الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

هآرتس 17/4/2026

في القرار حول وقف اطلاق النار في لبنان لم يكن لنتنياهو أي مجال للمناورة

بقلم: عاموس هرئيلِ 

لقد دخل وقف اطلاق النار بين إسرائيل ولبنان الى حيز التنفيذ رسميا في منتصف الليل أمس وفقا للقرار الذي فرضه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الطرفين. وهو سيسري لمدة عشرة أيام، وتأمل الإدارة الامريكية في جعله وقف دائم بعد انتهاء هذه الفترة. خلال فترة وقف اطلاق النار ستبقى قوات الجيش الإسرائيلي في مواقعها في جنوب لبنان. مع ذلك، يحتمل ان تجبر الولايات المتحدة إسرائيل في المستقبل على الانسحاب من لبنان مثلما فعلت في السنة الماضية في قطاع غزة.

جاء قرار ترامب مساء أمس، في اعقاب قراره الذي اعلنه في الأسبوع الماضي بشان جبهة ايران. في الحالتين فرض الرئيس الأمريكي هذه الخطوات على رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي يرغب في مواصلة القتال في الجبهتين، والذي صرح مسؤولون في حكومته مؤخرا للمراسلين وعبروا عن معارضتهم لوقف اطلاق النار. في مكالمة هاتفية مع وزراء الحكومة مساء أمس صرح نتنياهو بان الموافقة على وقف اطلاق النار في لبنان كان بمثابة بادرة تقدير لترامب، في اطار مساعي إسرائيل الى تنسيق المواقف مع الولايات المتحدة بشان القضية المحورية، ايران.

لم يكن امام نتنياهو خيارات كثيرة. في هذه المرحلة من الحرب، التي دخل اليها بفضل جهود نتنياهو الحثيثة اصبح ترامب هو الذي يملك القول الفصل، اذا لم يكن الحكم الوحيد. في الواقع هناك ما يبرر الادعاء بان السياسة الخارجية الإسرائيلية تم اختطافها من قبل الرئيس الأمريكي. فمثلما اجبر ترامب على انهاء الحملة السابقة في ايران، حرب الـ 12 يوم في حزيران الماضي، هو الان يفرض وقف اطلاق نار مؤقت في ايران وفي لبنان.

لم يتم ابلاغ أعضاء الحكومة الإسرائيلية الا لاحقا، بعد ان اعلن ترامب أنه رتب وقف اطلاق النار في محادثات منفصلة مع نتنياهو ومع الرئيس اللبناني جوزيف عون. أيضا عرف مواطنو إسرائيل بذلك من خلال إعلانه. رفض الرئيس اللبناني أمس اجراء مكالمة هاتفية ثلاثية مع نتنياهو وترامب، رغم وعد الرئيس الأمريكي قبل يومين. ولكن ترامب يتحدث الان عن قمة ثلاثية محتملة في الأسبوع القادم في البيت الأبيض. سنرى ماذا سيحدث.

يخفف وقف القتال في الجبهتين من حدة الحرب ويقلل من احتمالية استئنافها. توقف إسرائيل حملتها في لبنان وقد حققت نصف الأهداف. سيواجه نتنياهو صعوبة في اقناع الرأي العام في إسرائيل بتحقيق اهداف الحرب، في ظل عدم نزع سلاح حزب الله وبقاء النظام الإيراني في السلطة. تكمن فرصته الأكبر في كسب تاييد سكان المنطقة الشمالية الذين عادوا الى بيوتهم بعد وقف اطلاق النار في تشرين الثاني 2024، عندما اكد لهم الجيش الإسرائيلي، ولا سيما الحكومة، هزيمة حزب الله وانه لم يعد يشكل أي خطر. سيقدم الجيش احصائيات عن عمليات القتل الجماعية للإرهابيين (حسب رئيس الأركان ايال زمير، اكثر من 1700 منذ بدء الحملة الحالية) وتدمير البنية التحتية. هذا لن يخفف من قلق سكان المطلة ومرجليوت الذين اكتشفوا ان قوة حزب الله النارية وروحه القتالية اقوى بكثير مما يقال لهم.

ترامب استجاب للدعوة الإيرانةي، وقف اطلاق النار في لبنان، الذي يهدف الى بقاء حزب الله واقف على قدميه رغم الضربات التي تعرض لها. وفي حين يسعى الحزب بشدة الى هدنة تتيح له التعافي، فانه لا يتراجع على جبهة أخرى. ففي الفترة الأخيرة هدد مسؤولون كبار في حزب الله الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء بسبب موافقتهما على لقاء مباشر بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي في الولايات المتحدة.

مساحة للتسوية

حتى الان لم تتحقق الأهداف الثلاثة الرئيسية للحرب على ايران، التي حددها نتنياهو في 28 شباط الماضي. لم يتغير النظام، ولم تتم إزالة التهديدات التي تفاخر بازالتها في حزيران الماضي، المشروع النووي والبرنامج الصاروخي، وقد تبنى رئيس الحكومة موقف متفائل جدا بشان تغيير النظام في طهران، وترامب انجر وراءه. وقد اضطر رئيس الموساد دافيد برنياع في هذا الأسبوع الى التوضيح بان حملة اسقاط النظام ستستمر حتى بعد انتهاء الحرب. ولكن هذا يعتمد بشكل أساسي على موقف الأمريكيين وما سيتم ذكره في الاتفاق الذي يمكن أن يتم التوقيع عليه بينهم وبين ايران.

من المرجح ان تستأنف المحادثات في اسلام اباد حول وقف اطلاق نار بعيد المدى في بداية الأسبوع القادم. بالطبع تبقى احتمالية تصعيد عسكري جديد محتملة، لكن مؤخرا بدأ مسؤولون امريكيون رفيعو المستوى يظهرون التفاؤل حول فرصة التوصل الى اتفاق. ويعتقد خبراء في إسرائيل، ودبلوماسيون غربيون، ان هناك مجال للتوصل الى اتفاق خلال المحادثات. ويبدو ان ترامب هو الأكثر انشغالا في الوقت الحالي، خلافا لتصريحاته القوية، ويظهر أحيانا نفاد الصبر إزاء استمرار الحرب. وتحاول القيادة الإيرانية اظهار رباطة الجأش، اذ ان تجاهلها التام للمعاناة الكبيرة التي اغرقت فيها مواطنيها، يتيح لها ذلك.

يظهر من التسريبات ان ايران مستعدة لاتفاق يتضمن تجميد تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها لمدة خمس سنوات، والولايات المتحدة تطلب تجميد لعشرين سنة، لكن هناك مجال للتسوية. قد يسعى الامريكيون الى تعويض بعض التنازلات على مدى فترة زمنية تحدد لاحقا، من خلال تطبيق آلية رقابة خارجية صارمة اكثر، بمشاركة الوكالة الدولية للطاقة النووية. أما فيما يتعلق بالقضية الأكثر حساسية، مصير الـ 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة، لم يتم التوصل الى اتفاقية كاملة بعد، رغم ادعاء ترامب مساء أمس بان المشكلة قريبة من الحل. ويبدو ان الولايات المتحدة ستصمم على إخراجه من الأراضي الإيرانية، وان النظام سيحاول تأخير العملية بقدر الإمكان بذرائع مختلفة. من جهة أخرى اذا وافق النظام فهو سيحصل على تسهيلات اقتصادية كبيرة.

——————————————

يديعوت 17/4/2026

تتراكم المؤشرات: سيركز الاتفاق على الملف النووي والملاحة في مضيق هرمز

بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين 

فيما يتعلق بالمحادثات مع إيران، يصعب معرفة ما يجري فعلاً خلف الكواليس، ومن التجارب السابقة يُنصح بالاستعداد للمفاجآت: عودة القتال (بمبادرة من ترامب أو طهران)، أو، من جهة أخرى، التوصل إلى اتفاقيات رغم الخلافات العميقة بين الطرفين، لا سيما بشأن الملف النووي، حيث يطالب الأمريكيون بتجميد طويل الأمد للتخصيب وسحب اليورانيوم المخصب. ويصرّ الإيرانيون على تجميد أقصر لكنهم لا يرفضون رفضًا قاطعًا، مما يُفسح المجال لتمديد وقف إطلاق النار لما بعد الأسبوعين اللذين حددهما ترامب.

