الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

 افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

معهد بحوث الأمن القومي INSS – 30/4/2026 

المعضلة التي تشغل بال دول الخليج – وإسرائيل الآن أيضا

بقلم: د. يوئيل غوزانسكي

لقد أعادت الحرب مع إيران إشعال جدل قديم في الشرق الأوسط: هل تُعدّ القواعد العسكرية الأمريكية رصيدًا استراتيجيًا أم عبئًا؟ اشتدّ الجدل بعد أن كتب الأستاذ الإماراتي المقرب من الحكومة، عبد الحلاق عبد الله، على شبكة X أن القواعد الأمريكية في الإمارات لم تعد “رصيدًا استراتيجيًا”، بل أصبحت عبئًا. حجته بسيطة: خلال النزاع الأخير، هاجمت إيران دول الخليج بذريعة وجود منشآت أمريكية فيها، بينما اعتمد الدفاع الفعلي لهذه الدول بشكل أساسي على أنظمة أسلحة تُشغّلها هي نفسها. أغفل الباحث المعروف، الذي أعرفه، الإشارة إلى أن الأسلحة التي حمت هذه الدول كانت أمريكية في معظمها، وفي حالة الإمارات، شاركت أسلحة إسرائيلية أيضًا في الدفاع.

مع ذلك، فإن ادعاءه ليس بلا أساس. ففي الحرب الأخيرة، هاجمت إيران شبكة القواعد الأمريكية بأكملها في الخليج – في قطر والكويت والبحرين والإمارات – في محاولة لإلحاق الضرر بالبنية التحتية التي تُمكّن الولايات المتحدة من بسط نفوذها في المنطقة. هذا الواقع يسلط الضوء على المعضلة: إن مجرد وجود القواعد الأمريكية يجعل الدول المضيفة هدفاً.

مع ذلك، فإن الطريق طويلٌ للوصول إلى استنتاج مفاده أن القواعد العسكرية قد فقدت قيمتها. فمساهمتها الرئيسية استراتيجية وليست تكتيكية. بعد انسحاب البريطانيين، أصبح الوجود العسكري الأمريكي أحد أركان البنية الأمنية في الخليج. فهو يُسهم في الحفاظ على توازن القوى الإقليمي، وحماية خطوط الطاقة، وخلق قوة ردع، كما كان الحال في الماضي ضد العراق، والآن ضد إيران. والردع، بطبيعته، يصعب قياسه. فنجاحه يُقاس أحيانًا بأحداث لم تقع، ويخضع للتقييم بأثر رجعي.

هل هي عبء أم مكسب؟

لا تُعدّ القواعد الأمريكية رادعًا لإيران فحسب، بل هي أيضًا عامل استقرار داخل العالم العربي نفسه. وقد أوضحت الأزمة بين قطر وجيرانها عام 2017 مدى هشاشة النظام الإقليمي. حينها، ساد خوف حقيقي من تصعيد عسكري بين دول الخليج، وإسقاط النظام القطري، بل وحتى احتلال السعودية لقطر، وهي أحداث تم منعها بفضل وجود القواعد الأمريكية في قطر.

والأهم من ذلك هو دور هذه القواعد في ردع إيران. فبدون وجود أمريكي دائم، كان من الممكن أن ينشأ فراغ استراتيجي في الخليج. وفي مثل هذه الحالة، كان من الممكن أن تتمتع إيران بحرية أكبر في التحرك. هذا لا يعني بالضرورة أن إيران كانت ستحتل دول الخليج فورًا، ولكن غياب القوة الأمريكية كان من شأنه أن يزيد من طموح إيران وقدرتها على ممارسة ضغوط عسكرية وسياسية أعمق، بل وربما زعزعة استقرار الأنظمة العربية. بالنسبة للأنظمة العربية، فإن منطق الردع الكامن وراء موقع القواعد على أراضيها غالباً ما يتمثل في استخدامها كنوع من “الأسلاك الشائكة” التي من المفترض أن يؤدي تجاوزها، أي مهاجمة القواعد، إلى رد فعل أمريكي.

تستثمر السعودية والإمارات وقطر مبالغ طائلة في شراء أسلحة غربية متطورة. وتمتلك هذه الدول أنظمة دفاعية متقدمة، وقوات جوية حديثة، وأنظمة استخباراتية متطورة، إلا أن الحرب أظهرت أن حتى أحدث الأسلحة لم تُجدِ نفعًا أمام قوة إقليمية كإيران، التي تمتلك قدرات غير متكافئة في الخليج. فالبنية التحتية على أراضيها هشة، وربما باستثناء الإمارات، تمتلك جيوشًا صغيرة وغير مدربة.

من هذا المنطلق، لا يُعد النقاش حول القواعد العسكرية بالضرورة دعوةً للانسحاب الأمريكي، بل هو مطلب لتحديث نموذج الأمن الإقليمي. وفي نهاية المطاف، تواجه دول الخليج معضلة معقدة. فمن جهة، قد تجعلها القواعد الأمريكية أهدافًا في صراعات ليست طرفًا فيها. ومن جهة أخرى، لا تزال هذه الدول تُشكل إحدى ركائز الردع الإقليمي واستقرار الأنظمة.

 هل من المجدي ان نطالب بقواعد أمريكية؟

إن المعضلة التي تشغل دول الخليج حاليًا – بين الردع الذي يوفره الوجود الأمريكي والتكاليف الاستراتيجية التي قد تترتب عليه – ليست غريبة على إسرائيل أيضًا.

تدرس إسرائيل طلب توسيع الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها، بل وإنشاء منشآت عسكرية إضافية. من شأن هذا الوجود أن يعزز الردع ويعمق التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، ولكنه قد يخلق أيضاً معضلات مماثلة لتلك التي تواجهها دول الخليج.

قد تصبح القواعد الأمريكية أهدافاً إضافية للخصوم، مما يزيد من المخاطر. إضافةً إلى ذلك، قد يؤثر الوجود العسكري الأمريكي الدائم، في بعض الحالات، على حرية إسرائيل في التحرك، إذ إن أي عمل عسكري كبير في منطقة تتمركز فيها القوات الأمريكية سيتطلب تنسيقاً أوثق مع واشنطن.

لا يكمن التحدي الحقيقي في الاختيار بين هذين الخيارين، بل في إيجاد التوازن بينهما: وجود أمريكي يحافظ على الردع، مع ضمان استقلالية أمنية كافية في الوقت نفسه. في الشرق الأوسط، غالباً ما يُطرح السؤال: ماذا سيحدث لو اختفت هذه القواعد؟

——————————————

هآرتس 30/4/2026 

بعد يوم من احراق بيت في جالود، مستوطنون يتجولون في ساحته بحرية

بقلم: متان غولان

بعد يوم على احراق بيت في قرية جالود في جنوب نابلس، يتجول المستوطنون بحرية في ساحة البيت بمرافقة جنود من الجيش الاسرائيلي. وقد شاهد سكان القرية هذا المشهد من شرفات بيوتهم. يوجد البيت الذي غطى السخام جدرانه الداخلية فوق تلة معزولة في اطراف القرية، تبعد حوالي 200 متر عن البؤرة الاستيطانية القريبة من ساحته. في اليوم الذي سبق الحريق في يوم الاثنين، والذي أتى على مخزن البيت، فجر المستوطنون ثقب في السقف، وخرج من البؤرة الاستيطانية مستوطنون هاجموا في السابق القرية في عدة حوادث في الفترة الاخيرة.

عندما وصل طاقم “هآرتس” الى الموقع اقترب احد المستوطنين من مدخل المجمع ولحق به عدد من الجنود. “ها هم، اخرجوهم من هنا”، طلب وهو يصرخ من احد الجنود. وعندما فهم الجنود ان الامر يتعلق بالاعلام، طلبوا من المستوطنين بلطف الابتعاد. احد المستوطنين سأل: “من أي صحيفة انتم؟ القرية كلها ستقوم باغتصابكم، يا انصار العرب. أيها الخونة، ستذبحون”، بعد ذلك ذهب على طلب من الجنود. الامر لم يستغرق الا دقيقة أو اثنتين. مع ذلك، لم يخرج الجنود المستوطنين من التلة التي توجد عليها بيوت للفلسطينيين، بل قاموا بنقلهم مسافة 200 متر فقط الى البؤرة الاستيطانية التي اقاموها قبل اسبوع ونصف على قمة تلة توجد في المناطق ب.

