المسار : يقدم التقرير مقاربة بين النهج الإيراني والفيتنامي في مواجهة الولايات المتحدة، باعتمادهما على إطالة أمد الحرب لاستنزاف الأميركيين، إلى جانب رفض المشاركة في المفاوضات تحت التهديد، فيما يرى خبراء تفوق إيران في إدارة الحرب، وإشارتهم إلى نجاح التجربة الفيتنامية.
نشرت مجلة “فورين بوليسي”، المختصة بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة، تقريرا يضم تحليلات خبراء مختصين في شؤون السياسة والحروب العالمية، الذين أشاروا إلى الشبه الكبير بين الإستراتيجية الإيرانية والفيتنامية في إدارة الحرب في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية.
وشبّهت المجلة في تقريرها الضغط الذي تمارسه إيران على الولايات المتحدة في هذه الأثناء بذلك الذي فرضته فيتنام على الرئيس الأميركي في حينه، ليندون جونسون.
وجاء في التقرير أنه “يبدو أن إيران تتبع إستراتيجية فيتنام، عبر مقاومتها لإنهاء الحرب سريعا عن طريق المفاوضات، وإجبار ترامب على تمديد وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمى”.
مشيرا إلى أن هذا النهج “يشبه الإستراتيجية الرابحة التي اتبعها قائد شمالي فيتنام، هو شي من”.
وأضاف “فهمت القوى الإمبريالية الغربية، فرنسا أولا ثم الولايات المتحدة، الحقيقة التي تفهمها إيران، التي مفادها أن الغزاة القادمين من بلاد بعيدة سوف يتعبون من الحرب قبل أصحاب الأرض، بغض النظر عن مدى قوتهم”.
واقتبست المجلة في تقريرها كلام القائد الفيتنامي الثائر حين قال للاحتلال الفرنسي عام 1946، “يمكنكم قتل 10 رجال منا مقابل كل رجل نقتله منكم، وبالرغم من ذلك، سوف تُغلَبون، وسوف ننتصر”.
وأتبعته بالقول إنه “تصدى، ومن بعده خليفته لي دوان، لطلبات جونسون اليائسة للتفاوض، مثلما تُهين طهران ترامب الآن”.
لا مفاوضات تحت التهديد
وأوضحت التشابه بين الموقف الفيتنامي والإيراني في مواجهة التهديدات الأميركية، بتضمينها رسالة القائد الفيتنامي، هو شي مين، إلى الرئيس الأميركي آنذاك، ليندون جونسون، التي قال فيها إن “الشعب الفيتنامي لن يخضع للقوة أبدا، ولن يقبل محادثات تحت تهديد القنابل إطلاقا”، ثم تصريحات رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، الذي صرّح بأن طهران “لن تقبل التفاوض في ظل التهديدات”.
وبينما جلس ترامب ونائبه فانس يترقبان مكالمة هاتفية إيرانية لم تأت، خرج قاليباف يقول إن إيران تستغل وقف الحرب لتتجهز لكشف “أوراق جديدة في ميدان المعركة”.
ولفت التقرير إلى أن رد ترامب على تصريح قاليباف الأخير كان “تمديد وقف إطلاق النار إلى حين تقديم (الإيرانيين) ردّهم”، وتابع التقرير “ترجمة ذلك: يبدو أن إيران هي التي تجلس الآن في مقعد القيادة”.
وذكر مدير مركز فيتنام لدراسة الحروب العالمية في مدرسة هارفارد كينيدي، هاي نغوين، “بعد 50 عاما على ختام حرب فيتنام، تعيد الولايات المتحدة التاريخ مرة أخرى في الحرب مع إيران”.
وأوضح قائلا “في حرب غير متكافئة، مثل الفيتناميين في الحرب الفيتنامية، يملك الإيرانيون مزايا تفوق فهم الأميركيين”.
وأوضح نغوين الإستراتيجية التي تتبعها إيران واتبعتها من قبلها فيتنام، التي تركز على الضغط على نقطة ضعف الولايات المتحدة الأميركية؛ إطالة أمد الحرب.