لقد كان مضيق هرمز أبرز نقاط الخلاف هذا الأسبوع، والذي فاجأ إغلاقه الأمريكيين. أعلن ترامب الحصار، ووعد بتطهير المضيق من الألغام البحرية، ويحاول منع تحصيل الرسوم التي تفرضها إيران على حركة المرور في المضيق، لكن من الصعب حاليًا على الأقل ثني طهران وحشد النظام الدولي. لذا، يركز الرئيس على بناء سردية النصر، كما يتضح من تصريحه بأن “المضيق قد فُتح ولن يُغلق مجدداً”.

يحاول النظام في طهران إظهار الصمود، بل وحتى “العودة إلى الحياة الطبيعية”. فإلى جانب ترميم المنشآت العسكرية المتضررة، وإعادة تشغيل مواقع الطاقة، وإعادة فتح الطرق المدمرة، تُطرح مطالب متحدية، أبرزها مطالبة واشنطن ودول الخليج بتعويضات مالية عن الأضرار (270 مليار دولار، وفقاً لطهران)، وبالطبع الرفع السريع للعقوبات. وفي خضم ذلك، يبقى التهديد قائماً بأن النظام – الذي تعزز جناحه المتطرف، بقيادة قادة الحرس الثوري، خلال الحرب – سيسعى الآن للحصول على قنبلة نووية كوسيلة لضمان بقائه.

يبقى ترامب هو من سيُقرر ما إذا كنا نتجه نحو اتفاق أم نحو العودة إلى القتال. من الصعب تحديد موقفه في الوقت الراهن، لكن ثمة مؤشرات متزايدة على أنه يُفكر جدياً في التوصل إلى اتفاق. يُشكّل الملف النووي ومضيق هرمز جوهر هذا الحوار، بينما تُهمّش قضايا الصواريخ والوكلاء، ناهيك عن تغيير النظام والاحتجاجات. ويوضح البروفيسور عودي سومر من جامعة تل أبيب في حديثٍ له: “من الأهمية بمكان أن يقود الحوار نائب الرئيس فانس، وهو شخصية غير تقليدية في العلاقات الخارجية، والذي عارض الحرب وفقًا لبعض التقارير”. ويضيف: “يطمح فانس للترشح للرئاسة في انتخابات 2028، ومن المهم بالنسبة له إثبات نجاحه في الحوار، الذي يراه وسيلةً لانتخابه مرشحًا عن الحزب الجمهوري، ولتكوين صورة إيجابية في نظر الرأي العام”. من جانبها، تُعرب دول الخليج عن قلقها إزاء هشاشة المفاوضات، كما تجلّى ذلك في المحادثات غير التقليدية التي عُقدت هذا الأسبوع بين وزيري خارجية إيران والسعودية، وبين نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة ورئيس البرلمان الإيراني، قاليباف، أحد أبرز الشخصيات في طهران حاليًا. في منطقة الخليج، ورغم كراهيتهم لإيران، إلا أنهم يخشون أكثر عواقب تجدد القتال، ويرون في الاتفاق أهون الشرين.

لا يزال الضباب الكثيف والارتباك يخيمان على الجبهة اللبنانية. تبدو المحادثات التي جرت في واشنطن حزمةً متفائلةً لكنها هشة، تخفي وراءها واقعًا معقدًا. ورغم الحوار، يستمر القتال (الذي يتمحور حول حصار الجيش الإسرائيلي لمدينة بنت جبيل)، ولا يبدو أن الحكومة اللبنانية تملك القدرة أو الرغبة في دعم نزع سلاح حزب الله. من جانبه، يواصل الحزب حملته العلنية، مؤكدًا سعيه لتغيير المعادلة القائمة منذ وقف إطلاق النار السابق، والذي يمنح إسرائيل حرية كاملة في التحرك دون رد، ويُقدّم “المنطقة الأمنية” الجديدة كمبرر للقتال ضد احتلال الأراضي اللبنانية.

في غضون ذلك، تتصاعد حدة التوتر على الساحة الداخلية في لبنان. يُصعّد حزب الله من لهجته هذا الأسبوع بسبب المحادثات السياسية. ورغم أن هذه المحادثات لا تُعرّف في لبنان بأنها مفاوضات نحو اتفاق سلام (كما تدّعي إسرائيل)، إلا أن مجرد وجودها كافٍ لإثارة التوتر. “الحكومة اللبنانية تقدم تنازلات لإسرائيل مجاناً، والصهاينة يستغلون الحكومة اللبنانية للضغط على حزب الله. من أراد الاستسلام فليفعل ذلك بمفرده”، هكذا صرّح الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، هذا الأسبوع. وفي ظلّ هذه الظروف، يتزايد الخوف في لبنان من عودة الحرب الأهلية، في ضوء التقارير التي تتحدث عن خطط حزب الله لتنفيذ انقلاب في البلاد.

ويوضح الدكتور يوجيف إلباز، من مركز ديان بجامعة تل أبيب، في حديث له: “إن حزب الله يمرّ بالفعل بفترة عصيبة في الرأي العام اللبناني، حتى بين أبناء الطائفة الشيعية (معظم النازحين البالغ عددهم 1.2 مليون نازح من جنوب البلاد هم من الشيعة)، ورغم تزايد الانتقادات الموجهة للحزب بأنه يدمر لبنان خدمةً للمصالح الإيرانية، واهتزاز تحالفه مع نبيه بري، زعيم حركة أمل، الذي يرفض الحملة، إلا أن حزب الله لا يبدو نادماً على ذلك”. بل على العكس، ترى إيران قدرتها على خوض قتال متواصل يُزعج إسرائيل وسيلةً لاستعادة كرامتها، وتسعى لتصوير نفسها كطرفٍ، على عكس الحكومة، مُخلصٍ لنهج المقاومة وحاميٍ للأراضي اللبنانية.

تحاول إيران استغلال الحملة المفتوحة في لبنان، التي تُصرّ على أن أي اتفاق لإنهاء الحملة ضدها يتطلب أيضاً إنهاء الصراع في لبنان، مُظهرةً بذلك أنها، رغم الضربات التي تلقتها، لا تزال تتمتع بنفوذ إقليمي. وقد أوضح علي أكبر ولايتي، مستشار الزعيم الإيراني، في حديثٍ مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، أن “حزب الله، الذي يُعدّ عنصراً أساسياً في أي نقاش حول السيناريوهات المستقبلية، لا يُمكن تجاهله”، وهو تصريحٌ يُبيّن أنه رغم الهجمات الشديدة على حزب الله وممثليه في البلاد، ومطالبة اللبنانيين بطرد السفير، لا تزال طهران تملك زمام المبادرة في هذا الشأن.

وبطريقةٍ مُبتذلةٍ ومُكررة، تجد إسرائيل نفسها مرةً أخرى أمام مفترق طرقٍ مُعتادٍ بين خيارين سيئين. من الممكن مواصلة القتال تحت وهم الاقتراب من النصر الكامل، وعلى أمل انهيار النظام الإيراني وحزب الله (أو ربما لا). وهذا يعني الانخراط في حملات استنزاف، كتلك التي كانت قائمة في غزة حتى قبل ستة أشهر، والتي يُتوقع أن تُكبّد المجتمع الدولي ثمناً سياسياً باهظاً، وأن تُصاحبها نزاعات داخلية حادة.

