أوري بار-يوسف|أستاذ فخري في العلاقات الدولية في جامعة حيفا
الاستعارة التي تصوّر قطارين يندفعان على السكة نفسها نحو تصادم لا مفرّ منه معروفة، ولا شيء أدقّ منها لوصف حال إسرائيل اليوم. في قاطرة أحد القطارين تجلس الحكومة، التي، ومع الجيش والشرطة وجهاز الأمن العام، وبمساندة المستوطنين المتطرّفين، تدير سياسة تقوم على نزع الملكية والضم في الضفة الغربية، أساسًا في مناطق C، ولكن أيضًا في مناطق B.
يشمل ذلك السيطرة على مئات آلاف الدونمات، وإقامة مئات البؤر الاستيطانية، وتوسيع المستوطنات عبر الاستيلاء على الأراضي، مع استثمارات ضخمة في بنى تحتية مخصّصة لليهود فقط. وكل ذلك يترافق مع خنق اقتصادي للفلسطينيين من خلال الحواجز، والجدران، وتجميد أموال السلطة، ومنع العمل داخل إسرائيل. أما الركّاب في العربات الخلفية—أي المواطنون الإسرائيليون—فهم في الغالب غير مدركين لما يجري على الأرض. بعضهم ينفر من ممارسات المستوطنين، وبعضهم يراهم أبطالًا. لكن الشاغل الرئيسي لغالبهم هو الصمود بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب.
في القطار الثاني، القوة الدافعة هي شعور السأم المتزايد لدى جمهور واسع في أوروبا والولايات المتحدة، الذي لم يعد مستعدًا لقبول واقع تنتهك فيه إسرائيل المعايير الدولية، وتنفّذ عمليات قتل واسعة بحق المدنيين، وتخلّ بالتزاماتها، وتؤجّج حربًا يدفعون هم أيضًا كلفتها الاقتصادية. السائق الأمريكي في القاطرة معروف بقيادته المتقلبة، وقدرته على اتخاذ قرارات استراتيجية مصيرية بنقرة تغريدة واحدة. أما السائقون الأوروبيون، فهم أكثر حذرًا ومسؤولية، لكنهم يشعرون بالضغط الشعبي، ويعتقدون بدورهم أن إسرائيل قد تجاوزت كل الحدود.
تمتّعت إسرائيل على مدى سنوات طويلة برصيدٍ دولي لافت. وتستند تفوّقها العسكري في المنطقة، إلى حدّ كبير، إلى دعمٍ عسكري أمريكي متواصل بلغ، بعد احتساب التضخّم، نحو 300 مليار دولار حتى اليوم—وهو حجم دعم لم تنله أي دولة أخرى منذ عام 1945. وقد جاء هذا الدعم، في جانب منه، نتيجة التأييد الشعبي الأمريكي لإسرائيل عبر الحزبين.
اليوم، يتآكل هذا التأييد. تُظهر استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة تراجعًا مستمرًا في التعاطف مع إسرائيل، حتى بات موقعها اليوم بين مستويات التأييد للصين وتركيا. وقد دعم 40 من أصل 47 عضوًا ديمقراطيًا في مجلس الشيوخ مؤخرًا اقتراحًا يمنع بيع جرافات لإسرائيل؛ وذلك قبل أن يشاهدوا حتى مشاهد الاحتفاء التي أثارت جدلًا واسعًا. كما صوّت عدد غير مسبوق من أعضاء المجلس لصالح مقترحات تحظر بيع أنواع معيّنة من الأسلحة لإسرائيل.
ولا تزال الولايات المتحدة ملتزمة بحلّ الدولتين، وقد أوضح دونالد ترامب أيضًا معارضته لسياسات الضم. غير أن السياسات التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية—من خطوات ضمّ وممارسات تُعدّ انتهاكات—لن تمرّ من دون ردّ لدى الرأي العام الأمريكي. ومثل هذا الرد قد يفضي إلى إضعاف إسرائيل عسكريًا وعزلها سياسيًا.
أما في أوروبا، ولا سيما في ألمانيا، فقد ارتبط الدعم لإسرائيل تاريخيًا بإحساسٍ بالمسؤولية الناجم عن الماضي وذاكرة الهولوكوست. وقد نجحت إسرائيل في ترجمة هذا الشعور إلى مكاسب ملموسة عزّزت أمنها واقتصادها ومكانتها الدولية. لكن هذا الدعم يشهد هو الآخر تراجعًا، يتجلّى بوضوح في دول مثل إسبانيا وهولندا وإيرلندا وألمانيا. وتزداد خطورة هذا التراجع مع تراجع حضور الجيل الذي نشأ على تأييد إسرائيل؛ إذ يُظهر الشباب الأوروبي نفورًا متزايدًا من سياسات الاحتلال والتمييز ضد العرب.
ورغم أن هذا التآكل لم ينعكس بعد بشكل حاسم في السياسات الرسمية، فإن مؤشراته تتكاثر. وقد عبّر المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن ذلك بصورة لافتة حين حذّر، في أكتوبر 2025، من أن بلاده قد تنسحب من مسابقة “يوروفيجن” إذا مُنعت إسرائيل من المشاركة. ومن المرجّح أن يتسارع هذا التآكل مع تزايد القناعة بأن أعمال العنف في الأراضي المحتلة ليست مجرّد أفعال فردية، بل جزء من سياسة منظمة تهدف إلى تقويض فرص قيام دولة فلسطينية. وعندها، قد يتحوّل هذا السأم الشعبي إلى خطوات عملية، خصوصًا بعد تراجع أحد أبرز العوائق أمام ذلك داخل الاتحاد الأوروبي.
ومن المرجّح أن يبدأ هذا الرد بتوسيع دائرة العقوبات الفردية، على غرار ما فُرض بالفعل على شخصيات مثل باروخ مارزل وبنتسي غوبشتاين وموشيه شربيت، مع تركيز أولي على المستوطنين. غير أنّ استمرار هذه السياسات من شأنه أن يدفع نحو توسيع العقوبات تدريجيًا، إلى أن تطال في نهاية المطاف عموم المواطنين الإسرائيليين. ولن تقتصر المطالب حينها على وقف فرض الوقائع على الأرض، بل ستشمل أيضًا إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه.
ثمّة من يأمل أن يحدث ذلك بينما لا تزال حكومة بنيامين نتنياهو في السلطة، بحيث تُجبر على مواجهة الضغوط مباشرة. ذلك أنّ انتقال هذا الضغط إلى حكومة لاحقة—لا تستند إلى بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير—قد يضع إسرائيل أمام معضلة أعقد: إذ ليس واضحًا كيف سيتعامل قادة ميدانيون مع أوامر بإخلاء بؤر استيطانية في مناطق مسؤوليتهم، ومن بينهم ضباط مثل غيلعاد شريكي، قائد لواء الأغوار، الذي يحمل مركبه العسكري رموزًا ذات دلالات أيديولوجية واضحة.
في مثل هذا السيناريو، قد يبدو ما تعيشه إسرائيل اليوم من توترات دستورية أمرًا ثانويًا مقارنةً بالأزمة الأعمق التي قد تلوح في الأفق.

