المسار : حين يذكر اسم الفنان السوري معن عبد الحق يُذكر اسم النادرين في الفن، الذين عُرفوا بمواقفهم الحادة من مسألة التطبيع ورفضهم الصريح لأي شكلٍ من أشكاله.
ليست الحكاية، في جوهرها عن رجلٍ اسمه معن عبد الحق لا «صطيف»، بل حكاية فناجين الشاي التي قدّمها خال معن، النائب اللبناني أحمد فتفت، للعدو الإسرائيلي في جنوب لبنان 2006، وحكاية موائد تركي آل الشيخ التي فرشت، فصارت الرجال تختار بين ضفتين: «أن تُخصى في الظل، أو أن تصدح ملء الفضاء»، فيبقى الصوت كصوت معن، وتبقى الكلمة حيّةً كجمرٍ لا يبرد.
في الرواية التي لا تسوقها قناة «العربية»، والقنوات والمنصات المطبعة مع العدو إلى جانبها، ولا يسوقها طبعاً إعلام النفط والغاز والعبيد والجواري عن اعتقال معن عبد الحق: فنانٌ خرج من بيئة عرفت روابط القربى بين لبنان وسوريا، وعرفت بالدم والنار والموقف الأصيل عروبة «السنّة» العرب والسوريين، الذين يراد اليوم اختزالهم بالصهينة.
ومن هنا تُستدعى المفارقة الثقيلة، لا كمعلومةٍ عائلية بسيطة عن معن عبد الحق «السنّي»، بل كاستعارةٍ تشتمل على كل معاني الصراع، فحين يُذكر اسم معن عبد الحق لا بدَّ أن يذكر معه اسم خاله (وزير الداخلية اللبناني السابق) أحمد فتفت في الحكاية، ذلك الذي استطاع أن يقدّم الشاي للمحتل الإسرائيلي أثناء حرب تموز 2006، ولكنه فشل في أن يجعل ابن أخته يحيد قيد أنملة عن درب المقاومة، وعن فكرها وعقيدتها، وظلّ معن في قطيعة معه طوال حياته.
على عكس الروايات المتواترة، لم يكن معن يوماً بوق سلطة أو أجير نظام سياسي أياً كان توجهه، بل كان عدو كل الأبواق الذين تجمّعوا في قصر الشعب يوماً ثم عرفوا كيف يتحولون، ويدلقون صنوف الرياء والنفاق من دون أن يرف لهم جفن. ولم يكن معن مجرد فنان، بل كان «الفنان» بكل ما تشتمل عليه «ال» التعريف من القصْر في زمن الندرة، والتفرُّد في زمن الشح، والاستثناء في زمن المحل في الموقف. وظلّ معن قابضاً على جمر المقاومة، صادحاً بصوتها، حاملاً لرسالة الفن الذي تعب، وحيداً لا يقول كذا، ولو ركع كل العبيد والجواري عند أقدام تركي آل الشيخ.
كان معن حاضراً في كل ساح من ساحات دعم المقاومة في غزة وجنوب لبنان، ومناهضة التطبيع السياسي والثقافي والفني
وحين يذكر اسم معن يُذكر اسم النادرين في الفن، الأستاذ الكبير محمد صبحي، ذلك الفنان العربي الكبير، والمعلّم الذي عُرف بمواقفه الحادة من مسألة التطبيع ورفضه الصريح لأي شكلٍ من أشكاله، ولم يكن غريباً أن يجد معن في هذا المعلّم، وهذا الصوت العربي النادر ما يشبهه، وما يجاوره، وما يستحق أن يخرج بفيديو خاص لتحيته حين غاب كل الأدعياء.
في المسافة بين شاي أحمد فتفت ومائدة تركي آل الشيخ ولدت حكاية معن، حكاية رفض الولوغ في صحون التطبيع المسمومة، وحكاية الحضور في زمن الغياب والخيانة الموصوفة. وكان معن حاضراً في كل ساح من ساحات دعم المقاومة في غزة وجنوب لبنان، ومناهضة التطبيع السياسي والثقافي والفني، تذكره معارك الشرف التي خاضها من دمشق الجريحة عن استضافة المطبّع يوسف زيدان على شاشة الإخبارية السورية، ودعوات الاستضافة التي انهالت على فيالق الفنانين المطبعين الذين فتحت لهم أسوار دمشق في ليل من التآمر والخيانة الداخلية بلا حدود، كمثل محمد رمضان وصابر الرباعي وأدهم النابلسي وغيرهم.
معن عبد الحق لم يعتقل من قبل سلطة الجولاني لأنه كان مستفزاً لجمهور غاب وعيه بفعل إعلام عربي متصهين من أقصاه إلى أقصاه، بل لأنه كان يجسد صوت عروبياً سورياً «سنيّاً» لا يزال يقول «لا» للصهينة التي يراد أن تسرق أوكسجين الشام وتلوّث أرضها وماءها وهواءها.
خالد العبود، الشيخ أحمد بدر الدين حسون، اللواء محمد الشعار ليست أسماء عابرة في المشهد، بل أمثلة على اعتقالات منتقاة في دمشق تحمل معانيها عن «سنّة» لم تبرح ساحات الموقف من العدو الإسرائيلي في زمن يراد للسوريين جميعهم، سنّة وعلويين وأكراد ودروزاً ومسيحيين وغيرهم أن يكون جميعهم من دون استثناء «أيتام أيدي كوهين».
الحرية صوتك يا معن
الحرية لك ومنك… والمجد لك ولكل حر في زمن الذل والعبودية.

