الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

مركز القدس للاستراتيجية والأمن JISS 18/5/2026

من سينهار اقتصاديًا أولًا: الولايات المتحدة أم إيران؟

بقلم: العميد (احتياط) الدكتور ساسون حداد

 التمييز بين اقتصاد الدولة واقتصاد النظام

يتطلب السؤال حول من سينهار اقتصاديًا أولًا، الولايات المتحدة أم إيران، التمييز بين مستويين مختلفين: اقتصاد الدولة واقتصاد النظام. يشمل اقتصاد الدولة النمو والتضخم والعملة والتجارة والبنية التحتية والإيرادات العامة؛ بينما يشمل اقتصاد النظام قدرة القيادة على تمويل آليات السلطة، وكسب الوقت، والحفاظ على تحالف سياسي أمني، وقمع المعارضة. في الاختبار الأول، إيران أكثر عرضة للخطر من الولايات المتحدة. يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للولايات المتحدة حوالي 32.38 تريليون دولار أمريكي في عام 2026، بنمو قدره 2.3 في المئة وتضخم بنسبة 3.2 في المئة، بينما يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لإيران حوالي 300.29 مليار دولار أمريكي فقط، مع انكماش بنسبة 6.1 في المئة وتضخم بنسبة 68.9 في المئة (صندوق النقد الدولي، 2026أ؛ صندوق النقد الدولي، 2026ب). وقد وجد البنك الدولي أنه بحلول شباط 2026، بلغ التضخم السنوي في إيران 62.2  في المئة، ووصل تضخم أسعار الغذاء إلى 99 في المئة مما يعني أن إيران دخلت الحرب نتيجة لأزمة هيكلية عميقة سبقتها (البنك الدولي، 2026). لذلك، إذا كان السؤال يتعلق بقدرة الاقتصاد المدني على استيعاب النمو، فإن إيران هي المرشح الأبرز للانهيار أولاً؛ أما إذا كان السؤال يتعلق بموعد فقدان النظام نفسه قدرته على العمل، فإن الإجابة أكثر تعقيداً.

فيما يخص الاقتصاد الإيراني، فإن الصورة، كما ذُكر، سلبية للغاية، وقد تفاقم الوضع بشكل كبير بسبب الحرب. إلى جانب التضخم وانخفاض قيمة العملة وتآكل الدخل، تسببت الحرب أيضًا في أضرار للبنية التحتية، واضطرابات تجارية، وخسائر في الصادرات. أفادت رويترز في 30 نيسان أن الحصار البحري الأمريكي للموانئ الإيرانية قد خفض صادرات النفط الإيرانية بأكثر من 80 في المئة مقارنة بشهر آذار، مما أدى إلى تكدس عشرات الملايين من البراميل في مخازن عائمة، ووضع إيران على حافة أزمة تخزين حادة قد تتطلب خفض الإنتاج وإغلاق الآبار. ووفقًا للتقرير نفسه، قدرت القيادة المركزية الأمريكية أن حوالي 69 مليون برميل إيراني غير مباع عالقة على 41 ناقلة، في حين يتزايد الضغط على مرافق التخزين البرية (أدومايتيس وغدار، 2026). في وقت سابق، قدرت رويترز أن الحصار يعيق حركة حوالي مليوني برميل يوميًا، في حين تنتج إيران حوالي 3.5 مليون برميل يوميًا، ولا تستوعب المصافي المحلية سوى حوالي مليوني برميل، لذا فإن الضرر لا يقتصر على الإيرادات الحالية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى نظام الإنتاج نفسه (رويترز، 2026أ). بمعنى آخر، يعاني الاقتصاد الإيراني من خسائر في العملات الأجنبية، وضغوط تضخمية، وأضرار مادية، وتآكل في قاعدة الإيرادات.

مع ذلك، فإن اقتصاد النظام الإيراني يتدهور بوتيرة أبطأ من اقتصاد الدولة. أكدت رويترز في 30 نيسان أنه على الرغم من فداحة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والصادرات والعملة، لا تزال المؤشرات غير واضحة على انهيار مالي حكومي: فالبنوك لا تزال تعمل، والإمدادات المحلية لا تزال كبيرة، ومخزون البراميل في الأسطول غير الرسمي يتجاوز 100 مليون برميل، والتجارة مع جيران إيران مستمرة (رويترز، 2026ب). وفي اليوم التالي، كشفت رويترز أن منصة نوبيتكس لتداول العملات المشفرة تُعدّ مركزًا محوريًا في نظام للتحايل على العقوبات، يتم من خلاله ضخ عشرات إلى مئات الملايين من الدولارات إلى إيران، بما في ذلك إلى الحرس الثوري والبنك المركزي (فينش وآخرون، 2026). هذا يعني أن النظام ينجح، جزئيًا على الأقل، في فصل معاناة الشعب عن بقائه. بإمكانها تحويل الموارد إلى الداخل، وتقليل ثقل الاقتصاد المدني النظامي، والاستمرار في مكافأة مراكز القوة حتى مع التآكل السريع للعملة والاستهلاك والشركات الخاصة. لذا، من الأدق القول إن المجتمع في إيران يتآكل بوتيرة أسرع بكثير من النظام نفسه.

ومن هنا أيضاً تتضح شروط الانهيار الاقتصادي للنظام في إيران. لن ينهار النظام بسبب انخفاض الناتج المحلي الإجمالي أو ارتفاع التضخم، بل فقط إذا فقد القدرة على تمويل ائتلاف القوة لديه: رواتب أجهزة الأمن والدولة، والإعانات الأساسية، والواردات الضرورية، وشبكات المحسوبية. بافتراض وجود نحو 3 ملايين عامل بأجر في صلب الجهاز، وتكلفة صيانة شهرية تتراوح بين 600 و800 مليون دولار، يحتاج النظام إلى مبلغ ليس بالهين، ولكنه لا يتجاوز، في الوقت الراهن، قدرته المالية الأساسية. حتى لو انخفضت صادرات النفط إلى نحو نصف مليون برميل يومياً فقط، وبسعر يتراوح بين 80 و90 دولاراً للبرميل، فقد يبقى إجمالي الدخل في حدود 1.2 إلى 1.5 مليار دولار شهرياً – أي أعلى بعشرة أضعاف من تكلفة صيانة صلب الحكومة، حتى وإن لم يكن كل هذا الدخل متاحاً فعلياً بسبب الخصومات والرسوم وتأخيرات التحصيل والعقوبات. لذلك، فإن انخفاض الصادرات وحده لا يكفي لانهيار النظام على المدى القصير. يتطلب حدوث مثل هذا الانفصال مزيجًا من خسائر عائدات النفط، واستمرار صعوبة الحصول على العملات الأجنبية، وتضخم يُفقد الأجور قيمتها، وشلل في القطاعين التجاري والمدني، وأخيرًا انقسام داخل نظام الحكم نفسه. ولا تظهر حتى الآن أي بوادر لهذا الانشقاق.

في المقابل، لا يزال اقتصاد الولايات المتحدة بعيدًا عن نقطة الانهيار. فقد قدّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في آذار أنه حتى بعد الصدمة الطاقية التي خلّفتها الحرب، لا يزال من المتوقع أن ينمو الاقتصاد الأمريكي بنحو 2.0 في المئة في عام 2026، مع تضخم يبلغ حوالي 4.2 في المئة وفقًا لسيناريوها المُحدّث (منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، 2026). وأفادت رويترز في 30 نيسان أن الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي نما بمعدل سنوي قدره 2.0 في المئة في الربع الأول، مدعومًا بالاستثمارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وانتعاش الإنفاق الحكومي، على الرغم من تباطؤ الاستهلاك الخاص وارتفاع التضخم (موتيكاني، 2026). كما تعكس أسواق رأس المال مرونة الاقتصاد الكلي: فقد عاد مؤشرا ستاندرد آند بورز 500 وناسداك إلى مستويات قياسية جديدة على أمل التوصل إلى تسوية مع إيران. لذا، إذا نظرنا إلى الناتج والائتمان والعملة وأسواق رأس المال، فإن الاقتصاد الأمريكي قادر على الصمود أمام الحملة لفترة أطول من الاقتصاد الإيراني.

مع ذلك، فإن اقتصاد القوة الأمريكي، أي القدرة السياسية للإدارة على مواصلة الحرب، أكثر هشاشة. فقد أفادت رويترز في 29 نيسان أن التكلفة المباشرة حتى الآن بلغت نحو 25 مليار دولار (علي وآخرون، 2026). وفي الوقت نفسه، أصبحت الحرب قضية دستورية وسياسية: ففي 1 أيار، ذكرت رويترز أن ترامب يحاول الادعاء بأن وقف إطلاق النار أنهى القتال بالنسبة لقوى الحرب، متجنباً بذلك الصدام مع الكونغرس؛ وفي الفترة من 2 إلى 6 أيار، أفادت رويترز أن الإدارة تحولت بشكل متزايد إلى خطاب مذكرة التفاهم، وفتح مضيق هرمز، والتخفيض التدريجي للعقوبات، بدلاً من حرب استنزاف مفتوحة (زينجيرل وهولاند، 2026). لذا، في الولايات المتحدة، لا يكمن محور التآكل في الاقتصاد الكلي، بل في السياسة والاستراتيجية: ليس في قدرة الدولة على تمويل الحرب، بل في قدرة الإدارة على تحمل غلاء المعيشة، والمخاطر الانتخابية، والصراع مع الكونغرس، والتكلفة الدبلوماسية لحلفائها على المدى الطويل.

وتؤكد خريطة مصالح الجهات الفاعلة الخارجية هذا الاستنتاج. فدول الخليج لا تسعى فقط إلى وقف إطلاق النار، بل تسعى أيضاً إلى إضعاف قدرات إيران الصاروخية والمسيرة والوكلاء هيكلياً، لمنعها من استخدام مضيق هرمز والتهديد الإقليمي كورقة ضغط مجدداً؛ في حين تدفع قطر وعُمان والكويت نحو تسوية، خشية حرب استنزاف تضر بالتجارة والاستقرار. أما العالم العربي الأوسع، ولا سيما مصر، فيعمل على تحقيق الاستقرار الإقليمي، والأمن الغذائي، واستعادة أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، ولذا فهو يروج لأطر سلام طويلة الأمد بالتنسيق مع الباكستان والسعودية وتركيا. وتدعم أوروبا وقف إطلاق النار والدبلوماسية وحرية الملاحة، لكنها ترفض الانجرار إلى كامل نطاق الضغوط الأمريكية. لقد رحّب الاتحاد الأوروبي رسميًا بوقف إطلاق النار في 9 نيسان، لكن الحلفاء الأوروبيين رفضوا الانضمام إلى الحصار الأمريكي (مجلس الاتحاد الأوروبي، 2026). تتصرف الصين بدافع مصلحة تجارية واضحة في قطاع الطاقة: فهي تطالب بإعادة فتح مضيق هرمز، وتدرك في الوقت نفسه أن أي اضطراب فيه سيؤثر فورًا على مضيق ملقا، أكبر ممر مائي في العالم، والذي نقل 23.2 مليون برميل يوميًا في النصف الأول من عام 2025، والذي يمر عبره جزء كبير من واردات النفط الصينية؛ لذلك، ورغم أن الصين قد تستفيد بشكل غير مباشر من انشغال الولايات المتحدة عن تايوان، فإن مصلحتها المباشرة والملحة تكمن في تقصير أمد الأزمة، لا إطالتها. أما روسيا، فتستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة وتدعم إيران لفظيًا، لكن لا توجد أي بوادر لإنقاذ اقتصادي حقيقي من جانبها؛ كما لم تُرفع العقوبات المفروضة على النفط الروسي بشكل واسع. لم تُمنح الولايات المتحدة سوى موافقة مؤقتة ومحدودة على معاملات الشحنات التي تم تحميلها بالفعل، بينما أبقى الاتحاد الأوروبي على آلية تحديد سقف الأسعار، مؤكدًا هدفه المتمثل في خفض الإيرادات الروسية مع الحفاظ على الإمدادات العالمية (مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، 2026؛ المفوضية الأوروبية، 2026). وتبرز إسرائيل بوضوح في سعيها لإضعاف إيران هيكليًا ودائمًا، وليس مجرد استعادة الاستقرار؛ إلا أنها تواجه صعوبة في تحويل تفوقها العسكري إلى إنجاز سياسي سريع وحاسم، ولذلك تعتمد عمليًا على مزيج من الضغط العسكري، والضغط الأمريكي، والتوصل إلى حل دبلوماسي.

يُستنتج من التحليل أن الاقتصاد الإيراني يتدهور بوتيرة أسرع، لكن النظام الإيراني ليس بالضرورة على وشك الانهيار؛ في المقابل، يتمتع الاقتصاد الأمريكي بقوة، إلا أن الحيز السياسي المتاح لإدارة ترامب أضيق بكثير من الموارد الاقتصادية للولايات المتحدة. لذا، فإن الإجابة الأكثر دقة هي: ستنهار إيران أولًا على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي؛ لكن ليس من الواضح أي النظامين سيُبدي طول نفس أكبر.

يسعى ترامب إلى استغلال الضغط العسكري والاقتصادي للتوصل إلى اتفاق يُنظر إليه كإنجاز سياسي قبل أن تتجاوز التكاليف السياسية والدبلوماسية والاقتصادية المكاسب.

——————————————

هآرتس 18/5/2026 

إسرائيل تقيم مربعا أمنيا في أراضي مقر وكالة الغوث

بقلم: نير حسون

واجه وزير التراث عميحاي الياهو صعوبة في تحديد اذا كان العاملون في “هآرتس” هم “دنس”، كما كتب في البداية في صفحته في الفيس بوك، أو أنهم “افاعي”، كما صحح بعد ذلك. لقد كتب الوزير: “الافاعي في هآرتس تعجز عن إخفاء وجود نساء موهوبات في المجتمع الديني”، وأضاف “استر شترايبر هي مديرة تتمتع بنعمة الهية وشخصية مهنية استثنائية، وهي ستكون المديرة العامة لهيئة الاثار الإسرائيلية، رغم انفهم ببساطة”. الخطأ المحرج في الجملة الأخيرة يظهر في النص الأصلي. ومن الاضرار الأخرى التي الحقتها هذه الحكومة، التي تعتبر بلا شك من أسوأ حكومات إسرائيل، هي التعود على الوزراء الذين يعبرون عن انفسهم بلغة بذيئة ويشتمون ويقولون كلمات نابية.

سبب استخدام الوزير المسؤول عن صيانة التراث يعود الى تحقيق يجري بشان المرأة التي اختارها لتكون المديرة العامة لهيئة الاثار الإسرائيلية. فقد بالغت شترايبر، التي تترأس جمعية دينية وتربطها علاقة وثيقة بحركة حباد الحسيدية حسب التقرير، في صيغتها الذاتية التي قدمتها للجنة التعيينات التي اختارها لهذا المنصب. ونسبت لنفسها إدارة ميزانيات وعدد من الموظفين وحتى منظمات كاملة غير موجودة في الواقع. لم يقدم الياهو وشترايبر حتى الان أي تفسير للتناقض بين سيرتها الذاتية والواقع.

تعتبر لغة الياهو أقل ما يثير القلق في هذه القضية. فقد كتب: “لم تكن مشكلة إسرائيل التي أدت الى الرواية الفلسطينية المزيفة في أي يوم، نقص الأدلة التي تحدد ملكية الأراضي، بل تكمن المشكلة في ان هذه الأدلة بقيت موجودة في المستودعات والصناديق والتقارير الاكاديمية التي لا يقرأها أي أحد”. بكلمات أخرى، هدف سلطة الاثار حسب الوزير المعين، ليس الكشف العلمي عن ماضي البلاد، بل تزويد الحكومة بمواد لحرب دعاية وإيجاد دليل ضمن المكتشفات على حق الشعب اليهودي في ارضه. ومثل غيرها من الحكومات المستبدة، تنظر الحكومة الإسرائيلية للعلم كعدو، وتجري تعيين يهدد احد أهم الهيئات العلمية في البلاد. ورغم ان سلطة الاثار الإسرائيلية، حتى في عهد المدراء العامين السابقين، أخطأت في تسييس علم الاثار وتلبية احتياجات السياسيين، الا انها ما زالت تعتبر “محمية طبيعية” مهنية تخدم الدولة وتحظى باحترام العلماء في إسرائيل وفي الخارج.