من جهة أخرى، يمكن إنهاء كلتا الحملتين باتفاق، وإن لم يُفضِ إلى زوال العدو، فإنه من شأنه تحييد جزء كبير من تهديداته. ففي لبنان، يتمثل الاتفاق في منع الوجود العسكري لحزب الله جنوب نهر الليطاني، والحفاظ على حرية العمل في جميع أنحاء البلاد؛ وفي إيران، يتمثل في اتفاق يحدّ من البرنامج النووي، وذلك أساساً بإزالة اليورانيوم المخصب أو تقليله، وتقليص نسبة تخصيبه بشكل ملحوظ. ينبغي أن يكون هذا هو الهدف الرئيسي الذي يجب التركيز عليه، وقد لا تختلف النتيجة جوهريًا عن الاتفاق النووي الذي قرره أوباما عام 2015. ويأتي هذا جنبًا إلى جنب مع السعي للحد من امتلاك وإنتاج الصواريخ الباليستية وكبح جماح العناصر الإرهابية في المنطقة، بينما يُفضّل أن يُحفظ هدف تغيير النظام في طي النسيان، تمامًا كما يُحفظ حلم الريفييرا في غزة. في حالة إيران ولبنان، وكذلك غزة، لا تعني التسوية نهاية التهديدات. يجب استيعاب هذه الحقيقة والاستعداد لمزيد من الصراعات، ومن الأفضل هذه المرة صياغة أهداف واستراتيجية العمل (بما في ذلك الانسحاب) بأسلوب أكثر واقعية، مع تحسين فهم طبيعة العدو.

——————————————

هآرتس 17/4/2026

لبنان هو جبهة استراتيجية وللشراكة معه مطلوب تنسيق توقعات

بقلم: تسفي برئيل 

لقد أصبحت المكالمة الهاتفية التي لم يتم اجراءها في يوم الخميس بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون، هي الاختبار المركزي والاهم من اجل إيجاد حل للحرب في لبنان. ولكن الاهتمام الإعلامي المبرر بالمكالمة – بالأحرى، عدم اجراءها – تجاهل حقيقة ان الحكومة اللبنانية ورئيسها كانا يعتبران قبل فترة قصيرة غير ذي صلة في إسرائيل الرسمية. وقد استقبلت تصريحات القيادة اللبنانية التي سمعت خلال 16 شهر وأوضحت بان لبنان قرر الانطلاق في ما يبدو انه مسار تصادم مؤكد مع حزب الله، بتجاهل إسرائيل. حتى عندما أعلنت الحكومة اللبنانية في الصيف الماضي بأنها ستأمر الجيش بتقديم خطة عملياتية للاستيلاء على سلاح حزب الله في جنوب لبنان، لم يظهر الجيش الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية أي اعجاب يذكر.

لقد استهزأت إسرائيل بالتحول التاريخي، الذي في اطاره نزعت الحكومة اللبنانية الشرعية العسكرية عن حزب الله، والتوبيخ الصريح الذي وجهه عون مؤخرا لإيران عندما طلب منها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبنان، ودعمت هذا الاستهزاء بقضية السفير الإيراني الذي لم يتمكن لبنان من طرده من أراضيه حتى الآن. وترافق ذلك مع تقارير تفيد بان الجيش اللبناني قد استولى بالفعل على كمية من السلاح وسيطر على قواعد حزب الله في جنوب لبنان، لكن الفجوة بين “التفكيك الكامل للحزب”، مثلما طلبت إسرائيل، والتنفيذ على ارض الواقع، ما زالت بعيدة جدا عن الوفاء بالتزام لبنان باتفاق وقف اطلاق النار والقرار 1701.

حتى عندما امرت حكومة لبنان الجيش باعتقال كل من يحمل سلاح غير مرخص، ورفضت بشدة مؤخرا التدخل الإيراني في جهودها لتحقيق وقف اطلاق النار “نيابة عنها”، استمرت إسرائيل في قصف لبنان، وتسببت بنزوح مليون وربع مليون شخص، وسيطرت على منطقة امنية تمتد لبضعة كيلومترات واقامت قواعد عسكرية في المناطق التي سيطرت عليها ووسعت نطاق القصف في بيروت والبقاع، وهددت بـ “إعادة لبنان الى العصر الحجري”. أيضا تجاهلت إسرائيل حقيقة ان الحكومة اللبنانية في اطار سياستها العدائية تجاه حزب الله، عرضت عليها “جدار فاصل” بين ايران ولبنان.

ان تسلسل الاحداث التي سبقت المحادثات التي أجريت في باكستان بين ايران وامريكا في يوم السبت الماضي، والتي هدد فيها رئيس الوفد الإيراني محمد باقر قاليباف، بوقف المفاوضات اذا لم يتم الإعلان عن وقف اطلاق النار في لبنان، أجبر إسرائيل في نهاية المطاف على الاستسلام، بعد ان امر الرئيس الأمريكي ترامب نتنياهو بتقليص الهجمات في بيروت والبقاع، والباقي معروف. اللقاء التاريخي الذي عقد في يوم الثلاثاء في واشنطن بين السفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر والسفيرة اللبناني ندى حمادة معوض، برعاية وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، حول لبنان “فجأة” الى صديق وشريك وحليف، وبالطبع وجهة سياحية بارزة ينصح بشدة بزيارتها والتعرف على مطبخها. ففي نهاية المطاف من اجل زيارة لبنان لا حاجة حتى الى حجز رحلة طيران، اذ يمكن الوصول اليه بالسيارة أو الدبابة. وقد اعتبر رفض الرئيس اللبناني للاتصال هاتفيا بالمقدمة 972، والتحدث بشكل لطيف مع نتنياهو، خيبة امل كبيرة، واهانة لإسرائيل في سعيها للسلام، وتقوية لحزب الله، ودليل – اذا كانت توجد حاجة الى دليل – على ضعف الحكومة اللبنانية وهدية لإيران، ليس اقل من ذلك.

لكن لبنان، الذي كان من المفروض ان يكون ساحة ثانوية، مقطوع عن الجبهة الرئيسية ضد ايران التي اعتبرت هامشية في نظر ترامب واهتمامه حتى بداية الحرب، لم يعد مجرد ساحة صراع مستمر بين إسرائيل وحزب الله، بل اصبح الان جزء لا يتجزأ من الوسط السياسي الذي يربط ايران والولايات المتحدة، والمفاوضات المتعلقة بفتح مضيق هرمز والاتفاق النووي. وتعتبره ايران عنصر أساسي في أي اتفاق سيوقع بينها وبين الولايات المتحدة. وتنظر ايران، التي رفضت بشكل قاطع أي نقاش حول علاقاتها مع وكلائها، الى التقارب بين لبنان وإسرائيل، والى مساعي الولايات المتحدة لتعزيز العلاقات بينهما، بانها محاولة لفرض وقائع سياسية تمكنها من تجاوز رفضها فك الارتباط مع وكلائها.

وقد تبنى نبيه بري، رئيس حركة امل الشيعية الذي ايد مؤخرا سياسة “احتكار الدولة للسلاح”، بل وواجه ايران بشأن ذلك، تبنى اقوال قاليباف. ففي البيان الذي أصدره بري في اعقاب المكالمة الهاتفية مع الرئيس عون قال: “نحن المقاومة، ثابتون على موقفنا. أي اتصال أو تشاور مع الكيان الصهيوني ليس في مصلحة لبنان على الاطلاق”.

ان “انقلاب” بري (88 سنة) ليس بالامر الغريب على هذا الزعيم الشيعي المخضرم، الذي شغل دور حلقة الوصل والوسيط بين حزب الله والامريكيين في جولات محادثات سابقة. بري ليس “رجل ايران” في لبنان، ولكنه يعترف بقوتها الكبيرة. حزب الله بحاجة اليه بقدر حاجة الحكومة اللبنانية، التي طلبت دعمه وحصلت عليه قبل اعلان قرارها اجراء المفاوضات مع إسرائيل. في لعبة النفوذ بين ايران والحكومة اللبنانية تلعب الاعتبارات السياسية دور مهم بالنسبة لنبيه بري، حيث يمكنه تقديم نفسه بأنه “المدافع عن الشيعة” بالضبط مثل حزب الله.

وقد أوضح بيان نبيه بري لعون ان مكالمة هاتفية مع نتنياهو قد تتحول الى ذريعة – ذريعة لحرب داخلية قد تتصاعد الى مواجهات عنيفة، بل وحتى حرب أهلية. هذا هو الخوف الذي رافق عون منذ قرر مواجهة حزب الله بشكل مباشر حول مسألة نزع سلاحه. ومن اجل الحد من هذا التهديد تبنى الرئيس اللبناني سياسة مرنة تجلت في خطة الجيش اللبناني المرحلية. أولا، نزع السلاح من جنوب لبنان بالتدريج وبحذر، مع اخذ شروط حزب الله بالحسبان. ثانيا، الموافقة على خطة الجيش للمرحلة الثانية، التي كان من المفروض ان تبدأ بنزع السلاح من شمال الليطاني، بدون تنفيذها، وتصريحات حول نية مستقبلية لنزع سلاحه بالكامل مع اجراء الحوار معه.

عون سعى الى تأجيل هذه الخطوة حتى الانتخابات التي يتوقع ان تجرى في شهر أيار، وبناء على نتائجها وعلى مستوى التاييد الشعبي الذي سيحظى به فيها، سيقرر خطواته القادمة. ولكن الحرب مع ايران خدمت مصالحه أيضا. فقد أدى استئناف الحرب بين إسرائيل وحزب الله وحجم التدمير والقتل، حيث قتل اكثر من 1800 شخص منذ بداية شهر آذار، وتفجير الجسور فوق نهر الليطاني الذي يهدد بعزل جنوب لبنان عن الدولة، الى وضع عون في مازق صعب. فالامر لا يقتصر على اختبار سلطته وسلطة حكومته فقط، بل ان حزب الله، رغم ضعفه وهشاشته، يستعيد مكانته السياسية كقوة مسيرة لتحركات البلاد، ومعه مكانة ايران أيضا.

يسعى عون بشدة الى وقف اطلاق النار، لكن ليس وقف تحققه ايران له كنتيجة ثانوية للصراع على النفوذ بينها وبين الولايات المتحدة، بل كانجاز له وللحكومة اللبنانية. والشريكان الوحيدان القادران على تقديم هذا الإنجاز له هما نتنياهو وترامب، اللذان لم يظهر أي واحد منهما حتى فترة قريبة أي رغبة في المساعدة. من المفارقة ان تدخل ايران وما تحاول ان تقدمه من دعم للبنان، هو ما أوضح لترامب بان لبنان آخذ في التحول الى ساحة استراتيجية، وان طلب نزع سلاح حزب الله، على أهميته، ليس فقط هو طلب غير واقعي، كما يؤكد الجيش الإسرائيلي ومبعوثه الخاص توم باراك، بل هو اشعل فتيل حرب تصب في مصلحة ايران.

اذا تم تمديد وقف اطلاق النار المؤقت، الذي اعلن عنه ترامب امس واستمر العمل فيه، فذلك سيكون اول انجاز مهم يمكن لحكومة لبنان تقديمة كنتيجة لسياستها. الرئيس عون سيتمكن من استخدام هذا الإنجاز لتبرير، ليس فقط اللقاء المباشر بين الوفد الإسرائيلي والوفد اللبناني، بل أيضا الخطوات الدبلوماسية القادمة واستئناف المفاوضات بشان ترسيم الحدود ومناقشة الترتيبات الأمنية، وربما حتى مكالمة هاتفية بين عون ونتنياهو. مع ذلك يجب ان يركز النقاش الرئيسي على تنسيق التوقعات بين الطرفين. لن يصبح الجيش اللبناني قوة جبارة في يوم أو في عشرة أيام يمكنها مهاجمة معاقل حزب الله وتدمر مواقعه في كل ارجاء البلاد. يجب ان تتعامل أي خطة عمل واقعية مع الحكومة اللبنانية كشريك في المصالح، ولكن ضمن بيئة متفجرة تتوجه نحو الانهيار. لا يمكن تعزيز هذه الشراكة الضرورية بطلبات نهائية يعجز حتى الجيش الإسرائيلي عن تلبيتها.

——————————————

يديعوت احرونوت 17/4/2026

الوقف القسري لاطلاق النار في لبنان فيه مزايا أيضا

بقلم: رون بن يشاي 

فرض الرئيس ترامب وقف إطلاق النار في لبنان على نتنياهو. والسبب: رغبة الرئيس الأمريكي في ألا يُعيق القتال في لبنان التوصل إلى اتفاق مع إيران، إذا ما نجحت طهران وواشنطن والوسيط الباكستاني في وضع إطار عمل مُتفق عليه لإنهاء الحرب.

يبدو أن وقف إطلاق النار في لبنان لا يُحسّن وضع إسرائيل ولا وضع الجيش الإسرائيلي في مسعاه لإجبار لبنان على نزع سلاح حزب الله. مع ذلك، لا يزال التوصل إلى اتفاق مع إيران غير مؤكد، وبالتالي، ليس من الواضح ما إذا كان وقف إطلاق النار مع لبنان سيستمر لأكثر من عشرة أيام، أو ما إذا كان القتال سيُستأنف في أقل من أسبوعين.

في هذه الأثناء، نحن في إسرائيل، وكذلك نتنياهو، نعتمد على تصريحات رئيس الولايات المتحدة، الذي قد يُجبرنا على عدم إتمام المهمة في لبنان، كما فعل في نهاية عملية “الأسد الصاعد”، التي أوقفت طائرات الجيش الإسرائيلي في طريقها لقصف أهداف في إيران.

إذا تعمقنا في التفاصيل، فإن وقف إطلاق النار يحمل في الواقع مزايا أكثر من عيوب من وجهة نظر إسرائيل، على الرغم من أنه سيُبطئ حتمًا تقدم الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان وتطهير بنت جبيل. الميزة الرئيسية هي أن وقف إطلاق النار سيُريح سكان الشمال، الذين يُعانون بلا هوادة منذ أكثر من شهر. سيُتيح هذا للحكومة أيضًا توفير الوقت لتنفيذ إجراءات عاجلة لسكان الشمال، مثل توفير المأوى والخدمات الأخرى، التي تُصعّب حاليًا حياة سكان الجليل وشمال إسرائيل، فضلًا عن تهديدات حزب الله.

بالنسبة للجيش الإسرائيلي، تُعدّ هذه فرصةً أيضًا لتسريح بعض المقاتلين، أو على الأقل إخراجهم لفترة راحة قصيرة، وإعادة تنظيم صفوفهم لوجستيًا، وإصلاح الدبابات وناقلات الجنود المدرعة، وحشد الإمدادات.

يعتمد وقف إطلاق النار هذا أيضًا على تطورات القتال في بنت جبيل. حاليًا، يُحاصر الجيش الإسرائيلي البلدة وعشرات الإرهابيين الذين ما زالوا مُتحصّنين فيها، لكن تطهير هذا الموقع الاستراتيجي من حزب الله لم يكتمل بعد. ليس هذا بالضرورة أمرًا سيئًا، لأنه إذا استمر حصار بنت جبيل ولم يُجبرنا الأمريكيون على السماح لعناصر حزب الله بمغادرة البلدة، فإن حصارًا لمدة عشرة أيام سيكون مفيدًا لقوات الجيش الإسرائيلي المُحاصرة للبلدة.

كما يسمح وقف إطلاق النار للجيش الإسرائيلي بعشرة أيام يتم خلالها جمع معلومات استخباراتية مكثفة في جميع أنحاء لبنان، وسيكون سلاح الجو قادراً على استخلاص الدروس، بحيث إذا استؤنف إطلاق النار، حتى في المستقبل البعيد، فسيكون الجيش الإسرائيلي قادراً على التعامل بشكل أكثر شمولاً وفتكاً في التصدي لإطلاق صواريخ حزب الله وطائراته المسيرة.

