لكن المعبر المغلق لا يحجز الأجساد فقط، بل يجمّد الأحلام. منحٌ دراسية كانت يومًا بوابةً نحو المستقبل، أصبحت اليوم مهددة بالضياع، وأعمارٌ يفترض أن تُبنى بالمعرفة، تُستنزف في الانتظار.
أكثر من 1500 طالبٍ حصلوا على قبول دراسي في جامعات خارج حدود قطاع غزة، لكن الحرب حالت بين الحق والطموح، هؤلاء ليسوا أرقامًا، بل قصصٌ مؤجلة، وأحلامٌ عالقة بين سماءٍ مغلقة وأرضٍ مثقلة.
يقف الطالب والمتحدث باسم حراك “ما بين الحلم والمعبر” أمير فوجو يطرق الأبواب رفقة زملائه العالقين دون وُجهة واضحة، ودون مرجع حكومي أو مؤسساتي يكفل حقهم ويسند ظهرهم ويُعر قضيتهم أي اهتمام.
يقول “فوجو” في حديثه في لقاء صحفي إنَّ الطلبة يعانون يوميًا من حرمانٍ قاسٍ من حقهم في التعليم، وعجزٍ مستمر عن العودة إلى مقاعد الدراسة واستكمال المسيرة التعليمية.

وكان الطالب “أمير” (21 عاماً) قد حصل قبل عامين على منحة بكالوريوس لدراسة تخصص علوم الإعلام في باكستان، لكن الحرب حالت دون إتمام الحلم، وما زال قيد الانتظار.
وشرع ضيفنا رفقة عدد من زملائه العالقين بإنشاء حراك طلابي يحمل عنوان “ما بين الحلم والمعبر”؛ لإيصال صوت الطلبة العالقين للجهات المسؤولة، والمُضي بخطوات جادة لإنقاذ مستقبل 1500 طالب ويزيد فقدوا سنوات عمرهم في انتظار فرصة التعليم.
ويشير “فوجو” إلى أن جميع الطلبة يتواصلون باستمرار مع الجامعات والجهات المانحة، من أجل الحفاظ على المقاعد الدراسية وتأمين الفرصة في الاستمرار بالتعليم، رغم كل الظروف الصعبة التي يمرون بها داخل القطاع.
ويُحذر من خسارة جميع الطلبة لمنحهم هذا العام وفقدان الفرص بسبب استمرار عدم القدرة على السفر منذ عامين ونصف ومتابعة الدراسة في الخارج، مضيفاً أنَّ هناك العديد من الطلبة الذين فقدوا منحتهم الدراسية.
ويُناشد المتحدث باسم الحراك جميع الجهات المختصة، والسفراء والمسؤولين أن يضعوا الملف الطلبة العالقين على طاولة النقاش، وأن يسعوا لتسهيل مرور الطلبة العالقين عبر معبر رفح والمعابر الأخرى ضمن الحالات الإنسانية، بطريقة سلسة وآمنة وإنسانية، بما يضمن حقهم في التعليم واستكمال الدراسة دون تأخير أو تعطيل.
وتتعاظم المعاناة النفسية للطلبة مع مُضي السنوات حيث يُعبر “فوجو” عن حالهم كطلبة “نحمل طموحًا بمستقبلٍ أفضل، لكننا اليوم محرومون من أبسط حقوقنا الأساسية في التعلّم، عالقون بين حلمٍ يتلاشى وواقعٍ يفرض علينا الانتظار”.

حلم يتلاشى..
ولا يختلف الحال عن الطالب سعيد علاء الدين بربخ (21 عاماً) والذي أنهى الثانوية العام في عام 2023، الفرع العلمي بمعدل 93.6، إذ حصل على منحة دراسية في الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا في جمهورية مصر العربية.
وحصل “بربخ” وفق حديثه له على هذه المنحة بعد رحلةٍ شاقة من الاختبارات والمقابلات مع الجهة المانحة، لكن التأخير القسري بدّد ملامح خطته الدراسية والمهنية في اختصاص الهندسة، وترك أثرًا ثقيلًا على عمره الذي يمضي بلا إنجازٍ جامعي حتى الآن.
وفي ظلّ هذا الانتظار الطويل، حاول “بربخ” البحث عن بديلٍ مؤقت، فتقدّم لدراسة تخصّصٍ قريب داخل غزة، فالتحق بهندسة النظم الذكية والحاسوب في جامعة الأقصى، وأنهى فصلين دراسيين بالفعل.
غير أن التجربة ظلّت محدودة الأثر؛ إذ فرضت طبيعة الدراسة الإلكترونية قيودًا كبيرة على اكتساب المهارات العملية، ما ترك فجوة واضحة في خبرته التعليمية وأضعف فرصه في بناء تأهيلٍ حقيقي لسوق العمل. على حد قوله.
ناهيك عن تحديات الدراسة الإلكترونية نفسها، من انقطاعٍ متكرر للكهرباء وضعفٍ في توفر الإنترنت، في وقتٍ يتطلب فيه تخصص ضيفنا ممارسةً عملية ومختبراتٍ وتجهيزاتٍ متخصصة لاكتساب المهارات اللازمة لدخول سوق العمل.
ويلفت “بربخ” النظر إلى وجود جملة من الوعود من الجامعة المانحة بالحفاظ على مقعده الدراسي إلى حين تمكنه من مغادرة غزة، مستدركاً: “لكن في حال لم أتمكن من الوصول إلى جمهورية مصر بحلول شهر سبتمبر، فإن سحب المنحة يصبح احتمالًا واردًا، ما يعني خسارة مستقبلي وحقّي وحلمي الذي بذلتُ لأجله جهودًا مضنية”.
التزامات اقتصادية باهظة..
الطالبة لوجين جهاد شقورة حصلت على قبولٍ ضمن منحة “الوافدين” في جمهورية مصر لدراسة الطب البشري عام 2024، بعد أن كانت ملتحقةً بإحدى الكليات الطبية داخل غزة قبل اندلاع الحرب.
غير أن تدمير الجامعات، والنزوح المتكرر، وفرض نمط الدراسة الإلكترونية، حال دون استكمال تعليمها، لا سيما وأن هذا التخصص يعتمد بشكلٍ أساسي على التدريب العملي، ما دفعها للبحث عن فرصةٍ بديلة عبر المنح الدراسية خارج القطاع.
وتوضح “شقورة” في اتصريح صحفي ، أنها اضطرت إلى دفع مبلغ مالي لتثبيت مقعدها الدراسي “كونها منحة جزئية” على أمل التمكّن من السفر، غير أن مرور عامين دون مغادرة القطاع أدّى إلى خسارة هذا المقعد.
وتضيف:” أصبحت مُلزمة بدفع ضريبة تأخير، إلى جانب تحمّل تبعات حداثة مؤهل، كونها من خريجات عام 2005 وقد مضى أكثر من عام على حصولها على شهادة الثانوية العامة قبل تسجيلها في المنحة.
وتضاعفت الكلفة الاقتصادية على “شقورة” بحسب وصفها إلى جانب العبء النفسي الثقيل الناتج عن النزوح والحرب والجوع، في واقعٍ يفرض قلقًا دائمًا على المستقبل الدراسي.
وبينما ينشغل الآخرون بالتخرّج، كانت “لوجين” تحمل همّ بدء دراستها والالتحاق بجامعتها، مستدركةً:” لكنني حتى الآن لم أتمكن من إنهاء فصلٍ دراسي واحد، وبقيت معلّقة بين رغبةٍ مُلحّة في التعلّم وواقعٍ يحول دون ذلك”.
النجاة فقط..
وتصف لمراسلتنا أنَّ وجع النزوح والفقد والقصف، وخاصة تجربة النزوح تحت النار، كانت كافيًا لأن يتحوّل الهدف الأول إلى النجاة بالحياة فقط.
ومع هذا الثقل، لجأت “شقورة” إلى تفريغ مشاعرها في كتابة الخواطر محاوِلةً التخفيف من عجزها أمام مستقبلٍ مجهول. حيث أصبح البقاء على قيد الحياة هو الأولوية، وأن الدراسة تراجعت لتبدو وكأنها رفاهية بعيدة المنال.
وحتى اللحظة، لا توجد أي جهة حكومية تعاملت بشكل رسمي مع ملف الطلبة العالقين أو صنّفته ضمن الحالات الإنسانية، على غرار المرضى، فيما كان الرفض هو الموقف الغالب، وفي مقدمته رفض سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
وأمام هذا الواقع، اتجه الطلبة بجهود فردية إلى حصر أعدادهم والمطالبة بشكل رسمي، على أمل عرض قضيتهم على الجهات المعنية وإيجاد حلّ عادل لها. مؤكدين “نحن لا نطالب بامتيازات، بل بحقٍ شرعيٍ مكفول في التعليم والحياة الأكاديمية”.
المصدر … سند للأنباء