يهدف تعيين شترايبر الى الاضرار بالجانب العلمي لسلطة الاثار، وضمان اختيار علماء الاثار بعناية كبيرة بحيث يخدموا رواية الحكومة وتهميش الروايات الأخرى. ومثلما فعل رئيس الحكومة مع الشباك وما يحاول فعله مع الموساد، يسعى الياهو الى فعله مع سلطة الاثار. يهدف تعيين الشخص الذي سيترأس المنظمة الى ضمان الولاء وتسخيرها لأغراض سياسية. النتيجة مرة أخرى هي الدمار وتشويه سمعة إسرائيل.

يأتي هذا التعيين إضافة الى القانون الذي صادق عليه الائتلاف في الأسبوع الماضي بالقراءة الأولى، انشاء “هيئة تراث يهودا والسامرة”، بهدف تزويد الحكومة باداة أخرى لانتهاك حقوق الفلسطينيين في الضفة الغربية (حيث ستتمتع الهيئة الجديدة بصلاحية مصادرة الأراضي)، وتسخير علم الاثار لخدمة مصالح المستوطنين. أيضا يعتبر هذا القانون بمثابة ضم مخالف للقانون الدولي. وقد تمت المصادقة على القانون وتعيين شترايبر رغم المعارضة الشديدة من قبل الأوساط الاثرية في إسرائيل، التي تواجه بالفعل مقاطعة دولية، الامر الذي يصعب عليها الاستمرار في عملها. نحن فقط نأمل تغيير الحكومة قبل ان يتاح لالياهو وشركائه الوقت لتدمير الاثار الإسرائيلية أيضا.

——————————————

هآرتس 18/5/2026

بدلا من ارسال جنود للقتال مجددا في عمق غزة يجب إعطاء فرصة لخطة ترامب

بقلم: رفيف دروكر

تضمنت التقارير المتعلقة باغتيال قائد الجناح العسكري في حماس، عز الدين الحداد، التفاصيل المعتادة: بطاقة هوية القتيل، تصريحات رئيس الحكومة ووزير الدفاع “أصدرت التعليمات وأمرت”. ولكن هناك أمر واحد كان غائب وهو الاستعداد لرد حماس. فقد صدرت عشرات التقارير من القيادة الإسرائيلية في الأشهر الأخيرة حول تعزيز حماس لقوتها، وتجنيدها للمخربين، وإعادة بناء بنيتها التحتية والتزود بالسلاح. فكيف لن ترد الحركة على اغتيال قائد الجناح العسكري في ذروة وقف اطلاق النار الظاهري؟ وأيضا لماذا لن ترد على مئات القتلى في القطاع منذ ان دخل وقف اطلاق النار الى حيز التنفيذ؟.

ان نية حكومة بنيامين نتنياهو العودة الى القتال في قطاع غزة غير مخفية. وبالنظر الى الموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل حاليا فانه لا يوجد ما يضمن ان يحاول دونالد ترامب منع ذلك. الرواية التي سيتم تسويقها للرأي العام هي أنه خلافا لسنتين من القتال ضد حماس، ستنجح إسرائيل في هذه المرة في اخضاعها لعدم وجود رهائن في غزة. هذا محتمل. ولكن محتمل أيضا، مثلما في حالة حزب الله (المختلفة)، ان ينتهي السعي الى القضاء على عدو ضعيف الى فوضى دموية، لا تعرف إسرائيل كيفية الخروج منها. سيسحق الجيش الإسرائيلي حماس ويدمرها ويقضي عليها، لكن حماس سترد بعمليات حرب عصابات والعالم سيندد من جديد بدولة إسرائيل بسبب اضرارها بسكان قطاع غزة.

هذا سيخدم نتنياهو سياسيا بدون شك. رئيس الحكومة لا يكترث بالوصول الى الانتخابات بينما ما زال حماس في القطاع؛ بل هو يريد ان يكون في موقع يسمح له بالقول للرأي العام: “نحن على وشك الانتهاء من حماس”. وهو ما يفضي بشكل تلقائي الى نتيجة مخيفة: انتخابات اثناء جولة قتال في قطاع غزة.

الأكثر أهمية من كل ذلك هو انه يوجد بديل للحرب، بديل لا يعرفه الرأي العام في إسرائيل. لقد نصت خطة ترامب، ضمن أمور أخرى، على انشاء لجنة تنفيذية لغزة، حيث تم انتخاب ممثلين فلسطينيين. واستغرق الامر أسابيع للعثور على أسماء فلسطينيين يمثلون من جهة الشعب الفلسطيني ومقبولين على إسرائيل، ومن جهة أخرى، لا تربطهم أي صلة بحماس. وتوجد اللجنة التنفيذية في القاهرة منذ اشهر ولم تحصل على اذن من إسرائيل لدخول القطاع. وتطالب إسرائيل حماس بالبدء أولا بنزع سلاحها.

وقد أعلنت حماس بالفعل استعدادها لنقل السلطة للجنة التنفيذية شريطة بقاء كل موظفي الخدمة المدنية في غزة في مناصبهم أو تقاعدهم والحصول على راتب تقاعد. هؤلاء عشرات الالاف الذين ربما كانوا ينتمون لحماس، مثلهم مثل كل من شغل منصب في قطاع غزة في العشرين سنة الأخيرة. وهم الذين يديرون جهاز التعليم وجهاز الصحة والشرطة في القطاع، وليس مقاتلي الجناح العسكري.

ليس من الحكمة على الاطلاق ان تطلب إسرائيل استبعاد كل هؤلاء المسؤولين من حكومة قطاع غزة، قد يكون من الصحيح إزاحة كل الذين كانوا جزء من حكومة حماس، لكن تجربة أمريكا في العراق أظهرت ان القرار الأمريكي التخلص من كل أعضاء حزب البعث، حزب صدام حسين، كان ربما اكبر خطأ، وكان ثمن ذلك سنوات من الفوضى.

يقول مراسلون وفلسطينيون مقربون من حماس بان الصورة التي ترسمها إسرائيل عن صعود حماس خاطئة.، وان الحركة في حالة ضعف كبير بعد ان فقدت شرعيتها في نظر الرأي العام وهي مثقلة بالديون وتعجز عن دفع رواتب أعضائها ومستعدة لنزع سلاحها، ولكن بشرط واحد وهو أن لا يتم ذلك باهانة واذلال، أي أن لا تكون صور لاعضاء حماس وهم يسلمون سلاحهم.

لنفترض أنهم على خطأ، وأن التقارير الإسرائيلية صحيحة – لماذا لا نجرب؟ اليس من الحكمة استنفاد هذا الخيار قبل ارسال القوات الى عمق قطاع غزة؟.

——————————————

هآرتس 18/5/2026 

خطة سموتريتش لاسقاط السلطة الفلسطينية

بقلم: عميره هاس

بالصراحة المعهودة حتى لبطل مقالتها، تصف حجيت روزنباوم في الموقع الاخباري “بشيفع” سياسة الوزير بتسلئيل سموتريتش بأنها “حركة كماشة” تهدف الى اسقاط السلطة الفلسطينية. الكماشة هي خنق اقتصادي وتوسيع السيطرة الاستيطانية المباشرة على الأراضي الفلسطينية. وتستخدم مراسلة الموقع الديني اليميني الجذر اللغوي “ح.ن.ق” وليس أنا فقط. ويثبت مقالها مرة أخرى ان وزير المالية والوزير”الحكيم” الموجود في وزارة الدفاع هو الأكثر نجاحا في حكومة نتنياهو.

يتحقق الخنق الاقتصادي من خلال سرقة إيرادات السلطة الفلسطينية من أموال الضرائب التي تجبيها إسرائيل بدلا منها (أنا أورد الاقتباس نفسه خشية الوقوع في خطيئة نشر معلومات مضللة حول طبيعة هذه الأموال)، ومنع العمال الفلسطينيين من العمل في إسرائيل وفي معظم المستوطنات. وتوضح روزنباوم ان هذه ضربة اقتصادية، وتنسب الفضل في توجيهها، ليس فقط لسموتريتش، بل أيضا للوزيرة اوريت ستروك. وتضيف: “كل هذا يساهم في عملية تفكيك السلطة الفلسطينية، الامر الذي سيؤدي الى الانهيار الفعلي لاتفاق أوسلو”.