البؤرة الاستيطانية قريبة من ساحة بيتين بملكية الاخوين وائل وقيس طوباسي. وقد شهد والدهما محمود بان الارض هي ملك للعائلة منذ سنوات كثيرة، وتشمل بساتين كانوا يفلحونها. وقال محمود انه بدأ في بناء بيوت لاولاده في 2019، وهي متقابلة وتتشارك نفس الساحة. بما ان البيوت توجد على اطراف القرية فان البؤرة الاستيطانية التي اقيمت فوق التلة هي المبنى الاقرب اليها. تطل بيوت الاخوين طوباسي على مستوطنة ايش كوديش ومستوطنة ايحيا. وقد قالا بان حياتهما كانت هادئة نسبيا، لكن قبل شهر تقريبا انقلبت الامور رأسا على عقب.

اسفل التلة يوجد جمع تجاري لتربية الدواجن، وقد هاجمه المستوطنون قبل شهر، وقاموا باشعال النار في سيارات وممتلكات وهاجموا احد العمال. قيس قال: “بعد اشعال النار في مجمع الدواجن جاءوا الى هنا واشعلوا النار على مدخل البيت وبعد ذلك هربوا”. في توثيق هذه الحادثة ظهر المستوطنون وهم يتسلقون من اجل الوصول الى ساحة البيت بمساعدة تراكترون ويشعلون النار على مدخل البيت. العائلة املت ان يكون هذا حادث فردي، ولكن منذ ذلك الحين تغيرت حياتهم جذريا، واصبح المستوطنون يقومون باقتحام ساحة بيتهم بشكل دائم.

وائل قال انه منذ اقامة البؤرة الاستيطانية قبل اسبوع ونصف، هي تضج بالسكان باستمرار. وحسب قوله منذ ذلك الحين يتجول عشرات المستوطنين بين البيوت ويقومون بتخريب الممتلكات ويطلقون ابواق السيارات في الليل ويمنعون ابناء العائلة من النوم أو الخروج الى الساحة. “نحن محبوسون في بيتنا”، قال في شهادته. وتؤكد عشرات افلام الفيديو شهادة الاخوين. في احد افلام الفيديو من يوم الثلاثاء الماضي ظهر شخص بين المستوطنين وهو يحمل بندقية. الجيش الاسرائيلي لم يرد على سؤال “هآرتس” حول مشاركة اشخاص مسلحين يحملون سلاح عسكري في الاعتداء على العائلة في الاسبوع الماضي. تظهر افلام الفيديو المستوطنين وهم يفعلون ما يشاؤون في ساحة البيت، يخربون البوابة الرئيسية ويطرقون على الابواب في الليل وفي النهار، ويطلقون ابواق السيارات في الليل، ويرشقون الحجارة وما شابه.

الاخوان، وهما آباء لاولاد صغار، قالا: “في يوم اقامة البؤرة الاستيطانية اخذنا النساء والاولاد الصغار الى القرية. من غير المسؤولية ترك الاولاد في وضع كهذا، كان من الواضح أن هناك شيء سيء سيحدث”. في يوم السبت سيطر المستوطنون من جديد على الساحة. وقال ابناء العائلة بانهم حاولوا اقتحام البيت. وفي اعقاب محاولة الاقتحام تم نقل احد ابناء العائلة لتلقي العلاج بسبب انهيار عصبي، حسب اقوال العائلة. وفي اليوم التالي وثقت كاميرات المراقبة المستوطنين وهم يتجولون في الساحة. لم يكن ابناء العائلة في البيت في ذلك الوقت. وعندما عادوا وجدوا ثقب كبير في حائط غرفة المخزن في احد البيوت، التي تستخدم ايضا كموقف مسقوف للسيارات. “توجهنا الى مكتب التنسيق والارتباط، الجيش جاء وقال لنا: لا تلمسوا هذا، ابقوه مفتوح حتى نتمكن من اخذ البصمات في الغد”، قال احد ابناء العائلة. “في الليل حاول المستوطنون الدخول من الفتحة ولكننا قمنا بمنعهم”.

في يوم الاثنين قدم وائل بلاغ في الشرطة، وفي نفس الوقت قال ان المستوطنين دخلوا الى بيت قيس من الباب واشعلوا النار فيه مرة اخرى. المستودع احترق والسيارة كانت متوقفة هناك. الطابق الثاني امتلأ بالدخان والسخام. وتظهر الافلام المصورة عشرات المستوطنين وهم يرتدون سترات داكنة ويتسلقون التلة. وقد قدم قيس الذي كان موجود مع والده في البيت شهادته وقال: “كان الامر مخيف جدا. امتلأ البيت بالدخان وشعرنا بأننا نختنق. ولكننا خشينا الخروج الى الساحة قبل وصول الجيش بسبب المستوطنين”. وقال ان القوات وصلت بسرعة نسبية، 20 دقيقة تقريبا. بعد ذلك فقط، حسب قوله، تجرأ هو ووالده على الخروج.

“لم يكن امامنا خيار آخر”، قال. “كانوا سيقومون بقتلنا لو أننا خرجنا. بعد خروجهم فضلنا البقاء في وسط الدخان. الجنود الذين وصلوا بعد اندلاع الحريق، اثناء مطاردة المستوطنين عثروا على سيارات هربت من المنطقة، ولكن الجنود لم يقوموا باعتقال ألا أحد المسافرين وسمحوا للآخرين بالمغادرة بدون التعرف على هوياتهم. وفي افلام اخرى تمت مشاهدة موكب طويل من المستوطنين وهم يهربون من المنطقة سيرا على الاقدام”.

ان عجز الجيش عن اعتقال المستوطنين لا يعتبر حادث فريد، بل هو أمر معتاد، كما توقع طاقم “هآرتس” نفسه. “لمدة اسبوع ونصف كنا نتصل بمركز تنسيق مكافحة الشغب عندما يقترب المستوطنون من البيوت. الجيش يصل، لكن المستوطنين لا يحسبون أي حساب له”، قال احد ابناء العائلة في شهادته. “الجنود يحاولون طردهم، ولكنهم ضعفاء امامهم. في نهاية المطاف يتمكنون من ابعادهم قليلا، فيتجهون الى البؤرة الاستيطانية، وبعد مغادرة الجنود يرجع المستوطنون”. وقد وصف احد ابناء العائلة الوضع وقال: “هذا قد يحدث 4 – 5 مرات في اليوم. الشرطة تعجز ايضا عن مواجهتهم. عندما نتصل بالشرطة تقول لنا بأن هذه المنطقة غير تابعة لها، وأن الجيش هو المسؤول عنا. المستوطنون لا يخافون من الجنود، بل يخافون من حرس الحدود، لكنهم لا يرسلونهم الى هنا”.

واكد شخص آخر من عائلة طوباسي وقال: “الاكثر اهمية بالنسبة لنا هو اخلاء البؤرة الاستيطانية. لا توجد طريقة اخرى لنعيش بأمان وأن نرجع عائلاتنا اذا لم يفعلوا ذلك. المستوطنون يريدون طردنا من هنا وتنظيف المنطقة واخراجنا منها. أنا لا اعرف لماذا لا تفعل الشرطة أي شيء، ولا اعرف كيف يتصرفون بهذه الطريقة. المستوطنون يستخفون بالجيش وكأنهم فوق القانون”. شخص آخر من العائلة قال: “الشعور صعب جدا، هذا قمع. من الظلم مشاهدة اشخاص يحاولون طردك، يقتحمون بيتك ويشعلون النار فيه وهم يبعدون 150 متر عنك ولا أحد يقوم بوقفهم”.

وقد جاء من الجيش الاسرائيلي ردا على ذلك: “في معظم التقارير التي وصلت قبل الحادثة التي اشعل فيها مدنيون اسرائيلي النار في احد البيوت، وصلت القوات الى المكان وأجرت عملية تفتيش دقيقة ولكنها لم تعثر على أي شيء. وفي هذه التقارير ذكر وصول القوات وقيامها بفض المواجهات واعادة النظام للمنطقة. اضافة الى ذلك قامت قوات الامن بفرض حظر لمواقع البناء غير القانوني قبل بضعة ايام. وقد عاد المدنيون الاسرائيليون الى البؤرة الاستيطانية من جديد، وسيتم تنفيذ عملية اخلاء اخرى وفقا لتقييم الوضع. أما بخصوص الادعاء المتعلق باخلاء موقع البناء المذكور، نحن نؤكد على ان اخلاء هذا الموقع، مثل مهمات اخرى للجيش الاسرائيلي في الضفة الغربية، يتم حسب تقييم الوضع العملياتي واولويات مهمات الجيش العملياتية الكثيرة”.

بخصوص حادثة الحريق المتعمد في يوم الاثنين قالوا في الجيش: “عند وصول القوات اتخذ قرار ميداني باطفاء الحريق في المبنى المشتعل في البداية، حفاظا على الارواح وبعد ذلك تحديد مكان المشتبه فيهم. نحن نؤكد على انه تم اعتقال اسرائيلي مشتبه فيه وتم نقله الى مركز الشرطة لاستكمال الاجراءات. وتم تسليم المواد والوثائق للشرطة الاسرائيلية من اجل اجراء المزيد من التحقيقات. لم تترك قوات الجيش الاسرائيلي المنطقة في يوم الاثنين، بل بقيت هناك من اجل الحفاظ على النظام ومنع أي تجمع أو مواجهات أو هجمات اخرى، من اجل حماية السكان. اضافة الى ذلك اجرت قوات الامن، تحت حماية قوات الجيش الاسرائيلي، تحقيق ميداني في الحادث أول أمس وأمس”.

——————————————

هآرتس 30/4/2026 

الانسحاب من اوبيك يشهد: الامارات تستعد لليوم التالي بدون الجيران

بقلم: تسفي برئيل 

لقد تم عقد اول امس الثلاثاء قمة خليجية في جدة في السعودية، وكان من المفروض ان يكون هذا اللقاء، لقاء دعي اليه قادة الدول الستة الاعضاء في مجلس التعاون الخليجي، حيث كانوا ياملون صياغة استراتيجية جديدة وتحديد اساليب العمل والسياسة المطلوبة للتعامل مع التهديد الايراني.

ولكن كان من الصعب التوصل الى ارضية مشتركة في هذا اللقاء، وتحديد بادرات استراتيجية جديدة. واوضح المتحدثون بان “سياسة الاحتواء” التي تبنتها دول الخليج في مواجهة وابل الصواريخ والطائرات المسيرة الذي تعرضت له لم تعد ناجعة. ولكن الاقتراحات الرئيسية للتعامل مع هذا التهديد تمثل من جديد في “جهود مشتركة تشمل النشاطات الدبلوماسية الى جانب التفوق العسكري”، ناهيك عن اقامة نظام انذار مبكر مشترك لكل الدول، وبناء خط انبوب مياه يربط بين الدول لمواجهة خطر تضرر محطات تحلية المياه التي توفر حوالي 90 في المئة من المياه الصالحة للشرب في هذه الدول.

حتى ابسط القواسم المشتركة طغى عليها غياب حاكم دولة الامارات محمد بن زايد، الذي اكتفى بارسال وزير خارجيته عبد الله بن زايد. لم تكن سلطنة عمان، التي رفع علمها بالفعل على مدخل قاعة المؤتمرات، مشاركة في القمة على الاطلاق، ولم تكلف وسائل الاعلام فيها نفسها عناء تغطية هذا اللقاء. وتساءل المتصفحون في الشبكات الاجتماعية: هل هذه هي نهاية مجلس التعاون الخليجي؟.

لم تكن هناك حاجة الى الانتظار حتى مؤتمر جدة من اجل ملاحظة الشروخ العميقة التي تفتت هذا الكيان الذي تاسس في 1981 من اجل ترسيخ اطار اقتصادي مشترك، والذي كان يطمح ايضا الى التطور الى اطار عسكري وسياسي موحد. وقد اتسمت ملامح المجلس منذ اقامته بانقسامات عميقة ومنافسات حادة، شخصية وسياسية، بين اعضاءه. ولكن اذا كان الاعتقاد في البداية ان الحرب ضد ايران واغلاق مضيق هرمز، وبعد ذلك فرض الحصار الامريكي، ستوحد الصفوف وتشكل تحالف عسكري، أو على الاقل اطار تعاون سياسي، فان السمة الرئيسية للاستراتيجية الجديدة هي الان ان العمل المستقل لكل دولة سيكون السمة الابرز.

تقود أبو ظبي هذا التوجه حيث ترسم، عبر خطوات مدروسة، الخطوط العريضة التي ستحدد على الارجح طريقة تعامل دول الخليج الاخرى مع ايران. ويعتبر انسحابها في 1 أيار من “اوبيك” و”اوبيك+” – التي تصدر دولهما الاعضاء بين 40 في المئة لاوبيك و60 في المئة لاوبيك+ من اجمالي نفط العالم، وتمتلك حوالي 80 في المئة من احتياطي النفط العالمي، يعتبر خطوة اقتصادية في المقام الاول، تضعضع ليس فقط اوبيك، بل سوق النفط العالمي كله.

وعلى الرغم من ان اوبيك لا تحتكر تسويق النفط، وأن نفوذها محدود مقارنة مع ما كانت عليه في سبعينيات القرن الماضي، الا انها ما زالت هي المنظمة التي تحدد اسعار النفط العالمي. بالنسبة لدولة الامارات، فان الانسحاب من اوبيك يعني التحرر من قيود حصة الانتاج التي تفرضها على كل دولة عضوة. ويتم تحديد الحصة التي تلتزم أبو ظبي بانتاجها بـ 3.4 مليون برميل في اليوم، في حين ان طاقتها الانتاجية هي 4.8 مليون برميل في اليوم. ورغب دولة الامارات في استغلال طاقة الانتاج هذه على الفور بعد انتهاء عضويتها في اوبيك.

لكن تجاوز الحصة قد يشعل “حرب نفط” موجهة مباشرة للسعودية، التي تسيطر بالفعل على قرارات “اوبيك”، وبالتالي، هي التي تحدد سعر السوق. ورغم ان المنافسة في الاسعار تعتبر نبأ مفرح للمستهلكين وللدول المتعطشة للطاقة الرخيصة، الا ان ذلك بالنسبة لمنتجي النفط، لا سيما السعودية (التي تحافظ على حصة انتاج تبلغ 9.3 مليون برميل في اليوم)، قد يؤدي الى انخفاض قيمة ايراداتها وعجز كبير في الميزانية والغاء خطط التنمية، وعلى رأسها رؤية محمد بن سلمان “2030”، التي تعاني الان في الاصل من تجميد جزئي.

في الوقت الذي ما زال فيه مصير ازمة مضيق هرمز مجهول، حيث يمنع الحصار المزدوج المفروض عليه حاليا أي دولة من هذه الدول من تسويق كل انتاجها من النفط، الا انه في حالة التوقيع على اتفاق مع ايران حول رفع العقوبات، سيتم ضخ 2 – 3 مليون برميل اضافي كل يوم للسوق في المرحلة الاولى. وتستعد أبو ظبي للمرحلة التالية.

ربما ان الامارات العربية قد قررت الانسحاب من “اوبيك” حتى قبل اندلاع الحرب، حيث طالما اعتبرت نفسها دولة “مستضعفة” لا يسمح لها بسبب عضويتها في المنظمة وسيطرة السعودية عليها، باستغلال كل طاقتها الانتاجية من النفط. ولكن الحرب عززت موقفها بقوة ودفعتها الى اتخاذ هذا القرار الان. يوجد لأبو ظبي تاريخ طويل من الخلافات الحادة مع السعودية قبل فترة الحرب.

لقد ادت الازمة في العلاقة بين الدولتين بسبب ادارة الازمة في اليمن والسودان، الى وضع الدولتين “الشقيقتين” على طرفي نقيض، ووصلت الى ادنى مستوى لها على الاطلاق عندما شن سلاح الجو السعودي في كانون الاول الماضي هجوم على قوات “المجلس الانتقالي الجنوبي”، وهو المنظمة التي تعمل برعاية وتمويل أبو ظبي، وتعمل على اعادة تاسيس جنوب اليمن كدولة مستقلة.

في اعقاب هجوم السعودية المذكور انسحبت القوات اليمنية من المواقع الاستراتيجية التي كانت تحتلها، وايضا قوات الامارات التي كانت تدعمها. وحسب تقارير في الشبكات الاجتماعية فانه لم يتحدث ابن سلمان وابن زايد منذ ذلك الحين، حتى 28 شباط، وهو موعد بدء الحرب مع ايران. ولكن حتى هذه المكالمة لم تنه الخلافات ولم توحد الصفوف.

أبو ظبي، التي كانت ثاني اهم شريك تجاري لايران واستضافت حوالي 8 آلاف شركة ايرانية على اراضيها، وخرقت العقوبات الامريكية عندما اصبحت بمثابة “ميناء رئيسي” للبضائع القادمة لايران، كانت في طليعة الدول التي طالبت بعمل عسكري حاسم ضد ايران في بداية الحرب. وقد طلب ابن زايد، سواء بشكل مباشر أو من خلال السفير في واشنطن يوسف العتيبة المقرب من البيت الابيض، من ترامب “استكمال المهمة” في ايران.

في المقال الذي نشره العتيبة في “وول ستريت جورنال” في شهر آذار الماضي كتب: “هذه الحرب تتطلب نتيجة حاسمة تعالجة سلسلة التهديدات الايرانية بالكامل”. ولكن ابن زايد، الذي تعهد باستثمار تريليون دولار تقريبا في الولايات المتحدة، يجد ان الدعم الاقتصادي الذي قدمه ترامب لن يحقق النتيجة المامولة.

