هل من يمول التعليم …سيكتب الرواية ؟
المسار: في خطوة تعكس عمق التداخل بين السياسة والتعليم، صوّت البرلمان الأوروبي بأغلبية 443 صوتًا مقابل 202 لصالح تجميد تمويل التعليم الفلسطيني، مشترطًا تعديل المناهج الدراسية بما يتوافق مع معايير يحددها، تحت عناوين “إزالة التحريض والكراهية ومعاداة السامية”.
القرار، في ظاهره، يبدو وكأنه دعوة لإصلاح تربوي، لكنه في جوهره يطرح تساؤلات عميقة حول من يملك حق تعريف “التحريض”، ومن يضع معايير “الكراهية”، ومن يقرر ما يجب أن يتعلمه الطالب الفلسطيني في ظل واقع الاحتلال.
التعليم في فلسطين لم يكن يومًا مجرد كتب وصفوف، بل هو جزء من معركة الوعي والهوية. وعندما يُربط تمويل هذا التعليم بشروط سياسية، فإن الأمر يتجاوز الدعم إلى محاولة إعادة تشكيل الرواية نفسها. هنا، لا يعود النقاش تربويًا بحتًا، بل يصبح صراعًا على الذاكرة: ماذا يُقال؟ وكيف يُقال؟ ومن يُسمح له أن يروي قصته؟
والأخطر من ذلك، أن تُختزل الرواية أو تُفرغ من رموزها الأساسية؛ فلا حديث عن الخيمة، ولا عن مفاتيح البيوت القديمة، ولا عن معنى العودة بوصفها حقًا وهوية. حينها لا يكون التعديل مجرد تغيير في نصوص، بل إعادة صياغة للوجدان، وقطع خيط الذاكرة الذي يربط الأجيال بجذورها.
اللافت أن هذا القرار يأتي في سياق دولي حساس، حيث تُطرح مفاهيم مثل “معاداة السامية” أحيانًا بشكل فضفاض، قد يمتد ليشمل أي نقد للسياسات الإسرائيلية، وهو ما يثير مخاوف من أن تكون هذه الشروط مدخلًا لتقييد الخطاب الفلسطيني، لا لتطويره.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن أي نظام تعليمي يحتاج إلى مراجعة وتطوير مستمرين، لكن السؤال الحقيقي: هل تُفرض هذه المراجعات من الخارج وبشروط تمويلية؟ أم تنبع من الداخل، وفق احتياجات المجتمع وثوابته؟
القرار الأوروبي يضع الفلسطينيين أمام معادلة صعبة: بين الحاجة إلى الدعم المالي لاستمرار العملية التعليمية، وبين الحفاظ على استقلالية المنهاج والرواية الوطنية. وهي معادلة لا تتعلق بالأرقام فقط، بل بالكرامة والسيادة المعرفية.
في النهاية، يبقى التعليم ساحة من أخطر ساحات الصراع، لأنه يصنع الإنسان الذي سيحمل القضية لاحقًا. ومن هنا، فإن أي تدخل فيه—مهما بدا تقنيًا—لا يمكن فصله عن السياسة، ولا عن ميزان القوة القائم.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يُعاد كتابة المنهاج… أم يُعاد رسم حدود الرواية؟
عن وطن للأنباء
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسارالإخباري

