لبنان على خط النار: تصعيد ميداني متواصل وتوتر سياسي يتصاعد بين الداخل والإقليم

المسار  : تشير التطورات الميدانية والسياسية في جنوب لبنان إلى استمرار حالة “الاشتباك المفتوح” بين حزب الله والجيش الإسرائيلي، في ظل غياب أي تثبيت فعلي لوقف إطلاق النار رغم الحديث عن تفاهمات دولية لم تدخل حيّز التنفيذ، ما يعكس فجوة واضحة بين المسار السياسي المعلن والواقع العسكري على الأرض.

ميدانياً، يتركز التصعيد في الشريط الجنوبي حيث كثّف الطيران الإسرائيلي غاراته على بلدات عدة، بينها زبدين والمروانية ودير الزهراني وميفدون، إضافة إلى قصف مدفعي طال مناطق واسعة تمتد من صريفا وتولين إلى وادي الحجير والناقورة. هذا النمط من العمليات يشير إلى سياسة إسرائيلية تعتمد “الضغط الناري المتدرج” بهدف إضعاف البنية الميدانية في العمق الجنوبي وإبقاء مناطق واسعة تحت تهديد دائم، بما يمنع أي استقرار عسكري لحزب الله في خطوط التماس.

في المقابل، يواصل حزب الله تنفيذ عمليات عسكرية متعددة الاتجاهات، شملت استهداف مواقع وتجمعات للجيش الإسرائيلي باستخدام صواريخ وطائرات مسيّرة انقضاضية، إضافة إلى التصدي لطائرات مسيّرة إسرائيلية في الأجواء الجنوبية. هذا السلوك يعكس انتقال الحزب إلى نموذج “الرد المرن المتعدد الوسائط”، الذي يجمع بين الدفاع الجوي المحدود والهجمات الهجومية على مواقع عسكرية في العمق الحدودي، في محاولة للحفاظ على معادلة الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

اللافت في هذا المشهد أن العمليات لا تقتصر على الاشتباك التقليدي عند الحدود، بل تشمل أيضاً حرباً جوية منخفضة الوتيرة عبر الطائرات المسيّرة، ما يعكس تحول الجنوب اللبناني إلى ساحة اختبار مستمرة لقدرات الاستطلاع والهجوم لدى الطرفين، في ظل ارتفاع مستوى الاستنزاف المتبادل دون حسم ميداني واضح.

سياسياً، برز تطور مهم يتمثل في تصعيد الموقف الرسمي اللبناني تجاه إيران، حيث عبّر كل من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام عن رفض واضح لاستخدام لبنان كأداة في الصراعات الإقليمية، أو كمنصة تفاوض بالوكالة. هذا الموقف يعكس محاولة الدولة اللبنانية إعادة تموضعها سياسياً في ظل ضغط مزدوج: من جهة التصعيد العسكري على الحدود، ومن جهة أخرى التداخل الإقليمي في ملف المقاومة والردع.

في المقابل، جاءت تصريحات الحرس الثوري الإيراني لتؤكد استمرار الربط بين الجبهة اللبنانية والتوازنات الإقليمية الأوسع، خصوصاً مع دعوته إلى انسحاب إسرائيل من الجنوب، ما يكرّس عملياً ارتباط الساحة اللبنانية بمعادلات الصراع الإيراني–الإسرائيلي الممتد عبر أكثر من جبهة.

من زاوية استراتيجية، يمكن قراءة الوضع في جنوب لبنان باعتباره نموذجاً لـ”الحرب المقيّدة”، حيث لا تسعى الأطراف إلى حرب شاملة، لكنها في الوقت نفسه ترفع مستوى الاحتكاك إلى حدّ يُبقي الجبهة مفتوحة على احتمالات التصعيد. هذا النمط يؤدي إلى استنزاف تدريجي للبنية العسكرية والاقتصادية في الجنوب، ويزيد من هشاشة الاستقرار الداخلي اللبناني الذي يواجه أساساً أزمات سياسية واقتصادية عميقة.

أما على مستوى موازين الردع، فإن المعطيات الحالية تشير إلى حالة “توازن هش” بين الطرفين: إسرائيل تعتمد التفوق الجوي والتكثيف الناري، بينما يعتمد حزب الله على المرونة الميدانية واستخدام المسيّرات والصواريخ التكتيكية. غير أن استمرار هذا النمط دون أفق سياسي واضح قد يدفع باتجاه توسع رقعة الاشتباك، خصوصاً مع تزايد احتمالات انزلاق الحوادث المحدودة إلى مواجهة أوسع.

في المحصلة، يبدو الجنوب اللبناني اليوم أقرب إلى “جبهة استنزاف مفتوحة” منه إلى ساحة حرب تقليدية، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع الرسائل السياسية والإقليمية، في مشهد معقد تُدار فيه المواجهة على حافة الحرب دون الدخول الكامل فيها، بينما يبقى المدنيون والبنية التحتية الحلقة الأكثر عرضة للضغط والتأثير المباشر.

Share This Article