في غضون ذلك لم تقطع السعودية، التي تعرضت هي الاخرى لضربات قاسية من ايران، علاقاتها مع طهران، وتواصل أبو ظبي محادثاتها مع وزير خارجية ايران عباس عراقجي وتدعم جهود وساطة باكستان وتلتزم بما تعتبره “سياسة احتواء” تجاه ايران. ولكن أبو ظبي تستهدف الان باكستان وليس الرياض.

تستخدم أبو ظبي نفوذها الاعلامي لتصفية حساباتها مع الدول العربية، التي لم تقف الى جانبها واكتفت بالتنديد ولم تقف قواتها ضد ايران، ولديها حساب منفصل مع باكستان. فباكستان ليست حليف عسكري فقط للسعودية بموجب الاتفاق الذي وقع بينهما في السنة الماضية، بل هي في الحرب ضد ايران اظهرت موقف محايد ولم تتجند للمساعدة في الدفاع ضد الهجمات الايرانية، بل لعبت دور الوسيط الرئيسي بين الولايات المتحدة وايران.

وقد لوحت أبو ظبي بسيفها الاقتصادي، وطلبت من باكستان تسديد بشكل فوري قرض بمبلغ 3.5 مليار دولار، كان جزء من المساعدات المتواصلة التي قدمتها الامارات لباكستان. وقد كان الهدف منه موازنة الميزانية وتمويل النشاطات الجارية. وبسرعة قامت السعودية بايداع 3 مليارات دولار في البنك المركزي الباكستاني، الامر الذي مكن باكستان من تسديد الدين. ولكن هذه الخطوة كانت بمثابة تصعيد سياسي آخر بين الرياض وأبو ظبي.

رغم ان تبادل الضربات بين السعودية والامارات يشير الى ان توقع تشكيل “محور” أو “تحالف” عسكري اقليمي ضد ايران ما زال بعيد المنال، الا ان ذلك لا يغني عن استراتيجية ناجعة للتعامل مع ايران، لا سيما في ظل غموض توجه ترامب تجاههما وايضا تجاه كل العالم.

——————————————

اسرائيل اليوم 30/4/2026 

احتلت إسرائيل المرتبة الثالثة عالميًا في الإنفاق الدفاعي

بقلم: دودي كوغن

مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، أدرك الجميع ضرورة الاهتمام بأمنهم. في أوروبا، وعلى خلفية الحرب في أوكرانيا والتهديد الروسي، قفز الإنفاق الدفاعي بأسرع وتيرة منذ عام 1953. في الشرق الأقصى، تتجه اليابان نحو التخلي عن السلمية، وتستعرض الصين قوتها. بينما تحتل إسرائيل المرتبة الثالثة عالميًا في الإنفاق الدفاعي نسبةً إلى الناتج المحلي الإجمالي.

الأرقام وراء سباق التسلح العالمي

2.887 مليار دولار – هذا هو المبلغ الذي أنفقته دول العالم على الدفاع في العام 2025، بزيادة قدرها 2.9 في المئة مقارنةً بـالعام 2024، والعام الحادي عشر على التوالي من الزيادات. هذا ما جاء في التقرير السنوي لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، الذي نُشر هذا الأسبوع. إن التباطؤ الظاهر في معدل النمو السنوي – 2.9 في المئة هذا العام مقارنةً بـ 9.7 في المئة في عام 2024 – مُضلل، إذ يعود أساسًا إلى انخفاض الإنفاق الدفاعي بنسبة 7.5 في المئة من قِبل الولايات المتحدة، أكبر مُنفق في العالم، والتي أوقفت تمويل المساعدات العسكرية لأوكرانيا.

وراء هذه الأرقام تكمن دراما أكبر: موجة التسلح، التي بدأت في العقد الماضي واكتسبت زخمًا في عام 2022 مع غزو أوكرانيا، اشتدت هذا العام بسبب الاعتقاد السائد ببدء حقبة سياسية جديدة. وكان العامل المُحفز هو عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، الأمر الذي قوّض النظام العالمي وأضفى شعورًا بالإلحاح على جهود التسلح.

ان الاستنتاج الذي توصلت إليه العديد من الدول هو: من الآن فصاعدًا، على كل دولة أن تعتني بنفسها. لقد قادت أوروبا عملية تعزيز القدرات العسكرية العام الماضي، بزيادة قدرها 14 في المئة لتصل إلى 864 مليار دولار أمريكي، وهو أسرع معدل نمو بين دول حلف الناتو الأوروبية منذ العام 1953. وقد أدى إدراك القارة الأوروبية أنها ستضطر للدفاع عن نفسها حتى بدون الولايات المتحدة، في ظل تهديدات ترامب المتكررة بالانسحاب من حلف الناتو وضغط إدارته على الاتحاد الأوروبي لتحمل عبء هذه النفقات، إلى سلسلة من القرارات غير المسبوقة.

 أوروبا تستيقظ

كما سجلت آسيا والمحيط أكبر زيادة في الإنفاق العسكري خلال 16 عامًا، بنسبة 8.1 في المئة، ليصل إلى 681 مليار دولار أمريكي، حيث يزيد حلفاء الولايات المتحدة في الشرق من إنفاقهم نتيجة لتصاعد التوترات مع الصين، والشكوك التي يثيرها ترامب حول التزام الولايات المتحدة.

سيُذكر يوم 28 شباط 2025 باعتباره اليوم الذي أدركت فيه أوروبا أنها وحيدة: فقد شكّلت المشادة الكلامية الحادة في القاعة البيضوية بين ترامب ونائبه جيه دي فانس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والتي تحولت إلى تبادل للشتائم، نهاية حقبة الدفاع الأمريكي التلقائي عن القارة في الخطاب العام. ومنذ ذلك الحين، شكك الرئيس الأمريكي في التزام دول الناتو بالأمن المشترك، وعرض التزام الولايات المتحدة بضمانات محدودة، بل وهدد ضمنيًا بغزو عسكري لغرينلاند – وهي منطقة تخضع للسيادة الدنماركية، وبالتالي فهي أوروبية.

وإلى الشرق، واجهت القارة حربًا روسية “هجينة” متصاعدة: ففي أيلول الماضي، اجتاحت طائرات مسيرة مجهولة الهوية سماء كوبنهاغن وأوسلو ووارسو وبروكسل، مما أدى إلى إغلاق المطارات وتعطيل الحياة المدنية. وتشير تقديرات الاستخبارات في القارة إلى أن العام 2029 هو الموعد المستهدف الذي حدده فلاديمير بوتين لجيشه – الذي يكافح لتغطية أكثر من بضعة كيلومترات سنويًا على الجبهة الأوكرانية – ليكون جاهزًا للمواجهة مع الدول الأوروبية. إذا كانت أوروبا، منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، تبدو وكأنها تكافح للاستيقاظ، فقد استيقظت هذا العام دون خيار آخر. ففي قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في لاهاي في حزيران، تعهد الحلف برفع هدف الإنفاق الدفاعي من 2 في المئة إلى 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035. وفي آذار، قدم الاتحاد الأوروبي خطة تسليح بقيمة 800 مليار يورو بحلول عام 2030. كما أصبح تمويل المساعدات العسكرية لأوكرانيا مسؤولية أوروبية. وفي العديد من دول القارة، بما فيها فرنسا وبريطانيا، عادت مسألة كيفية تجنيد أعداد كافية من الجنود للجيش في حال نشوب حرب إلى الواجهة، وتم إطلاق برامج جديدة لتشجيع التجنيد الإجباري.

 أبرز الدول

برزت دولتان بشكل خاص. احتلت ألمانيا المرتبة الرابعة عالميًا من حيث الإنفاق الدفاعي هذا العام، بعد الولايات المتحدة والصين وروسيا: فقد أنفقت 114 مليار دولار في عام 2025 – بزيادة قدرها 0.24 في المئة. ووعد المستشار فرايدرايخ ميرز بجعل الجيش الألماني “أقوى جيش تقليدي في أوروبا”، ووافق على نموذج تجنيد جديد لزيادة عدد أفراد الجيش، وأعفى الإنفاق الدفاعي من الحد الدستوري للدين. ولا تواجه ألمانيا قيودًا مالية باهظة فحسب، بل تواجه أيضًا تبعات الماضي التي جعلت المشاركة العسكرية شبه مستحيلة.

من جهة أخرى، تقود بولندا تعزيز القدرات العسكرية في حلف الناتو منذ سنوات، مع الاعتقاد بأنها قد تكون الهدف التالي لبوتين بعد أوكرانيا. خصصت وارسو 46.8 مليار دولار أمريكي لعام 2025، بزيادة قدرها 23 في المئة، مكملةً بذلك قفزة بلغت 207 في المئة خلال العقد الماضي. ويُعدّ عبء الدفاع لديها، الذي يُمثل 4.5 في  المئة من الناتج المحلي الإجمالي، الأعلى في الحلف.

