بين لغة الاتفاق ومنطق الاستسلام: ماذا يريد ترامب من إيران؟

كتب اسماعيل الريماوي: منذ عودته إلى البيت الأبيض، يحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعادة تقديم نفسه باعتباره رجل “الصفقات الكبرى” القادر على إخضاع الخصوم عبر مزيج من الضغوط العسكرية والعقوبات الاقتصادية والمفاوضات السياسية، لكن القراءة المتأنية للخطاب الأمريكي تجاه إيران تكشف أن ما يُطرح تحت عنوان “الاتفاق” لا يحمل في جوهره معنى التسوية المتوازنة، بل يعكس محاولة لفرض الاستسلام السياسي والاستراتيجي على دولة ما زالت ترفض الانخراط الكامل في المشروع الأمريكي في المنطقة.

الولايات المتحدة لا تتحدث مع إيران باعتبارها دولة تمتلك مصالح وهواجس أمنية وحقوقاً سيادية، بل باعتبارها خصماً ينبغي تجريده من عناصر قوته كافة، ولهذا تبدو المفاوضات في العقل السياسي الأمريكي امتداداً للحرب بوسائل أخرى، لا طريقاً حقيقياً نحو السلام، فعندما تعجز القوة العسكرية عن تحقيق أهدافها كاملة، تتحول طاولة التفاوض إلى أداة لاستكمال ما لم يُنجز بالنار والدمار.
وفي الثامن والعشرين من فبراير الماضي، بدأت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني عدواناً جديداً على إيران استمر أربعين يوماً، وأسفر عن سقوط آلاف المدنيين، واستهداف المدارس والمستشفيات والمساجد والبنية التحتية ومقدرات الشعب الإيراني، ورغم حجم القوة المستخدمة، لم ينجح العدوان في تحقيق صورة “النصر الحاسم” التي روجت لها واشنطن وتل أبيب، وهنا عادت لغة المفاوضات إلى الواجهة، لا باعتبارها مراجعة للسياسات العدوانية، بل كمحاولة للحصول عبر السياسة على ما تعذر انتزاعه في الميدان.
دونالد ترامب يريد من إيران كل شيء تقريباً؛ يريد تقليص برنامجها النووي إلى الحد الذي يفقدها أي قدرة ردع مستقبلية، ويريد تحجيم نفوذها الإقليمي، وإعادة صياغة دورها السياسي بما يتناسب مع الرؤية الأمريكية والإسرائيلية للشرق الأوسط، ويريد كذلك ضبط قرارها السيادي وإدخالها في منظومة الهيمنة الغربية بشروط أمريكية خالصة، لكن في المقابل، ماذا يقدم؟ لا توجد ضمانات حقيقية، ولا التزام واضح برفع العقوبات بصورة جذرية، ولا اعتراف فعلي بحقوق إيران السياسية والأمنية، ولا حتى تعهدات بعدم تكرار العدوان، إنها معادلة تقوم على الأخذ الكامل مقابل الحد الأدنى من التنازلات الأمريكية.
هذه العقلية ليست جديدة في السياسة الأمريكية، بل تمثل امتداداً لمنطق الهيمنة الذي حكم علاقة واشنطن بكثير من دول العالم، فالإدارة الأمريكية لا ترى في الاتفاقات سوى أدوات لإعادة تشكيل موازين القوى بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنطقة الشرق الأوسط التي تُعد مركزاً حيوياً للمشاريع الأمريكية والإسرائيلية، لذلك فإن أي “اتفاق” لا يحقق لإيران حقها في السيادة والأمن ورفع الحصار الاقتصادي بشكل حقيقي سيبقى أقرب إلى وثيقة إذعان منه إلى تسوية سياسية عادلة.
المفارقة أن واشنطن تتحدث دائماً عن الاستقرار والسلام، بينما تعتمد في الوقت نفسه على الحروب والعقوبات والحصار والتجويع لتحقيق أهدافها، فمن الصعب إقناع شعوب المنطقة بأن من يدعم الحروب ويمد الاحتلال بالسلاح ويساند عمليات القصف والتدمير يمكن أن يتحول فجأة إلى وسيط سلام نزيه، ولهذا تنظر قطاعات واسعة في المنطقة إلى الخطاب الأمريكي بعين الشك، وترى أن ما يجري ليس سعياً لإنهاء الأزمات، بل لإعادة إنتاج السيطرة الأمريكية بصيغ جديدة.
إيران، مثل غيرها من الدول التي تعرضت للحصار والضغوط، تدرك أن التفاوض تحت التهديد لا يصنع سلاماً مستقراً، وأن أي تنازل استراتيجي لا يقابله احترام متبادل وضمانات حقيقية لن يكون سوى بداية لمزيد من الضغوط، ولهذا تبدو المعركة اليوم أبعد من مجرد خلاف سياسي أو ملف نووي؛ إنها صراع على شكل المنطقة ومستقبلها، وعلى حق الدول في امتلاك قرارها بعيداً عن الهيمنة الخارجية.
في النهاية، تكشف تجربة السنوات الماضية أن واشنطن لا تريد من خصومها اتفاقات متوازنة بقدر ما تريد إعادة تشكيلهم وفق مقاسها السياسي والأمني، أما الشعوب التي دفعت أثمان الحروب والعقوبات والدمار، فقد باتت أكثر وعياً بأن السلام الحقيقي لا يُبنى على الإملاءات، وأن الاتفاق الذي يُكتب بلغة القوة والإخضاع لا يمكن أن يصنع استقراراً دائماً، بل يؤسس لجولات جديدة من الصراع وعدم الاستقرار.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار الاخباري 

Share This Article