بقلم: تسفي برئيل
المسار“الوقت ينفد”، هكذا هدد دونالد ترامب. “عليهم الاسراع والا لن يبقى لهم شيء”. يصعب حصر عدد المرات التي وجه فيها الرئيس الامريكي التهديدات لايران منذ الاعلان عن وقف اطلاق النار في 8 نيسان الماضي، الذي كان من المفروض ان يستمر اسبوعين. وقد مرت ثمانية اسابيع منذ ذلك الحين. امس قدمت باكستان نسخة “معدلة” من المقترح الايراني السابق الذي رفضه ترامب بشكل قاطع، والعالم ينتظر من جديد رده.
حسب مصادر مطلعة على المقترح فان هذه ليست مواقف جديدة، بل هي كما يبدو مزيج من مقترحات ترامب ومقترحات ايران بطريقة لا تقسم النقاش حول القضايا الجوهريةالى قسمين منفصلين، بل تسمح بالتفاوض حولها جميعها في اطار واحد. اذا كان هذا هو جوهر المقترح فهو يهدف الى تجاوز عقبة اجرائية، التي منعت احراز تقدم في المفاوضات، والتي صممت ايران في اطارها على مناقشة ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز أولا، والحصول على تعهدات وضمانات من الولايات المتحدة واسرائيل بالامتناع عن أي هجوم والافراج عن الاموال المجمدة في البنوك الامريكية وفي ارجاء العالم.
طرحت ايران الاتفاق على هذه البنود كشرط مسبق لمناقشة الملف النووي الذي يتضمن نقل اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة الى خارج ايران، والتصميم على حقها في تخصيب اليورانيون بمستوى منخفض 3.67 في المئة. واذا تم التوصل الى اتفاق حول “جدول الاعمال” للمفاوضات فقد يمهد ذلك الطريق امام الطرفين لاستئناف المحادثات المباشرة بهدف صياغة اتفاقيات ثنائية بالتدريج، وبالتالي منع استئناف الحرب.
لقد حققت ايران انجاز مهم جدا بتحويلها قضية مضيق هرمز الى تهديد سياسي واقصادي عالمي، الامر الذي، الى جانب هجماتها على دول الخليج، خلق رادع اثبت فعاليته حتى الآن. فبعد ان كان مضيق هرمز وحرية الملاحة في الخليج غير مطروحة على الاطلاق قبل الحرب، اصبحت هذه القضايا تجبر الولايات المتحدة على اعتبار سيطرة ايران على مضيق هرمز قضية لا يمكن تجاهلها. وسيتطلب ذلك نقاش واتفاق، وربما حتى تنازلات بشان الملف النووي.
حسب تقرير لـ “اكسيوس” نقلا عن مسؤول امريكي رفيع المستوى، فان المقترح الايراني المحدث غير كاف ولا يدخل أي تغيير جوهري مقارنة مع المقترح السابق، ولكن حسب نفس المسؤول، “قد يشير تقديم المقترح المعدل الى قلق ايران من استئناف الهجوم الامريكي”.
مع ذلك ايران ليست وحدها التي تشعر بالقلق من استئناف الحرب. فدول الخليج في حالة تاهب قصوى تحسبا لهجوم، وحتى لو نفذ، فلن يضمن الاستسلام الكامل الذي يطمح اليه ترامب. هذه الدول لا تقتنع بالبيانات التي قدمها قائد القيادة الوسطى الامريكية، الجنرال براد كوبر، في جلسة استماع امام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ في يوم الخميس الماضي. وحسب كوبر فقد دمرت الولايات المتحدة حوالي 90 في المئة من الالغام البحرية التي كانت لديها التي يبلغ عددها 8 آلاف لغم، وحوالي 75 في المئة من مخزون الصواريخ البالستية والمسيرات والقدرات البحرية.
وقد ادركت دول الخليج بالفعل ان صاروخ واحد أو مسيرة واحدة تكفي لتدمير منشأة نفط كبيرة أو وقف انتاج الغاز. ايران لا تخفي حقيقة ان قائمة اهدافها ستكون واسعة النطاق، بالضبط مثل الهجوم الامريكي. محطات تحلية المياه التي توفر 90 في المئة من استهلاك دول الخليج للمياه، ومحطات الطاقة النووية التي استهدفت في دولة الامارات، ومحطات توليد الطاقة وغيرها من منشآت البنى التحتية المدنية، جميعها ضمن قائمة الاهداف “المشروعة” التي تقول ايران بانها لن تتردد في مهاجمتها. وهذا ليس مصدر القلق الوحيد.