وفي إطار عملية شراء ضخمة، طلبت وارسو مئات دبابات أبرامز من الولايات المتحدة وألف دبابة كي 2 من كوريا الجنوبية. وقد حدد رئيس الوزراء دونالد توسك هدفًا لزيادة قوام الجيش من 200 ألف إلى 500 ألف جندي، بل وتطرق إلى ضرورة الردع النووي.

أما أوكرانيا، التي تخوض حربًا ضد الجيش الروسي منذ أكثر من أربع سنوات، فقد تصدرت قائمة الدول الأكثر إنفاقًا على الدفاع، حيث بلغ إنفاقها الدفاعي حوالي 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

 الشرق والولايات المتحدة

في الشرق الأقصى، قفز الإنفاق بنسبة 8.1 في المئة، وهي أسرع وتيرة منذ عام 2009. والسبب: مزيج من تنامي القوة العسكرية الصينية، التي ارتفع إنفاقها الدفاعي بنسبة 7.4 في المئة ليصل إلى 336 مليار دولار، إلى جانب شكوك ترامب بشأن التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها. وتشير وكالات الاستخبارات إلى أن عام 2027 هو الموعد الذي سيصدر فيه الرئيس الصيني شي جين بينغ أوامره لقواته العسكرية للاستعداد للاستيلاء على تايوان بالقوة.

وتتصدر اليابان المشهد بإنفاقها 62.2 مليار دولار، بزيادة قدرها 9.7 في المئة، وهي أعلى نسبة من الناتج المحلي الإجمالي تُخصصها للدفاع منذ عام 1958، حيث بلغت 1.4 في المئة. وتتبنى رئيسة الوزراء، تاكايتشي، أول امرأة تشغل هذا المنصب، والتي حققت مؤخرًا فوزًا تاريخيًا في الانتخابات، نهجًا متشددًا، وتدعم تعديل الدستور السلمي، ودخلت في مواجهة دبلوماسية حادة مع الصين بشأن تايوان، كما وافقت مؤخرًا على تخفيف قيود صادرات الأسلحة اليابانية بشكل كبير.

في المقابل، سجلت الولايات المتحدة انخفاضًا بنسبة 7.5 في المئة، ويعود ذلك أساسًا إلى توقف تمويل المساعدات لأوكرانيا، والذي بلغ 127 مليار دولار في السنوات الثلاث الماضية. ولا يُعد هذا انخفاضًا عامًا، فقد تجاوزت ميزانية الدفاع التي أقرها الكونغرس لعام 2026 تريليون دولار، ويرغب ترامب في رفعها إلى 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2027، وهو أعلى مستوى في تاريخ الولايات المتحدة.

إيران وإسرائيل

لقد انخفض الإنفاق الدفاعي الإيراني بنسبة 5.6 في المئة هذا العام ليصل إلى 7.4 مليار دولار، وسط تضخم حاد في البلاد (42 في المئة) أدى إلى تآكل قيمة الريال الإيراني وتقليص الميزانية الفعلية المتاحة للمؤسسة الأمنية. ومع ذلك، يؤكد الباحثون على أن “الأرقام الرسمية تُظهر على الأرجح إنفاقًا أقل من الإنفاق الحقيقي، إذ تستخدم إيران عائدات النفط خارج الميزانية لتمويل جيشها، بما في ذلك إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة”. عمليًا، زادت ميزانية إنتاج الطائرات المسيّرة بنسبة 50 في المئة، وميزانية إنتاج الصواريخ الباليستية بنسبة 44 في المئة في حين سجلت إسرائيل في عام 2024 أكبر قفزة في الإنفاق الدفاعي منذ حرب الأيام الستة، انخفض هذا الإنفاق هذا العام بنسبة 4.9 في المئة ليصل إلى 48.3 مليار دولار، لتحتل بذلك المرتبة الحادية عشرة عالميًا من حيث القيمة المطلقة. ويُفسر هذا التراجع النسبي بانخفاض حدة القتال في غزة بعد وقف إطلاق النار، لكنه يُشير إلى أن حرب الأيام الاثني عشر مع إيران في حزيران والتوقف العملياتي في لبنان وسوريا ما زالت تُلقي بظلالها الثقيلة. في الواقع، تضاعفت الميزانية تقريبًا مقارنةً بعام 2022 – بزيادة قدرها 97 في المئة – وهي أعلى بنسبة 120 في المئة مما كانت عليه في عام 2016. ولا تزال إسرائيل تحتل المرتبة الثالثة عالميًا من حيث العبء الأمني: 7.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أوكرانيا (40 في المئة) والجزائر (8.8 في المئة).

ويؤكد الباحثون أن من المتوقع أن يتفاقم هذا التوجه في عام 2026 وما بعده: فخطط التوريد طويلة الأجل لدول الناتو، والأهداف التي وضعتها لنفسها، ما زالت بعيدة عن التحقق، والصراعات الإقليمية لم تنتهِ بعد. من أوكرانيا، مرورًا بتايوان، وصولًا إلى الشرق الأوسط.

——————————————

هآرتس 30/4/2026 

بغياب حل للازمة في ايران إسرائيل تغرق في حرب استنزاف في لبنان

بقلم: عاموس هرئيلِ 

يتوافق تقرير صحيفة “وول ستريت جورنال”، الذي نشر أمس مع تقديرات مصادر في اسرائيل: الرئيس الامريكي دونالد ترامب يتجنب حاليا الخيارين. يبدو ان ترامب لا يهتم في هذه المرحلة باستئناف الحرب الكثيفة ضد ايران. ومن جهة اخرى هو يخشى الانسحاب من الخليج الفارسي بدون اتفاق يحد من قدرة النظام في طهران على استئناف مشروعها النووي. رافضا الخيارات الاخرى، يتمسك الرئيس حاليا بالمسار الذي اختاره في بداية هذا الشهر – مواصلة الحصار البحري جنوب مضيق هرمز (بينما تتخذ ايران خطوة مشابهة في المضيق نفسه)، على امل ان يتم التوصل في وقت ما الى نقطة انكسار، ويتراجع النظام تحت وطأة الضغط الاقتصادي المستخدم عليه.

يحتاج استمرار الحصار من قبل الولايات المتحدة الى نشر قوات بحرية اضافية قرب الخليج. ما زال الحشد العسكري في كل انحاء الشرق الاوسط قائم ويشمل عشرات السفن ومئات الطائرات وآلاف الجنود. ويكفي النظر الى عدد طائرات التزويد بالوقود الامريكية التي تتركز في مطار بن غوريون لفهم ان الجيش الامريكي ما زال على اهبة الاستعداد لاحتمالية تجدد التصعيد العسكري. ومع ذلك فان تردد ترامب في استئناف القتال، الذي ينطوي على تكلفة اقتصادية باهظة ويكلفه ايضا خسارة تاييد الناخبين، لم يعد يخفى على احد.

يحاول الرئيس الامريكي التغلب على هذه الصعوبة من خلال تقديم معلومات مضللة للرأي العام في امريكا، كعادته. فقد اعلن مؤخرا بان ايران قد تراجعت، وتتوالى التقديرات من الادارة الامريكية بشان تليين وشيك متوقع لمواقف ايران في ضوء الضغوط الاقتصادية. عمليا، يصعب التنبؤ أي طرف سينهار اولا. هذا رغم ان الضرر الذي لحق بالاقتصاد الايراني اكبر بكثير، وان الخيارات المتاحة للولايات المتحدة اوسع، حتى بعد اغلاق مضيق هرمز.

حتى الان لا تظهر طهران أي استعداد للتراجع عن مواقفها، وقد طرحت بالفعل خيارات للتوصل الى اتفاق: ضخ اموال (20 – 27 مليار دولار، من الاموال المجمدة لايران)، مقابل تنازل بشان مخزون اليورانيوم المخصب الذي يبلغ 440 كغم، والفصل بين رفع الحصار البحري المتبادل في المرحلة الاولى من المفاوضات والانخراط في مفاوضات نووية في المرحلة الثانية. وحتى الان لا توجد تقارير عن احراز أي تقدم، وتصريحات ترامب المتكررة تعكس على الاغلب الاحباط من عدم القدرة على تحقيق انفراجة. المماطلة التي يتبعها ترامب تبقي اسرائيل في حالة انتظار طويلة. ايضا وقف اطلاق النار الذي اعلنه مع طهران قبل ثلاثة اسابيع، اوقف ايضا الهجمات الاسرائيلية على ايران، ووفر موارد سلاح الجو للحملة التي ما زالت جارية، حتى لو كانت اقل شدة، ضد حزب الله في لبنان، ومكن من تخفيف العبء بدرجة معينة على جنود الاحتياط في المقرات الرئيسية. لكن ما زال يجب على الجيش الاسرائيلي ابقاء تشكيلاته الكبيرة في حالة تاهب قصوى نظرا لخطر تجدد الصراع مع ايران.

