“أسامة خليفة”في يوم العمال العالمي، الأتمتة بين البطالة والحروب

المسار الأول من أيار يوم العمال العالمي، يوم للتضامن، ووحدة نضالات الطبقة العاملة ضد الاستعمار والامبريالية وقوى الاستغلال، ومن أجل مجتمع تسوده الحرية والعدالة الاجتماعية، ومن أجل مستوى معيشة أفضل، والعالم اليوم يشهد تطوراً تكنولوجياً هائلاً يعتمد على الذكاء الاصطناعي، يواكبه وعي طبقي يدرك أهميته في التقدم والرقي ومستقبل أفضل للبشرية، فالآلة المتطورة تحسّن شروط العمل، وترفع الإنتاجية، وليست هي السبب في البطالة والفقر وشقاء الطبقة العاملة، يستغل أصحاب رأس المال الأتمتة والذكاء الاصطناعي لزيادة الأرباح دون مبالاة بتهديد الأمن الوظيفي واستبدال العمال بالآلة، والتي تساعد الشركات على زيادة هوامش الربح، دون تحقيق مكاسب للطبقة العاملة، ودون إفادتها من ميزات العلم والتكنولوجيا، ودون حمايتها، اجتماعياً ومادياً، من الآثار الضارة التي يمكن أن تترتب على سوء استخدام التطورات العلمية والتكنولوجية، ويجب وضع سياسات وتشريعات وإجراء استثمارات لتجنب الآثار الاجتماعية السلبية أو التخفيف منها أو معالجتها، وخاصة بالنسبة إلى الطبقة العاملة. بتطويرها إلى قوة عاملة أكثر أتمتة باستثمارات كبرى في برامج إعادة التدريب لمساعدة العمال على اكتساب مهارات رقمية وتقنية جديدة وفق متطلبات سوق العمل وحاجتها إلى وظائف تجمع بين الاختصاص في فرع معين من العلوم أو المهن، وروبوتات الذكاء الاصطناعي. تتطلب الوظائف الجديدة اكتساب مهارات تتماشى مع التطورات التكنولوجية، تحتاج إلى كفاءة لا يملكها العمال العاديون، يتطلب منهم القدرة على التكيف مع عالم مؤتمت، والتعلم المستمر، وإلا سيواجه العمال البطالة في كل القطاعات الصناعية والخدمية والسياحية والزراعية، حتى قطاع النقل تطور لتصبح الطائرات تحلق إما عبر تحكم عن بعد أو بالطيران الذاتي بالكامل. حتى المهندس المدني الذي لا يستخدم الحاسوب والذكاء الاصطناعي سيستبدل بمهندس يستخدمه، وقطاع الخدمات الصحية سيعتمد بشكل كبير على المهام التي يمكن أن يُؤتمتها الذكاء الاصطناعي بخوارزميات تسهم في عملية التشخيص، وتحليل كميات هائلة من المعلومات الطبية لاستخراج الرأي السريري الأدق والأسرع، وتقليل الأخطاء البشرية، وتقليل أخطاء المختبرات، ويتيح الذكاء الاصطناعي تحليل صور الأشعة للكشف عن الأنماط المعقدة بدقة فائقة، وتطوير الجراحة الروبوتية، وأعمال أخرى تتطلب محترفين مهرة للإشراف على هذه التكنولوجيا وتنفيذها.

تحمل الأتمتة وجهين متناقضين: أحدهما نافع، والآخر ضار، ذلك يعتمد على طريقة الاستخدام، حيث يمكن أن يؤدي الاستخدام الخاطئ إلى عواقب سلبية تفوق النفع المتوقع، فبينما تعد الأتمتة بالكفاءة، تترك آثارها الضارة على التوظيف وتطوير المهارات. مع استحواذ الآلات على المهام التي كان يقوم بها البشر، سيصبح فقدان الوظائف وارتفاع نسبة البطالة واقعاً مؤكداً، مما يدفع للتساؤل عن الجوانب السلبية المتعددة للأتمتة، هل يمكننا إيجاد حلول للتخفيف من هذه الآثار؟. ذلك ممكن في إطار عدم استغلال مزايا الذكاء الاصطناعي من قبل الشركات الرأسمالية الكبرى، تحقيقاً لأطماعها لجني الأرباح الطائلة، ودون مراعاة مصالح الطبقة العاملة.

أحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في قطاع الإنتاج والتصنيع من خلال تحسين الكفاءة، وتقليل الأخطاء، والقيام بمهام متكررة بكفاءة عالية، والسلامة المهنية، وتبسيط سير العمل، وإدارة المشاريع بشكل أسرع، مما يرفع الإنتاجية من خلال تقليل التكاليف وتقليل الهدر.

من جهة أخرى تعيد الأتمتة اليوم تشكيل سوق العمل، تخلق وظائف جديدة في قطاع التكنولوجيا، والتخصص في الذكاء الاصطناعي، والروبوتات والخبرة في البيانات والأمن السيبراني، لكنها تهدد بفقدان وظائف كثيرة في العديد من القطاعات، وهذه الوظائف الجديدة ذات الاعتماد العالي على الآلة والذكاء الاصطناعي لا تعوض الوظائف المفقودة. فأين دور العنصر البشري في عالم مؤتمت؟.