وتقول روزنباوم في مقال نشر في 14 أيار تحت عنوان “أوسلو، النهاية: الخطة التي ستنقذ إسرائيل من 7 أكتوبر القادم”: “الخطوة الحاسمة، وربما الأقل تناولا، نحو الإلغاء الفعلي (لاتفاق أوسلو) هي الخطوة الاقتصادية بالتحديد”. محور هذا المقال هو اعلان سموتريتش في الأسبوع الماضي عن اعداد خطة لنقل مناطق استراتيجية من الفئة أ وب الى الفئة ج، ردا على العقوبات التي قرر الاتحاد الأوروبي فرضها على بعض أعضاء المشروع الاستيطاني الإسرائيلي. ولنتذكر: سموتريتش بالتحديد، والجماعة التي يمثلها بشكل عام، يبرعون في التخطيط بعيد المدى وفي تنفيذ الخطط. أنا افترض ان هذه الخطة كانت جاهزة وانه اخرجها في الوقت المناسب.

تفسر روزنباوم نجاحات سموتريتش، الذي “يجمد نقل الأموال للسلطة الفلسطينية بمبالغ خيالية، الامر الذي يخنق قدرتها على البقاء بالتدريج”. ومن هذه النجاحات: في ظل غياب الميزانية لم تعد المدارس الفلسطينية تعمل بكامل طاقتها، ودخل مهندسو الخدمة المدنية في اضراب، وبشكل عام “يؤدي التدهور الاقتصادي في السلطة الفلسطينية، الذي تسبب فيه سموتريتش… الى فوضى في الشارع الفلسطيني، وشل أيضا إجراءات أخرى”، مثل مشاريع البناء. متجاهلة افقار الملايين والاضرار بصحتهم (هل يعتبر هذا نجاح آخر؟)، فان روزنباوم تتوقع بانه “من الاثار الأخرى الهامة (لإجراءات الخنق) اشغال المحافظين المحليين بالبقاء عل قيد الحياة اكثر من الاهتمام بمواجهة آليات الإرهاب. كل ذلك يمكن أن يطور اتجاهات إيجابية، اما الفوضى في الشارع الفلسطيني والتمرد على قيادة أبو مازن وخلفائه أو استياء عام من قبل السكان وهجرة من يهودا والسامرة الى الخارج”.

لا يمكن ان يكون الامر اكثر وضوحا من ذلك: الخنق الاقتصادي هو الوسيلة، والفوضى هي النتيجة التي ستسمح بافراغ الضفة من الفلسطينيين. كل شيء يتوافق بالضبط مع خطة الحسم لسموتريتش من العام 2017. أنا افترض ان روزنباوم قد تحدثت معه مباشرة، وبالتالي، هذا لا يعتبر تفسير، بل هو وصف واقعي للخطة وأهدافها. وقد كتبت بان المقربين من الوزير قالوا لها بان “الضغط على الزر والقيام بعمل سياسي لالغاء اتفاق أوسلو هي امر معقد اكثر، لان التفكيك الاقتصادي الى جانب تآكل مناطق أ وب سيسمح بتفكيك الاتفاق بالفعل عندما تسمح الظروف بذلك، مثلا، في اليوم التالي بعد أبو مازن”.

في غضون ذلك، الأموال التي تسرقها إسرائيل من الفلسطينيين ربما سيكون لها غاية. فقد ذكرت “رويترز” في يوم الجمعة بان الولايات المتحدة تفحص الطلب من إسرائيل تحويل جزء من هذه الأموال (14 مليار شيكل حتى بداية شهر أيار) الى مجلس السلام المتعثر، الذي فشل في جمع الميزانية التي حددها لنفسه (17 مليار دولار). وتشير التقديرات الحالية الى ان إعادة الاعمار ستحتاج الى 70 مليار دولار. وأنا على يقين بان هذه التقديرات ستستمر في الارتفاع.

وقد قالت لي مصادر دبلوماسية كثيرة في بداية الأسبوع الماضي ان ما كان اقتراح إسرائيلي في بداية السنة، حسب تقرير نشرته صحيفة “تايمز اوف إسرائيل” قد تبناه مجلس السلام كما يبدو: استخدام جزء من الأموال المسروقة لتمويل عملياته. تجدر الإشارة الى ان جزء من الأموال التي تحتجزها وزارة المالية الإسرائيلية وتمنع تحويلها للفلسطينيين تساوي المبلغ الذي تحوله السلطة الفلسطينية كرواتب وبدالات لسكان قطاع غزة الموالين لها (وليس لحماس)، وتغطية تكاليف العلاج خارج قطاع غزة.

أنا أيضا قمت بتوجيه أسئلة لمجلس السلام منها: هل نوقش تحويل الأموال في اجتماعات بين بنيامين نتنياهو والممثل الأعلى لقطاع غزة نيكولاي ملادينوف؟ هل تم تحديد المبلغ؟ كم عدد المسؤولين الذين يحصلون على راتبهم حاليا من المجلس؟. لم احصل على أي إجابة، باستثناء رد عام تم توزيعه أيضا على وسائل اعلام أخرى: يطلب من كل الأطراف الاسهام في هذا الجهد، بما في ذلك إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وأن “الأموال المحتجزة في البنك لا تساهم بأي شيء في تحقيق خطة الرئيس المكونة من 20 بند”.

هذا لا يبدو بالنسبة لي كانتقاد لإسرائيل، بل تلميح الى ان النية هي بالفعل استخدام بعض الأموال المسروقة، والمتاحة كرهينة، لأغراض أخرى غير التي خصصت لها. ستنهار السلطة الفلسطينية والفوضى في الشارع الفلسطيني ستتفشى، لكن المجلس المتستر بعباءة “السلام”، بمباركة مجلس الامن الدولي، سيضع إشارة “في” الى جانب احدى مهماته.

——————————————

يديعوت احرونوت 18/5/2026

هكذا يُمكن اختراق حاجز المقاومة الإيرانية

بقلم: رون بن يشاي 

سيكون قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن كيفية التعامل مع إيران مصيريًا: فنجاح أو فشل الخطوة الأمريكية سيحدد إمكانية وضع حد للمشروع النووي العسكري، أو على الأقل تأجيله لأجيال. وإلى حد كبير، ستحدد نتائج العملية أيضًا مستقبل نظام آيات الله. سيكون لهذا الأمر تداعيات فورية على إسرائيل: فمثل هذه العملية، سواء نجحت أم فشلت، قد تُنهي الحرب على أربع جبهات على الأقل لا يزال الجيش الإسرائيلي يقاتل فيها.

لقد أدرك ترامب أن النظام الإيراني، مثله تمامًا، ليس متصلبًا فحسب، بل متقلبً وغير متوقع أيضا. ويعني الانقسام في القيادة العليا في طهران أن من يتحدثون ويتفاوضون مع الوسطاء هم وزير الخارجية عباس عراقجي ورجاله، الذين يمثلون التيار المعتدل. في المقابل، يضم التيار المتشدد كبار قادة الحرس الثوري وآيات الله المحافظين، الذين لا يثقون بالأمريكيين، ولأسباب أيديولوجية وعاطفية، يرفضون التفاوض معهم حتى عبر الوسطاء.

نتيجة لذلك، فإن أي تفاهم يتم التوصل إليه بين الوسطاء وعراقجي يصل إلى المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، الذي يُفترض أن يوافق عليه. لكن خامنئي الابن محتجز فعلياً من قبل الحرس الثوري وآيات الله المحافظين، الذين يحمونه من جهة من التصفية، ويمنعونه من جهة أخرى من الاطلاع على آراء المعتدلين الأكثر تعاطفاً مع معاناة المواطنين الإيرانيين. استقبل خامنئي الرئيس المعتدل بزاشكيان للحوار، لكن نظراً لانتماء عائلة والده إلى التيار المحافظ المتشدد، فإنه لا يزال يفضل الحكم وفقاً لنهج مؤيدي موقف عدم الخضوع للولايات المتحدة.

ويُعدّ الدافع الرئيسي لأعضاء هذا الفصيل دينياً: فالنظام في طهران، منذ عهد مؤسسه الخميني، يعتبر عودة التيار الشيعي إلى مكانته اللائقة في العالم الإسلامي (التي انتُزعت منه، في رأيه، قبل أكثر من 1400 عام) مهمة مقدسة. وبناءً على ذلك، يطمح إلى تصدير الثورة، وما تطالبه به الولايات المتحدة هو التخلي عن الوسيلة الرئيسية لتحقيق هذه المهمة: الأسلحة النووية، التي تهدف إلى حماية إيران وتوفير غطاء أمني لتصدير الثورة والوكلاء الشيعة الذين يعملون لصالحها في جميع أنحاء الشرق الأوسط. علاوة على ذلك، في الفكر الشيعي، يُعدّ الاستسلام إهانة، والإهانة أشدّ وطأة من الموت، إذ يُظهر ضعفًا يُهدد بقاء النظام.