يوصي رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الرئيس ترامب بتصعيد الضغط على ايران، حتى لو كان ثمن ذلك استئناف الحرب. في ظل الواقع الحالي يواجه نتنياهو صعوبة في تسويق نجاحه في ايران للراي العام في اسرائيل. فقد تم القضاء على عدد كبير من كبار مسؤولي النظام في ايران، ولحقت اضرار كبيرة بالقدرات العسكرية والصناعية الايرانية، ولكن النظام ما زال قائما، وخلافا للتوقعات السابقة هو لا ينهار. كما ان الاخطار التي يشكلها السلاح النووي والصواريخ البالستية ما زالت على حالها.

ويزيد غياب الحل في ايران صعوبة تحقيق الاستقرار في لبنان ايضا. ورغم اعلان ترامب عن تمديد وقف اطلاق النار هناك، الا انه لا يتم الالتزام به عمليا، والطرفان يقومان بخرقة. وقد كشف حزب الله مؤخرا عن نقطة ضعف في استعدادات اسرائيل عندما بدأ في تشغيل الطائرات المسيرة التي تتصل بالالياف البصرية. وتنجح هذه الطائرات في التهرب من رادارات الجيش الاسرائيلي، ومن معظم محاولات اسقاطها من خلال استخدام الحرب الالكترونية.

يحصي الجيش الاسرائيلي جثث الارهابيين القتلى – اكثر من 1500 قتيل حسب تقديره منذ بداية شهر آذار الماضي – وهو يتفاخر بتدمير منشآت تحت الارض ومخازن سلاح. لكن الصورة واضحة لمن يتحدثون مع المقاتلين المغادرين للبنان. فقد تقلص حجم القوات بشكل كبير منذ وقف اطلاق النار، وتراجعت شدة المواجهات العسكرية مع حزب الله في جنوب لبنان، ويركز جزء كبير من العمليات الان على تدمير البيوت في القرى. هذه ليست صورة انتصار على حزب الله، رغم التفاوت الواضح في القدرات والخسائر بين الطرفين. هذه حرب استنزاف لم تكن مخطط لها مسبقا، وهي تهدد بالتحول الى صراع بعيد المدى ينتهي باقامة منطقة امنية جديدة. ومشكوك فيه اذا كانت هذه المنطقة ستلبي الوعد المتجدد بتحقيق الهدوء للمستوطنات على الحدود مع لبنان.

——————————————

يديعوت احرونوت 30/4/2026 

هكذا يتصدى الجيش الإسرائيلي لتهديد حزب الله

بقلم: اليشع بن كيمون

في جنوب لبنان، لا يُسمع صدى الانفجارات أو ضجيج الأسلحة الثقيلة فحسب، بل يُسمع أيضًا، وربما على وجه الخصوص، أزيز الطائرات المسيّرة المتفجرة المألوف، الأداة التي أصبحت سلاح حزب الله الأكثر فعالية، وأحد أخطر التهديدات التي تواجه مقاتلي الجيش الإسرائيلي على خط المواجهة.

في ظل غياب حلٍّ متكاملٍ من القيادة العليا للجيش الإسرائيلي، تبرز مبادرات محلية من المقاتلين في الميدان الذين يحاولون حماية أنفسهم أثناء القتال. إحدى هذه الأفكار هي بناء شبكة حول المركبات لاحتجاز الطائرات المسيّرة المتفجرة ومنعها من الانفجار على القوات.

يحاول عدد من المقاتلين، وخاصةً جنود الاحتياط، إيجاد حلول ميدانية. وقد أجرى بعضهم تجارب عملية، فعلى سبيل المثال، قام جنود احتياط من اللواء الثالث، الذين يتعاملون مع طائرات جمهورية كوريا المسيّرة (الأقرب إلى الأرض) منذ عامين ونصف، بتجربة نشروا فيها شبكة فوق مركبة هامر، وأطلقوا طائرة مسيّرة، وتمّ احتجازها. هل هذه الطريقة فعّالة عمليًا؟ من السابق لأوانه الجزم بذلك.

إضافةً إلى ذلك، يركز القادة على تحسين عمليات الجنود والتمويه المناسب. توجد وحدات في الجيش الإسرائيلي متخصصة في التمويه، مما يُصعّب المهمة على حزب الله. فلا عجب إذن أن معظم الفيديوهات والهجمات تستهدف المركبات الثقيلة، ونادرًا ما تستهدف القوات المتحركة في الميدان.

علاوة على ذلك، يركز القادة على تحسين عمليات الجنود والتمويه المناسب. لمواجهة خطر الطائرات المسيّرة، يتحرك مقاتلو حزب الله بطريقة خاصة في الميدان، متخفين تحت جنح الظلام وفي أماكن معتمة كالظلال وغيرها. ولا يقتصر نشر الشباك على المركبات الثقيلة فحسب، بل يشمل أيضاً المواقع والمدافعين، لا سيما داخل الخط الأصفر.

في الوقت نفسه، يخفف ضابط رفيع من حدة ما وصفه بالهستيريا بشأن الطائرات المسيّرة، قائلاً: “هذا تهديد معقد للغاية يجب التعامل معه. في النهاية، علينا أن نتذكر أن حزب الله لا ينشر إلا “النجاحات”. معظم الطائرات المسيّرة تسقط أو تعلق أو يتم اعتراضها بطرق مختلفة. هذا بالتأكيد تهديد يقلقنا، ولكنه يوفر لحزب الله معلومات قيّمة. العدو يدرسنا، ونحن ندرسه. الوضع يتغير باستمرار. نحن نتعامل مع هذا الأمر حالياً، ومقاتلونا يتصرفون وفقاً لذلك.”

مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنه منذ بداية الأسبوع، قُتل شخصان جراء غارة جوية بطائرة مسيّرة. يوم الأحد، قُتل الرقيب عيدان فوكس، جندي في الكتيبة 77 من تشكيل “عاصفة الجولان”، وقبل يومين، قُتل عامر حجيرات، الذي كان يعمل في شركة مقاولات.

 مدى 50 كيلومترًا

يبدو أن الحاجة إلى حل سريع وفعال تزداد أهميةً يومًا بعد يوم في الجيش الإسرائيلي. وقد أصبحت قضية الطائرات المسيّرة أداةً أكثر فعاليةً نظرًا لطبيعة القتال وصياغة “وقف إطلاق النار”، الذي يتمحور أساسًا حول الاتفاقات التي تنص على عدم قيام الجيش الإسرائيلي بمهاجمة وإحباط عمليات عناصره في بيروت، واقتصار هجماته بشكل رئيسي على التهديدات المباشرة في جنوب لبنان (على الرغم من هجوم واحد في البقعة هذا الأسبوع) – في حين لا يطلق حزب الله صواريخ في عمق الشمال.

لهذا السبب، تركز الحملة ضد خطر الطائرات المسيّرة بشكل أساسي على الدفاع بدلًا من الهجوم. يعكف جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي وجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي على وضع خطة لاستهداف ما يسميه الجيش الإسرائيلي “سلسلة القيمة”، أي استهداف عناصر التوصيل – وهم المحترفون الذين يتعاملون مع الطائرات المسيّرة والشبكة البشرية الكاملة لمنظمة حزب الله. ولكن في الوقت الراهن، وبسبب الحصار الأمريكي، لا توجد أي قدرة على تصفية كبار المسؤولين.

لقد استثمر الجيش الإسرائيلي مليارات الدولارات على مدى سنوات في أنظمة اعتراض متطورة، وصواريخ دقيقة، وقدرات استخباراتية تضاهي قدرات القوى العظمى. ولكن عندما قرر حزب الله، بذكاء بسيط وقاتل، خفض ارتفاع تحليقه والتحول إلى استخدام طائرات مسيّرة مزودة بألياف بصرية تجعل من الصعب رصدها واعتراضها، وجدت إسرائيل نفسها في موقف التعامل مع تهديد “بسيط” يعرقل جميع خطط العمل.

