كتبت رماح إسماعيل : «المشروع الإبراهيمي» يدخل الساحة السوريّة: ما علاقة الإمارات وإسرائيل؟

المسار: إلى الواجهة من جديد، وفي خضم التطورات التي تشهدها المنطقة، يعود مشروع «الحركة الإبراهيمية» إلى فرض نفسه على الشعوب العربية «الشرق أوسطية» على وجه الخصوص بوصفه «حبل نجاة» الأديان المختلفة من التطرف والعدائية فيما بينها، ويتخذ هذا المشروع في الآونة الأخيرة من سوريا مسرحاً للترويج، في ظل حالة الاقتتال الطائفي بين بعض المكونات المذهبية، في محاولة لاستقطاب من يشعر منهم بـ«المظلومية» ويريد التخلص من هاجس القتل على الهوية.

لكن دافع التخلص من هذا الهاجس، لا يخلو من هواجس أخرى حول ماهية هذه الحركة، ومن أين أتت، والسؤال الأبرز الذي يسأله السوريون اليوم ممن تواصلت معهم «الأخبار» هو: ما علاقة الحركة الإبراهيمية بإسرائيل، وهل تعتبر أداة ناعمة من الأدوات الإسرائيلية للهيمنة على شعوب المنطقة فكرياً بدلاً من الخيار العسكري؟

للإجابة على ذلك كان لا بد من العودة إلى جذور هذه الحركة ونشأتها الصريحة في عام 2019، خاصة بعد توقيع «وثيقة الأخوة الإنسانية» في أبوظبي عام 2019، وما تبعها من إنشاء «بيت العائلة الإبراهيمية»، إلى جانب اتفاقيات التطبيع المعروفة باسم «اتفاقات أبراهام». هذه الخلفية تجعل في هذه المبادرات ما يتجاوز الجانب الديني نحو أبعاد سياسية واستراتيجية مرتبطة بإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

تُشير الحركة الإبراهيمية إلى مشروع فكري وديني وسياسي يسعى إلى التقريب بين الديانات السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام، انطلاقاً من اعتبار النبي إبراهيم شخصية جامعة بينها. وتطرح هذه الحركة مفاهيم مثل «الأخوة الإنسانية»، و«حوار الأديان»، و«التعايش الديني»، بهدف بناء أرضية مشتركة تُسهم – بحسب أنصارها – في تحقيق السلام العالمي وتقليل الصراعات ذات البعد الديني.

خلفية الحركة ونشأتها تتجاوز الجانب الديني نحو أبعاد سياسية واستراتيجية مرتبطة بإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط وتطبيع العلاقات مع إسرائيل

وتعتمد الحركة على مفهوم «الدبلوماسية الروحية»، الذي يقوم على توظيف الدين والحوار بين الأديان في خدمة أهداف سياسية ودولية، مع التركيز على استخدام الخطاب الديني لتعزيز مشاريع السلام والتقارب الثقافي. ويشير إلى أن بعض المؤسسات الغربية والأميركية، مثل جامعة «هارفارد»، ساهمت في تطوير مبادرات مرتبطة بالمفهوم الإبراهيمي، مثل «مسار إبراهيم».

واللافت هو أنّ حجم الانتقادات الموجهة للحركة الإبراهيمية من قبل عدد من العلماء والمفكرين، الذين يرون فيها محاولة لتمييع الفوارق العقدية بين الأديان، أو توظيفاً سياسياً للدين تحت شعارات التسامح والتعايش، بما قد يؤدي إلى إضعاف الهوية الدينية والثقافية للشعوب.

ما علاقة «الحركة الإبراهيمية» بإسرائيل؟

في منطقتنا، لا يمكن فصل «المشروع الإبراهيمي» عن سياقات سياسية واستراتيجية أوسع تقودها دوائر فكرية ودينية مرتبطة بالتيار التلمودي اليهودي والحركة الإنجيلية في الولايات المتحدة، هذا ما أكده الكاتب والباحث مكرم العريضي لـ«الأخبار».

ويعتبر العريضي – الباحث في الشؤون الإبراهيمية – أن هذا المشروع يتجاوز الطابع الديني أو الحواري المعلن، ليحمل في جوهره أهدافاً سياسية تتعلق بإعادة تشكيل المنطقة على أسس إثنية ودينية وطائفية.

ويقول العريضي إن الباحثين والمتخصصين في العلوم السياسية والاجتماعية الذين تابعوا هذا الملف خلال السنوات الماضية يدركون حجم المخاطر التي قد تترتب على المشروع الإبراهيمي، مشيراً إلى أن العمل عليه – وفق رؤيته – بدأ بصورة منظمة منذ عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، وبمشاركة مراكز أبحاث وشخصيات أكاديمية ودينية من الديانات الثلاث. ويضيف أن دراسات ومؤتمرات عدة تناولت الفكرة من زاوية «تأطير البعد الديني لخدمة مشروع سياسي أشمل».

وبحسب العريضي، فإن جوهر المشروع يقوم على تفتيت البنى الوطنية في الشرق الأوسط وتحويل الدول المركزية إلى كيانات ضعيفة ومجزأة على أسس مذهبية وعرقية، بما يؤدي إلى إضعاف مفهوم الدولة الوطنية أو القومية. ويرى أن ما شهدته دول مثل العراق وسوريا ولبنان خلال العقود الأخيرة من حروب وأزمات وصراعات داخلية أسهم في تفكيك البنية المجتمعية الموحدة داخل هذه الدول، الأمر الذي مهّد – من وجهة نظره – لتوسيع مشاريع التقسيم وإعادة رسم الخرائط السياسية والاجتماعية في المنطقة.

