المسار : في الخامس عشر من أيار/مايو 1948، توقفت عقارب التاريخ الفلسطيني عند محطة مفصلية غيّرت مسار الأرض والإنسان والهوية، في حدثٍ يُعرف بـ”النكبة”، التي لم تكن مجرد لحظة تاريخية عابرة، بل تحوّلت إلى جرحٍ مفتوح ما زال يرافق الفلسطينيين حتى اليوم.
وتشير المعطيات التاريخية إلى أن النكبة جاءت تتويجًا لسلسلة من الأحداث التي سبقت إعلان قيام دولة الاحتلال، بدءًا من قرار التقسيم عام 1947، الذي رفضه الفلسطينيون لعدم عدالته، وصولًا إلى العمليات العسكرية التي نفذتها العصابات الصهيونية آنذاك، والتي استهدفت تفريغ الأرض من سكانها الأصليين.
وخلال تلك المرحلة، تم تدمير أكثر من 530 قرية ومدينة فلسطينية بالكامل، وارتكاب عشرات المجازر التي راح ضحيتها ما يزيد عن 15 ألف شهيد، في سياق وُصف تاريخيًا بأنه عملية تهجير قسري واسعة النطاق هدفت إلى فرض واقع ديموغرافي جديد.
ووفق الإحصاءات، أدت النكبة إلى تهجير ما بين 800 ألف إلى نحو 957 ألف فلسطيني، أي ما يقارب 80% من سكان فلسطين التاريخية آنذاك، ليتحولوا إلى لاجئين في المنافي ومخيمات الشتات، حاملين مفاتيح بيوتهم كرمزٍ للعودة التي لم تتحقق.
ورغم مرور 78 عامًا، لا تزال قضية اللاجئين قائمة، إذ يعيش اليوم ملايين الفلسطينيين داخل الوطن وخارجه، فيما يواصل نحو 5.9 مليون لاجئ مسجلين لدى وكالة “أونروا” التمسك بحق العودة، استنادًا إلى القرار الدولي 194.
ويصف الفلسطينيون واقعهم اليوم بـ”النكبة المستمرة”، في ظل ما يشهده قطاع غزة والضفة الغربية من عدوان متكرر، واستيطان متوسع، وعمليات تهجير ونزوح جديدة، أعادت إنتاج مشهد النكبة بأشكال مختلفة.
وبحسب بيانات رسمية حديثة، يبلغ عدد الفلسطينيين في العالم نحو 15.5 مليون نسمة، يعيش نصفهم تقريبًا داخل فلسطين التاريخية، بينما يتوزع الباقون بين دول الشتات، ما يعكس استمرار القضية الفلسطينية كواحدة من أطول قضايا اللجوء في العصر الحديث.
وبين الأرقام والوقائع، تبقى النكبة أكثر من حدث تاريخي؛ فهي ذاكرة جماعية وهوية وطنية ورمز لصراع مفتوح، لم تغلق فصوله رغم مرور أكثر من سبعة عقود ونصف، وسط تمسك الفلسطينيين بحقهم في العودة والعدالة والاعتراف التاريخي.