تُظهر التجارب أن حزب الله سيحاول استغلال وقف إطلاق النار لإعادة تنظيم صفوفه ومحاولة الاختفاء عن أعين الاستخبارات الإسرائيلية. مع ذلك، فقد شهدنا خلال العامين والنصف الماضيية أن الجيش الإسرائيلي يُحسن استغلال فترات الهدوء بين المعارك الضارية لتعزيز قدراته.

في حرب “زئير الأسد”، واجهت القيادة الشمالية والاستخبارات العسكرية والقوات الجوية صعوبة في منع إطلاق الصواريخ قصيرة المدى والطائرات المسيّرة من لبنان باتجاه الجليل. قد يُسهم وقف إطلاق النار في تحسين وضع الجيش الإسرائيلي في هذا الصدد، لتخفيف معاناة سكان الشمال.

علينا فقط توخي الحذر من أن يستغل حزب الله وقف إطلاق النار لإدخال إرهابيين وصواريخ مضادة للدبابات وقذائف هاون متوسطة وقذائف كاتيوشا عيار 107 ملم إلى جنوب لبنان بكميات كبيرة. هذه الأسلحة صغيرة الحجم نسبيًا، ويسهل نقلها من مكان إلى آخر، ويجب ألا يتمكن حزب الله من استغلال وقف إطلاق النار للتقدم بها نحو قواتنا المنتشرة على بُعد يصل إلى عشرة كيلومترات من الحدود الإسرائيلية.

قد يؤدي وقف إطلاق النار إلى زيادة الضغط من جانب اللبنانيين، بمن فيهم الشيعة، على كبار مسؤولي حزب الله وحركة تحرير لبنان (أمل) لعدم استئناف إطلاق النار والسماح لهم بالعودة إلى ما تبقى من قراهم في جنوب لبنان. وطالما استمر إطلاق النار، قد يدّعي حزب الله أنه يدافع عن لبنان، لكن خلال فترة وقف إطلاق النار، سيمارس معظم اللبنانيين ضغوطًا على الحزب، وعلى قائديه نبيه بري ونعيم قاسم.

إذا تم التوصل إلى اتفاق جيد بين ترامب والإيرانيين، فقد يزيد ذلك من الضغط على حزب الله ليدرك أنه غير قادر على تلقي المساعدات والتمويل من إيران، وعندها قد يوافق الحزب على تفكيك تدريجي لأسلحته الثقيلة. وقف إطلاق النار المفروض على نتنياهو والجيش الإسرائيلي ليس بالضرورة سيئًا بالنسبة لنا، وسيتعين علينا انتظار انتهاء المفاوضات بين ترامب والإيرانيين لنفهم موقفنا في لبنان.

على أي حال، سيواصل الجيش الإسرائيلي وجوده واستعداداته لمواصلة القتال في لبنان وانتشاره في منطقة الدفاع في جنوب لبنان وفقًا للخطة الحالية، إلى أن تتضح لنا الوجهة النهائية. هل  وقف إطلاق النار هذا هو هدنة لمدة عشرة أيام في القتال، أم سيتم تمديده؟

——————————————

هآرتس 17/4/2026 

قانون عقوبة الإعدام يكشف الحقيقة: إسرائيل في عامها الـ 78 دولة تفقد روحها

بقلم: دانييل بلتمان

كتب المفكر الماركسي البارز أنطونيو غرامشي في “دفاتر السجن” في العام 1930 أنه عندما يموت القديم ولا يولد الجديد الذي يستطيع الولادة، تظهر اعراض سياسية واجتماعية مخيفة في المجتمع. في عيد استقلالها الـ 78 تغرق إسرائيل في المرحلة التي وصفها غرامشي. لم تعد ديمقراطية في ازمة مؤقتة أو مجتمع متطرف في ظل حرب طويلة الأمد، بل هي دولة تتخلى عن آخر الحواجز الأخلاقية والقانونية والسياسية لدولة القانون الديمقراطية، في طريقها لتصبح دولة فاشية عنيفة، ترسخ الهيمنة والفصل العنصري.

ان قانون عقوبة الإعدام للإرهابيين في العام 2026 الذي صادقت عليه الكنيست في 30 آذار الماضي، لا يعتبر تعديل للقانون الجنائي ينبع من دوافع امنية، وهو ليس رد فعل عاطفي وسياسي مبالغ فيه على مأساة 7 أكتوبر. هذه لحظة كشف الحقيقة. فهي تظهر ان إسرائيل لا تسعى فقط الى سجن الفلسطينيين وطردهم وتهجيرهم وتجويعهم والمس بقدرتهم على العيش، بل هي تسعى أيضا الى تخويل نفسها، بموجب نظام قانوني تمييزي، باعدام الشعب الذي يخضع لحكمها.

هذا ليس قانون لمكافحة الإرهاب، بل هو قانون يعطي الدولة سلطة إضافية لقتل الفلسطينيين، في نظام يقوم أصلا على التفاوت الكبير بين اليهود والعرب. سيسمح القانون بمعاقبة الفلسطينيين بشكل انتقائي –  الفلسطينيين فقط – ويمثل تصعيد خطير في قمعهم. وقد حذرت الأمم المتحدة من ان تطبيق هذا القانون في أراضي محتلة يتمتع سكانها بالحماية، يعتبر انتهاك للمباديء الأساسية للقانون الدولي الإنساني. لا تكرس إسرائيل عقوبة الإعدام في لب تشريعاتها بشكل عام، بل توجهها نحو الشعب الذي تسيطر عليه بالقوة العسكرية. وهذا ليس مجرد خلل أخلاقي، بل هو عنصر بنيوي في واقع الهيمنة العرقية.

يجب فهم هذا القانون في سياق الحرب في قطاع غزة، والتطهير العرقي الذي يجري في الضفة الغربية والحرب مع ايران. ان احداث السنوات الأخيرة، منذ بداية الانقلاب في كانون الثاني 2023 وحتى الآن، كل ذلك مظاهر لدولة فقدت كل الحدود السياسية والأخلاقية، واستبدلت ضبط النفس القانوني بعبادة العنف. ان الإبادة الجماعية في غزة ليست فقط خلفية عاطفية أو أمنية لسن هذا القانون، بل هي مفتاح فهم الوجه المتغير لإسرائيل.

في أيلول 2025 توصل تحقيق دولي للأمم المتحدة الى ان إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة. ورغم استمرار الجدل حول المصطلحات الا ان الوثائق والحقائق ترسم صورة واضحة: مجاعة، تدمير ممنهج لظروف المعيشة، تهجير جماعي، قتل للمدنيين بنطاق غير مسبوق، عنف يهدف الى منع استمرار وجود المجتمع الفلسطيني في غزة. وبهذا المعنى يعتبر قانون عقوبة الإعدام جزء لا يتجزأ مما حدث في غزة. انه مرحلة أخرى في العملية التي تعتاد إسرائيل من خلالها على اعتبار قتل الفلسطينيين هدف مشروع يمكن تحقيقه بوسائل مختلفة: آلة الحرب الحكومية، إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية والتشريعات.

لقد ادركت حنة ارندت ان النظام الذي يتبلور في إسرائيل لا يقوم على الايديلوجيا فقط، بل هو يقوم أيضا على التفكيك المنهجي للمساحة التي يعتبر فيها الناس متساوون امام القانون. وقد بين الفيلسوف الأمريكي هوغو بيدا، وهو احد ابرز المفكرين الذين عارضوا عقوبة الإعدام في الولايات المتحدة، ان المسالة لا تقتصر على ما اذا كانت العقوبة رادعة، بل تتعداها الى تحديد نوع الدولة التي تدعي سلطة القتل ضمن نظام عرضة للتعسف والتحيز والخطأ.

