كتب: إسماعيل الريماوي/نموذج غزة: مشروع إسرائيلي لإعادة هندسة الواقع الإقليمي بالقوة

المسال لم تعد الحرب على غزة حدثًا معزولًا في سياق صراع طويل، بل باتت تمثل، في جوهرها، مختبرًا سياسيًا وأمنيًا لصياغة نموذج جديد تسعى إسرائيل إلى تعميمه خارج حدود القطاع ثم الى المنطقة ، هذا النموذج لا يقوم فقط على الحسم العسكري أو الردع التقليدي، بل يتجاوز ذلك نحو إعادة تشكيل البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للخصم، بما يضمن إخضاعه طويل الأمد، لا مجرد هزيمته المؤقتة.

في غزة، لم يكن الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية، ولا القيود الخانقة المفروضة على السكان، مجرد نتائج جانبية للحرب، بل جزءًا من معادلة مقصودة تهدف إلى إعادة صياغة واقع المنطقة بالكامل، فإسرائيل التي لم تعد ترى في الحروب القصيرة وسيلة كافية لتحقيق أهدافها، تتجه نحو فرض واقع دائم يقوم على السيطرة الأمنية المباشرة، ومنع أي قوة محلية من امتلاك القدرة على الفعل المقاوم او المستقل ، وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن إدارة مدنية ضعيفة، منزوع عنها القرار السيادي، كجزء من رؤية أشمل تقوم على فصل “الإدارة” عن “السلطة”، بحيث تُترك الأولى للسكان، بينما تبقى الثانية بيد القوة المسيطرة.

غير أن الخطير في هذا التحول لا يكمن في تطبيقه داخل غزة فحسب، بل في السعي لتحويله إلى نموذج قابل للتكرار، جنوب لبنان يبرز هنا كأحد أبرز الساحات المرشحة لتجريب هذا التصور، حيث لا تنظر إسرائيل إلى المواجهة مع حزب الله باعتبارها مسألة حدودية، بل كجزء من صراع أوسع على شكل الدولة اللبنانية نفسها، فإضعاف البيئة الحاضنة، واستنزاف البنية التحتية، وخلق ضغوط داخلية، كلها أدوات تهدف في النهاية إلى إعادة ترتيب التوازنات السياسية، بما يقلّص دور القوى المسلحة ويفرض واقعًا جديدًا أكثر توافقًا مع الرؤية الإسرائيلية.

هذا التوجه يتقاطع مع تصور أوسع لما يُعرف بـ“الشرق الأوسط الجديد”، حيث لا يكون الهدف إقامة استقرار تقليدي بين دول قوية، بل إعادة تشكيل المنطقة إلى وحدات هشة، قابلة للاختراق والتأثير، ومفتقرة لعناصر السيادة الكاملة، في هذا السياق، لا تبدو غزة والضفة الغربية سوى نماذج أولية لكيانات يتم التحكم فيها أمنيًا، بينما تُترك إدارتها اليومية لهياكل محلية محدودة الصلاحيات، تعيش تحت سقف السيطرة المفروضة.

الرهان الإسرائيلي يقوم على فرض معادلة قاسية: إما القبول بهذا النموذج بشروطه الأمنية والسياسية، أو مواجهة سيناريوهات التدمير والاستنزاف، وهي معادلة لا تستهدف الفصائل المسلحة وحدها، بل تمتد لتطال الدول والمجتمعات، عبر أدوات متعددة تبدأ بالقوة العسكرية ولا تنتهي عند الضغوط الاقتصادية والسياسية، وفي هذا الإطار، يصبح رفض إعادة إعمار غزة دون شروط تتعلق بنزع السلاح أو تغيير البنية السياسية، جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تحويل الإعمار نفسه إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع.

لكن هذا المشروع، رغم ما يبدو عليه من تماسك، يحمل في داخله عوامل تناقضه، فالتجارب التاريخية تشير إلى أن فرض نماذج السيطرة بالقوة، دون معالجة جذور الصراع، لا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى إنتاج دورات جديدة من العنف والانتقام، فالمجتمعات التي تُدفع نحو الهشاشة والانقسام لا تتحول إلى كيانات مستقرة، بل إلى بؤر مفتوحة للتوتر، ما يجعل من “نموذج غزة” وصفة لإدارة الصراع لا لإنهائه.

في المحصلة، لا يمكن فهم ما يجري في غزة بمعزل عن سياق إقليمي أوسع، تسعى فيه إسرائيل إلى إعادة تعريف قواعد اللعبة، ليس فقط عبر القوة، بل عبر إعادة هندسة الواقع السياسي نفسه، غير أن السؤال الذي سيبقى مفتوحًا هو ما إذا كان هذا النموذج قابلًا للاستمرار، أم أنه سيصطدم، كما اصطدمت نماذج مشابهة في التاريخ، بحقائق الأرض التي لا يمكن إعادة تشكيلها بالقوة وحدها.

وفي ظل هذا المشهد، لا يمكن تجاهل الحقيقة الأكثر فداحة: أن هذا المشروع ما كان له أن يتمدّد بهذا الشكل لولا صمت عربي مريب، وعجز دولي يكاد يرقى إلى مستوى التواطؤ، فحين تتحول المجازر إلى أرقام، وحين يُختزل الدمار في بيانات “قلق” باردة، تدرك إسرائيل أن كلفة المضي في مشروعها أقل بكثير من كلفة التراجع عنه، هذا الصمت، تحوّل إلى غطاء فعلي يمنحها الوقت والمساحة لتجريب نماذجها وفرض وقائعها.

لكن غزة كسرت هذه المعادلة، فلم تكن مجرد ساحة مستباحة، بل تحولت إلى رمز لصمود أعاد تعريف معنى المواجهة في زمن الاختلال الكامل، أهلها، تحت الحصار والنار، لم يسقطوا في النموذج الذي أُريد لهم، ولم يتحولوا إلى كيان منزوع الإرادة كما خُطط، بل قدموا مثالًا حيًا على أن القوة لا تُقاس فقط بما تملكه من سلاح، بل بما تملكه من قدرة على الصمود.

وهنا تتكشف المفارقة الكبرى: كلما تعمّق الصمت، ازداد انكشافه، وكلما تصاعدت الغطرسة، اقتربت من حدود عجزها، فالنموذج الذي يُفرض بالقوة قد ينجح في فرض الوقائع مؤقتًا، لكنه يعجز عن كسر إرادة الشعوب على المدى البعيد، وغزة بكل ما فيها من ألم، لم تكن فقط ضحية هذا المشروع، بل كانت أيضًا اللحظة التي سقطت فيها أوهام القوة المطلقة، وارتبك فيها خطاب المتخاذلين، أمام حقيقة لا يمكن إنكارها: أن الشعوب التي تقرر أن تصمد، تُفشل أعقد الخطط، وتعيد رسم المعادلات من تحت الركام.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار 

 

 

Share This Article