 الوقت يصبّ في مصلحة إيران

ومن الأسباب الأخرى للصعوبات التي يواجهها ترامب، شعور النظام الإيراني بأنه صمد جيدًا ونجا من الاحتجاجات المدنية التي اندلعت ضده الشتاء الماضي، ومن الهجمات العسكرية التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي ألحقت أضرارًا بالبرنامج النووي والأصول العسكرية ورموز الحكومة.

خلال الحرب، لم تتعرض البنى التحتية المدنية الوطنية للطاقة والكهرباء والنقل للهجوم تقريبًا، إذ إن أي ضرر يلحق بها من شأنه أن يُفاقم الأزمة الاقتصادية ويُشعل موجة أخرى من الاحتجاجات التي قد تُطيح بالنظام. لذا، يعتقد الخبراء والمسؤولون الأمنيون في الولايات المتحدة وإسرائيل أن النظام سيُجبر على استخدام قوته إذا فُرض عليه حصارٌ وعقوباتٌ اقتصاديةٌ مُجتمعة، مما سيُلحق أضرارًا جسيمةً بالبنية التحتية الحيوية، كالكهرباء والنفط. سيزيد هذا من معاناة المواطنين، ويُصعّب على النظام إعادة بناء بلاده وقدراته العسكرية. سيُهدد هذا الضرر بقاء النظام خلال بضعة أشهر إلى عامين، وبالتالي ستُجبر حتى الفصائل المتطرفة في طهران على إعادة النظر في استراتيجيتها.

هذا الافتراض الأساسي غير مُبرر. أولًا، لأن النظام، الذي يتصرف كبار مسؤوليه بدافع ديني وشعورٍ بالرسالة الدينية، ليس مُباليًا بمعاناة الشعب وصعوباته الاقتصادية. ثانيًا، بنى النظام آليات دفاعية قوية، بقيادة الحرس الثوري والباسيج، اللذين أثبتا بالفعل أنهما لا يترددان في قتل آلاف المواطنين لقمع الاحتجاجات وأعمال الشغب. لذلك، سيتمكن النظام من استيعاب الضرر والبقاء حتى لو تضررت البنية التحتية الوطنية، كالجسور ومحطات توليد الطاقة.

إضافةً إلى ذلك، يُعلن النظام الإيراني، بجميع فصائله، ويعتقد على ما يبدو أنه قادر على تحمّل بضعة أشهر أخرى من الأضرار الناجمة عن الحصار الاقتصادي الأمريكي. في المقابل، يبدو أن طهران تُقدّر أن ترامب لن يكون قادراً على تحمّل معارضة الحرب في الولايات المتحدة، وارتفاع أسعار الوقود والغذاء، والحاجة إلى تبرير أزمة الطاقة العالمية التي تتسبب في ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي.

يعتقد الإيرانيون أنه حتى في حال شنّ ضربة عسكرية، بإمكانهم إلحاق خسائر فادحة وأضرار مادية جسيمة بالأمريكيين ومنتجي النفط العرب وإسرائيل، باستخدام الصواريخ الباليستية والصواريخ أرض-جو والألغام البحرية والطائرات المسيّرة التي لا يزال بإمكانهم تشغيلها. وتشير كل الدلائل إلى أن طهران تعتقد أن إلحاق الخسائر والدمار قد يُفاقم معارضة الحرب في الولايات المتحدة ودول الخليج وإسرائيل. كل هذا يجعل الإيرانيين يعتقدون – وهم مُحقّون إلى حد كبير – أن الوقت يصبّ في مصلحتهم.

إذا شنّ الجيش الأمريكي والجيش الإسرائيلي عملية قوية وفعّالة ومطوّلة، وألحقا أضرارًا بما تبقى من الدفاعات الجوية وأنظمة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الهجومية، فستكون قدرة إيران على إلحاق الضرر بالنفط في دول الخليج العربي والجبهة الداخلية الإسرائيلية والقواعد الأمريكية محدودة للغاية. وبالتالي، سيكون الثمن الذي ندفعه في حياتنا اليومية ونشاطنا الاقتصادي محدودًا مقارنةً بجولات المواجهة السابقة مع إيران. لم يتبقَّ لدى إيران سوى أقل من ألف صاروخ باليستي بعيد المدى، ويُقدَّر أن معظمها سيُخرَج عن الاستخدام قبل أن تتمكن من استخدامه.

مع وجود هذه القوات العاملة فوق سطح البحر وتحته، ينبغي على ترامب أن يُركِّز جهوده فقط على ما يُمكن أن يُحقِّق النتيجة المرجوة في غضون أسابيع قليلة، مع تقليل الخسائر والأضرار التي ستلحق بالخليج وإسرائيل والقواعد الأمريكية وقواتها البحرية.

 من البحر، ومن الجو، وربما من البر

في ضوء كل هذا، يُمكن التكهن بأنَّ ضربةً قويةً وسريعةً للبنية التحتية الحيوية لن تُغيِّر موقف النظام في طهران، بل عملية عسكرية قوية وواسعة النطاق تُنفِّذها القوات الأمريكية والإسرائيلية بشكل مشترك، وتستمر لمدة أسبوع أو أسبوعين، وتُنفَّذ في جميع أنحاء الأراضي الإيرانية دون إلحاق أي ضرر يُذكر بالمدنيين. من المعقول افتراض أنَّ أهداف العملية ستكون تعميق وتوسيع نطاق الأضرار التي لحقت بما تبقى من مرافق إطلاق وإنتاج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيَّرة الهجومية.

هذا هجوم جوي-بحري، وربما هجوم بري أيضًا (على سبيل المثال، من الإمارات العربية المتحدة)، سيكون واسع النطاق ومتواصلًا، وسيستهدف في آن واحد معظم المنشآت الرئيسية، بما في ذلك تلك الواقعة على ساحل مضيق هرمز، وجزيرة خرج، وجزر أخرى. وسيكون فعالًا إذا نُفِّذ بناءً على معلومات استخباراتية ودروس مستفادة من القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) والجيش الإسرائيلي خلال فترة وقف إطلاق النار، وبناءً على التسلح والإمدادات اللوجستية والاستعدادات التي تراكمت في الأسابيع الأخيرة في كل من إسرائيل والخليج العربي.

إن مثل هذه العملية، إذا نُفِّذت بأقصى وتيرة للهجمات، قد تُقلِّل إلى أدنى حدٍّ قدرة إيران على ضرب إسرائيل ودول الخليج وناقلات النفط الراسية في منطقتها. والأهم من ذلك، أنها قد تدفع المتطرفين في طهران إلى استنتاج أن إيران عاجزة عن الدفاع عن نفسها، وبالتالي ستظل عرضةً للهجوم الإسرائيلي أو الأمريكي إذا حاولت استعادة قدراتها الاستراتيجية أو قمع الاحتجاجات. كل هذا في ظل استمرار الحصار الاقتصادي والعقوبات المفروضة عليها.

إن تكبّد الخسائر دون القدرة على الرد، بالإضافة إلى الأضرار التدريجية والمعتدلة التي تلحق بالبنية التحتية، قد يدفع النظام إلى تخفيف حدة مواقفه خوفًا على بقائه، وإدراكًا منه أنه سيعجز قريبًا عن استخدام سلاحه الرئيسي: إغلاق مضيق هرمز.

لذا، أرى أن المسار الصحيح ليس عملية عسكرية خاطفة وسريعة وقوية ضد البنية التحتية، بل عملية مُوجَّهة، يُرجَّح أن تتضمن ضربات واسعة ومتزامنة – من قِبَل القوات الجوية الإسرائيلية والأمريكية – على كامل منظومة الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيَّرة الهجومية، سواء في مضيق هرمز أو في جميع أنحاء الأراضي الإيرانية.

إذا استمرت طهران، بعد أسبوع وربما لفترة أطول قليلًا، في رفض المرونة في المفاوضات، فسيكون من الممكن فتح مضيق هرمز للملاحة دون مخاطر كبيرة، والانتقال تدريجيًا إلى مهاجمة أهداف البنية التحتية المدنية حتى يتم كسر الجمود. هذا الشعور – بأن إيران مكشوفة وتتكبد خسائر دون أن تتمكن من الرد – هو ما دفع الإمام الخميني في عام 1988 إلى قبول شروط وقف إطلاق النار التي اقترحتها الأمم المتحدة، والتي كانت في الواقع مثابة استسلام في الحرب ضد العراق. وهناك احتمال كبير أن يحدث الشيء نفسه الآن.

——————————————

هآرتس 18/5/2026 

تقدم إيراني في المجال النووي، وإعادة تاهيل فوردو، وتجديد طرق امداد حزب الله

بقلم: عاموس هرئيلِ 

 ما زال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمتنع عن الإفصاح بوضوح عن نواياه بشأن استئناف الحرب ضد ايران، في الوقت الحالي يبدو ان ترامب عاد من قمة بيجين خالي الوفاض مع الرئيس الصيني. ربما كان الرئيس الأمريكي يأمل باتفاق “تايوان مقابل ايران” – أي تنازل من الولايات المتحدة بشان الضغوط التي تمارسها الصين على تايوان، مقابل تدخل صيني لحل الازمة في الخليج – لكن لا توجد أي مؤشرات على احراز تقدم. اما إسرائيل فتتصرف وكأن الحرب قد بدأت بالفعل: اذ تلمح الحكومة الاسرائيلية والجيش الإسرائيلي بالتصريحات والافعال للاستعداد لاستئناف الهجمات الامريكية على ايران.

 لقد شغل رئيس معهد بحوث الامن القومي، اللواء المتقاعد تمير هايمن، منصب رفيع في شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” في الشهرين الاولين في الحرب الحالية مع ايران كجزء من خدمة الاحتياط. ويكشف مقال نشره أمس في موقع المعهد تفاصيل غير معروفة عن مسار الحرب. ويستنتج هايمن، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات، وبحق أنه “رغم الإنجازات التكتيكية الا ان مراكز ثقل الحملة، النظام الإيراني والمشروع النووي، لم تتغير جوهريا”. ويصف تقدم ايران في المجال النووي بين الحملة السابقة التي  خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد ايران وبين الجولة الحالية.

 وبحسبه فان الحملة السابقة “لم تمهد الطريق لحل دائم، وقد أظهرت ايران قدرة سريعة وخطيرة على إعادة البناء”. ففي المجال النووي اعادت ايران بناء موقع فوردو، وسرعت وتيرة جبل مكوش الذي يفترض انه محصن ضد الضربات الجوية. وفي مجال الصواريخ وصل معدل انتاجها الى حوالي 125 صاروخ بالستي في الشهر، وجمعت 2500 صاروخ عند بدء الحملة الجديدة. وقد قادت طهران عملية إعادة بناء سريعة لحزب الله من خلال مضاعفة ميزانيته وتجديد خطوط الامداد عبر سوريا، رغم سقوط نظام الأسد.

 هايمن كتب أيضا بان طموح إسرائيل السياسي كان اسقاط النظام، في حين كان الهدف العسكري العلني للجيش الإسرائيلي هو اضعاف قدراته. انتقلت القيادة في ايران الى هيكل قيادة غير مركزي، ونجح مجتبى خامنئي، الذي عين كمرشد اعلى خلفا لوالده الذي تم اغتياله، في منع حدوث فراغ في السلطة رغم سلسلة اغتيالات كبار المسؤولين. وحسب هايمن فقد منح اغلاق مضيق هرمز الإيرانيين نفوذ عالمي للضغط، الامر الذي غير أولويات أمريكا وحرف الأنظار الى أسواق الطاقة. في غضون ذلك بقيت معظم الأصول النووية والصاروخية الإيرانية في أماكن تحت الأرض، الامر الذي يظهر محدودية القوة الجوية.

 ويضيف هايمن بان المرحلة الثانية من الحرب، بعد اغتيال كبار المسؤولين وتفعيل المليشيات الكردية (الذي تم الغاءه بسبب تردد ترامب)، كان من المفروض ان تشمل “تدمير المشروع النووي بنهج مبتكر وفريد”. وحسب أقواله فان “الهدف الاسمى، تدمير السلاح النووي، لم ينفذ حتى البدء في تطبيق اول وقف لاطلاق النار”. ويرى هايمن ان مجتبى خامنئي متطرف اكثر من والده، ولا يستبعد انتاج سلاح نووي لاسباب دينية. ويقول: “من المرجح ان يكون استنتاج القيادة الإيرانية هو ان الردع النووي وحده هو الكفيل بمنع الحرب القادمة”. ويعتقد هايمن انه على المؤسسة الأمنية ان تعمل على افتراض ان ايران قد أنشأت مشروع سري لانتاج السلاح النووي.

 عدم الجدية

 في نهاية الأسبوع الماضي أعلنت الولايات المتحدة تمديد وقف اطلاق النار في لبنان لمدة 45 يوم. هذا كان اعلان مزيف. فالقتال بين إسرائيل وحزب الله مستمر، لكنه يمارس في ظل قيود. ويمنع ترامب معظم الوقت الجيش الإسرائيلي من مهاجمة بيروت والبقاع، وتركز الغارات الجوية على مواقع حزب الله ومنشآته في جنوب نهر الليطاني. ولم يعلق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أو وزير الدفاع يسرائيل كاتس على الإعلان الأمريكي حتى الان.

 عندما أجريت مقابلات مع متحدثين باسم حزب الليكود من قبل وسائل الاعلام في الفترة الأخيرة، حاولوا التقليل من شأن سفك الدماء الإسرائيلية، وركزوا على اطلاق الطائرات المسيرة المتفجرة على القوات الإسرائيلية داخل لبنان، مع تجاهل اطلاق الصواريخ والمسيرات على المستوطنات السكنية على الحدود الشمالية. في الأسبوعين الأخيرين فقط قتل سبعة جنود ومدنيين إسرائيليين في لبنان على طول الحدود وأصيب العشرات، في احداث كان معظمها ناتج عن استخدام الطائرات المسيرة.

 وقد اصدر نتنياهو وكاتس الكثير من التصريحات ونشر البيانات حول قضايا أخرى في الأيام الأخيرة. وقدما بيانات تعزية على قتل الجنود في لبنان، وحرص نتنياهو امس على التذكير بانه كان قد حذر قبل ست سنوات في جلسة لمجلس الوزراء من خطر الطائرات المسيرة (لم يكشف من كان يترأس الحكومة طوال الأربع سنوات ونصف أو الأسباب الغامضة التي حالت دون ترجمة التحذير الى إجراءات عملية). واختلف كاتس مع رئيس وزراء اسبانيا حول قضية تتعلق بمسابقة الاوروفزيون واصدر بيان مؤثر ضد تعيين دان حلوتس كرئيس لرابطة قدامى المحاربين في سلاح الجو.

 ان هذا هو نفس الاستخفاف الذي تتسم به الحكومة بشان لبنان، هناك زج الجيش الإسرائيلي نفسه في حرب عبثية اسفرت عن تدهور الأوضاع في مستوطنات الجليل القريبة من الحدود، ويظهر هذا لاستخفاف أيضا في معالجة مشكلة القوة البشرية في الجيش. أمس قدم الجيش الإسرائيلي معطيات للمراسلين، التي عكست حجم الازمة. ورغم ان نسبة المجندات في الجيش تضاعفت ثلاث مرات خلال عقد من الزمن، ورغم ارتفاع دافعية المجندين للخدمة القتالية، ورغم عودة عشرات آلاف الجنود الى خدمة الاحتياط بعد اعفاءهم منها، الا ان الجيش يعاني من نقص يقدر بحوالي 12 الف جندي في الخدمة الإلزامية، اكثر من نصفهم مقاتلين. وتستدعي الخسائر الفادحة في الحرب وارتفاع عدد الجرحى والمصابين بمشكلات نفسية ناتجة عن القتال الى توسيع صفوف الجيش.