أما روبرت بيدنتر، الفقيه القانوني اليهودي الفرنسي الذي نشأ في ظل الكارثة وفقد والده في معسكر سوبيبور، قاد لاحقا النضال من اجل الغاء عقوبة الإعدام في فرنسا. وادرك بيدنتر ان الدولة التي تختار الإعدام لا تظهر القوة، بل فشل أخلاقي وسياسي. وصمم كل من جان بول سارتر وفراندز فانون، كل واحد بطريقته، ان الحكم الاستعماري لا يقتصر على تجريد المحكومين من ممتلكاتهم، بل يفسد المجتمع الحاكم أيضا، ويعوده على رؤية العنف كلغة طبيعية، ورؤية حياة المحكومين كمادة يمكن تشكيلها أو اختزالها أو محوها. في إسرائيل 2026 تتقاطع هذه العناصر عند تقاطع غزة، إرهاب المستوطنين في المناطق المحتلة، الحرب في ايران وقانون عقوبة الإعدام.

لم يعد مصطلح “الفصل العنصري” مجرد شعار مثير للجدل، بل اصبح وصف دقيق للواقع في إسرائيل. حتى في جنوب افريقيا في فترة نظام الفصل العنصري، لم يتم النص على عقوبة الإعدام في القانون كعقاب للسود فقط. مع ذلك، طبقت ضمن نظام قانوني عنصري بشكل واضح. ويتجلى هذا أيضا في الأرقام. ففي الأعوام 1981 – 1990 تم اعدام حوالي 1100 شخص في جنوب افريقيا، 97 في المئة منهم تقريبا من السود. وكان كل القضاة الذين اصدروا الاحكام من البيض. كانت الفجوة بنيوية. لقد طبقت عقوبة الإعدام ضمن نظام قانوني يفرط في حماية حياة البيض، في حين يتم اهمال حياة السود باستمرار. كانت هناك بالفعل حالات نادرة حكم فيها على بيض بالاعدام بسبب قتل أو اغتصاب اشخاص سود، والاشهر من بينها قضية جيني غوتسوينا، وهي امرأة سوداء اغتصبت وقتلت في شباط 1985، وحكم على اثنين من البيض بالاعدام بسبب ذلك، شالكا بورشر وجورج شبريز. ولكن هذه الحالة الاستثنائية بالتحديد، ومع حظيت به من اهتمام اعلامي، كشفت القاعدة.

مثلما هي الحال في إسرائيل، حيث حكم على عميرام بن اوليئيل، قاتل عائلة دوابشة، بثلاثة مؤبدات، لكن هذا الحكم الذي يعتبر استثنائي كشف عن القاعدة التي يتمتع فيها الإرهاب اليهودي ضد الفلسطينيين بحصانة سياسية وقانونية، وهو الامر الذي لا ينطبق على الفلسطينيين.

لذلك فان معارضة عقوبة الإعدام في جنوب افريقيا كانت في أساسها معارضة للنظام العنصري نفسه. وقد قال رئيس الأساقفة ديزموند توتو، وهو احد ابرز الأصوات الأخلاقية في النضال ضد نظام الفصل العنصري، ان عقوبة الإعدام هي عار، لانها تستخدم بشكل غير متناسب ضد الفقراء والأقليات العرقية (الذين كانوا في الغالب من السود). وفي جنوب افريقيا أيضا لم يكن هذا مجرد تشويه للعدالة، بل كان احد الوسائل التي تحول فيها القانون نفسه الى ذراع تنفيذية لهيمنة البيض.

في إسرائيل يعتبر قانون عقوبة الإعدام عنصر من عناصر الفصل العنصري، الذي يشكل البنية التحتية للاحتلال. تتم محاكمة اليهود الذين يعيشون في نفس المنطقة مع الفلسطينيين في المحاكم المدنية العادلة، بينما تتم محاكمة الفلسطينيين في المحاكم العسكرية التابعة للمحتل. يضمن لليهود كل الحقوق السياسية وحرية الحركة والحصول على الموارد، ونظام قضائي مدني، بينما يعيش الفلسطينيون تحت رقابة نقاط التفتيش، الاوامر العسكرية، آليات الترخيص، العقاب الجماعي والعنف المستمر. في ظل هذا النظام عندما تخول الدولة نفسها بإعدام من هم تحت الاحتلال فقط، يصبح الحديث عن الديمقراطية مع “استثناءات” امر لا معنى له. انه نظام لا يوزع الأرض والمياه والطرق والحقوق وفقا للانتماء العرقي فقط، بل يوزع أيضا الموقف من الحياة والموت.

أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “اوتشا” في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بان 1697 فلسطيني تم تهجيرهم من بيوتهم في 33 تجمع سكني في الأشهر الثلاثة الأولى في 2026، بسبب عنف المستوطنين وقيود الوصول الى بيوتهم. اكثر من 68 في المئة من عمليات الطرد هذه كانت في غور الأردن، وبالتحديد بين تجمعات الرعاة والبدو. ووثق تقرير آخر صدر عن “اوتشا” في شباط 2026، 883 حالة تهجير لعائلات فلسطينية، فيها 4765 شخص، في 97 تجمع سكني، بسبب عنف المستوطنين منذ كانون الثاني 2023. وخلص مكتب الأمم المتحدة لحقوق الانسان الى ان هذا العنف منسق استراتيجيا، واكد على ان السلطات الإسرائيلية تلعب دور رئيسي في توجيه هذا النمط والمشاركة فيه الى درجة يصعب فيها التمييز بين عنف الدولة وعنف المستوطنين. هذا لم يعد مجرد اهمال في تطبيق القانون، بل اصبح أسلوب من أساليب الحكم.

هذه ليست استثناءات. فتجمعات الرعاة والبدو في غور الأردن وفي جنوب جبل الخليل يتركون بيوتهم ليس فقط امتثالا لاوامر الاخلاء الرسمية، بل أيضا بشكل خاص، بعد ازعاج متكرر يشمل اقتحام البيوت واطلاق النار ومنع الوصول الى المياه والمراعي وسرقة الأغنام والحرق المتعمد والاعتداءات وتدمير الممتلكات، واحيانا القتل، وغالبا بحضور قوات الامن أو بدعم منها. وتصف منظمات حقوق الانسان نمط يصبح فيه العيش مستحيل، حتى يصبح الرحيل هو الخيار الوحيد؛ قد يظهر بانه طوعي، لكنه في الواقع تهجير قسري عبر إرهاب مستمر.

هذه هي صورة سيادة إسرائيل في الضفة الغربية. جماعات من اليهود المسلحين، يعملون أحيانا ضمن أنظمة امنية قطرية، الى جانب وحدات من الجيش الإسرائيلي، يحددون على الأرض من يسمح له بالتنقل والرعي والحرث والبناء والنوم بامان. الخط الفاصل بين الجندي والمستوطن والمشاغب المسلح يتلاشى بالتدريج. هذه هي المرحلة التي يتوقف فيها النظام عن كونه نظام للقانون، ويصبح نظام للحصانة العرقية: يمكن لجماعة ان تتصرف بعنف بدون ان تدفع أي ثمن، بينما تبقى الجماعة الأخرى موضع شك دائم وعرضة للموت.

قانون عقوبة الإعدام هو جزء من هذا الواقع، فهو ببساطة يترجمه الى لغة قانونية. ولكنه مرتبط أيضا بواقع غزة. الدولة نفسها التي تسمح للمستوطنين بارتكاب مذابح في القرى الفلسطينية في الضفة الغربية، طبقت في غزة سياسة إبادة وتجويع وتدمير مستشفيات وتدمير البنى التحتية المدنية، وحولت وجود الشعب الفلسطيني نفسه الى مشكلة يجب حلها بالقوة. قطاع غزة والضفة الغربية وقانون عقوبة الإعدام ليست الا تعبير عن واقع واحد. توجه سائد.

في إسرائيل الآن لم تعد الفاشية والفصل العنصري مجرد شعارات أو استعارات، بل مصطلحات تعكس الواقع بدقة. الفصل العنصري – لانه بين البحر والنهر يوجد نظام واحد من حيث السيادة، ونظامان من حيث الحقوق والعدالة والعقاب. الفاشية – لان سيادة اليهود لم تعد مقيدة بالتزام عميق بالمساواة الإنسانية والقانون، ولان العنف لم يعد مجرد وسيلة للسيطرة، بل اصبح مثال اعلى واختبار للولاء للهيمنة اليهودية.

هكذا فان التهجير اليومي والإرهاب في الضفة الغربية، مذابح الأبرياء، المجاعة والدمار الشامل في قطاع غزة، الحرب ذات الأهداف المشبوهة التي لا تنتهي في ايران، التقنين القانوني لحق الدولة في قتل الخاضعين لسلطتها في ظل نظام الفصل العنصري، كل ذلك عوامل تتشابك لتشكل بنية جديدة للدولة اليهودية.

ان إسرائيل لا تتجه نحو التحول الى دولة فصل عنصري فاشية فقط، بل هي غارقة في هذه العملية. الامر لا يقتصر على الحكومة المتطرفة الحالية، فقد تعودت شرائح واسعة في المجتمع الإسرائيلي على العيش بسلام في ظل التفوق العرقي، وعلى اعتبار الإبادة البطيئة والعلنية لشعب آخر ثمن مقبول مقابل حياة اليهود، التي يفترض أنها طبيعية. لذلك فان قانون عقوبة الإعدام ليس مجرد قانون، بل هو دليل على ان دولة ولدت من وعد بالتحرير التاريخي والأخلاقي لشعب عرف الإبادة الجماعية، حيث تمت إبادة ملايين من أبنائه، تعيد تشكيل نفسها بعد حوالي ثمانين سنة كدولة عنصرية وقحة تلجأ الى العنف الجامح. هذه ليست دولة ديمقراطية تعيش في ازمة، بل هي دولة تفقد هويتها وتشكك بالمبررات الأخلاقية والتاريخية لوجودها.

——————————————

معاريف 17/4/2026

مفاوضات إسلام أباد منحت ختم تسويغ للقيادة الإيرانية المتطرفة الحالية

بقلم: ألون بن دافيد 

لا يزال من السابق لاوانه التخمين ماذا ستكون عليه الخطوط الأساس النهائية للاتفاق بين الولايات المتحدة وايران. كما أنه معقول الافتراض بانه ستتطلب بضع جولات أخرى من المفاوضات الى أن يصل الطرفان الى اتفاق. لكن ثمة منذ الان ميلان واضحان سيصممان هذا الاتفاق: سواء الأمريكيين ام الإيرانيين معنيون جدا في الوصول الى اتفاق، وايران، وان كانت منهكة، تدخل بصفتها الطرف القوي الى هذه المفاوضات، فيما ان الزمن لا يلح عليها، بخلاف الأمريكيين.

حتى قبل ان يصاغ الاتفاق النهائي، واضح منذ الان انه سيكون بعيدا جدا عن الأهداف التي وضعها الامريكيون وإسرائيل للحرب التي خاضوها على مدى 40 يوما. هدف الحرب الذي اعلن عنه على لسان الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كان اسقاط النظام او على الأقل ضعضعته. اما المخططون العسكريون فكانوا اكثر تواضعا وعرفوه كـ “خلق الظروف لتغيير النظام”.

لقد اهمل هذا الهدف تماما. صحيح ان النظام فقد الزعيم الأعلى ومعه شخصيات أساسية، لكنه يخرج معززا من هذه الحرب. نظام كان مهزوزا ومنبوذا في 28 شباط، يحصل بعد الحرب على شرعية واعتراف امريكي كامل. أناس النظام، الذي يقوده اليوم الحرس الثوري، يجلسون لمفاوضات مع نائب الرئيس الأمريكي. لا يوجد ختم تسويغ اعلى من هذا. يعود ترامب ويدعي بانه يتحدث مع “الأشخاص الصحيحين” ولكن ليس وزير الخارجية عباس عراقجي ولا رئيس البرلمان محمد فاليباف هما من يتخذ القرار في ايران. الماسكون الحقيقيون للخيوط هم ثلاثي متطرف من رجال الظلال: احمد وحيدي، قائد الحرس الثوري الجديد وفي ماضيه إرهابي في فيلك القدس والى جانبه حسين طائب، رئيس الاستخبارات في الحرس الثوري سابقا، وعلي بدوي، قائد سلاح البحرية سابقا.

ثلاثتهم عسكريون ومتطرفون، قد يبدو علي خامنئي الراحل الى جانبهم معتدلا. هم أصدقاء قدامى لخامنئي الشاب، وخدموا الى جانب مجتبى في الحرب ضد العراق. وحيدي يدعي انه يتلقى اليوم أيضا تعليمات منه، لكن أحدا لا يعرف اذا كان مجتبى بالفعل في وضع يسمح له بان يصدر التعليمات. الواضح هو ان وحيدي هو الرجل القوي اليوم في ايران. الاتفاق معه سيضمن استمرار حكمهم وقمع الشعب الإيراني.

هدف الحرب الثاني للولايات المتحدة وإسرائيل كان ضربة تصل حتى تحييد البرنامج النووي الإيراني. في 40 يوم من الحرب، البرنامج النووي، بجملة مواقعه والشخصيات فيه تلقى ضربات قاسية، لكنه لم يحيد. لا يزال يوجد في ايران 440 كيلو غرام من اليورانيوم المخصب الى 60 في المئة، ونحو 1000 كيلو غرام آخر من اليورانيوم المخصب الى مستوى 20 في المئة، هكذا بحيث أنه رغم الضربة القاسية للبرنامج النووي بقيت ايران دولة حافة نووية.

كل شيء هو اقل من اخراج اليورانيوم المخصب من ايران سيسمح لها بان تعيد احياء البرنامج النووي وسيشكل بالنسبة لها نصرا عظيما. ترامب هو الاخر يفهم هذا، وعليه فان مستقبل اليورانيوم سيكون صخرة الخلاف الأساس في المحادثات التي يجريها معهم. إبقاء المادة وتخفيفها، كما يقترح الإيرانيون، هو عديم المعنى. فقط صورة المادة المخصبة تخرج من ايران ستوفر لترامب شيئا ما يمكنه أن يعرضه كانجاز.

تطالب ايران بالاعتراف بحقها في التخصيب، وكما يبدو هذا، فان الأمريكيين مستعدون لحلول وسط في هذا الموضوع. الإيرانيون يريدون تجميدا لخمس سنوات، الامريكيون لعشرين وفي النهاية على ما يبدو سيكون حل وسط مبايي، يتمثل بالعودة الى الاتفاق النووي لاوباما في 2015، الى هذا الحد او ذاك.

في موضع التخصيب – الشيطان يوجد في التفاصيل الصغيرة: أي نظام رقابة سيفرض على ايران؟ هي سيراقب فقط اعمال التخصيب أم اعمال أخرى للبرنامج النووي تساعد ايران من الاقتراب من سلاح نووي؟ هل سيسمح لإيران بالتخصيب او بإنتاج أجهزة طرد مركزي في منشآت تحت أرضية، منيعة على الهجمات من الجو، ام ستكون مطالبة بان تبقي كل المشاريع علنية ومن فوق سطح الأرض؟ الجواب على كل سؤال كهذا حرج لمستقبلنا.

 لا يفكك بسهولة

إسرائيل، وبقدر ما الولايات المتحدة أيضا، وضعتا هدف الضربة القاسية لبرنامج الصواريخ الإيراني. حقق سلاح الجو ضربة كهذه، لكن يبدو ان هذا الموضوع شطب من جدول اعمال المحادثات في اسلام أباد. لا تزال توجد لإيران قدرات ذات مغزى في مجال الصواريخ، مثلما شعرنا أيضا قبل لحظة من وقف النار، وإبقاء هذا البرنامج دون رقابة سيبقي إسرائيل وحدها امام قوة القوة العظمى الصاروخية الإيرانية.

لقد ارادت إسرائيل أيضا تفكيك المحور الشيعي، على فروعه المختلفة، وهنا تنجح ايران حاليا في ضم فرعها اللبناني مع الاتفاق مع الأمريكيين. الفرع اليمني لم يتضرر على الاطلاق. الهدفان اللذان وضعهما الامريكيون لانفسهم تحققا: الاسطول الإيراني دمر تماما تقريبا ومثله أيضا سلاح الجو.