في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 1975 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان الخاص باستخدام التقدم العلمي والتكنولوجي لصالح السلم وخير البشرية، وتضع في اعتبارها أن التقدم العلمي والتكنولوجي قد أصبح أحد أهم العوامل في تطور المجتمع الإنساني، وتتيح باستمرار فرصاً متزايدة لتحسين أحوال معيشة الشعوب والأمم، مع ذلك يمكن أن تسبب عدداً من حالات المشاكل الاجتماعية كالحروب والبطالة، وأن تهدد ما للفرد من حقوق الإنسان والحريات الأساسية. ودعت الأمم المتحدة جميع الدول إلى التعاون الدولي لضمان استخدام نتائج التطورات العلمية والتكنولوجية لصالح تدعيم السلم والأمن الدوليين، والحرية والاستقلال، وكذلك لغرض الإنماء الاقتصادي والاجتماعي للشعوب وإعمال حقوق الإنسان وحرياته وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.

تدعو الأمم المتحدة جميع الدول أن تمتنع عن أية أعمال تستخدم فيها المنجزات العلمية والتكنولوجية لأغراض انتهاك سيادة الدول الأخرى وسلامتها الإقليمية، أو التدخل في شؤونها الداخلية، أو شن الحروب العدوانية، أو قمع حركات التحرير الوطني أو تنفيذ سياسة قائمة على التمييز العنصري. فهذه الأعمال لا تمثل خرقاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي فحسب، بل تشكل أيضا تشويهاً غير مقبول للمقاصد التي ينبغي أن توجه التطورات العلمية والتكنولوجية لخير البشرية.

في الوقت الذي تمر فيه الدول المتطورة تكنولوجياً في مرحلة الصناعة المؤتمتة، التي تحقق الوفرة في الإنتاج والتنعم بخيراتها، تعيش طبقتنا العاملة وغالبية جماهير شعبنا في غزة والضفة الغربية والقدس أوضاعاً بائسة لم تعشها الشعوب المضطهَدة قبل العصور الوسطى، تحت وطأة التدمير الشامل للبنية التحتية، ورفض سلطات الاحتلال البدء بإعادة الإعمار، وعدم السماح بإدخال مواد البناء، وعرقلة إدخال المساعدات الإنسانية والطبية الضرورية والكافية، وليس بعيداً عن بلادنا فلسطين، تقع إيران تحت تهديد ترامب بإعادتها إلى العصر الحجري، ونحن نرى مفارقة عجيبة بين عصر الأتمتة والذكاء الاصطناعي من جهة والتفكير الهمجي الذي يدمر كل شيء ويعود بمجتمعات إلى عصور ما قبل التاريخ، من جهة أخرى. إنها مرحلة الاستبداد التكنولوجي الرقمي والذكاء الاصطناعي وضعت فيها القوانين الدولية الإنسانية التي تحترم العدل والقيم الإنسانية جانباً، لتشيع الولايات المتحدة شريعة الغاب والتي تفرضها بسطوة التقدم التكنولوجي، وبدلاً من وضع هذا التطور في خدمة وسعادة البشرية، أصبح استخدام الذكاء الاصطناعي يوجه للحروب العدوانية، وكان الجيش الإسرائيلي الأول عالمياً في استخدامه استخداماً عسكرياً لإنتاج أهداف عسكرية عبر تحليل كميات ضخمة من البيانات بسرعة عالية، وبشكل مكثف لتعزيز عمليات القتل والتدمير في حروبها في المنطقة، وسرعة اتخاذ القرارات، واستخدام الأسلحة ذاتية التشغيل مثل الطائرات المسيرة، وأنظمة المراقبة الذكية، وتوظيف الخوارزميات في تحليل الصور والنصوص واعتراض المحادثات لتحديد هوية الأفراد المنتمين للمقاومة، ولتتبع الشخصيات المستهدفة تنفيذاً لعمليات اغتيال دقيقة تزيد من دقة الأهداف دون الاعتماد على العنصر البشري، كل ذلك بناءً على قرارات المستوى السياسي والعسكري الإسرائيلي من مجرمي الحرب الذين يتحملون المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن اتخاذ قرارات القتل.

يوم العمال العالمي يجب أن يصبح وقفة فاعلة ليس فقط ضد البطالة، وتحسين ظروف العمل، بل أيضاً ضد الحروب والنزاعات التي تُشن ضد الشعوب، والتي تشكل أكبر تهديد لحياة العمال وأرزاقهم. على الطبقة العاملة في كل البلدان أن تساند شعوب البلدان النامية لتعزيز تنميتها، ولامتلاك القدرات العلمية والتكنولوجية، ورفض كل أشكال تهديدات إرجاع المجتمعات إلى مرحلة الحياة البدائية سواء عبر الحرب والتدمير أو عبر الحصار الجائر.

وعلى عمال العالم أن يتحدوا للضغط على الحكومات من أجل اتخاذ تدابير لجعل المنجزات العلمية والتكنولوجية تلبي الحاجات المادية والروحية لجميع قطاعات السكان بما يرتقي بحياة الإنسان أينما كان.

Share This Article