 ويشير الجيش الى عدة مصادر محتملة لتوفير القوة البشرية المطلوبة، منها إعادة مدة الخدمة النظامية للرجال الى ثلاث سنوات (بدلا من 32 شهر، التي يتوقع تخفيضها الى 30 شهر تقريبا)، وسن قانون تجنيد فعال للحريديين، وسلسلة خطوات لتقليص عدد الجنود الذين يعجز الجيش عن الحاقهم بخدمة فعالة. عمليا، يتم نشر موقف الجيش الإسرائيلي هذا في الوقت الذي يبذل فيه رئيس الحكومة جهود أخرى لتمرير مشروع قانون بصيغة لا تؤدي الا الى زيادة التهرب من الخدمة بين الحريديين، وفي وقت يواجه فيه صعوبة في الموافقة على تمديد الخدمة الإلزامية خشية انتقادات عائلات الجنود. لم تكن الفجوة بين احتياجات الجيش وموقف الحكومة من مشكلاته أوضح مما هي عليه الآن.

——————————————

يديعوت 18/5/2026 

الأرض تحترق

بقلم: ناحوم برنياع

 توجه رئيس الأركان جواً إلى سانور، شمال الضفة الغربية، يوم الأربعاء الماضي. كانت شانور إحدى أربع مستوطنات (الأخرى هي كديم، غنيم، وحومش) تم إخلاؤها ضمن خطة أريئيل شارون لفك الارتباط. قررت الحكومة مؤخراً إعادة استيطان المنطقة، وربما أيضاً إنشاء قاعدة عسكرية هناك. ضغطت جماعات المستوطنين، وجذبتهم فرصة الانتقام من شارون وإرثه، لكن كان هناك ما هو أهم: حكومة نتنياهو، في نهاية ولايتها، تسعى إلى فك ارتباط إسرائيل بالتزاماتها الدولية. كل شيء قابل للانتهاك – الانسحاب، أوسلو، لبنان، سوريا، غزة. أي شيء لا يحظره ترامب فهو مسموح.

لقد انتهكت الحكومات الإسرائيلية القانون الدولي والاتفاقيات التي وقعتها في الماضي، لكنها فعلت ذلك بحذر، وعلى نطاق محدود، تحت غطاء أمني ودعم نظام قانوني قوي ومقبول دوليًا. أما الحكومة الحالية فتستهتر بالعالم الذي لا يهمها إلا عندما يصوت لمسابقة الأغنية الأوروبية.

أطل رئيس الأركان على مستوطنة سانور المتجددة من تلة قريبة. أظن أنه أجرى حساباته: كم عدد الجنود الذين سيضطر لنقلهم إلى الضفة الغربية من جبهات أخرى، وكيف سيتعامل مع البؤر الاستيطانية التي تنتشر الآن على كل تلة، وتحت كل شجرة خضراء، وكيف سيتعامل مع المداهمات الليلية على القرى الفلسطينية.

الحكومة لا تكتفي بأعمال الشغب: بل لديها رؤيا. المذابح هي مجرد غطاء يختلقه الناس المحترمون لينعموا بنوم هانئ. ما يُسمى بـ”فتيان التلال” ميليشيا مسلحة تعمل لصالح الحكومة، بموافقتها وتمويلها. الخطة السابقة، التي كانت تهدف إلى تقسيم الضفة الغربية عبر مناطق الاستيطان، أصبحت من الماضي. أما الخطة الحالية فتسعى إلى حلٍّ تدريجي: في المرحلة الأولى، إخلاء المناطق النائية من السكان، وفي المرحلة الثانية، تهجير سكان الريف بالكامل إلى المدن، حيث سيعيشون كنازحين. عندها سينهار الاقتصاد، وسينهار القانون والنظام، ثم، في ذروة الفوضى، سيأتي الحل: الترحيل.

أولاً فصل عنصري؛ ثم ترحيل: كل شيء مكشوف؛ لا شيء رسمي. إذا فاتتك مقالة عوديد شالوم في صحيفتي “يديعوت أحرونوت” و”واي نت” يوم الجمعة الماضي، أنصحك بالعودة إلى الصحيفة أو الموقع الإلكتروني والاطلاع عليها. شالوم، وهو مراسل ميداني من النوع الذي يتلاشى تدريجياً من وسائل الإعلام الإسرائيلية، غطى ما يحدث في المنطقة “ب” في الضفة الغربية، وهي منطقة، وفقاً لالتزامات إسرائيل الدولية، تخضع لسيطرة مدنية فلسطينية. وقد سيطر ما يُعرف بـ”فتيان التلال” على مناطق قريبة من القرى. إنهم يحرقون المركبات، ويسرقون الأغنام والماعز، ويضربون الرجال، ويروعون النساء والأطفال. الجنود منقسمون إلى مجموعات. بعضهم، من أفراد ثلل التأهب والوحدات اللوائية، يشاركون في أعمال الشغب؛ وبعضهم يراقبون الأحداث من بعيد، خشية أن تسجلها كاميرات المهاجمين، وخشية أن يتورطوا هم أنفسهم. يرى الضباط مستوطنا في مركبة وفرتها له الدولة أو جندي احتياط يحمل سلاحًا نظاميًا: يصعب عليهم اعتبارهم مجرمين. الشرطة مترددة في التدخل، مترددة في التحقيق. روح بن غفير تسيطر عليهم.

رأيتُ ووصفتُ ما يصفه عوديد شالوم بعد جولات في كروم العنب بمنطقة حلحول وفي المراعي بين الجبل وغور الأردن. التفاصيل متكررة، مزعجة، مُرهِقة: قرية أخرى، إطلاق نار آخر، حريق آخر، عنف آخر ضد النساء والأطفال وكبار السن، تهجير قسري آخر للناس من منازلهم وممتلكاتهم ومصادر رزقهم. أحيانًا تُنسينا التفاصيلُ جوهرَ الموضوع: لا نرى الغابةَ من كثرة الأشجار، ولا نرى الهدفَ بوضوح.

قام اللواء المتقاعد ماندي أور، منسق الأعمال في الأراضي المحتلة سابقًا والخبير الحالي بشؤون الضفة الغربية، مؤخرًا باصطحاب عدد من الوزراء وكبار المسؤولين من الحكومات السابقة في جولاتٍ على بؤر التوتر. تحدثتُ إلى بعضهم، فعادوا مصدومين. ما رأوه وسمعوه يُقنعهم بأن هذه جرائم حرب.

يمكننا الاحتجاج مرارًا وتكرارًا على المظاهرات المعادية للسامية، وعلى الأكاذيب، وعلى العمل الفاشل والمُهمل والمُغرض لكاتبٍ بارز في صحيفة نيويورك تايمز – كل هذا صحيح. لكن هذه الادعاءات لا تُخفي ما تفعله حكومتنا في الضفة الغربية، باسمنا، ومن وراء ظهورنا، دون أن تتحمل مسؤولية أفعالها ونتائجها.

إسرائيل على أعتاب حملة انتخابية. يتحدث كل زعيم من زعماء أحزاب المعارضة يوميًا، بل ساعة بساعة، عن أي قضية تخطر على البال، لكن فيما يتعلق بالمسألة الجوهرية التي يتجاهلها الجميع، ألا وهي رأيهم في ما تفعله الحكومة خارج الخط الأخضر، نادرًا ما تُنشر بيانات، إن وُجدت أصلًا. فالحديث عن العرب ليس من الوطنية، بل يُنَفِّر الناخبين.

سواء أرادوا ذلك أم لا، سيُضطرون في النهاية إلى توضيح ما سيفعلونه إذا ما شكلوا حكومة: هل سيُخلون البؤر الاستيطانية والمزارع أم سيستمرون في دعمها؟ هل سيوقفون تمويل المجرمين في المناطق الجبلية أم سيستمرون فيه؟ هل سيُجددون الاعتقالات الإدارية التي أوقفها يسرائيل كاتس تحت ضغط من الكاهانيين؟ هل سيُؤمر الجيش والشاباك والشرطة بالقيام بواجبهم في الضفة الغربية، حتى فيما يتعلق باليهود؟

إن الحكومة المنتهية ولايتها، إن رحلت، ستُخلف وراءها آثارًا مدمرة في كثير من القضايا. وسيتطلب الأمر إصلاحًا جذريًا. وفي المناطق ستكون الأرض مُحروقة بشكل خاص. لا مفر من مواجهة الأمر، بسبب العرب وبسبب اليهود.

——————————————

معاريف: 18/5/2026

التخوف: ايران ستضرب أولا

بقلم: أيلي اليئون وآفي اشكنازي

هل ستسأنف إسرائيل والولايات المتحدة القتال ضد ايران؟ القرار كما هو معروف بيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. لكن بالمقابل يطرح السؤال هل يحتمل أن تنطلق ايران الى هجوم مسبق ضد اهداف أمريكية وإسرائيلية. على أي حال، في واشنطن وفي القدس لا يخاطرون وقد قرروا، حسب التقارير، تعزيز حالة التأهب في ضوء هذه الامكانية.