الولايات المتحدة لا تملك الصبر على حرب طويلة
وبيّن أن الإيرانيين يفهمون التفوق الأميركي الكبير في القدرة النارية، التي تستطيع “إلقاء آلاف الأطنان من القنابل” على إيران، لكنهم يعرفون أيضا أن الولايات المتحدة “لا تملك الصبر لتتحمل حربا طويلة”.
وجنح نغوين إلى إبراز التشابه بين النهجين القتاليين، الإيراني والفيتنامي، وذلك بقوله “مثل الثوار الفيتناميين، يبدو أن الإيرانيين جاهزون للقتال في حرب طويلة مع تضحية كبيرة بالموارد الوطنية”، مضيفا أن “إيران تفهم عقب أخيل (نقطة ضعف) الولايات المتحدة”.
كما أورد التقرير كلمات سفير الولايات المتحدة الأسبق لدى حلف شمال الأطلسي، إيفو دالدير، الذي وصف تصريح ترامب بوقف إطلاق النار بقوله “هكذا يبدو الاستسلام”.
وأوضح “ترامب هو الذي طلب وقفا لإطلاق النار، بعدما رأى أن زيادة التصعيد لن يأتي بإيران” إلى طاولة المفاوضات، مشيرا إلى مخاوف ترامب من “التداعيات الاقتصادية والسياسية لإكمال الحرب”.
وختم دالدير تدوينته بقوله “بطاقة (الضغط) رئيس الولايات المتحدة الوحيدة هي استئناف حرب لا يريدها، وفي الأثناء، كل بطاقات الضغط بيد إيران”.
واستعرض التقرير بطاقة الضغط الأقوى لدى الجمهورية الإيرانية؛ مضيق هرمز. وذلك بتأكيده على سيطرة إيران على حركة الملاحة فيه إلى حد كبير، بالرغم من التصريحات الأميركية بشأن حصار بحري. إذ ذكر سيطرة القوات الإيرانية على عدد من السفن هذا الأسبوع، ونجاحها في تجاوز الحصار الأميركي.
وبحسب “فاينانشال تايمز”، تجاوزت حوالي 34 ناقلة نفط متصلة بإيران الحصار الأميركي منذ يوم الثلاثاء الماضي.
كما سلطت “فورين بوليسي” الضوء على مناقضة الحقائق لتصريحات وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، الذي قال في اليوم الأول لوقف إطلاق النار، إن “حملة ’الغضب الملحمي’ كانت انتصارا تاريخيا وساحقا في ميدان القتال”.
وذلك باستدلالها بشهادة مدير شعبة الاستخبارات الدفاعية التابعة لوزارة الحرب، الجنرال جيمس آدامز، الذي قال في شهادة أمام الكونغرس، إن إيران “تحتفظ بآلاف” الصواريخ والمسيّرات الانتحارية.
كما استدلت بتقرير نشرته شبكة “سي بي إس” في 22 نيسان/ أبريل، جاء فيه أن “حوالي نصف مخزون إيران من الصواريخ الباليستية وأنظمة الإطلاق ما تزال سليمة، إلى جانب حوالي 60% من سلاح البحرية التابع للحرس الثوري، المستخدم لفرض الاضطرابات في المضيق”.
تشابه النهج، فهل تتشابه النتائج؟
وختمت “فورين بوليسي” تقريرها بتوقع حذر لمستقبل هذه الحرب، بالاستناد إلى نتيجة حرب فيتنام، وذلك بالقول “حقق الفيتناميون هدفهم من الحرب بإجهاد عدوهم في واشنطن قبل أن يتمكن الأميركيون من استنزافهم ماديا”.
الأمر الذي “قاد إلى موقف غير مساوم عند بدء المفاوضات”، وأضافت أن الفرق الرئيس بين الحالتين هو امتلاك إيران لميزة مضيق هرمز.
ورجّح التقرير، أن يسعى الإيرانيون إلى استغلال هذه الميزة لكي “يرهقوا ترامب بهجوم اقتصادي إلى جانب حرب سياسية من شأنها أن تلحق به وبحزبه أذى كبيرا، لا سيّما وموعد الانتخابات النصفية على بُعد 6 أشهر”.
المصدر … عرب ٤٨