عندما يقول ترامب بان “الوقت جوهري” فانه يشير بالدرجة الاولى الى التطورات الحاصلة في الخليج العربي وكسر الحصار الذي فرضه على ايران. وفي نهاية الاسبوع الماضي مرت 30 سفينة، معظمها صينية، مضيق هرمز، 4 منها تحمل حوالي 2 مليون برميل نفط من العراق، اضافة الى ناقلات غاز مسال من قطر الى باكستان. وبالمقارنة مع 120 سفينة تمر في المضيق كل يوم في الايام العادية، فان هذا يعتبر عدد قليل لا يكفي لاستبدال خط الملاحة هذا، لكن جدير بالذكر ان الادارة الامريكية غير متحمسة لسد هذه الثغرة ومواجهة السفن التي ترفع العلم الصيني. في نفس الوقت اعلنت ايران بانها تتفاوض مع سلطنة عمان لصياغة بروتوكول مشترك لعبور السفن، وان “دول اخرى تتفاوض مع ايران حول اتفاقيات لعبور سفنها” وفقا للشروط التي تفرضها، والتي تشمل دفع رسوم “خدمات خاصة”. في يوم السبت غرد رئيس لجنة الامن القومي في ايران، ابراهيم عزيزي، بان ايران تعد بروتوكول مهني لادارة الملاحة في مضيق هرمز، وسيتم نشر تفاصيله في القريب.
في نهاية نيسان الماضي اعلنت باكستان، الوسيطة بين ايران والولايات المتحدة، عن فتح 6 معابر برية امام حركة الملاحة، ويتوقع ان يعبر فيها 3 آلاف حاوية عالقة في ميناء كراتشي. وفي الاسبوع الماضي اجرى وفد ايراني مباحثات مع باكستان حول توسيع الربط بين ميناء تشابهار في ايران وميناء جوادر في باكستان، بما يسمح بتجاوز جزئي على الاقل للحصار البحري الامريكي المفروض على الخليج الفارسي. هذه الطريق اذا فتحت على نطاق واسع قد تجعل باكستان مركز لتسويق بضائع ايران، ومن هناك نقل الجزء الاكبر من التجارة، غير تجارة النفط، من دولة الامارات التي كانت حتى الحرب ثاني أهم شريكة لايران. لم تكسر دول الخليج الحصار حتى الان، وحسب المعلومات المتوفرة فهي لا تتفاوض مع ايران حول ترتيبات العبور، لكن الوقت لا يتوقف بالنسبة لها ايضا.
تكشف خارطة طرق النقل البرية المتاحة لايران عن وفرة بدائل قائمة، واخرى قد يتم انشاءها، بما في ذلك الممر الشمالي – الجنوبي الذي يربط الهند عبر ايران بالقوقاز وروسيا، خط سكة حديد الشحن بين شيان في الصين وبين ايران، الذي زاد عدد رحلاته من مرة واحدة في الاسبوع الى 3 – 4 مرات في الاسبوع، وطرق النقل التي تربط ايران بالدول التي تطل على بحر قزوين. ايضا قد يتحول خط سكة الحديد بين ايران وتركيا، الذي عانى حتى الان من صعوبة فنية وادارية، الى طريق رئيسية بديلة، في حين ما زال مصير الاتفاق الموقع في نهاية السنة الماضية لانشاء خط سكة حديد متطور سريع جدا بين الدولتين، بتكلفة 1.6 مليار دولار، غير واضح.
هذه الطرق البرية تربط ايران بدول مثل الصين وروسيا، غير الملتزمة بالعقوبات الامريكية، وبدول تطبق العقوبات جزئيا، بما فيها باكستان وتركيا والدول المطلة على بحر قزوين. ولا يمكن لهذه الطرق حتى الان ان تستبدل الطريق البحري الذي كانت ايران تسوق من خلاله حوالي 1.5 مليون برميل نفط كل يوم، معظمها للصين وبسعر اقل بكثير من سعر السوق. ولكنها سمحت للاقتصاد الايراني بالاستمرار في العمل حتى تحت نظام العقوبات الصارم.
حسب دراسة اجراها مركز الامارات للسياسات في بداية هذه السنة كان من المخطط له ان تشكل مداخيل النفط حوالي 15 في المئة فقط من الميزانية، وان يكون باقي التمويل من الضرائب (حوالي 50 في المئة)، ومن بيع السندات وسحب الاموال من صندوق الادخار الوطني الذي تودع فيه قوائض عائدات النفط، مع العلم انه لا توجد بيانات موثقة حول حجم الاموال المودعة فيه. لذلك فان تقدير المخابرات الامريكية بان ايران تملك “احتياطي مالي” يكفيها لثلاثة او اربعة اشهر لا يعكس الواقع بالضرورة. فايران لا تملك احتياطي مالي كبير فقط، بل ان قدرتها على استيراد وتصدير البضائع عن طريق البر قد تعزز مواردها المالية وتعطيها هامش اكبر مما يقدر الغرب.