سطحيا على الأرض يوجد وقف نار. لكن في الشرق الأوسط مثلما في الشرق الأوسط تعصف الرياح مرة أخرى والحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وبين إسرائيل تهدد بالانفجار من جديد في كل لحظة.

المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران علقت في طريق مسدود تماما، حيث يرفض الطرفان ابداء المرونة ويطرحان مطالب متصلبة، تبعد كل فرصة لتسوية دائمة وتترك الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة في هزة عميقة.

تحدث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمس هاتفيا مع ترامب. وقد جرت المحادثة قبل بدء تقويم الوضع في الكابنت الضيق.

تصعيد دراماتيكي سجل أمس في اتحاد الامارات، حين وجهت هجمة مسيرات غريبة لأول مرة نحو محطة توليد الطاقة النووية “بركة” في منطقة الظفرة في أبو ظبي.

ووفقا لتقرير رسمي من المكتب الصحفي في أبو ظبي تسبب الهجوم بحريق في مولد كهربائي خارجي خارج المجال الداخلي للمفاعل. وسارعت السلطات في الامارات بالتهدئة وأعلنت بان النار اطفئت مع التشديد على عدم وقوع إصابات او تسجيل ضرر في مستويات الأمان والاشعاع.

رغم أن الامارات تمتنع عن اتهام ايران مباشرة، فان الهجوم على المحطة النووية – التي بنيت بتعاون مع كوريا الجنوبية وتقع بمحاذاة الحدود السعودية – يشكل ارتفاع درجة خطير في ظل وقف النار المتوتر. وأشارت الوكالة الدولية للطاقة الذرية الى انها تتابع الوضع عن كثب وانه لا توجد تقارير عن تسرب نووي.

على خلفية هذه الحادثة يوضح تبادل الاتهامات والمطالب المتطرفة بين الطرفين بان جبهة القتال بعيدة عن الانغلاق. فقد أفادت وكالة “فارس” الإيرانية بان الولايات المتحدة طرحت خمسة شروط متصلبة لاستمرار المحادثات بما فيها طلب نقل الـ 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، تقييد منشآت النووي لطهران، رفض تام لدفع تعويضات عن الحرب وعدم تحرير أصول إيرانية مجمدة، بل ان طهران أوضحت بان وقف الحصار البحري الأمريكي على موانىء ايران مشروط بتقدم مباشر في المفاوضات.

بالمقابل، أوضح رئيس لجنة الداخلية في البرلمان الإيراني محمد صالح جوكار بان الشروط التي وضعها الزعيم الأعلى مجتبى خامنئي تشكل “خطا أحمر” في كل مفاوضات مستقبلية.

شروط خامنئي السبعة حسب جوكار تتضمن: “عبور مرتب في مضيق هرمز يتم فقط وحصريا بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية”؛ انهاء الحرب في كل الجبهات وضد كل أعضاء “محور المقاومة”؛ انسحاب كامل للقوات الامريكية من كل قواعدها في المنطقة؛ دفع تعويضات كاملة لإيران؛ الرفع المطلق لكل العقوبات التي فرضت على طهران؛ تحرير الأموال والأصول الإيرانية المجمدة في الخارج؛ الاعتراف في حق ايران بتخصيب اليورانيوم.      

——————————————

هآرتس 18/5/2026 

يوجد 1.5 مليون ناخب عربي، لكن ليس عليهم أي طلب

بقلم: عودة بشارات

في يوم السبت الماضي تم عقد جلسة للمجلس القطري للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة في دير حنا. لقد جاء المئات لانتخاب المرشحين الستة الأوائل لقائمة الحزب في الكنيست. ديمقراطية تنبض بالحياة، منافسة شديدة، حملات اقناع كثيفة حتى اللحظة الأخيرة وآلاف المكالمات من المرشحين لاعضاء المجلس. اتسمت الحملة بالتهذيب، وفي نهاية المطاف تصافح المرشحين، الفائزين والخاسرين، لقد كانت سويسرا المهذبة موجودة هناك.

العالم يتغير، على الاغلب للافضل، وكذلك مجلس حداش. في السابق كان شيوخ القبيلة يجلسون ويتشاورون ويقدمون قائمة مدروسة للمرشحين. في معظم الحالات الكادر المنضبط كان يؤيد القائمة التي يتم فرضها اعلى. كانت هذه “التوصية” تسمى “الحكمة الجماعية”. وكما هو معروف فان الجماعة تتكون من افراد.

لقد انتهى عهد “اللجنة المنظمة” لحزب مباي على صيغة “ماكي” (الحزب الشيوعي الإسرائيلي)، وهناك من ياسفون على ذلك لانه حسب رأيهم ما تتم رؤيته من اعلى لا تتم رؤيته من اسفل. هم يقولون بان الرؤية من اعلى تكون شاملة وتاخذ في الحسبان كل الخصائص وكل احتياجات قائمة حداش. ولكن أيضا الان، بدون توجيه من اعلى، عرف أعضاء المجلس، بمن فيهم الشباب، كيفية اختيار قائمة تهتم باعتبارات الوحدة والتنوع بين السكان العرب وتحافظ في نفس الوقت على الشراكة العربية – اليهودية.

هذه هي العلامة التجارية لحداش: قائمة تمثل المواطنين العرب، الى جانب ارتباطها الوثيق بالتيار التقدمي في المجتمع اليهودي.

كانت المشكلة تكمن في تهميش النساء من البداية، الامر الذي اثار خيبة امل كبيرة. وكان الرد: في المركز الخامس انسحب كل المرشحين الذكور لصالح تمثيل النساء. واضح ان المكان المضمون كان غائب، الامر الذي اثار انتقادات شديدة لحداش.

بعد هذا الاستعراض للديمقراطية على صيغة أثينا القديمة، الذي جرى في دير حنا، سنتحدث عن خيبة الامل. لقد جاء حوالي ألف شخص الى دير حنا الساحرة، الذين انتخبوا من قبل بضعة آلاف آخرين. ولكن ممثلي الدولة القومية لم يرغبوا في رؤية هذا الجهد أو السماع عنه، وكأن الامر يتعلق بحاملي وباء سيقضي على مشروع الإباء، وهو دولة يهودية نقية.

يشكل العرب في إسرائيل حوالي 20 في المئة من سكان البلاد، ويبلغ عدد الناخبين العرب حوالي 1.5 مليون. ولكن هذه الكتلة غير موجودة في الساحة السياسية الإسرائيلية. الأغلبية هنا لا تريدهم. وهي تقول لهم “يا رفاق، ما اجمل احتفالاتكم الانتخابية المثيرة للاعجاب، ومنشوراتكم الملونة المدهشة وافلام الفيديو. ولكن كل ذلك، للأسف، لا يترك فينا أي أثر.

اذا كان هذا هو الوضع فأنا اقترح أن يقول العرب للاغلبية المحترمة: اذا كنتم تريدون ان تكون اللعبة يهودية خالصة فالعبوا كما تشاؤون ونحن سنجلس على المدرجات. تنافسوا لمعرفة من منكم سيهزم حماس، ومن سيهزم ايران، ومن سيستولي على جنوب لبنان، حتى الليطاني كبداية، ابحثوا عن قبور اجدادكم في صحراء العراق، ومن سيكون الأكثر استعدادا للحرب القادمة مع تركيا وبعد ذلك مع مصر.

اذا حصل العرب على 15 مقعد في الكنيست، فانه سينخفض عدد الأعضاء فيها الى 105. عندها العبوا لوحدكم، لأنه سبق لنا واحترقنا من الانضمام كلاعبين ثانويين. وحصلنا على الضربات من جانبي الملعب، في كل ازمة كانوا يلومون العرب.

هذه المرة أيضا اذا انشق احد من اليمين وانضم الى حكومة بنيامين نتنياهو فان العرب سيتم لومهم. وفي كل ازمة في أوساط “التغييريين” سيتهمون العرب بانهم هم الذين توجوا نتنياهو. وسيثور مؤيدو دروكر وشترسلر بغضب على العرب بسبب عدم تقبلهم الاهانة.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article