كما يربط العريضي بين هذه التحولات وبين ما يصفه بمحاولات تكريس إسرائيل كـ«دولة يهودية» مهيمنة في الشرق الأوسط، معتبراً أن تفكيك الدول المحيطة بها يساهم في تثبيت هذا الواقع سياسياً واستراتيجياً. ويشير في هذا السياق إلى أن الاستهداف، بحسب قراءته، لا يقتصر على دول عربية بعينها، بل يمتد ليشمل قوى إقليمية كبرى مثل إيران، وقد يصل لاحقاً إلى تركيا.

ويحذر العريضي من محاولات استقطاب الأقليات الدينية والطائفية وإقناعها بالانخراط في مشاريع انفصالية أو كيانات مستقلة تحت عناوين الحماية والدعم السياسي والاقتصادي. ويرى أن هذه الطروحات قد تُقدَّم لبعض المكونات الاجتماعية بوصفها ضمانة للأمن والاستقرار، إلا أنها ستؤدي في النهاية إلى «انهيار الدولة الوطنية الجامعة وتحويل المجتمعات إلى كيانات متنازعة وضعيفة».

تبرز الإمارات العربية المتحدة كواجهة تنفيذية للمشروع على الأرض

وفي هذا الإطار، يوجه العريضي دعوة إلى الأقليات في سوريا، ولا سيما الطائفتين العلوية والدرزية، للتمسك بمفهوم الدولة الوطنية وعدم الانجرار وراء مشاريع التقسيم أو الانفصال. كما يدعو إلى صياغة «مؤتمر وطني جامع» يعيد إنتاج فكرة الوحدة الوطنية السورية، مستحضراً في ذلك تجربة المؤتمر السوري العام في مرحلة ما قبل معركة ميسلون خلال فترة الانتداب الفرنسي.

وشدد العريضي التأكيد على أن الحفاظ على وحدة الدولة وبنيتها المجتمعية والجغرافية، بصرف النظر عن الموقف من الأنظمة السياسية، يشكل «الضمانة الأساسية لمنع انهيار المجتمعات والدخول في دوامات التفتيت والصراعات الداخلية».

كيف يعلّق أنصار «الحركة الإبراهيمية»؟

يرى بعض المؤيدين لفكرة «الحركة الإبراهيمية» الذين تواصلت معهم «الأخبار» أنها ليست مجرد مشروع ديني أو مسار للتطبيع مع إسرائيل، بل مشروع جيوسياسي واسع يتجاوز حدود الدول والهويات التقليدية. وبحسب هذه الرؤية، فإن الهدف المركزي للمشروع يتمثل في فرض حالة من الاستقرار والسلام في منطقة الشرق الأوسط، بوصفها خطوة استراتيجية لنقل مركز الثقل الاقتصادي والسياسي العالمي من أوروبا إلى المنطقة العربية والشرق أوسطية خلال العقود المقبلة.

ويعتقد أصحاب هذا الطرح أن العالم يتجه نحو إعادة تشكيل النظام الدولي، بحيث تصبح منطقة تمتد من المغرب إلى إيران، ومن السودان إلى أرمينيا، فضاءً مترابطاً اقتصادياً وسياسياً، يقوم على تكتلات أو صيغ كونفدرالية تتجاوز الحدود التقليدية للدول القومية. وفي المقابل، يتوقع هؤلاء أن تشهد أوروبا موجات اضطراب وصراعات داخلية حادة، مدفوعة بتصاعد تيارات الإسلام السياسي داخل المجتمعات الأوروبية، ما قد يجعل القارة ساحة لصراعات كبرى في المستقبل.

كما يطرح أنصار هذا التصور أن المشروع الإبراهيمي يقدم نفسه باعتباره إطاراً سياسياً لا يهدف إلى تغيير العقائد الدينية أو إنشاء «دين جديد»، بل يسعى إلى إنهاء الصراعات الأيديولوجية والطائفية، وخصوصاً مواجهة الحركات الإسلامية السياسية التي يرونها تهديدًا لاستقرار المنطقة ومستقبلها. وفي هذا السياق، تُطرح بعض الأقليات الدينية والطائفية بوصفها من الجهات التي يمكن أن تجد في هذا المشروع مساحة لحماية هويتها وضمان أمنها السياسي والاجتماعي.

وتبرز الإمارات العربية المتحدة، وفق هذا التصور، باعتبارها الواجهة التنفيذية الأبرز للمشروع على الأرض، كما يرى أصحاب هذه القراءة أن تصوير الحركة الإبراهيمية على أنها مجرد مشروع ديني معادٍ للإسلام أو خاضع بالكامل للمصالح الإسرائيلية، يمثل تبسيطاً للصورة وتوظيفاً أيديولوجياً من قبل خصوم المشروع.

في المقابل، يربط بعض المتابعين بين الحركة الإبراهيمية وبين صراع دولي أوسع على مستقبل الشرق الأوسط، حيث تُطرح رؤى متناقضة حول شكل المنطقة القادم؛ فبينما تسعى قوى إلى بناء نموذج إقليمي قائم على الاستقرار والانفتاح الاقتصادي ومحاربة التطرف، تتهم أطراف أخرى قوى دولية مختلفة بالسعي إلى توظيف تيارات الإسلام السياسي لإعادة تشكيل المنطقة وفق مشاريع نفوذ بديلة.

وتبقى هذه القراءات في إطار التحليلات السياسية والرؤى غير المؤكدة، التي تعكس حجم الجدل المحيط بمفهوم «الإبراهيمية» وتقاطعاته الدينية والسياسية والاستراتيجية.

عن الأخبار اللبنانية

Share This Article