أفادت مصادر لبنانية أن حزب الله قام بتخزين كميات هائلة من الطائرات المسيرة المزودة بتقنية الرؤية من منظور الشخص الأول (FPV) خلال الأشهر الأخيرة، وذلك في إطار تعزيز قدراته العسكرية. وقد دخلت هذه الطائرات إلى لبنان بكميات كبيرة دون أي اعتراض من إسرائيل. وذكرت قوات الأمن اللبنانية أنه في حزيران الماضي، تم ضبط شحنة واحدة من بين عشرات الشحنات التي تضم 5000 طائرة مسيرة. هذه الطائرات قادرة على الطيران لمسافة تصل إلى 50 كيلومترًا وحمل حمولة متفجرة تزن 7 كيلوغرامات. ومنذ إعلان وقف إطلاق النار قبل 15 شهرًا، لم يتوقف حزب الله عن العمل، بل قام بتطوير أسطول طائراته المسيرة بشكل كبير. وتُعد هذه الطائرات رخيصة نسبيًا، ولذلك يفضلها الحزب الإرهابي على استخدام الصواريخ بعيدة المدى أو قاذفات آر بي جي. ويجري تصنيع هذه الطائرات وتطويرها في مصانع جنوب لبنان، حيث يضيف الإرهابيون مكونات مثل الزلاجات والكاميرات وحتى المتفجرات. لكن العنصر الأهم تمثل في ابتكار قادم من أوكرانيا، حيث يتم توصيل الطائرة مباشرة بغرفة التحكم عبر الألياف الضوئية. يبلغ طول الليف حوالي 10 كيلومترات، مما يُمكّن الطائرة المسيّرة من الوصول بفعالية إلى أهداف بعيدة دون أن يتمكن جنود الحرب الإلكترونية التابعون للجيش الإسرائيلي من رصدها وإسقاطها.

يُطلق حزب الله طائراته المسيّرة المفخخة من مسافات بعيدة، من مناطق لا يتواجد فيها الجيش الإسرائيلي. قد لا تحمل هذه الطائرات حمولات ضخمة، لكنها تُشكّل مصدر إزعاج كبير وخطير. سبق للجيش الإسرائيلي أن هاجم مختبرات متفجرات كان الإرهابيون يُجمّعون فيها المتفجرات والمعدات الإضافية على متنها. وتتواجد قوات الحرب الإلكترونية في الميدان لمواجهة التهديد نفسه، ويُطلق حزب الله طائراته المسيّرة باتجاهها أيضًا.

تعمل المؤسسة الدفاعية على إيجاد حلول للطائرات المسيّرة المفخخة على جميع المستويات تقريبًا: من الصناعات الدفاعية، مرورًا بالقيادة العليا للجيش الإسرائيلي وصولًا إلى مستوى قائد السرية – يسعى الجميع إلى التفوق على الآخرين في سباق التسلح.

لقد زار رئيس الأركان، الفريق إيال زمير، أمس، منطقة بلدة الطيبة في جنوب لبنان، وأكد أن الجيش الإسرائيلي يُحافظ على الخط الأصفر – كما حددته القيادة السياسية. قال زمير: “المهمة الموكلة إلينا من قبل القيادة السياسية هي الوقوف على خط المواجهة لمنع إطلاق النار المباشر على المجتمعات. لقد حققنا ذلك، وهذا هو خط المواجهة الذي نلتزم به. قد يُطلب منا البقاء عليه. لن نتسامح مع أي هجمات أو إطلاق نار على مجتمعاتنا، ولن نغادر حتى يتم ضمان الأمن للمجتمعات الشمالية على المدى الطويل.”

وأضاف رئيس الأركان أن الجيش الإسرائيلي يواصل القتال ويعمل على تعزيز الإنجازات العملياتية وحماية القوات. وقال للقوات: “على جبهة القتال، لا يوجد وقف لإطلاق النار. واصلوا القتال، وأزيلوا التهديدات المباشرة وغير المباشرة من المجتمعات الشمالية، ودمروا البنية التحتية للإرهاب، وحددوا مواقع الإرهابيين واقضوا عليهم”.

——————————————

معاريف 30/4/2026

ليس فقط صواريخ وجنود

بقلم: افي اشكنازي

وصول مئات المشاغبين الحريديم مساء أول أمس الى منزل قائد الشرطة العسكرية العميد يوفال يامين في عسقلان ليس اجتيازا لخط أحمر مثلما وصف ذلك رئيس الأركان الفريق ايال زمير. هذا بات فوضى.

لا يمكن فصل هذا الحدث عن كل ما يحصل هنا في السنوات الثلاثة الأخيرة. في بداية الأسبوع جيء بالمشبوه المركزي بقتل شاب يامنو بنيامين زلكا ابن 21 من بيتح تكفا ليمثل أمام قاضي الاعتقالات في المدينة وابلغه بانه لا يعترف بصلاحياته للبحث في الملف.

ان التشكيك بصلاحيات جهاز القضاء يتسلل من سياسيين عديمي الخجل الى أجزاء من المجتمع الإسرائيلي بل والى أبناء الشبيبة. فالخطاب المسموم وعديم اللجام يفكك المؤسسات الأساس للمجتمع الإسرائيلي. لم يعد هذا انقساما بين قبائل شعب إسرائيل – هذا اكثر بكثير.

هذه ليست حقا المرة الأولى التي ينكل فيها جسديا بمقاتلين وقادة في الجيش الإسرائيلي. فالمس بقوات الجيش في المناطق من قبل محافل من اليمين المتطرف هو جريمة قومية. ومن هناك يمتد هذا الى اقتحام لقاعدة سديه تيمان ومعسكر بيت ليد. كما كان أيضا الاعتداء على المجندات في بني براك، وهذه مجرد قائمة جزئية.

لقد تفجر السد منذ زمن بعيد. مثلما في العالم الثالث، يضطر ضباط الجيش الإسرائيلي بان يسيروا برفقة حراس وفي منازلهم يرابط حراس. غير أن إسرائيل لا يمكنها أن تسمح لنفسها بان تكون هناك.

في هذه اللحظة تنتظر إسرائيل نتائج المفاوضات في ثلاث ساحات قتال لا تزال تعرف كمفتوحة: ايران، لبنان وغزة. الامريكيون يديرون الاجراء. فالى اين هذا يتقدم؟ ليس واضحا.

عقد مدير عام وزارة الدفاع اللواء احتياط أمير برعم أمس اجتماعا لكل رؤساء الصناعات الأمنية. وشدد امامهم قائلا: “نحن في وضع طوارئ متواصل وفي سباق نحو تعزيز الجاهزية في المدى الفوري وتثبيت استقلالية الإنتاج لدولة إسرائيل في المدى البعيد. علينا ان نستغل هذه الأيام ونواصل التسريع بكل القوة بوتيرة الإنتاج، في اطار السعي الى الاستقلالية الأقصى من حيث السلاح والعناصر الحرجة كجزء من استراتيجية وزارة الدفاع”.

لقد خطب حسن نصرالله في ملعب بنت جبيل في العام 2000 خطاب بيت العنكبوت الشهير. منذ ذلك الحين صمدت إسرائيل في عدة اختبارات اثبتت بانها اقوى بكثير مما قدر نصرالله.

لكن محظور على إسرائيل أن تكون معتدة بالنفس، بخاصة بعد مذبحة 7 أكتوبر. فهي ملزمة بان تعيد نفسها الى مسار مجتمع قوي ومترابط في اطار مستقر من مؤسسات الدولة.

الجيش الإسرائيلي، جنوده وضباطه يجب أن يكونوا خارج كل محاولة مس. هذا ليس قابلا للجدال على الاطلاق. بالضبط مثلما لا مكان لاقتحام قاعة المحكمة العليا وتشويش المداولات بالهتافات ضد القضاة الى أن يضطر حرس المحكمة لتهريب القضاة.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يجب أن يضرب على الطاولة. ان يطلب من الشرطة التوقف عن رواية القصص حول لماذا لا تقضي على الجريمة ولماذا لا تقدم الى المحاكمة مشاغبين حريديم ولماذا لا تعمل على الحوكمة في الشمال وفي الجنوب.

بدون المناعة وبدون الامن في الشوارع لا يمكن لاي سلاح او طائرات ان يوقف التهديد التالي من ايران، من لبنان، من غزة، من اليمن، من سوريا – ومن أي مكان آخر. الامن القومي ليس فقط جيش مع صواريخ وجنود شجعان.

——————————————-

هآرتس 30/4/2026

يقتلون الأبرياء ويبصقون على الرهبان ويحطمون “تمثال المسيح”.. الجيش الإسرائيلي: نعمل باسم “إله إسرائيل”

بقلم:  يوسي كلاين

لتعرف كل أم يهودية ترسل ابنها للجيش بأنها تسلم مصيره لشخص تختلف يهوديته عن يهوديتها. لتعرف كل أم يهودية بأنه ليس سهلاً على ابنها العلماني التأقلم مع جيش متدين. انتهاكات كثيرة للحقوق الفردية وإقصاء كبير للنساء. الجنود يتم توبيخهم وسجنهم بتهمة المس بالمشاعر الدينية مثل “الحياء” و”غناء النساء” و”العلاقات” التي “تضر” بقيم الجيش الإسرائيلي”.

