فليعد ويعلن التوبة والحكومة ستحميه، أما من ولغ في دم شعبه فلا عهد له». إن مصطلح «الدم المهدور» يعني أن العائلة تتبرأ من تبعات مقتل ابنها إذا ما قامت الأجهزة الأمنية أو المقاومة بتصفيته، وهو ما يقطع الطريق على أي فتنة داخلية أو «ثأر» قد يستغله الاحتلال لضرب النسيج الاجتماعي.
البعد الأمني..
مواجهة الجيل الثالث من العملاء
يرى د. إبراهيم حبيب، المحلل الأمني والسياسي، أن هذه الميليشيات تمثل «الجيل الثالث» من العملاء. فبعد فشل العميل الفردي، وفشل «روابط القرى» في الثمانينيات، يحاول الاحتلال الآن خلق «عصابات منظمة» تمتلك سلاحًا وهيكلًا قياديًا وتتغطى بغطاء إنساني أو إداري يتماشى مع رؤية ملادينوف.
ويضيف حبيب: «هذه العصابات جاءت لتنفذ أجندة تفتيت الجبهة الداخلية، وندعو العائلات كافة للتبرؤ من هؤلاء الخونة لمحو عار الخيانة». إن استهداف عائلة قدوم العريقة كان رسالة إرهاب لكل العائلات الأخرى، لإيهامهم بأن الميليشيا فوق القانون، لكن الزحف العشائري من رفح إلى بيت حانون أثبت العكس.
ويؤكد المختار أبو نضال الغرابلي بلهجة حادة: «يجب أن نضرب على يد هذه الميليشيات الخائنة بيد من حديد. شعبنا معطاء ويرفض الخونة، وعلى كل عائلة أن تتبرأ من ابنها إذا سار في ركاب المحتل». هذه الدعوة للضرب بـ «يد من حديد» تعطي الضوء الأخضر للأجهزة الأمنية للتحرك من دون خوف من التبعات العشائرية، مما يعزز السلم الأهلي في وقت الحرب.
الوعي الجمعي وسقوط نظرية «الفوضى الخلاقة»
إن مشهد تلاحم المخاتير يعكس فشل نظرية «الفوضى الخلاقة» التي أراد الاحتلال من خلالها تحويل غزة إلى غابة يحكمها المسلحون الموالون له. يوضح المختار أبو محمد سكر (رجل إصلاح): «هذا المشهد يمثل عائلات قطاع غزة كافة، وهو يعبر عن تماسكنا مع المقاومة وضد العملاء. أوجه رسالة لمن ضل الطريق: لا تزال لديكم فرصة للعودة، فالمسامحة موجودة لمن لم تتلطخ يده بالدم».
هذه «الوسطية» العشائرية ـ بين الحسم مع القتلة وفتح باب التوبة للمغرر بهم– هي التي منعت انفجار القطاع من الداخل. فالعشائر تدرك أن الاحتلال يريد تحويل البوصلة من «فلسطيني ضد محتل» إلى «فلسطيني ضد فلسطيني». ومن هنا كان إصرار المختار أبو موسى قدوم على وصف الميليشيات بأنهم «جبناء يسيئون لعائلاتهم»، مؤكدًا أن «كيد العدو لن يغيرنا».
الجدار الذي لم يُهدم ولن يُخترق
في ختام هذا الاستقصاء الميداني، يتبين أن معركة غزة ليست فقط فوق الأرض وتحتها، بل هي معركة على «الوعي» و«الولاء». إن دماء فهمي وصائب قدوم لم تذهب سدى، بل كانت الزيت الذي أوقد سراج الوحدة العشائرية في وجه مشروع الميليشيات المشرعن دوليًا عبر خطط ملادينوف.
إن الميليشيات التي ولدت في أحضان الطائرات الصهيونية، ستموت في أزقة غزة التي لا تقبل الغرباء ولا الخونة. ورغم كل الضغوط الدولية، ورغم خطط ملادينوف ومشاريع «اليوم التالي»، يبقى الصوت العشائري في غزة مخلصًا لثوابته: السلاح للعدو، والخبز للكرامة، والخيانة في مزابل التاريخ.
لقد أثبتت عائلات غزة، من الشجاعية إلى الصبرة ومن الدرج إلى رفح، أن «الحاضنة الشعبية» ليست شعارًا للاستهلاك الإعلامي، بل هي عقيدة راسخة ترفض المقايضة على السلاح مقابل الطحين. وسيبقى موقف أ. منير قدوم وعائلته صرخةً في وجه كل من تسول له نفسه العبث بأمن هذا الشعب: «سنلاحقكم قانونيًا وعرفيًا وعشائريًا، ولن نرحم من ثبت تورطه، فدماء أبنائنا ليست للمساومة». غزة اليوم، بوحدتها العشائرية والسياسية، تسحق النسخة الجديدة من «روابط القرى»، وتؤكد لملادينوف وللاحتلال أن السلاح الذي يحمي الأرض لا يُسلم مقابل وعود الإعمار الزائفة.
—————-انتهت النشرة—————–