الجانب الاقتصادي للاتفاق سيقرر وتيرة ترميم القدرات الإيراني مكانة ايران المستقبلية في المنطقة. اذا ما رفعت العقوبات، وسمح لإيران بإنتاج النفط فانها تتوقع مداخيل بمئات المليارات في السنة ستضخ لترميم سريع لقدرات الصواريخ، البحر والجو.

واذا ما اضيف لهذا أيضا اعتراف امريكي بحقوق إيرانية على الملاحقة في مضيق هرمز فبانتظار ايران المزيد من المداخيل والرفع الدراماتيكي لمستوى مكانتها الإقليمية. لقد كان مضيق هرمز مسار ملاحة دولي حتى 28 شباط، ولم يكن بملكية أي دولة. اذا وافق الامريكيون على أن يكون لإيران الحق في جباية “رسوم عبور” (خاوة) في المضيق، فان ايران ستحقق سيطرة على اقتصادات كل دول الخليج – السعودية، الكويت، قطر واتحاد الامارات – كلها ستكون متعلقة بايران لرزقها. هذا سيجعل ايران اقوى من أي وقت مضى.

——————————————

عن «معاريف» 17/4/2026

لماذا وافق اللبنانيون الآن على المفاوضات المباشرة مع إسرائيل؟

بقلم: إيدى كوهين

مؤخراً، تقدّمت الحكومة اللبنانية، بقيادة جوزيف عون، ورئيس الوزراء، نواف سلام، وبشكل متكرر، بطلب إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. وأعلن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ذلك رسمياً، قائلاً: «في ضوء الطلبات المتكررة من لبنان بشأن البدء بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، أُعطيت توجيهات للحكومة بفتح مفاوضات مباشرة مع لبنان في أقرب وقت ممكن». قال ذلك قبل أقل من أسبوع. كذلك توجّه نتنياهو إلى سكان الشمال، مؤكداً أنه لا يوجد وقفٌ لإطلاق النار في لبنان، في حين يعوّل اللبنانيون على المفاوضات المباشرة لتحقيق وقف إطلاق النار. 

على أي حال، عُقدت المحادثات قبل أيام في الولايات المتحدة بين السفير الإسرائيلي في واشنطن، يحيئيل لايتر، والسفيرة اللبنانية، ندى حمادة معوّض، بوساطة أميركية. ويُعَد هذا التفاوض أول تفاوض مباشر وعلني بين الدولتين منذ ثمانينيات القرن الماضي، باستثناء اتفاق ترسيم الحدود البحرية غير المباشر في سنة 2022. سادت أجواء من التفاؤل بعد اللقاء، إذ قال السفير الإسرائيلي: «كانت المحادثات ممتازة، وبأجواء رائعة. نحن موحدون بشأن الحاجة إلى تحرير لبنان من (حزب الله)». 

إن السؤال المطروح، اليوم، هو: لماذا الآن تحديداً يطلب اللبنانيون، الذين كانوا حتى وقت قريب يقاطعون إسرائيل ويصفونها بالعدو ويرفضون التقاط الصور معها في المحافل الدولية، التفاوض المباشر، بل يتوسلونه؟ الإجابة البسيطة: إنهم يريدون وقف إطلاق النار ويخشون من اتساع الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» بما يمكن أن يضرّ بمصالح الدولة إلى حدّ انهيارها. 

من المهم الإشارة إلى أن الحكومة اللبنانية والشعب اللبناني، في معظمه، لا يهمهم «حزب الله» كثيراً، باستثناء الطائفة الشيعية، وأيّ ضرر يلحق بـ«حزب الله» يخدم مصلحة المؤسسة اللبنانية والشعب، في معظمه. فالجنوب اللبناني مدمّر إلى حدّ كبير، وهو منطقة لطالما أهملتها الحكومات اللبنانية المتعاقبة، لكن الآن، مع بدء استهداف مبانٍ في بيروت، إلى جانب التحذيرات من ضرب منشآت استراتيجية في أنحاء البلد، أدرك القادة اللبنانيون ضرورة التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار، ليس بدافع التعاطف مع إسرائيل، بل خوفاً من تصعيد شامل يمكن أن يدمر ما تبقى من لبنان. 

ولا ينبغي لنا أن ننسى أن البلد يعاني أصلاً جرّاء أزمة اقتصادية واجتماعية حادة، وأن الحرب مع إسرائيل، التي اندلعت بعد انضمام «حزب الله» إلى حرب «السيوف الحديدية» في تشرين الأول 2023، أدت إلى دمار واسع في الجنوب وخسائر كبيرة ونزوح جماعي نحو بيروت والشمال.

تأمل القيادة اللبنانية – عون، سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري – باستعادة سيادة الدولة، ونزع سلاح «حزب الله»، أو إضعافه على الأقل، ووقف القتال، والحصول على مساعدات دولية، وهم يرون في المفاوضات المباشرة فرصة للفصل بين «دولة لبنان» و«دولة حزب الله» وإنقاذ البلد من الانهيار. وفي المقابل، يعارض «حزب الله»، بقيادة نعيم قاسم، ذلك بشدة، ويصفه بأنه «استسلام مهين». 

نهجان متعاكسان 

بينما يؤكد نتنياهو أن المفاوضات ستركز على نزع سلاح «حزب الله» والتوصل إلى اتفاق سلام تاريخي، وأن إسرائيل لا توافق على وقف إطلاق النار مسبقاً، يوضح اللبنانيون أن هدفهم من المفاوضات المباشرة هو فقط تحقيق وقف إطلاق النار، لا أكثر ولا أقل. ولم يتحدث اللبنانيون عن تطبيع العلاقات. 

يمكن التوصل إلى اتفاق أمني في مرحلة أولى مع لبنان، لأن نقاط الخلاف ليست كثيرة؛ يطالب لبنان بوقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي وتسوية قضايا حدودية قائمة. لا يزال هناك 13–14 نقطة خلاف على الحدود البرية، بينها رأس الناقورة ومزارع شبعا وجبل دوف وقرية الغجر. هذه القضايا ليست أولوية حالياً، لكنها يمكن أن تُطرح لاحقاً.

بصفتي شخصاً وُلد ونشأ في لبنان ويعرفه جيداً، يمكنني القول، إن هناك شريحة غير قليلة من السكان تريد تطبيع العلاقات مع إسرائيل، بينما يريد جزء آخر الخلاص من «حزب الله»، على غرار ما حدث، بحسب هذا الرأي، في سنة 1982 خلال عملية «سلامة الجليل» التي أدت إلى انتخاب بشير الجميل رئيساً قبل اغتياله. 

التعلم من دروس الماضي 

يجب على إسرائيل التفكير من خارج الصندوق وإدارة مفاوضات مختلفة. حتى لو كان «حزب الله» طرفاً، فإن المؤسسة اللبنانية مسؤولة عنه. من وجهة نظري، يجب أن يكون البند الأول في المفاوضات موجهاً إلى الجانب اللبناني، مثل مطالبة لبنان بدفع تعويضات عن الأضرار التي تسبّب بها «حزب الله»، باعتباره تنظيماً لبنانياً. علاوةً على ذلك، والأهم من كل شيء، يجب على إسرائيل مطالبة الحكومة اللبنانية بأن تُصنّف «حزب الله» «منظمة إرهابية». فمن دون هذا التصنيف، لا جدوى من استمرار المفاوضات، لأنه سيمنع لبنان من اتباع سياسة مزدوجة إزاء هذا الموضوع، وهو أمر يتقنه أعداؤنا. ربما حان الوقت لكي نتعلم قليلاً من الإيرانيين كيف تُدار المفاوضات؛ فمن صفقة جبريل، مروراً بصفقة شاليت، لم تُظهر إسرائيل تفوقاً في التفاوض مع أعدائها.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article