ما هي قيم الجيش الإسرائيلي؟ البروفيسور آسا كيشر، الذي وضع مدونة أخلاقيات الجيش الإسرائيلي، قال إن قيم الجيش لا تقوم على روح القتال التي تنبع من “حرب الفرائض”. وبحسب كيشر، فإن المصطلحات الدينية، “حرب الفرائض”، لا تناسب دولة ذات سيادة في القرن الحادي والعشرين. ما هي إذاً القيم التي يقوم عليها الجيش لخوض الحرب؟ هل نقاتل دفاعاً عن الوطن، أم أن هناك أهدافاً أسمى؟ في الحرب الأخيرة، كانت الأهداف غامضة ومتغيرة، لم يكن واضحاً ما الذي نقاتل من أجله ومن أجل من، حتى لو كان ذلك لا يشمل الجميع.

كان المتدينون القوميون الذين يعتبرون الخدمة القتالية رسالة يعرفون بالضبط ما الذي يقاتلون من أجله ومن أجل من. وقد مثلهم العميد عوفر فينتر أفضل تمثيل في عملية “الجرف الصامد” عندما قال: يا الله، يا إله إسرائيل، وفقنا في مساعينا التي نحن على وشك خوضها… ضد العدو الذي يلعن اسمك”. والجندي الذي حطم تمثال المسيح، قاتل ضد عدو مقيت. وأيضاً رجال الشرطة الذين منعوا بطريرك اللاتين من دخول كنيسة القيامة، والمتعصبون الذين بصقوا على الرهبان.

جميعهم يقاتلون باسم الله، بما في ذلك حماس وحزب الله. هؤلاء يقاتلون باسم الله بدافع قوي. كانت نسبة القتلى والمكرمين من بينهم أعلى من نسبتهم في السكان خلال الحرب الأخيرة. فهم يعتبرون أنفسهم “النخبة العسكرية الجديدة”، ويشغلون مناصب متوسطة في التسلسل الهرمي العسكري كقادة ألوية وفرق. وقد بثوا روحاً جديدة في الجيش، روح التشدد في تطبيق معاييرهم المتعلقة بالطعام والملابس والسبت في الجيش الإسرائيلي.

الجنود العلمانيون اعتبروا ذلك أمراً مفروغاً منه. لقد تقبلوا بخضوع “حشمة” الحاخامية العسكرية وإقصاء النساء والحلال وطبيعة السبت، رغم أنهم كانوا بعيدين جداً عنها. لم يتمردوا، بل كانوا مطيعين مثل الحملان، غير مبالين. لديهم خطوط حمراء في المسائل الدينية أيضاً، ولكنهم سيفعلون كل ما في استطاعتهم كي لا يروها.

قبلوا بالسيطرة الحريدية القومية بسبب عدم وجود بديل لديهم، ولأنهم لم يتعلموا في مدارسهم أن هناك يهودية تختلف عن اليهودية الظلامية والعنصرية التي يتبناها الحريديم القوميون. هم لا يعرفون اليهودية المختلفة، حتى لو آمن بها معظم يهود العالم. كان لدى آبائهم دائماً أعذار مثل “الأمر ليس سيئاً جداً” و”القليل من اليهودية لن يضر” و”يمكنكم التعايش مع ذلك”.

الجنود العلمانيون عرفوا أنه لا خيار أمامهم، وأن عليهم التعايش مع ما يسمح للمتدينين بالتواجد قربهم. الجانب العلماني يرى أنه من الضروري دائماً التنازل والتكيف مع ما لا يؤمن به. الجيش المتعطش للحم المدافع الحريدي سيفعل كل ما في استطاعته ليشعروا فيه بالراحة. لا مجال للمساومة هنا، فالحريديم القوميون لن يوافقوا ولا يمكنهم أن يوافقوا. المتدينون غير مستعدين للسير قدماً أو التنازل أو الاستسلام. فبالنسبة لهم، لا يوجد نصف حلال أو القليل من الحشمة. ومثلما يفعل الآباء الذين يتوب ابنهم، فالجيش يعد بيئته لتكون مناسبة لليهود الحريديم، حتى لو كان ثمن ذلك باهظاً.

الجيش مستعد لتكون حياة الجنود العلمانيين صعبة في الفضاء العام العسكري. إن الربط بين النزعة العسكرية والتدين يضع أهدافاً للقتال عليها، في الوقت الذي لا أهداف حقيقية له. ويتجلى الربط بين “إسرائيل فوق كل شيء” و”توراة إسرائيل فوق كل شيء” في الإرهاب اليهودي في المناطق المحتلة.

كل من لا يوافق على هذا الربط سينظر إليه، ليس فقط بأنه مرتد ديني، بل أيضاً بأنه خائن للدولة. لقد قال الحاخام تسفي كوك إن جيش الدفاع الإسرائيلي مقدس. لقد كان مخطئاً، لا يمكن للجيش أن يكون مقدساً، وحتى جنوده وأفعاله. لا قداسة للحرب، ولا يوجد لله أي دور فيها. نحن نقاتل فقط عندما لا يكون هناك أي خيار آخر، وليس كغاية بحد ذاتها. لا يمكن فعل أي شيء في الحرب إلا ارتكاب الأعمال الوحشية وتبريرها بأنها إرادة الله.

——————————————

هآرتس 30/4/2026

عنصرية برداء أبيض.. جمعية حقوق إنسان: إسرائيل تلاحق الأطباء العرب..”نبيد فتسكتون”

بقلم: أسرة التحرير

يطيب لجهاز الصحة التباهي بريش التعايش والإشارة إلى المعدل العالي للعرب في المهن الطبية: أكثر بقليل من ربع الطاقم الطبي ومن نصف الصيادلة – جزيرة مساواة في بحر من العداء والتمييز. غير أن الواقع يوفر أسباباً أقل للاحتفال. تقرير جديد لمنظمة “أطباء لحقوق الإنسان” يرسم آلية ملاحقة سياسية وتمييز منظم تجاه الجمهور العربي. منذ 7 أكتوبر، تبنت مؤسسات طبية روح الحكومة الشريرة، وهي تستخدم آلية إسكات. عاملون عرب يجمدون بسبب بوستات خاصة، بسبب إعراب عن رحمة، أو يكونون مطالبين باجتياز “اختبارات ولاء” مهينة من جانب زملائهم اليهود. طبيب في صندوق المرضى “مؤحيدت” في القدس، أقيل لأنه تجرأ على قول “في الطرف الآخر يوجد مصابون أيضاً”. د. عبد سمارة، الذي عمل طوال 15 سنة في مستشفى “هشارون” في “بيتح تكفا” ووصل إلى منصب رفيع، جرى تجميده، وحققت معه الشرطة بعد أن فسر زميل بالخطأ صورة قديمة له كإعراب عن تأييد لحماس.

من المعطيات الجزئية التي توفرت بفضل طلبات حرية المعلومات، يتبين أن عشرات الاستماعات ومحادثات الاستيضاح تمت في 15 مستشفى وفي كل صناديق المرضى.

وبينما يعيش العاملون العرب تحت ستار من الإسكات، يحظى زملاؤهم الليكود بالحصانة من اتحاد الأطباء. كل هذا أيضاً بعد أن وصفوا الفلسطينيين “فئران سم” أو دعوا إلى قصف مستشفى الشفاء في غزة. هذه هي صيغة جهاز الصحة لـ “خطاب المتطرفين”: مسموح لأحد الطرفين أن يدعو للإبادة، أما الطرف الآخر الذي يحاول أن يعرض تعقيدات الوضع، فيعيش تحت الملاحقة.

مع أن كم الأفواه اشتد بعد 7 أكتوبر، لكن جذور التمييز عميقة. رغم التمثيل الكبير في جهاز الصحة، فإن معدل كبار المسؤولين العرب في وزارة الصحة نسبة قليلة. إضافة إلى ذلك، فإن نحو 5 آلاف طبيب عربي اجتازوا بنجاح الترخيص والتدريب لا يجدون ملاكات للتخصص، ويظلون خارج الجهاز التواق للأطباء.

بدلاً من استخدام هذه القوة البشرية، تفضل الدولة صب المليارات على كليات طب جديدة ستعطي ثمارها بعد سنين. هذا خليط خبيث من قصر النظر الإداري مع العنصرية، يتغذى من خطاب هام وكاذب عن “تفضيل إصلاحي” مزعوم للجمهور العربي. بشكل مشابه، أعلنت وزارة التعليم بضغط من اليمين، بأنها ستتوقف عن دعم مشروع يرافق معلمين عرباً في المدارس التي تعاني من ضائقة قوة بشرية.

تثبت حكومة نتنياهو بأنها تفضل التفوق القومي على إنقاذ الحياة. كما أن جهاز الصحة هو الآخر يُعدي بأمراضه العضال: العنصرية والتمييز.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article